عرض مشاركة واحدة
  #149  
قديم 17-01-2026, 04:57 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,651
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء السادس
من صــ 121الى صــ135
الحلقة (149)






كثُروا أو قلُّوا (١).
ومن ثمّ يتبيَّن أنَّ مذهب ابن حزم أوسع المذاهب بالنسبة للحرابة، ومثله في ذلك المالكيَّة؛ لأنَّ كل من أخاف السبيل على أي نحوٍ من الأنحاء، وبأيّ صورة من الصور، يُعدُّ محاربًا، مستحقًا لعقوبة الحرابة.

عقوبة الحرابة:
أنزل الله -سبحانه- في جريمة الحرابة قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢).
فهذه الآية نزلت فيمن خرج من المسلمين يقطع السبيل، ويسعى في الأرض بالفساد؛ لقوله -سبحانه-: ﴿إِلا الذينَ تَابُوا منْ قَبْلِ أنْ تَقْدرُوا عَلَيْهِم﴾.
وقد أجمع العلماء على أنَّ أهل الشرك إِذا وقعوا في أيدي المسلمين، فأسلموا، فإِنَّ الإِسلام يعصم دماءهم وأموالهم، وإِنْ كانوا قد ارتكبوا من المعاصي، قبل الإِسلام، ما يستوجب العقوبة: ﴿قُلْ للذينَ كَفَروا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٣).

------------------
(١) وتقدم غير بعيد.
(٢) المائدة: ٣٣ - ٣٤.
(٣) الأنفال: ٣٨.



قال ابن كثير -رحمه الله-:»يقول -تعالى- لنبيّه محمد - ﷺ -: ﴿قُلْ للذينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا﴾ أي: عمَّا هُم فيه من الكُفر والمشاقَّة والعِناد، ويدخلوا في الإِسلام والطَّاعة والإِنابة، ﴿يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ أي: من كُفرهم، وذنوبهم وخطاياهم؛ كما جاء في «الصحيح» من حديث أبي وائل عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «مَن أحسَن في الإِسلام، لم يؤاخذ بما عمل في الجاهليَّة، ومَن أساء في الإِسلام، أُخِذَ بالأوَّل والآخر» (١).
وفي «الصحيح» -أيضًا- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «أما علمْتَ أنَّ الإِسلام يهدم ما كان قبله، وأنَّ الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأنَّ الحج يهدم ما كان قبله» (٢).

سببُ نزول هذه الآية:
عن أبي قلابة عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: «أنَّ رَهطًا من عُكل -أو قال من عُرَينة، ولا أعلمه إِلا قال من عُكل- قدموا المدينة، فأمَرَ لهُم النبيّ - ﷺ - بِلقاح، وأمَرَ أنْ يخرجوا فيشربوا من أبوالها وألبانها، فشرِبوا، حتَّى إِذا بَرِئوا قَتَلوا الرَّاعي واسْتاقوا النَّعم.
فبلغ النبيَّ - ﷺ - غُدْوةً، فَبَعَثَ الطَّلبَ في إِثْرهم، فما ارتَفَعَ النَّهارُ حتَّى جيء بهم، فأمَرَ بهم فَقَطَعَ أيديهم وأرجُلَهُم وسَمَرَ أعيُنَهم، فأُلْقوا بالحرَّة يُستسقَون فلا يُسقَون» (٣).

--------------------
(١) أخرجه البخاري (٦٩٢١)، ومسلم (١٢٠).
(٢) أخرجه مسلم (١٢١).
(٣) أخرجه البخاري (٦٨٠٥)، ومسلم (١٦٧١) وتقدّم في باب الطهارة.



قال أبو قِلابة: «هؤلاء قومٌ سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إِيمانهم وحاربوا الله ورسوله» (١).
وفي رواية: «فأنزل الله -تبارك وتعالى- في ذلك: ﴿إنَّمَا جَزَاءُ الذينَ يُحَارِبونَ اللهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسَادًا﴾» (٢).
وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- عن رسول الله - ﷺ -: «... ونزلت فيهم آية المحاربة» (٣).
وفي رواية: «... فلمَّا صحّوا كفروا بعد إِسلامهم، وقتَلوا راعيَ رسول الله - ﷺ - مؤمنًا، واستاقوا ذود (٤) رسول الله - ﷺ - وانطلقوا محاربين» (٥).

العقوبات التي قررتها الآية الكريمة:
والعقوبة التي قررتها هذه الآية للذين يحاربون الله ورسوله، ويَسعَونَ في الأرضِ فسادًا، هي إِحدى عقوبات أربع:

----------------------
(١) أخرجه البخاري (٦٨٠٥).
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٦٧٠).
(٣) أخرجه النسائي (٣٧٧٢) وقال شيخنا -رحمه الله- في «صحيح سنن النسائي»: حسن صحيح.
(٤) الذَّود من الإِبل: ما بين الثنتين إِلى التسع، وقيل: ما بين الثلاث إِلى العشر «النهاية».
(٥) «صحيح سنن النسائي» (٣٧٦٢) وأَصل أكثر هذه الألفاظ في «الصحيحين» كما تقدّم.



١ - القتل.
٢ - أو الصَّلْب.
٣ - أو تقطيع الأيدي والأرجُل من خِلاف.
٤ - أو النَّفْي من الأرض.
وهذه العقوبات جاءت في الآية معطوفة بحرف «أو» وقد اختلف العلماء في «أو» في هذه الآية الكريمة، أهي للتَّخيير أم للتَّفصيل؟ (١).

-----------------------
(١) جاء في كتاب «أثر الدلالة النحويَّة واللغوية في استنباط الأحكام من آيات القرآن التشريعية» للأستاذ السعدي (ص ١٣٨) -بحذف-: ... ذهب فريق [من الفقهاء] إِلى أنَّ السلطة مخيَّرة بين العقوبات المذكورة، وأيُّها رآها السلطان أنفع للمصلحة أنْزلها بهم، ومن هؤلاء سعيد بن المسيب، ومجاهد، والحسن البصري، وعطاء، ومالك (أ).
ويرى أكثرهم أن هذه العقوبات تنزل بهم على حسب جنايتهم، فَمَن قَتَلَ قُتِلَ، ومَن قَتَلَ وأخَذَ المال قُتلَ وصُلِبَ، ومَن أَخَذَ المال بلا قَتْل قُطِعَت يده ورجلُه من خلاف، ومن أخاف أهل السبيل فقط فلم يَقْتُل ولم يأخُذ مالًا: نُفِيَ.
ومن القائلين بهذا ابن عبَّاس، والأوزاعي، وأبو يوسف ومحمد من الأحناف والشافعي (ب).
_________
(أ) انظر «بداية المجتهد» (٢/ ٤٤٥)، و«البحر المحيط» (٣/ ٤٧٠).
(ب) انظر «بدائع الصنائع» (٧/ ٩٣ - ٩٤)، و«المغني» لابن قدامة (٩/ ١٤٥)، و«تفسير آيات الأحكام» (٢/ ١٨٤).
وقد ضعَّف شيخنا -رحمه الله- هذا الأثر كما في «الإرواء» برقم (٢٤٤١ و٢٤٤٤). الدليل النحوي للفريق الأوَّل:
إِنَّ «أو» في الآية للتخيير، فالسلطانُ مُخيَّر في إنزال أى عقوبة يراها مما ذُكر؛ مِن غير =



والذي يترجَّح لديّ أنَّ التَّخيير ليس بإِطلاق؛ ولا هو بالانتقائي، وإِنَّما هو نابعٌ مِنْ مرآة الفقه والعِلم وتحقيق العدل والإِنصاف، وعدم التسوية في
--------------------
= ملاحظة تناسبهم مع جناياتهم؛ لأنَّ ذلك مقتضٍ التَّخيير.
وحجَّة الفريق الثاني:
أن «أو» للتَّفصيل، والعرب تستعملها كثيرًا بهذا المعنى، فيقولون: «اجتمع القوم فقالوا حارِبوا أو صالحوا، أي قال: بعضهم كذا وبعضهم كذا».
ويقوِّيه قول الله -تعالى-: ﴿وقَالُوا كُونُوا هُودًا أو نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ وليس المقصود التخيير، لأنَّه ليس هناك فرقة تخير بين اليهودية، والنَّصرانيَّة، بل كلٌّ يدعو إلى دينه، فكان المعنى: أنَّ بعضهم -وهم اليهود- قالوا كونوا هودًا، وبعضهم -وهم النَّصارى- قالوا كونوا نصارى.
وكثيرًا ما تعتمد العرب على لفّ الكلامَين المختَلِفَين وتسمح بتفسيرها جملة، ثقةً منها بأنَّ السَّامع يردّ كلَّ مخبر عنه بما يليق به، كقول امرئ القيس:
كأنَّ قلوب الطير رطبًا ويابسًا ... لدى وكْرِها العناب والحشف البالي
فالعناب هو الرَّطب، والحشف هو اليابس، وقد لفهما بعبارة واحدة. ... فلمَّا كانت «أو» للتفصيل، فإِنَّها قد فصَّلت أحكام قطاع الطريق وجَعَلت لكل منهم حُكمه؛ لأنَّ جناياتهم لا بد من أن تكون مختلفة، وحينئذ يجب تقدير شرط محذوف ينسجم مع معنى التفصيل.
فيكون التقدير: أن يقَتَّلوا إِنْ قَتَلُوا، أو يُصَلَّبُوا إن قَتَلُوا وأخذوا المال، أو تُقَطَّع أيديهم وأرجلهم إِن أخذوا المال ولم يَقْتُلوا، أو يُنْفَوا من الأرض إن أخَافُوا السائرين في السبيل فقط.
ولدى موازنة الرَّأيين يتَّضِح لنا رُجْحان رأي الفريق الثاني لما يأتي:
١ - جعل «أو» في هذه الآية للتفصيل أولى من جَعْلها للتَّخيير، لأنَّنا إِذا تتبَّعنا كلام =



اقتراف الجريمة والإِفساد، كما في قوله -تعالى-: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَة سَيِّئَة مِثْلها﴾ (١).
--------------------
= النُّحاة نجدهم يجعلون «أو» للتَّخيير بعد الطلب غالبًا، وذلك واضح مِن أمثلتهم. وقد صرَّح ابن هشام بذلك فقال: «وهي الواقعة بعد الطلب» (١).
وحيث لم تقع بعد طلب في هذه الآية، فإِنَّ حَمْلها على التَّفصيل أولى من الناحية النَّحويَّة، وكذلك من الناحية الشَّرعيَّة؛ لأن القاعدة العامَّة في التَّشريع الإسلامي أنَّ العقوبة تكون بمقدار الجناية، لقوله -تعالى- في جزاء جناية صيد المحرم في الحج: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النًعَمِ﴾ (ب).
٢ - لو سلَّمنا أنَّها للتخيير على رأي الفريق الأوَّل، فإنَّه لدى التَّحقيق يتبيَّن لنا أنَّ مِثل هذا التَّخيير يتَّفق مع معنى التَّفصيل من حيثُ المعنى، وذلك لأنَّ الحكم المخير فيه إِذا كان سببه مختلفًا فإِنَّه يكون لبيان كل واحد من المخير بنفسه.
يوضح ذلك قوله -تعالى-: ﴿إِمَّا أنْ تُعَذِّبَ وإِمّا أن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ (ج). فإنَّه ليس المراد هنا التَّخيير بين التَّعذيب أو الإِحسان مُطلقًا من غير ملاحظة عَمَل من يعذبهم أو يحسن إليهم، وإنما المراد بيان حُكمِ كلِّ صنف، أي إِمّا أن تعذب من ظلم أو تَتَّخذ الحسن فيمن آمن ولم يظلم.
فكذلك التخيير في إنزال العقوبة بقطاع الطريق إِنَّما يكون لبيان كل صنف منهم على حِدَة؛ لأنَّ سبب تلك العقوبة مُختلف. وبهذا يتَّضِح لنا أنَّ إِنزال العقوبة بهم يكون على وفق جنايتهم ...«.

---------------------

_________
(أ)»مغني اللبيب" (١/ ٥٩).
(ب) المائدة: ٩٥.
(ج) الكهف: ٨٦.
(١) الشورى: ٤٠.



وهكذا فلا بدَّ مِن حَمل التَّخيير على التَّفصيل، فلا إِشكال، وقد أشار الأستاذ السَّعدي إِلى هذا جزاه الله خيرًا.
وجاء في «الروضة النديَّة» (٢/ ٦١٨) -بحذف-: «يفعل الإِمامُ مِنْها ما رأى فيه صلاحًا؛ لكلِّ منْ قَطَعَ طَريقًا وَلَو في المِصْر إِذا كان قد يسَعَى في الأرض فَسادًا».
هذا ظاهر ما دلَّ عليه الكتاب العزيز مِنْ غير نظرٍ إِلى ما حدث من المذاهب، فإِنَّ الله -سبحانه- قال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الذينَ يُحَارِبُونَ اللهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسَادًا﴾ (١)، فضمَّ إلى محاربة الله ورسوله ... السَّعي في الأرض فسادًا، فكان ذلك دليلًا على أنَّ مَن عصى الله ورسوله بالسَّعي في الأرض فسادًا؛ كان حدُّه ما ذكره الله في الآية.
ولمّا كانت الآية الكريمة نازلة في قُطَّاع الطريق وهم العرنيُّون، كان دخولُ مَن قَطَعَ طريقًا تحت عموم الآية دخولًا أوَّليًّا ثم حصر الجزاء في قوله: ﴿أنْ يُقَتَّلُوا أو يُصَلَّبُوا أو تُقَطَّعَ أيْدِيهمْ وأرْجُلُهُم منْ خِلاف أو يُنْفَوا مِنَ الأرضِ﴾ فخيَّر بين هذه الأنواع فكان للإِمام أن يختار ما رأى فيه صلاحًا منها.
فإِنْ لم يكن إِمامٌ فمن يقوم مقامه في ذلك من أهل الولايات، فهذا ما يقتضيه نَظْم القرآن الكريم، ولم يأت من الأدلَّة النبويَّة ما يصرف ما يدلّ عليه القرآن الكريم عن معناه الذي تقتضيه لغة العرب.

---------------------
(١) المائدة: ٣٣.


أمَّا ما روي عن ابن عباس كما أخرجه الشافعي في «مسنده» أنَّه قال في قُطَّاع الطَّريق: «إِذا قَتَلوا وأخذوا الأموال صُلِّبوا، وإِذا قتلُوا ولم يأخذوا المالَ قُتِلُوا ولم يُصَلَّبُوا، وإِذا أخذوا المال ولم يقتُلُوا قُطِعَت أيْديهم وأرْجلهم من خِلاف، وإِذا أخافُوا السَّبيل ولم يأخذوا مالًا نُفُوا من الأرض».
فليس هذا الاجتهاد ممَّا تقوم به الحُجَّة على أحد، ولو فرضنا أنَّه في حكم التَّفسير للآية. وإِنْ كان مخالفًا لها غاية المخالفة، ففي إِسناده إِبراهيم بن أبي يحيى وهو ضعيف جدًّا لا تقوم بمثله الحُجَّة (١).
وقد ذهب إِلى مِثل ما ذهبنا إِليه جماعة من السَّلف كالحسن البصري وابن المسيِّب ومجاهد.
وأسعد الناس بالحق من كان معه كتاب الله. وقد ثبت عن رسول الله - ﷺ - في العرنيين أنَّه فعل بهم أحد الأنواع المذكورة في الآية -وهو القَطْع كما في الصحيحين، وغيرهما من حديث أنس- والمراد بالصلب المذكور في الآية هو الصلب على الجذوع، أو نحوها حتَّى يموت إِذا رأى الإِمام ذلك، أو يصلبه صلبًا لا يموت فيه. فإِنَّ اسم الصَّلب يصدُق على الصَّلب المفضي إِلى الموت، والصَّلب الذي لا يُفضي إِلى الموت.
ولو فرضنا أنَّه يختصّ بالصَّلب المفضي إِلى الموت. لم يكن في ذلك تكرار بعد ذِكر القتل، لأنَّ الصَّلب هو قتْلٌ خاص. وأمَّا النَّفي من الأرض فهو طرْده من الأرض التي أفسد فيها ... «انتهى.
قلت: وقد ورد في بعض ألفاظ الحديث:»... فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ -

----------------------
(١) انظر «الإِرواء» (٢٤٤٣).


فبعث في آثارهم، فلمَّا ارتفع النَّهار جيء بهم فأمر فقطع أيديهم وأرجلهم وسُمِّرت أعينهم (١) ...» (٢).
وفي رواية: «ثمَّ أمر بمسامير فأُحميت فَكَحَلهم بها ...» (٣).
فإِنَّ السَّمر لم يَرِد في الآية الكريمة، وهو من فِعل النبيّ - ﷺ - وهذا يبيِّن أنَّ الأمر يرجع إِلى الحاكم بما تقدَّم من قيود.
فالحاصل أن الأمر راجع إِلى السُّلطان (٤) فهو مخيَّر في إِيقاع العقوبة اللازمة وفي تقدير العقوبة على التفصيل؛ بما يتناسب مع إِفساده وجريمته؛ وبما يكون الأقرب في العمل بمقتضى الآية الكريمة والحديث الشريف والآثار. والله -تعالى - أعلم.
وقد جاء في بعض الروايات:- قال أنس -رضي الله عنه-: «إِنَّما سمل النبي - ﷺ - أعين أولئك، لأنَّهم سملوا أعين الرعاء» (٥).

عدم حسْم المحاربين من أهل الرِّدَّة حتى يهلكوا وكذا عدم سقايتهم الماء ونبذهم في الشمس:
عن أنس -رضي الله عنه- قال: «قدمَ على النبي - ﷺ - نفر من عُكل

----------------------
(١) سُمِّرت أعينهم: أي فُقئت.
(٢) أخرجه البخاري (٢٣٣)، ومسلم (١٦٧١).
(٣) أخرجه البخاري (٣٠١٨).
(٤) انظر -إِن شئت- ما جاء في»مجموع الفتاوى" (٢٨/ ٣١٠).
(٥) أخرجه مسلم (١٦٧١).



فأسلموا، فاجْتووا (١) المدينة، فأَمَرهم أن يأتوا إِبلَ الصَّدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا فصحُّوا، فارتدُّوا، فقتلوا رعاتها واسْتاقُوا الإِبلَ.
فبعث في آثارهم فأُتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم وسَمل أعينهم، ثم لم يحسمهم (٢) حتى ماتوا» (٣).
وفي رواية: «فرأيت الرجُل منهم يَكْدُِمُ (٤) الأرض بلسانه حتى يموت» (٥).
أمَّا نبذهم في الشمس حتى يموتوا، فهو في بعض ألفاظ حديث أنس -رضي الله عنه- وفيه: «وسمَّر أعينهم ثم نبَذهم في الشمس حتى ماتوا» (٦).

فائدة «١»:
سُئل شيخ الإِسلام -رحمه الله- عن ثلاثةٍ من اللصوص، أخذ اثنان منهم جَمَّالا، والثالث قتل الجمَّال: هل تُقتَل الثلاثة؟

--------------------
(١) فاجتووا: قال النووي: «... أي لم توافقهم وكرهوها لسقم أصابهم، قالوا: وهو مثشقٌّ من الجوى؛ وهو داء في الجوف».
(٢) لم يحسمهم: الحسم هنا أن توضع اليد بعد القطع في زيت حار وذلك لمنع استمرار نزف الدم، ويتحقَّق بأيِّ صورة طبيَّة يمكن أن تمنع نزْف الدم، وتقدّم.
(٣) أخرجه البخاري (٦٨٠٢)، ومسلم (١٦٧١).
(٤) يكدُِمُ: أي يقبض عليها ويعضّ. «النهاية»
(٥) أخرجه البخاري (٥٦٨٥).
(٦) أخرجه البخاري (٦٨٩٩)، ومسلم (١٦٧١).



فأجاب: إِذا كان الثلاثة حرامية؛ اجتمعوا ليأخذوا المال بالمحاربة؛ قُتِل الثلاثة؛ وإِنْ كان الذي باشر القتل واحد منهم. والله أعلم.
وجاء في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٣١٠) -بحذف-: «وإِذا كان المحاربون الحراميَّة جماعة، فالواحد منهم باشَر القتل بنفسه، والباقون له أعوان وردْء له. فقد قيل؛ إِنَّه يقتل المباشر فقط.
والجمهور على أنَّ الجميع يقتلون، ولو كانوا مائة، وأنَّ الردء والمباشر سواء، وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين؛ فإِنَّ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قتل ربيئة المحاربين -والربيئة هو الناظر الذي يجلس على مكان عال، ينظر منه لهم من يجيء- ولأنَّ المباشر إِنَّما تمكَّن مِن قتْله بقوَّة الردء ومعونته.
والطائفة إِذا انتصر بعضها ببعض؛ حتى صاروا ممتنعين؛ فهم مشتركون في الثواب والعقاب كالمجاهدين ...
وهكذا المقتتلون على باطل لا تأويل فيه؛ مثل المقتتلين على عصبيَّة، ودعوى جاهليَّة؛ كقيس ويمن ونحوهما؛ هما ظالمتان. كما قال النبي - ﷺ -:»إِذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. قيل: يا رسول الله! هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إِنّه كان حريصًا على قتل صاحبه". أخرجاه في الصحيحين. (١).
وتضمن كلّ طائفة ما أتْلفتْه للأخرى من نفس ومال. وإِن لم يعرف عين

---------------------
(١) أخرجه البخاري (٣١)، ومسلم (٢٨٨٨).


القاتل؛ لأنَّ الطائفة الواحدة الممتنع بعضها ببعض كالشخص الواحد، وفي ذلك قوله -تعالى-: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاص في القَتْلَى﴾ (١).

فائدة «٢»:
جاء في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ٢٤٣): «وسئل -رحمه الله تعالى- عن تاجر نصَب عليه جماعة؛ وأخذوا مبلغًا، فحَمَلَهم لوليّ الأمر؛ وعاقبهم حتى أقرُّوا بالمال، وهم محبوسون على المال، ولم يعطوه شيئًا، وهُم مصرُّون على أنَّهم لا يعطونه شيئًا؟
فأجاب: الحمد لله هؤلاء مَن كان المال بيده وامتنع من إِعطائه؛ فإِنَّه يُضرَب حتى يؤديَ المال الذي بيده لغيره. ومَن كان قد غيَّب المال وجحد موضعه فإِنَّه يضرب حتَّى يدلّ على موضعه. ومَن كان مُتَّهما لا يُعرف هل معه من المال شيء أم لا؛ فإِنَّه يجوز ضربه معاقبةً له على ما فعَل من الكذب والظلم. ويُقر مع ذلك على المال أين هو. ويطلب منه إِحضاره. والله أعلم».

ردُّ اعتراض، ودفْعُ إِشكالٍ (٢):
قال في «المنار»: رَوى عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد، أنَّ الفساد هنا الزنى، والسرقة، وقتْل النساء، وإِهلاك الحرث والنَّسل، وكلّ هذه الأعمال من الفساد في الأرض.
واستشكل بعض الفقهاء قول مجاهد، بأنَّ هذه الذنوب والمفاسد لها

---------------------
(١) البقرة: ١٧٨.
(٢) عن «فقه السنة» (٣/ ٢٥٢).



عقوبات في الشرع غير ما في الآية، فللزِّنى، والسرقة، والقتْل حدود، وإِهلاك الحرث والنَّسل يقدَّر بقدْره، ويضمنه الفاعل، ويعزّره الحاكم بما يؤدِّيه إِليه اجتهاده.
وفات هؤلاء المعترضين، أنَّ العقاب المنصوص في الآية خاصٌّ بالمحاربين مِن المفسدين الذين يكاثرون أولي الأمر، ولا يُذْعنون لحُكْم الشَّرع.
وتلك الحدود إِنَّما هي للسارقين والزُّناة أفرادًا، الخاضعين لحُكْم الشرْع فِعْلًا، وقد ذُكِرَ حُكمهم في الكتاب العزيز، بصيغة اسم الفاعل المفرد، كقوله -سبحانه-: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (١) وقال: ﴿الزَّانِيَة والزَّانِي فَاجْلِدُوا كلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَة جَلْدَةٍ﴾ (٢).
وهم يستَخْفُون بأفعالهم، ولا يَجهرون بالفساد، حتى ينْتشر بصوء القدوة بهم، ولا يُؤلِّفون له العصائب ليمنعوا أنفسهم من الشرع بالقوَّة.
فلهذا لا يصدُق عليهم أنَّهم محاربو الله ورسوله ومفسدون، والحكم هنا منوط بالوصفَين معًا، وإِذا أطْلق الفقهاء لفظ المحاربين، فإِنَّما يعنون به المحاربين المفسدين؛ لأنَّ الوصفين متلازمان».

واجب الحاكم والأمَّة حِيال الحرابة (٣):
والحاكم والأمَّة معًا مسؤولون عن حماية النظام، وإقرار الأمن، وصيانة

------------------------
(١) المائدة: ٢٨.
(٢) النور: ٢.
(٣) عن «فقه السُّنة» (٣/ ٢٥٢).



حقوق الأفراد في المحافظة على دمائهم، وأموالهم، وأعراضهم؛ فإِذا شذَّت طائفة، فأخافوا السبيل، وقطعوا الطريق، وعرَّضوا حياة الناس للفوضى والاضطراب، وجب على الحاكم قتال هؤلاء.
كما فعَل رسول الله - ﷺ - مع العُرنيين (١)، وكما فَعَلَ خُلفاؤه من بعده، ووجب على المسلمين كذلك أنْ يتعاونوا مع الحاكم ... على استئصال شأفتهم، وقطْعِ دابرهم، حتى ينعم الناس بالأمن والطمأنينة، ويُحِسُّوا بلذَّة السلام والاستقرار، وينصرف كلٌّ إِلى عمله.

إِذا طَلب السلطان المحاربين فامتنعوا:
إِذا طَلب السلطان المحاربين لإقامة الحد فامتنعوا؛ فإِنه يجب على المسلمين قتالهم، من باب ما لا يتمّ الواجب إِلا به فهو واجب.
جاء في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٣١٧): «... فأمّا إِذا طلبهم السلطان أو نوّابه لإقامة الحدّ بلا عدوان فامتنعوا عليه؛ فإِنه يجب على المسلمين قتالهم باتفاق العلماء، حتى يقدر عليهم كلِّهم؛ ومتى لم ينقادوا إِلا بقتال يفضي إِلى قتْلهم كلهم قوتلوا، وإن أَفضى إِلى ذلك؛ سواءٌ كانوا قد قَتلوا أو لم يقتلوا.
ويقتلون في القتال كيفما أمكن؛ في العنق وغيره، ويقاتل من قاتل معهم ممن يحميهم ويُعينهم، فهذا قتال وذاك إِقامة حدّ، وقتال هؤلاء أوكد من قتل الطوائف الممتنعة عن شرائع الإِسلام».

----------------------
(١) تقدَّم غير بعيد.


توبةُ المحاربين قبْل القُدرة عليهم:
*إِذا تاب المحاربون المفسدون في الأرض، قبل القدرة عليهم، وتمكَّن الحاكم من القبض عليهم، فإنَّ الله يغفر لهم ما سلَفَ، ويرفع عنهم العقوبة الخاصّة بالحرابة؛ لقوله -تعالى-: ﴿ذلكَ لَهُمْ خِزْيٌ في الدّنْيا وَلَهُم في الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلا الذينَ تَابُوا منْ قَبْلِ أنْ تَقْدروا عَلَيْهِم فَاعْلَمُوا أنَّ الله غَفورٌ رَحِيم﴾ (١).
وإِنَّما كان ذلك كذلك؛ لأنَّ التوبة قبل القدرة عليهم والتَّمكُّن منهم دليل على يَقَظَة القلوب، والعزم على استئناف حياةٍ نظيفة، بعيدة عن الإِفساد، والمحاربة لله ورسوله، ولهذا شملهم عفو الله، وأسقط عنهم كلَّ حقّ من حقوقه، إِن كانوا قد ارتكبوا ما يستوجب العقوبة.
أمَّا حقوق العباد، فإِنَّها لا تسقط عنهم، وتكون العقوبة حينئذ ليست من قبيل الحرابة، وإِنما تكون من باب القِصاص.
[أقول: وفي ذلك أثر ابن عباس -رضي الله عنهما-: «نزلت هذه الآية في المشركين، فمن تاب منهم قبل أن يُقْدر عليه؛ لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحدّ الذي أصابه»] (٢).
والأمر في ذلك يرجع إِلى المجني عليهم، لا إِلى الحاكم، فإِنْ كانوا قد قَتَلوا، سقط عنهم تحتم القتل، ولوليِّ الدَّم العفو أو القِصاص وإنْ كانوا قد قَتَلوا

----------------------
(١) المائدة: ٣٣ - ٣٤.
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٦٧٥)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٣٧٧٦)، وانظر «الإرواء» (٨/ ٩٣).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 36.07 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 35.44 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.74%)]