
17-01-2026, 05:24 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,246
الدولة :
|
|
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة
عدد الأجزاء: ٧
الجزء السادس
من صــ 191الى صــ205
الحلقة (153)
القِصاص في الجروح ثلاثة أشياء:
أحدها: أن يكون عمدًا محضًا، فأمّا الخطأ فلا قِصاص فيه إِجماعًا، ولأن الخطأ لا يوجب القِصاص في النفس -وهي الأصل- ففيما دونها أولى.
ولا يجب بعمد الخطأ، وهو أن يقصد ضَرْبه بما لا يفضي إِلى ذلك غالبًا، مثل أن يضربه بحصاة لا يوضح مثلها فتوضحه فلا يجب به القِصاص؛ لأنه شبه العمد، ولا يجب القِصاص إِلا بالعمد المحض، وقال أبو بكر: يجب به القِصاص ولا يراعى فيه ذلك لعموم الآية.
الثاني: التكافؤ بين الجارح والمجروح وهو أن يكون الجاني يقاد من المجني عليه لو قتَلَه ... فأما من لا يُقتَل بقتله فلا يُقتَص منه فيما دون النفس له كالمسلم مع الكافر ... والأب مع ابنه؛ لأنه لا تُؤخَذُ نفسه بنفسه فلا يؤخذ طرفه بطرفه، ولا يجرح بجرحه.
الثالث: إِمكات الاستيفاء من غير حيف ولا زيادة؛ لأن الله -تعالى- قال: ﴿وإِنْ عاقبتُم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ وقال: ﴿فمن اعتدى عَلَيْكم فاعْتَدوا عَلَيه بمثْل مَا اعْتَدى عَلَيْكُم﴾ ولأنّ دم الجاني معصوم إِلا في قدر جنايته، فما زاد عليها يبقى على العصمة فيحرم استيفاؤه بعد الجناية؛ كتحريمه قبلها ومن ضرورة المنع من الزيادة المنع مع القِصاص؛ لأنها مِن لوازمه، فلا يمكن المنع منها إِلا بالمنع منه، وهذا لا خلاف فيه نعلمه.
وممن منَع القِصاص فيما دون الموضحة (١)؛ الحسن والشافعي وأبو عبيد وأصحابُ الرأي.
------------------------
(١) وهي التي تُبدي وَضح العظم، أي بياضَه. «النهاية».
ومنَعه في العظام عمر بن عبد العزيز وعطاء والنخعي والزهري والحكم وابن شبرمة والثوري والشافعي وأصحاب الرأي.
وإِذا ثبت هذا؛ فإِن الجرح الذي يمكن استيفاؤه من غير زيادة؛ هو كل جرح ينتهي إِلى عظم؛ كالموضحة في الرأس والوجه.
ولا نعلم في جواز القِصاص في الموضحة -وهي كل جرح ينتهي إِلى العظم في الرأس والوجه- وذلك لأن الله -تعالى- نصَّ على القصاص في الجروح فلو لم يجب هاهنا لسقط حُكم الآية.
وفي معنى الموضحة؛ كل جرح ينتهي إِلى عظم فيما سوى الرأس والوجه؛ كالساعد والعضد والساق والفخذ في قول أكثر أهل العلم، وهو منصوص الشافعي. وقال بعض أصحابه: لا قِصاص فيها ....».
قلت: يجب العمل بمقتضى عموم الآية ﴿والجُرُوحَ قِصاص﴾ في أي مكان من الجسم، إِذا أَمكن عدم الحيف أو الزيادة.
وجاء في «الروضة النديّة» (٢/ ٦٤٧): «وأمّا تقييد ذلك بالإِمكان، فلكون بعض الجروح قد يتعذر الاقتصاص فيها؛ كعدم إمكان الاقتصار على مِثل ما في المجنيّ عليه.
وخطاب الشرع محمول على الإِمكان، مِن دون مجاوزة للمقدار الكائن في المجنيّ عليه، فإِذا كان لا يمكن إِلا بمجاوزةٍ للمقدار، أو بمخاطرة وإضرار؛ فالأدلة الدّالة على تحريم دم المسلم، وتحريم الإِضرار به -بما هو خارج عن القِصاص- مُخصِّصة لدليل الاقتصاص.
قلت: [-أي: صاحب»الروضة النديّة"-] إن كلّ طَرَف له مَفْصِل
معلوم، فَقَطَعه ظالم من مَفْصِله من إِنسان اقتُص منه؛ كالإِصبع يقطعها من أصلها، أو اليد يقطعها من الكوع، أو من المرفق، أو الرِّجل يقطعها من المفصل؛ يُقتصّ منه.
وكذلك لو قلَع سِنّه، أو قطَع أنفه، أو أذنه، أو فَقأ عينه، أوجَبّ ذكَرَه، أو قطع أُنثيَيه؛ يُقتَصّ منه، وكذلك لو شَجَّه موضِحةً في رأسه أو وجهه؛ يُقتصّ منه.
ولو جرح رأسه دون المُوضِحة، أو جرح موضعًا آخر من بدنه، أو هشم العظم؛ فلا قَوَد فيه؛ لأنه لا يمكن مراعاة المماثلة فيه.
وكذلك لو قَطَع يَده من نِصف الساعد؛ فليس له أن يقطع يده من ذلك الموضع، وله أنْ يقتصّ من الكوع، ويأخذ حكومةً (١) لنصف الساعد، وعلى هذا أكثر أهل العِلم في الجملة، وفي التفاصيل لهم اختلاف».
وجاء في كتاب «الإِجماع» لابن المنذر (ص ١٧٢): «وأجمعوا على أن الموضحة فيها القِصاص إِذا كانت عمدًا».
وعن العباس بن عبد المطلب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا قَودَ في المأمومةِ ولا الجائِفة ولا المنقّلة» (٢).
المأمومة: الشَّجَّة التي بلغت أمّ الرأس؛ وهي الجلدة التي تجمع الدماغ.
--------------------------
(١) ما يحكُم فيه الحاكم من الجراحات التي ليس فيها دِيَةٌ مقدّرة، وسيأتي التفصيل إن شاء الله -تعالى-.
(٢) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢١٣٢) وأبو يعلى، وانظر «الصحيحة» (٥/ ٢٢٢).
الجائفة: الطعنة التي تَصل إِلى الجوف، والمراد بالجوف هنا كل ما له قوة محيلة كالبطن والدماغ.
المنقِّلة: هي التي تخرُج منها صغار العظام وتنتقل عن أماكنها. وقيل: التي تُنقِّل العظم، أي: تَكْسِره. كذا في «النهاية».
قال أبو الحسن السندي: «وإنما انتفى القِصاص لعسر ضبطه» (١).
أقول: في قوله -تعالى-: ﴿فمن تصدَّق به فهو كفّارة له﴾ بيان أجر من يتنازل عن القِصاص.
وعن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال سمعتُ النبي - ﷺ - يقول: «ما من رجلٍ يُجرح في جسده جراحة، فيتصدق بها؛ إِلا كَفّر الله عنه مِثل ما تصدّق به» (٢).
قال في «فيض القدير»: «يعني إِذا جنى إِنسان على آخر فقلع سِنّه أو قطع يده مثلًا، فعفا المستحقّ عن الجاني لوجه الله؛ نال هذا الثواب».
القِصاص في اللطمة والضربة واللكز والسبِّ:
مذهب الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة والتابعين أنّ القِصاص ثابت في ذلك كلّه؛ وشرطُ ذلك أن يكون اللطمُ والضرب أو السبّ المراد إِيقاعه بالجاني؛ مساويًا لِلَطْم وضرب وسبِّ المقتصّ، أو قريبًا من ذلك، دون تعمُّد الزيادة.
-------------------------
(١) انظر «شرح سنن ابن ماجه» (٢/ ١٤١) للسندي -رحمه الله تعالى- و«الصحيحة» (٥/ ٢٢٣) لمعرفة غريب الحديث -إِن شئت-.
(٢) أخرجه أحمد بإِسناد صحيح، وانظر «الصحيحة» (٢٢٧٣).
وجاء في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٦٢): "وسئل -رحمه الله- عن الرجل يلطِم الرجل أو يكلمه، أو يسبّه؛ هل يجوز أن يُفعَل به كما فعَل؟
فأجاب: وأمّا القِصاص في اللطمة والضربة ونحو ذلك؛ فمذهب الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة والتابعين؛ أنّ القِصاص ثابت في ذلك كلّه، وهو المنصوص عن أحمد في رواية إِسماعيل بن سعيد الشالنجي، وذهب كثير من الفقهاء؛ إِلى أنه لا يشرع في ذلك قِصاص؛ لأنّ المساواة فيه متعذرة في الغالب.
وهذا قول كثير من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد؛ والأول أصحّ؛ فإِن سُنّة النبي - ﷺ - مضَت بالقِصاص في ذلك وكذلك سُنّة الخلفاء الراشدين، وقد قال -تعالى-: ﴿وجزاءُ سيئةٍ سيئة مِثلها﴾ (١).
وقال -تعالى-: ﴿فمن اعتدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيه بمثْل ما اعْتَدى عَلَيْكُم﴾ (٢) ونحو ذلك.
وأمّا قول القائل: إِنّ المماثلة في هذه الجناية متعذرة. فيقال: لا بدّ لهذه الجناية من عقوبة: إِمّا قِصاص، وإِمّا تعزير، فإِذا جوّز أن يُعزر تعزيرًا غير مضبوط الجنس والقدر؛ فلأن يعاقب إِلى ما هو أقرب إِلى الضبط من ذلك أولى وأحرى. والعدل في القِصاص مُعتَبر بحسب الإِمكان.
ومن المعلوم أن الضارب إِذا ضرب ضربة مثل ضربته أو قريبًا منها كان هذا أقرب إِلى العدل من أن يُعزَّر بالضرب بالسوط؛ فالذي يمنَع القِصاص في ذلك
------------------------
(١) الشورى: ٤٠.
(٢) البقرة: ١٩٤.
خوفًا من الظلم يبيح ما هو أعظم ظلمًا مما فرّ منه. فعُلم أنما جاءت به السُّنة أعدل وأمثل.
وكذلك له أن يسبّه كما يسبّه: مثل أن يلعنه كما يلعنه. أو يقول: قبّحك الله. فيقول: قبّحك الله. أو أخزاك الله فيقول: أخزاك الله. أو يقول: يا كلب! يا خنزير! فيقول: يا كلب! يا خنزير!
فأمّا إِذا كان مُحرّم الجنس مثل تكفيره أو الكذب عليه، لم يكن له أن يُكفّره ولا يكذب عليه. وإِذا لعَن أباه لم يكن له أن يلعن أباه؛ لأنّ أباه لم يظلمه». انتهى.
قال الإمام البخاري -رحمه الله-: «وأقاد أبو بكر وابن الزبير وعليّ وسُوَيد ابن مقرِّن مِنْ لطمة. وأقاد عمر من ضربةٍ بالدِّرة، وأقاد عليّ من ثلاثة أسواط واقتص شرَيحٌ من سوطٍ وخموش» (١).
قال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (١٢/ ٢٢٧): قوله -أي الإِمام البخاري «وأقاد أبو بكر وابن الزبير وعليّ وسُوَيد بن مقرِّن مِنْ لطمة. وأقاد عمر من ضربة بالدِّرة، وأقاد عليّ من ثلاثة أسواط واقتص شرَيحٌ من سوطٍ وخموش».
أمّا أثر أبي بكر -وهو الصِّدّيق-: فوصَله ابن أبي شيبة من طريق يحيى بن الحصين سمعت طارق بن شهاب يقول «لطم أبو بكر يومًا رجلًا لطمة، فقيل
--------------------------
(١) رواه البخاري معلقًا مجزومًا به (كتاب الديات باب ٢١ - إذا أصاب قومٌ من رجل ...). وانظر -إن شئت-»مختصر البخاري" (٤/ ٢٢٦) لوصل التعليق، والحكم على إسناده.
ما رأينا كاليوم قط هنعة (١) ولطمة، فقال أبو بكر: إِن هذا أتاني ليستحملَني فحملتهُ فإِذا هو يتبعهم، فحلفت أن لا أحمله ثلاث مرات، ثمّ قال له: اقتصّ، فعفا الرجل».
وأمّا أثر ابن الزبير فوَصلَه ابن أبي شيبة ومسدد جميعًا عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار «أن ابن الزبير أقاد من لطمة».
وأمّا أثر علي الأول؛ فأخرجه ابن أبي شيبة من طريق ناجية أبي الحسن عن أبيه «أن عليًا أتى في رجلٍ لطَم رجلًا، فقال للملطوم: اقتصّ».
وأما أثر سويد بن مُقرِّن فوصَلَه ابن أبي شيبة من طريق الشعبي عنه.
وأمّا أثر عمر فأخرجه في «الموطأ» عن عاصم بن عبيد الله عن عمر منقطعًا (٢)، ووصله عبد الرزاق عن مالك عن عاصم عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: «كنت مع عمر بطريق مكة فبال تحت شجرة، فناداه رجل فضربه بالدِّرَّة فقال:»عجلت عليّ، فأعطاه المِخْفقة (٣) وقال: اقتصّ، فأبى، فقال: لتفعلن، قال: فإِني أغفرها«.
وأمّا أثر علي الثاني فأخرجه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور من طريق فضيل بن عمرو عن عبد الله بن مَعْقِل -بكسر القاف- قال:»كنت عند عليّ
-----------------------------
(١) جاء في «تاج العروس»: الهنَع انحناء في القامَة، وفي «الصحاح» تطامُنٌ في عُنق البعير؛ فلعلّها تعني الذّل. والله أعلم.
(٢) وقال شيخنا -رحمه الله- في «مختصر البخاري» (٤/ ٢٢٦): وصله مالك وعبد الرزاق بسند ضعيف عنه.
(٣) ما يضرَبُ به من سوطٍ ونحوه.
فجاءه رجل فسارَّه فقال: يا قنبر اخرج فاجلد هذا، فجاء المجلود فقال: إنه زاد عليّ ثلاثة أسواط، فقال: صدَق.
قال: خذ السوط فاجلده ثلاثة أسواط ثم قال: يا قنبر إِذا جلدت فلا تتعد الحدود».
وأمّا أثر شُريح فوصَله ابن سعد وسعيد بن منصور من طريق إِبراهيم النخعي قال: «جاء رجل إِلى شريح فقال: اقدني من جلْوازك (١)، فسأله فقال: ازدحموا عليك فضربته سوطًا. فأقاده منه».
ومن طريق ابن سيرين قال: اختصم إِليه -يعني: شريحًا- عبدٌ جَرَح حرًّا فقال: إِنْ شاء اقتص منه.
وأخرج ابن أبي شيبة من طريق إسحاق عن شريح أنه أقاد من لطمة، ومن وجه آخر عن أبي إِسحاق عن شريح أنه أقاد من لطمة وخُموش (٢).
وقال الليث وابن القاسِم: «يقاد من الضرب بالسوط وغيره؛ إِلا اللطمة في العين؛ ففيها العقوبة خشيةً على العين». انتهى.
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي - ﷺ - قال: «المُسْتَبّان ما قالا؛ فعلى البادئ، ما لم يعتَدِ المظلوم» (٣).
(المُسْتَبان ما قالا): جاء في «العون» (١٣/ ٢٣٨): «المُسْتَبان تثنية
--------------------------
(١) أي: شرطيِّك.
(٢) الخُموش -بضم المعجمة- الخدوش وزنه ومعناه، والخماشة: ما ليس له أَرْش معلوم من الجراحة.»الفتح".
(٣) أخرجه مسلم (٢٥٨٧).
مستبّ وهما المتشاتمان اللذان يشتم كلّ منهما الآخر.
(ما قالا) أي: إِثم قولهما من السبّ والشتم.
(فعلى البادئ): أي: على الذي بدأ في السبّ، لأنه السبب لتلك المخاصمة.
قال في»اللمعات«: أما إِثم ما قاله البادئ فظاهر، وأمّا إِثم الآخر فلكونه الذي حمَله على السبّ وظلمه».
(ما لم يعتدِ المظلوم): أي: يتجاوز الحدّ؛ بأن سبّه أكثر وأفحش منه، أمّا إِذا اعتدى كان إِثم ما اعتدى عليه، والباقي على البادي؛ كذا في «اللمعات».
والحاصل إِذا سبَّ كلّ واحد الآخر؛ فإِثم ما قالا على الذي بدأ السبّ، وهذا إِذا لم يتعدّ ويتجاوز الحدّ، والله أعلم.
قال النووي (١٦/ ١٤١) -بحذف وتصرف يسيرين-: "معناه أنّ إِثم السباب الواقع من اثنين مختصٌ بالبادئ منهما كلّه، إلاَّ أن يتجاوز الثاني قدْر الانتصار فيقول للبادئ أكثر مِمّا قال له، وفي هذا جواز الانتصار ولا خلاف في جوازه.
وقد تظاهرت عليه دلائل الكتاب والسنة، قال الله -تعالى-: ﴿ولَمَنِ انتَصَر بعْدَ ظُلْمه فَأولئكَ مَا عليْهم مِن سَبيلٍ﴾ (١) وقال -تعالى-: ﴿والَّذين إذا أصَابهُمُ البَغيُ هُم يَنتَصرون﴾ (٢).
---------------------
(١) الشورى: ٤١.
(٢) الشورى: ٣٩.
ومع هذا فالصبر والعفو أفضل، قال الله تعالى ﴿ولمَن صَبَرَ وغَفَر إِنّ ذلك لمِنْ عَزْمِ الأمُورِ﴾ (١) ولقوله - ﷺ -: «ما زاد الله عبدًا بعفو إِلا عزًّا» (٢).
واعلم أن سِباب المسلم بغير حقّ حرام كما قال رسول الله - ﷺ -: «سِباب المسلم فسوق».
ولا يجوز للمسبوب أن ينتصر إلاَّ بمِثل ما سبّه، ما لم يكن كَذبًا أو قذفًا أو سبًا لأسلافه، فمِن صور المباح أن ينتصر بيا (٣) ظالم، أو جافي، أو نحوه، ذلك لأنّه لا يكاد أحد ينفكّ من هذه الأوصاف.
قالوا: وإِذا انتصَر المسبوب استوفى ظلامته وبرئ الأول من حقّه، وبقي عليه إِثم الابتداء أو الإِثم المستحقّ لله تعالى ...«.
جاء في»إِكمال الإِكمال«(٨/ ٥٤٤):»ما لم يتعدّ: أي يتجاوز، فلأنّه إِنّما أُبيح له أن يَرُدّ مِثل ما قيل له؛ لقوله تعالى: ﴿وإِنْ عاقبتُم فعاقبِوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتُم لهو خيرٌ للصابرين﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿وجزاءُ سيئةٍ سيئةٌ مِثلها﴾ (٥).
والعداء في الردّ بالتكرار مِثل أن يقول البادئ: يا كلب فيردّ عليه مرّتين،
-----------------------
(١) الشورى: ٤٣.
(٢) أخرجه مسلم (٢٥٨٨).
(٣) أي أن يقول: يا ظالم ...
(٤) النحل: ١٢٦.
(٥) الشورى: ٤٠.
وبأن يردّ بأفحش كما لو قيل له: يا كلب فقال له: أنت خنزيز.
وكما لو سبّه البادئ فسبّ الراد آباء البادئ وكان ذلك عداء؛ لأنّه سبّ من لم يجْن عليه، وكانت هذه المذكورات عداءً؛ لأنَّ الانتصار إِنّما هو من باب القِصاص، والقِصاص إِنما يكون بالمِثل للآيتين السابقتين».
والخلاصة: إِنّ إِثم السبّ والشتم الصادر من المسْتبّين المشاتمين على من بَدأَ لأنّه السبب في ذلك، ما لم يعْتد المظلوم ويتجاوز الحدّ؛ بأن يسبّه أكثر وأفحش ففيه جواز السب والشتم بالشرط المذكور، والعفو أفضل.
ويُحمَل قوله - ﷺ -: «المستبّان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان» (١) على الاعتداء في القِصاص.
وتجاوز الحدّ، ومقابلة المعصية بمثلها أو أكثر؛ فقد تقدم أن المعصية لا تقابَل بالمعصية، وهنا قال - ﷺ -: «يتهاتران» أي: يتقاولان ويتقابحان في القول من الهِتر -وهو الباطل والسَّقط من الكلام، وقال - ﷺ - أيضًا: «يتكاذبان» وتقدّم القول بتحريمه. والله -تعالى- أعلم.
وفي الحديث: «لَيُّ الواجد يُحِلّ عرضه وعقوبته (٢)» (٣).
------------------------
(١) انظر «صحيح الأدب المفرد» (٣٣٠).
(٢) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٠٨٦)، وابن ماجه، «صحيح سنن ابن ماجه» (١٩٧٠)، وغيرهما. وانظر «الإرواء» (١٤٣٤) ورواه البخاري معلّقًا «كتاب الاستقراض» (باب لصاحب الحقّ مقال).
(٣) قال ابن المبارك: «يُحِلّ عرضه يغلظ له، وعقوبته يحبس له».
ليّ الواجد: أي مطلق الغنى، والليّ بالفتح المطل، وأصله لوى فأُدغمت الواو في الياء. =
اشتراك الجماعة في القِصاص:
عن مطرّفٌ عن الشعبي في رجلين شهدا على رجلٍ أنّه سرق فقطعه علي -رضي الله عنه- ثم جاءا بآخر وقالا: أخطأنا، فأبطل شهادتهما، وأُخذا بدية الأول.
وقال: «لو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما» (١).
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «لَدَدْنَا (٢) رسول الله - ﷺ - في مرضه، وجعلَ يشيرُ إِلينا لا تَلُدُّوني.
قال: فقلنا كراهية المريض بالدواء فلمّا أفاق قال: ألم أنهكنّ أن تَلُدُّوني، قال: قُلنا كراهيةً للدواء؛ فقال رسول الله - ﷺ -: لا يبقى منكم أحدٌ إِلا لُدَّ وأنا
------------------
= والواجد الغني من الوُجد بالضم بمعنى السعة والقدرة، ويقال وجَد في المال وجدا أي: استغنى.
(يحل): بضم الياء من الإِحلال.
(عرضه): بأن يقول له المدين: أنت ظالم، أنت مماطل، ونحوه مما ليس بقذف ولا فحش.
(وعقوبته): بأن يُعزّره القاضي على الأداء؛ بنحو ضربٍ أو حبس حتى يؤدي.
(١) رواه البخاري معلقًا مجزومًا به (كتاب الديات باب - إِذا أصاب قومٌ من رجل ...) ووصله الشافعي عن سفيان بن عيينة وانظر»الفتح«(١٢/ ٣٣٦) وتقدّم.
(٢) اللَّدود: بفتح اللام وبمهملتين: هو الدواء الذي يُصبُّ في أحد جانبي فم المريض. واللُّدود -بالضم- الفعل ولدَدْت المريض: فَعَلْت ذلك به.»الفتح".
أنظر؛ إلاَّ العباسَ فإِنه لم يَشهدكم» (١).
قال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (٨/ ١٤٧): «قوله: لا يبقى أحدٌ في البيت إِلا لُدَّ وأنا أنظر إلاَّ العباسَ فإِنه لم يَشهدكم» قيل: فيه مشروعية القِصاص في جميع ما يُصاب به الإِنسان عمدًا، وفيه نظَر، لأنّ الجميع لم يتعاطَوا ذلك، وإنما فَعَل بهم ذلك عقوبة لهم لتركهم امتثال نهيه عن ذلك.
أمّا مَن باشره فظاهر، وأمّا من لم يباشِره فلكونهم تركوا نهيهم عما نهاهم هو عنه.
ويستفاد منه أن التأويل البعيد لا يُعْذَرُ به صاحبه، وفيه نظَر أيضًا لأن الذي وقع في معارضة النهي.
قال ابن العربي: أراد أن لا يأتوا يوم القيامة، وعليهم حقّه فيقعوا في خَطبٍ عظيم، وتُعقِّب بأنه كان يمكن العفو؛ لأنه كان لا ينتقم لنفسه.
والذي يظهر أنه أراد بذلك تأديبهم لئلا يعودوا، فكان تأديبًا لا قِصاصًا ولا انتقامًا.
قيل: وإِنما كَره اللَّد مع أنه كان يتداوى؛ لأنه تحقق أنه يموت في مرضه، ومَن حقق ذلك كُره له التداوي. قلت: وفيه نظَر، والذي يظهر أن ذلك كان قبل التخيير والتحقق، وإِنما أنكَر التداوي؛ لأنه كان غيرَ ملائم لدائه؛ لأنهم ظنوا أنّ به ذات الجنب فداووه بما يلائمها؛ ولم يكن به ذلك كما هو ظاهر في سياق الخبر كما ترى، والله أعلم".
----------------------
(١) أخرجه البخاري (٦٨٩٧) مسلم (٢٢١٣).
قلت: والمترجّح لديّ أنّه مِن باب القِصاص، وقد رواه الإِمام البخاري -رحمه الله- في مواطن عديدة؛ منها باب الدِّيات، فدلّ هذا على أنه يراه من باب القِصاص ولا يمتنع عليه هذا الفعل؛ لأنه - ﷺ - كما وصَفَه الله -سبحانه-: ﴿وما ينطق عن الهوى إِنْ هُوَ إِلاّ وحْيٌ يوحى﴾.
وتركُه - ﷺ - العفو في هذا الموطن -وهو قادرٌ عليه بلا ريب- يؤيّد الأصل العامّ -ألا وهو القِصاص- وهذا كما لا يخفى من باب التشريع للأمّة.
وأما قول مَن قال إِنه تأديب وليس قِصاصًا، فلعل الأَوْلى أن يقول القائل: تأديبٌ بالقِصاص. والله -تعالى- أعلم.
هل يشرع القِصاص في إِتلاف الأموال؟
إِذا أتلف المرء مال غيره؛ كأن يخرق ثوبه أو يهدم داره، أو يقطع ثمره، فهل له أن يقتصّ منه؛ بمثِل ما أصابه فيه قولان للعلماء:
أحدهما: أن ذلك غيرُ مشروع لإِنه إِفساد، ولأنّ العقار والثيابَ غيرُ مماثلة.
والثاني: أن ذلك مشروع؛ كما سيأتي البيان والتعليل بإِذن الله.
جاء في «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ٣٣٢): "وسئل -رحمه الله- هل يجوز له أن يَخرق ثَوبه كما يخرِق ثوبه؟
فأجاب: وأمّا القِصاص في إِتلاف الأموال؛ مِثل أن يخرق ثوبه فيخرق ثوبه المماثل له، أو يهدم داره فيهدم داره ونحو ذلك؛ فهذا فيه قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد:
أحدهما: أن ذلك غيرُ مشروع لإِنه إِفساد، ولأنّ العقار والثيابَ غيرُ مماثلة.
والثاني: أن ذلك مشروع؛ لأنّ الأنفس والأطراف أعظمُ قدْرًا من الأموال، وإِذا جاز إِتلافها على سبيلْ القِصاص؛ لأجل استيفاء المظلوم، فالأموال أولى.
ولهذا يجوز لنا أن نُفسد أموال أهل الحرب إِذا أفسدوا أموالنا، كقطع الشجر المثمِر.
وإِن قيل بالمنعِ من ذلك لغير حاجة، فهذا فيه نزاع؛ فإِنه إِذا أتلف لى ثيابًا أو حيوانًا أو عقارًا ونحو ذلك، فهل يضمنه بالقيمة؟ أو يضمنه بجنسه مع القيمة؟ على قولين معروفين للعلماء. وهما قولان في مذهب الشافعي، وأحمد فإِن الشافعي قد نَصّ على أنه إِذا هَدَم داره بناها كما كانت، فضَمِنَه بالمثل. وقد رُوي عنه في الحيوان نحو ذلك ...
وقصة داود وسليمان هي من هذا الباب، فإِنّ داود -عليه السلام- قد ضَمِن أهل الحرث الذي نفشت (١) فيه غَنَم القوم بالقيمة، وأعطاهم الماشية مكان القيمة. وسليمان -عليه السلام- أمَرَهم أن يعمروا الحرث حتى يعود كما كان، وينتفعوا بالماشية بدل ما فاتهم من منفعة الحرث.
وبهذا أفتى الزهري لعمر بن عبد العزيز لما كان قد اعتدى بعض بني أميّة على بستان له فقلعوه، وسألوه ما يجب في ذلك؟ فقال: يغرسه كما كان. فقيل له: إِن ربيعة وأبا الزناد قالا: تجب القيمة، فتكلَّم الزهري فيهما بكلام مضمونه: أنهما خالفا السنة.
---------------------
(١) النَّفش: الرعي، قال شريح والزهري وقتادة: النفش لا يكون إلاَّ بالليل. قاله ابن كثير -رحمه الله-.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|