
17-01-2026, 05:12 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,227
الدولة :
|
|
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة
عدد الأجزاء: ٧
الجزء السادس
من صــ 256الى صــ270
الحلقة (157)
وجاء فيه (ص ١٦١): «وسئل -رحمه الله- عن امرأة حامل تعمّدت إِسقاط الجنين إِمّا بضربٍ، وإِما بشرب دواء؛ فما يجب عليها؟
فأجاب: يجب عليها بسُنّة رسول الله - ﷺ - واتفاق الأئمّة؛ غرّة عبد أو أَمَة، تكون هذه الغرة لورثة الجنين؛ غير أمّه، فإنْ كان له أب كانت الغرة لأبيه، فإنْ أحب أن يسقط عن المرأة فله ذلك، وتكون قيمة الغرة عشر ديَة، أو خمسين دينارًا وعليها أيضًا عند أكثر العلماء عتْق رقبة، فإِن لم تجِدْ؛ صامت شهرين متتابعين، فإِن لم تستطِع؛ أطعمت ستين مسكينًا» (١).
وجاء في «الروضة النديّة» (٢/ ٦٦٨): «وأمّا إِذا خرج الجنين حيًّا، ثم مات مِن الجناية؛ ففيه الدِّيَة أو القَوَد».
قلت: وهذا القَوَد إِذا كان عمدًا.
وقد اختلف العلماء في وجوب القِصاص في القتل بالمثقل.
قال الحافظ في «الفتح»: «عقب الحديث المتقدّم:»واستدل به على عدم وجوب القِصاص في القتل بالمثقل؛ لأنه - ﷺ - لم يأمر فيه بالقَوَد وإِنما أمر بالدية.
وأجاب من قال به بأن عمود الفسطاط يختلف بالكبر والصغر؛ بحيث يقتل بعضه غالبًا ولا يقتل بعضه غالبًا، وطرد المماثلة في القصاص إِنما يشرع فيما إِذا وقعت الجناية بما يقتل غالبًا.
------------------------
(١) وبناء على قوله -رحمه الله- (عشر دية) أقول: إِذا كانت الخمسون دينارًا عشر دية؛ فالدية كاملة خمسمائة دينار من ذهب. وقد سبق أن الدية ألف دينار من ذهب، وفي حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- بلغت على عهد رسول الله - ﷺ - ما بين أربعمائة دينار إِلى ثمانمائة دينار، وذكر بعض الفقهاء أنها نصف عشر الدية والأول أرجح. والله -تعالى- أعلم.
وفي هذا الجواب نظر، فإن الذي يظهر أنه إنما لم يوجب فيه القَوَد؛ لأنها لم يقصد مثلها، وشرط القَوَد العمد، وهذا إنما هو شبه العمد، فلا حُجّة فيه لقتلٍ بالمثقل ولا عكسه» (١).
وجاء في «السيل الجرار» (٤/ ٤١٤): «... وأمّا إذا كانت الآلة مثلها يقتل في العادة، وإن لم يكن من المحدّد؛ فإن القصاص فيها واجب، كما تقدم في رضّ رأس اليهودي الذي رضّ رأس الجارية، وكما أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث حمل بن مالك قال:»كنت بين امرأتين فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فَقَتلتها وجنينها، فقضى النبي - ﷺ - في جنينها بغُرّة، وأن تُقتل بها«(٢).
وقد ذهب إلى وجوب القصاص في مثل هذا الجمهور -وهو الحقّ- وأدلة الكتاب والسنة المثبتة للقصاص تشمله، وليس بيد من قال إنه لا قصاص في القتل بغير المحدّد مطلقًا دليل تقوم به الحجة، ولا حجة فيما ورد من طريق الكذّابين والوضّاعين.
وقد بيّن لنا رسول الله - ﷺ - الخطأ الذي هو شبه العمد بيانًا شافيًا، فلنقتصر عليه، ونردّ ما عداه إلى ما شرعه الله لعباده من القصاص في العمد العدوان».
-----------------------
(١) «الفتح» (١٢/ ٢٥٠).
(٢) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢١٣٦) من حديث عمر بن الخطاب، أنه نشد الناس قضاء النبي - ﷺ - في ذلك -يعني في الجنين- فقام حمل بن مالك بن النابعة فقال: «كنت بين امرأتين لي، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وقتلت جنينها، فقضى رسول الله - ﷺ - في الجنين بغرة عبد، وأن تقتل بها». أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٨٢٥).
فائدة:
إِذا خَرج الجنين حيًّا ثمّ مات؛ ففيه الكفّارة مع الدّيَة لأنه يتبع الأصل العام في حُكم الدِّيات، وتقدّم ما قاله الإِمام النووي -رحمه الله- غير بعيد.
لا ديَة إِلا بعد البُرء:
تقدّم في باب القِصاص أنه لا يجوز أن يقتصّ من الجراحة حتى تندمل جراحة المجني عليه، مع الدليل على ذلك، وكذلك الحال في الدية، فإِنه لا يُعقل حتى يبرأ المجروح ويصحّ.
وجود قتيل بين قومٍ متشاجرين:
إِذا عميَ أمرُ قتيل في قوم؛ كان بينهم رمْيٌ بالحجارة أو السياط، أو ضرْبٌ بالعصيّ، أو نحو ذلك؛ فهو خطأ، وديته دية الخطأ، أمّا مَن قَتَل عمدًا؛ فإِنه يقتصّ منه.
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَنْ قُتِلَ في عمِّيًّا في رمي يكون بينهم بحجارة، أو بالسياط، أو ضربٍ بعصا؛ فهو خطأ وعقْله عقْل الخطأ، ومن قُتِل عمدًا فهو قَوَد، ومن حال دونه (١)، فعليه لعنة الله وغضبه، لا يقبل منه صرف (٢) ولا عدل (٣)» (٤).
----------------------
(١) ومن حال دونه: أي دون القاتل بأن منَع الوليَّ عن القِصاص منه، أو مَنْ حال دون القِصاص: أي منَع المستحقّ عن استيفاء القِصاص. انظر «المرقاة» (٧/ ٣٨).
(٢) الصرف: التوبة، وقيل النافلة «النهاية».
(٣) العدل: الفدية وقيل الفريضة. «النهاية».
(٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٨٠٤) وابن ماجه "صحيح سنن =
هل يضمن راكب الدابّة؟
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله - ﷺ - قال: «العَجْماء (١) جرحُها جُبار (٢)، والمعدِنُ جُبار، وفي الركاز الخمس» (٣).
بيّن النبي - ﷺ - أن العجماء جرحها جُبار، أي: ما أتلفته بجرح أو غيره هدر، لا يضمنه صاحبها ما لم يفرط، لأنّ الضمان لا يكون إِلا بمباشرة أو سبب، وهو لم يَجْن ولم يتسبب، وفِعْلها غير منسوب إِليه، نعم إِنْ كان معها ضمن ما أتلفته ليلًا ونهارًا عند الشافعي«(٤).
قال الإِمام النووي -رحمه الله- (١١/ ٢٢٥) -بحذف-:»فأمّا قوله - ﷺ -: العجماء جرْحها جُبار؛ فمحمول على ما إِذا أتلفَت شيئًا بالنهار، أو أتلفت بالليل بغير تفريطٍ من مالكها، أو أتلفت شيئًا وليس معها أحد، فهذا غير مضمون وهو مراد الحديث.
فأمّا إِذا كان معها سائق أو قائد أو راكب فأتلفَت بيدها أو برجلها أو فمها ونحوه؛ وجَب ضمانه في مال الذي هو معها، سواءٌ كان مالكًا أو مستأجرًا أو
-----------------------
= ابن ماجه«(٢١٣١) والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٤٤٥٦)، وانظر»المشكاة«(٣٤٧٨) وتقدّم.
(١) العجماء: -بالمدّ- هي كل الحيوان سوى الآدميّ، وسمّيت البهيمة عجماء؛ لأنّها لا تتكلّم.
(٢) جُبار: أي هدْر.
(٣) أخرجه البخاري (٦٩١٢)، ومسلم (١٧١٠).
(٤) انظر»فيض القدير" (٤/ ٣٧٦).
مستعيرًا أو غاصبًا أو مودِعًا أو وكيلًا أو غيره، إِلا أن تتلف آدميًا فتجب ديته على عاقلة الذي معها والكفّارة في ماله، والمراد بجرح العجماء إِتلافها سواء كان بجرح أو غيره.
قال القاضي: أجمع العلماء على أنْ جناية البهائم بالنهار لا ضمان فيها إِذا لم يكن معها أحد، فإِن كان معها راكب أو سائق أو قائد فجمهور العلماء على ضمان ما أتلفته ... وجمهورهم على أن الضارية من الدواب كغيرها على ما ذكَرناه، وقال مالك وأصحابه: يضمن مالكها ما أتلفت، وكذا قال أصحاب الشافعي: يضمن إِذا كانت معروفةً بالإِفساد، لأن عليه ربطها والحالة هذه ...».
وقال الإِمام البخاري -رحمه الله- في كتاب «الديات: باب - ٢٩»:
«قال ابن سِيرين: كانوا لا يُضمِّنونَ مِن النَّفْحَةِ (١) ويضمّنون مِن ردِّ العِنان (٢).
وقال حمّادٌ: لا تُضمَنُ النَّفْحة إِلا أن يَنْخُسَ إِنسان الدَّابة (٣).
وقال شريح: لا يُضمنُ ما عاقَبَت أن يَضْرِبها فَتَضرِبَ بِرِجْلها (٤).
-------------------
(١) أي: الضربة بالرِّجل. يقال: نفحَت الدابة إِذا ضَرَبَت بِرجلها.»الفتح«.
(٢) العِنان: هو ما يوضع في فم الدابة ليصرّفها الراكب كما يختار، والمعنى: إِنّ الدابة إِذا كانت مركوبه فَفَلتَ الراكب عِنانها، فأصابت بِرجلها شيئًا؛ ضَمنه الراكب، وإذا ضَرَبت برجلها من غير أن يكون له في ذلك تسبُّب لم يضمن.»الفتح".
(٣) وصل بعضه ابن أبي شيبة من طريق شعبة: سألْتُ الحكم عن رجل واقف على دابته فضَربَت برجلها؟ فقال: يضمن، وقال حمّاد: لا يضمن.
(٤) وصله ابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور.
وقال الحكم وحمّاد: إِذا ساق المُكَاري حِمارًا عليه امرأة فتَخِرُّ، لا شيء عليه.
وقال الشعبي: إِذا ساق دابَّة فأتعبَها، فهو ضامِنُ لِمَا أصابَتْ، وإِنْ كان خلفها مُترسِّلا؛ لم يَضمَن (١)».
وجاء في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٤٩): «وسئل -رحمه الله تعالى- عن رجل راكب فرس، مرّ به دباب ومعه دبّ، فجفَل الفرس ورمى راكبه، ثمّ هرب ورمى رجلًا فمات؟
فأجاب: لا ضمان على صاحب الفرس والحالة هذه؛ لكنّ الدباب عليه العقوبة. والله أعلم».
وممّا تقدّم يظهر لنا أن جرح الدابة هدر ولا ضمان على صاحبها، إلاَّ إِنْ كان هناك تفريط أو تسبُّبٌ مِن صاحبها، وفيما مضى من التفصيل كفاية. والله -تعالى- أعلم.
وما تقدّم مِن قول؛ فغالبه يمضي على المراكب المعاصرة؛ كالسيارات ونحوها، فإِنْ كان السائق أو صاحب السيّارة مُفرِّطًا أو متسبّبًا؛ لزِمه الضمان، كأن يسير في إِطارات مهترئة، أو أن يقف في مكان مُرتفع ويستهتر فيجعلها عُرضة للسقوط أو الانتقال، لعدم رفعه الكابح اليدوي ...
----------------
(١) وصله سعيد بن منصور وابن أبي شيبة. وانظر «الفتح» و«مختصر البخاري» (٤/ ٢٣٢) للتخريجات السابقة.
ماذا إِذا صدم راكب السيارة أو الدابة سيارةً أو دابةً واقفة؟
جاء في»المغني«(١٠/ ٣٦٠):»وإنْ كان أحدهما (١) يسير والآخر واقِفًا؛ فعلى السائر قيمة دابّة الواقف«.
نصّ أحمد على هذا لأنّ السائر هو الصادم المتلف، فكان الضمان عليه، وإِنْ مات هو أو دابته فهو هدْر، لأنه أتلف نفسَه ودابّته، وإن انحرفَ الواقف فصادفت الصدمة انحرافه، فهما كالسّائرين لأنّ التلف حصل مِنْ فِعْلهما».
ماذا إِذا كان الواقف متعدّيًا؟
وجاء في «المغني» (١٠/ ٣٦٠) أيضًا: «وإِنْ كان الواقف متعديًا بوقوفه مثل أن يقف في طريق ضَيق فالضمان عليه دونَ السائر؛ لأنّ التلف حَصَل بتعدِّيه، فكان الضمان عليه؛ كما لو وضع حجرًا في الطريق، أو جلس في طريقٍ ضيق؛ فعثُر به إِنسان».
حُكم قتْل الدابَّة والجناية عليها:
وأمّا الدابة إِذا قَتلَها قاتل ففيها قيمتها، وإِذا جنى عليها كان الأرشُ مقدارَ نقْصِ قيمتها بالجناية.
وهذا وإنْ لم يقم عليه دليل بخصوصه؛ فهو معلوم من الأدلة الكلية، لأنّ العبد وسائر الدواب مِن جملة ما يملكه الناس، فمَن أتلفه كان الواجب عليه قيمته، ومَن جنى عليه جناية تنقصه؛ كان الواجب عليه أرش النقص. كما لو جُني على عينٍ مملوكة من غير الحيوانات؛ وكان الأولى أن يكون المملوك كسائر
---------------------
(١) أي أحد الفارِسَين.
الدواب؛ يجب في الجناية عليه نقْص القيمة» (١).
ما أفسدت البهائم بالليل من الزرع فهو مضمون على أهلها وما أفسدت من ذلك نهارًا لم يضمنوه:
يعني إِذا لم تكن يدُ أحدٍ عليها؛ فإِن كان صاحبها معها أو غيره؛ فعلى مَنْ يده عليها ضمان ما أتلفته مِن نفس أو مال ... وإِنْ لم تكن يدُ أحدٍ عليها، فعلى مالكها ضمانُ ما أفسدته من الزرع ليلًا دون النّهار، وهذا قولُ مالك والشافعي وأكثر فقهاء الحجاز (٢).
ودليل ذلك: «أن ناقةً للبراء بن عازب -رضي الله عنه- دخَلت حائط رجل، فأفسدت فيه، فقضى رسول الله - ﷺ - أنّ على أهل الحوائطِ حفظَها في النّهار، وأنّ ما أفسدت المواشي بالليل ضامنٌ على أهلها (٣)».
قال في «المغني» (١٠/ ٣٥٧): «قال بعض أصحابنا: إِنما يضمَن مالكُها ما أتلفته ليلًا، إِذا كان التفريط منه بإِرسالها ليلًا، أو إِرسالها نهارًا ولم يضمّها ليلًا، أو ضَمّها بحيث يمكنها الخروج، أما إِذا ضَمَّها فأخرَجها غيره بغير إِذنه، أو فتَح عليها بابها؛ فالضمان على مُخرِجها أو فاتحِ بابها لأنه المتِلف».
----------------------
(١) انظر «الروضة الندية» (٢/ ٦٦٢).
(٢) انظر «الغني» (١٠/ ٣٥٦).
(٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٠٤٨) وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٨٨٨)، وانظر «الصحيحة» (٢٣٨).
ضمان صاحب الكلب العقور ونحوِه:
ومن اقتنى كلبًا عقورًا؛ فأطلقه، فعقَر إِنسانًا أو دابَّة، ليلًا أو نهارًا، أو خرق ثوب إِنسان؛ فعلى صاحبه ضمانُ ما أتلفه لأنه مُفرط باقتنائه؛ إِلا أن يدخل إِنسانٌ داره بغير إِذنه، فلا ضمان فيه؛ لأنه مُتعدٍ بالدخول متسبِّبٌ بعدوانه إِلى عَقْر الكلب له، وإنْ دخَل بإِذن المالك فعليه ضمانهُ، لأنه تسبب إِلى إِتلافه.
وإِنْ أتلفَ الكلبُ بغير العقر؛ مِثْل أن ولَغ في إِناء إِنسان أو بال؛ لم يضمنهُ مقتنيه، لأنّ هذا لا يختص به الكلب العَقور.
قال القاضي: وإِن اقتنى سنورًا يأكل أفراخ الناس ضَمِن ما أتلفه كما يضمن ما أتلفه الكلب العقور، ولا فرق بين الليل والنهار (١).
ضمان صاحب الطيور:
وإِن اقتنى حمامًا أو غيره من الطير؛ فأرسله نهارًا فلقط حبًا؛ لم يضمنه؛ لأنه كالبهيمة، والعادة إِرساله (٢).
وإِن كان له طيرٌ جارح -كالصقر والبازي- فأفسد طيور الناس وحيواناتهم؛ ضمن (٣).
لا ضمان في قتْل الحيوان الضارّ:
ويشرع قتل الحيوان الذي ورد النَصُّ بقتْله.
----------------------
(١) انظر «المغني» (١٠/ ٣٥٨).
(٢) انظر المصدر السابق.
(٣) انظر «فقه السنة» (٣/ ٣٥٥).
عن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله - ﷺ - قال: «خمسٌ من الدواب كلهنّ فاسقٌ؛ يُقتلن في الحرم: الغراب (١) والحِدَأة (٢)، والعقرب والفأرة والكلب العَقور» (٣).
وفي لفظ: «خمسٌ فواسقُ يُقتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَم: الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العَقور والحُدَيّا» (٤).
وفي رواية: «العقرب» بدل الحيّة (٥).
وقد ورد النهي عن قتل أربع من الدواب، كما في حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-: «أن النبي - ﷺ - نهى عن قتل أربع من الدواب النملة والنحلة والهدهد والصُّرَد (٦)» (٧).
-----------------------
(١) وفي رواية عند مسلم (١١٩٨) والغراب الأبقع. قال ابن قُدامة -رحمه الله- «يلتحق بالأبقع ما شاركه في الإيذاء وتحريم الأكل»، وانظر للمزيد من الفائدة في مسألة الغراب الأبقع. ما جاء في «الفتح» تحت الحديث (١٨٣١).
(٢) الحِدَأة: طائر من الجوارح؛ ينقضّ على الجُرذان والدواجن والأطعمة ونحوها.
(٣) أخرجه البخاري (١٨٢٩)، ومسلم (١١٩٨).
(٤) أخرجه مسلم (١١٩٨).
(٥) أخرجه البخاري (١٨٢٩) ومسلم (١١٩٩).
(٦) الصُّرد: طائرٌ ضخْم الرأس والمنقار، له ريش عظيم، نصفه أبيض، ونصفه أسود. «النهاية».
(٧) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٤٣٨٧) وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٦٠٩)، وانظر «الإِرواء» (٢٤٩٠).
قال النووي:»فالمنصوص عليه الستّ«أي: الحية والغراب والفأرة والكلب العَقور والحِدَأة والعقرب.
وعن أم شريك أن النبي - ﷺ -»أمَرَها بقتل الأوزاغ«(١).
ولا ضمان في قَتْلها، ولا في غيرها من السباع والحشرات الضارّة.
قال النووي -رحمه الله-:»واتفق جماهير العلماء على جواز قتْلهنّ في الحِلّ والإِحرام، واتفقوا على أنه يجوز للمحرم أن يقتُل ما في معناهنّ، ثمّ اختلفوا في المعنى فيهنّ وما يكون في معناهنّ، فقال الشافعي -رحمه الله-: «المعنى جواز قتلهنّ؛ كونهنّ ممّا لا يُؤكل، وكل ما لا يُؤكَل ولا هو متولد من مأكول وغيره؛ فقتْله جائز للمحرم، ولا فدية عليه».
وقال مالك: «المعنى فيهن: كونهنّ مؤذيات، فكلّ مؤذٍ يجوز للمحرم قتله، وما لا فلا».
قلت: وقول الإِمام مالك -رحمه الله- أصحّ لاشتراط علّة الإِيذاء. والله -تعالى- أعلم.
وفي الكلب العقور قال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (٤/ ٣٩): "واختلف العلماء في المراد به هنا، وهل لوصفه بكونه عقورًا مفهوم أو لا؟ فررى سعيد بن منصور بإِسناد حسن عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: الكلب العقور الأسد.
وعن سفيان عن زيد بن أسلم أنهم سألوه عن الكلب العقور فقال: وأيّ
-------------------
(١) أخرجه البخاري (٣٣٠٧)، ومسلم (٢٢٣٧).
كلب أعقر من الحية؟ وقال زفر: المراد بالكلب العقور هنا الذئب خاصة.
وقال مالك في «الموطأ»: كل ما عقر الناس وعدا عليهم وأخافهم مثل الأسد والنمر والفهد والذئب هو العقور. وكذا نقل أبو عبيد عن سفيان، وهو قول الجمهور.
وقال أبو حنيفة: «المراد بالكلب هنا الكلب خاصة، ولا يلتحق به في هذا الحكم سوى الذئب» ......
واحتج بقوله -تعالى-: ﴿وما عَلَّمتم من الجوارح مُكَلِّبين﴾، فاشتقها من اسم الكلب، فلهذا قيل لكل جارح: عَقور.
واحتج الطحاوي للحنفية، بأن العلماء اتفقوا على تحريم قتل البازي والصقر -وهما من سباع الطير- فدلّ ذلك على اختصاص التحريم بالغراب والحِدَأة«.
إِذا كانت الجناية من الظالم المعتدي فلا ضمان فيها:
إِذا كانت الجناية مِن ظالمٍ معتدٍ، فجنايته هدْرٌ، وليس له المطالبة بالقِصاص أو الدية، ومن صُور ذلك:
١ - سقوط أسنان العاضّ:
عن عمران بن حصين»أن رجلًا عضّ يد رجل فنزع يده من فمه، فوقعت ثنيّتاه، فاختصموا إِلى النبي - ﷺ - فقال: «يَعَضُّ أحدكم أخاه كما يعَضُّ الفحل، لا ديَة لك» (١).
--------------------
(١) أخرجه البخاري (٦٨٩٢)، ومسلم (١٦٧٣) وتقدّم.
وبوّب لذلك الإِمام النووي -رحمه الله- في «صحيح مسلم» فقال: «الصائل على نفس الإِنسان أو عضوه إِذا دفعه المصول عليه، فأتلف نفسه أو عضوه؛ لا ضمان عليه» (١).
٢ - النظر في بيت غيره من غير إِذنه، فإِذا اطّلع رجُلٌ في بيت إِنسانٍ مِنْ ثُقب أو شقّ بابٍ أو نحوه؛ فرماه صاحب البيت بحصاة، أو طعَنَه بعود أو نحوه فقلَع عينه؛ لم يضمنها (٢).
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال أبو القاسم - ﷺ -: «لو أنّ امرءًا اطلع عليك بغير إِذن، فحَذفته بحصاةٍ، ففقأت عينه؛ لم يكن عليك جُناح» (٣).
وفي رواية: «من اطّلع في بيت قوم بغير إِذنهم؛ ففقأُوا عينه، فلا دية له، ولا قِصاص» (٤).
وعن سهل بن سعد أن رجلًا اطّلع في جُحرٍ في باب رسول الله - ﷺ -، ومع رسول الله - ﷺ - مِدرَى (٥) يحكُّ به رأسه -فلما رآه رسول الله - ﷺ - قال: «لو
-------------------
(١) انظر»صحيح مسلم«»كتاب القسامة«(باب - ١٤).
(٢) انظر -إِن شئت- المزيد ما جاء في»المغني«(١٠/ ٣٥٥).
(٣) أخرجه البخاري (٦٩٠٢)، ومسلم (٢١٥٨).
(٤) أخرجه النسائي»صحيح سنن النسائي«(٤٥١٦) وصحح شيخنا -رحمه الله- إِسناده في»الإِرواء«(٢٢٢٧).
(٥) المِدرى: شيءٌ يُعمل من حديد أو خشب، على شكل سنّ من أسنان المُشط وأطول منه، يسرّح به الشَّعر المتلبّد، ويستعمله مَن لا مُشط له.»النهاية".
أعلم أنك تنظرني لطعنْتُ به في عينيك، وقال رسول الله - ﷺ -: إِنما جُعل الإِذن من قِبَل البصر» (١).
فمن مجموع هذه النّصوص؛ يتضح لنا أنه لا جُناح على المرء في طعْن العين وفقْئها؛ عند الاطلاع غير المشروع، وكذلك لا دِيَة له ولا قِصاص.
*فأمّا إِنْ تَرك الإِطلاع ومضى؛ لم يَجُز رمْيه، لأنّ النبيّ - ﷺ - لم يطعن الذي اطلع ثم انصرف (٢)، ولأنه ترَك الجناية، فأشبه من عضّ ثمّ ترَك العَضّ، فلم يجز قلْع أسنانه.
وليس لصاحب الدار رمْي الناظر بما يقتله ابتداءً، فإِنْ رماه بحجر فقتَلَه، أو حديدة ثقيلة؛ ضَمنه بالقِصاص، لأنه إِنما له ما يَقْلع به العين المبصرة التي حصَل الأذى منها دون ما يتعدّى إِلى غيرها* (٣).
٣ - القتْل دفاعًا عن النّفس أو المال أو العرض:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «جاءَ رجُلٌ إِلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله أرأيتَ إِنْ جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال فلا تعطِه مالك قال: أرأيت إِنْ قاتلني؟ قال: قاتِلْه قال: أرأيتَ إِنْ قتَلني؟ قال: فأنت شهيد قال: أرأيت إِنْ قتلتُه؟ قال: هو في النار» (٤).
-------------------
(١) أخرجه البخاري (٦٩٠١)، ومسلم (٢١٥٦).
(٢) في رواية: «فانقمع الأعرابي فذَهَب» «صحيح الأدب المفرد» برقم (٨١٥) وفي رواية أُخرى «فسدّده [أي: السهم] نحو عينيه حتى انصرف»، انظر «الصحيحة» (٦١٢).
(٣) ما بين نجمتين من كتاب «المغني» (١٠/ ٣٥٦).
(٤) أخرجه مسلم (١٤٠).
ولا يبدأ المرء بالقتل؛ فإِنه لا يجوز، وعليه أن يبذُل الأسباب في منْعَه وطرْده، فإِنْ أبى ضربه بأسهل ما يُخرجه به، فإِنْ رجّح أنه يخرج بضَرْب عصا؛ لم يجُز أن يضربه بحديد؛ لأنّ الحديد آلةٌ للقتل بخلاف العصا، وإِنْ ذَهب مُولِّيًا؛ لم يكن له قَتْله ولا اتباعه، وإِنْ ضربَه ضربةً عطَّلته؛ لم يكن له أن يُثنّي عليه؛ لأنه كُفي شرّه (١).
ادعاء القتل دفاعًا:
إِذا قتلَ رجلٌ رجلًا، وقال: إِنه قد هجَم منزلي؛ فلم يمكنني دفعه إِلا بالقتل، لم يُقبَل قوله إِلا ببيّنة، وعليه القَوَد، سواء كان المقتول يُعرفُ بسرقة أو عيارة، أو لا يعرف بذلك.
فإِنْ شهدت البينة أنهم رأوا هذا مُقبِلًا إِلى هذا بالسلاح المشهور، فضَرَبه هذا، فقد هُدر دمه، وإِن شهدوا أنهم رأوه داخلًا داره، ولم يذكروا سِلاحًا، لم يسقط القوَدَ بذلك، لأنه قد يدخل لحاجة، ومجرد الدخول المشهود به لا يوجب إِهدار دمه (٢).
هل يضمن ما أتلفته النار؟
*مَن أوقدَ نارًا في داره كالمعتاد، فهبّت الريح، فأطارت شرارةً؛ أحرقَتْ نفسًا أو مالًا؛ فلا ضمان عليه.
----------------------
(١) انظر «المغني» (١٠/ ٣٥١).
(٢) المصدر السابق (١٠/ ٣٥٤) -بحذف وتصرف يسيرين-.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|