عرض مشاركة واحدة
  #9  
قديم 15-01-2026, 05:20 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,016
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الخامس
من صــ 386الى صــ400
الحلقة (138)




لعدتهنّ﴾ (١)، معناه: لاستقبال عدتهنّ لا فيها، وإذا كانت العدة التي يُطلق لها النساء مستقبلةً بعد الطلاق، فالمستقبَل بعدها إِنما هو الحيض، فإِنَّ الطاهر لا تستقبِلُ الطهر -إِذ هي فيه- وإنما تستقبل الحيض بعد حالها التي هي فيها». انتهى.
قلت: جاء في «حلية الفقهاء» (ص ١٨٣) -بحذف-: «وأمّا القُرء فهو اسمٌ يقع على الحيض والطُّهر ... قال أبو عمرو بن العلاء: وإنّما جاز ذلك؛ لأنّ القُرء الوقت، وهو يصلح للحيض، ويصلُح للطُّهر.
فهذا ما تقوله العرب، وليس الاختلاف الواقع بين الفقهاء على اطّراح أحد القولين، وكلّهم مجمعون على أنّ القُرء اسمٌ يقع على الحيض، كما يقع على الطهر، ولكن كُلًاّ اختار قولًا، واحتج له من جهة المعنى.
ومثل ذلك أنّ الجون اسمٌ يقع على الأبيض، كما يقع على الأسود، ثمّ اختلف الناس في الشمس، ولِمَ سُمّيت جَوْنًا؟ فيقول قوم: لبياضها، ونورها، ويقول آخرون: لا، بل لسوادها، لأنّها إِذا غابت اسودت. ثمّ يحتجُّ كلٌّ لمِقالته؛ بعد إِجماعهم على أن الجَوْن الأبيض والأسود.
وكذا الفقهاء مجمعون على أن القُرء: الطُّهر والحيض ...». انتهى
قلت: الذي ترجَّح لديّ أنْ يكون القرء هنا الحيض، وذلك أننا إِذا جَعَلنا القرء الطُّهر؛ أفضى ذلك إِلى تقليل مُدّة العدّة، فلو أنّ الرجل طلّق زوجته قبل موعد حيضتها بيوم؛ فإِنَّ أوَّل قرءٍ ينتهي بعد قرابة خمسة أيام مثلًا.

--------------------
(١) الطلاق: ١.


أمّا إِذا كان القرء هو الحيض؛ فلو طلقها قبل موعد حيضتها بيوم؛ فإِنّ أول قرء ينتهي بانتهاء الحيضة الثانية، فتكون مُدة القرء شهرًا تقريبًا، وهذا يلتقي حُكم مدّة اللائي يئسنَ من المحيض، وكذا اللائي لم يحضن وهي ثلاثة أشهر، والله -تعالى- أعلم.
ثمَّ رأيت أثر عائشة -رضي الله عنها- قالت: «أُمِرت بَريرة أنْ تعتدّ بثلاث حِيَض» (١).

عِدّة غير الحائض:
وإنْ كانت من غير ذوات الحيض، فعدّتها ثلاثة أشهر، ويصدق ذلك على الصغيرة التي لم تبلغ، والكبيرة التي لا تحيض؛ سواء أكان الحيض لم يسبق لها، أم انقطع حيضها بعد وجوده؛ لقول الله -تعالى-: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إِن ارتبتم فعدتهنّ ثلاثة أشهر واللائي لم يحضنَ وأُولات الأحمال أجلهنّ أن يضعن حملهنّ﴾ (٢).
وعن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم﴾ يعني: الآيسة العجوز التي لا تحيض، أو المرأة التى قعدت من الحيضة، فليست هذه من القروء في شيء. وفي قوله: ﴿إِن ارتبتم﴾ في الآية، يعني: إِنْ شككتم، ﴿فعدتهنّ ثلاثة أشهر﴾، وعن مجاهد: ﴿إِن ارتبتم﴾ ولم تعلموا عدة التي قعَدت عن الحيض، أو التي لم تحض ﴿فعدتهنّ ثلاثة

------------------------------
(١) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٦٩٠) وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢١٢٠).
(٢) الطلاق: ٤.



أشهر﴾، فلقوله -تعالى-: ﴿إِن ارتبتم﴾ يعني: إِن سألتم عن حُكمهن، ولم تعلموا حكمَهُنَّ وشككتم فيه، فقد بيّنه الله لكم.

حُكم المرأة الحائض إِذا لم تر الحيض:
إِذا طُلِّقت المرأة وهي من ذوات الأقراء؛ ثمّ إِنها لم تر الحيض في عادتها، ولم تَدْرِ ما سَببه؛ فإِنها تعتد سَنَةً تتربص مدة تسعة أشهر؛ لتعلم براءة رحمها؛ لأن هذه المدة هي غالب مدة الحمل، فإِذا لم يَبِن الحمل فيها، عُلِم براءة الرحم ظاهرًا، ثمّ تعتد بعد ذلك عدة الآيسات ثلاثة أشهر.
وجاء في كتاب «الاختيارات الفقهيَّة» (ص ٢٨٢): «ومن ارتفَعَ حَيضُها ولا تدري ما رَفَعَه إِنْ علِمَت عدَمَ عودِه؛ فتعتدّ. وإلا اعتدَّت بِسَنة».
هذا؛ وقد ذَكَر ابن حزم -رحمه الله- عددًا من الآثار في أقوالٍ ثلاثة؛ تتعلّق بالمرأة المختلفة الأقراء، وحين تصير في حد اليائسات من المحيض، وترجَّح لديّ القول الثاني من ذلك، وقد ساق في بعض الآثار بإِسناده إِلى سعيد بن المسيب قال: قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- «أيّما امرأةٍ طُلِّقت فحاضت حيضة أو حيضتين، ثمّ رفعت حيضتها، فإِنها تنتظر تسعة أشهر، فإِنْ بان بها حمْل فذلك، وإلا اعتدّت بعد التسعة الأشهر ثلاثة أشهر ثمّ حلّت».
وقال -رحمه الله-: وصحَّ مِثل هذا عن الحسن البصري وسعيد بن المسيب (١).

سِنّ اليأس:
اختلف العلماء في سِنّ اليأس؛ فقال بعضهم: إِنها خمسون. وقال آخرون:

-------------------
(١) انظر«المحلّى» (١١/ ٦٤٧).


إِنها ستون، والحق أنَّ ذلك يختلف باختلاف النساء.
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «اليأس يختلِف باختلاف النساء، وليس له حدٌّ يتفق فيه النساء، والمراد بالآية، أنّ يأس كل امرأة من نفسها؛ لأنّ اليأس ضد الرجاء، فإِذا كانت المرأة قد يئست من الحيض، ولم تَرْجُه، فهي آيسة، وإنْ كان لها أربعون أو نحوها، وغيرها لا تيأس منه، وإن كان لها خمسون» (١).

عِدّة الحامل:
وعِدّة الحامل تنتهي بوضع الحمل؛ سواء أكانت مُطلَّقة، أم متوفّى عنها زوجها؛ لقول الله -تعالى-: ﴿وأولات الأحمال أجلُهنَّ أن يضعن حمْلهنّ﴾ (٢).
قال في «زاد المعاد»: «ودلّ قوله -سبحانه-: ﴿أجلُهُنّ أن يضعن حملهنّ﴾ (٣) على أنها إِذا كانت حاملًا بتوأمين، لم تنقض العدة، حتى تضعهما جميعًا، ودلت على أن مَن علَيها الاستبراء، فعدتها وضْع الحمل أيضًا، ودلت على أن العدة تنقضي بوضعه على أي صفةٍ كان؛ حيًَّا أو ميّتًا، تام الخِلقة أو ناقصها، نُفخ فيه الروح أو لم ينفخ.
عن سبيعة»أنها كانت تحت سعد بن خولة وهو في بني عامر بن لؤيٍّ -وكان ممّن شهد بدرًا- فتوفّي عنها في حجّة الوَداع وهي حاملٌ، فلم

---------------------------
(١) انظر «زاد المعاد» (٥/ ٦٥٧ - ٦٥٨).
(٢) الطلاق: ٤.
(٣) الطلاق: ٤.



تنشب (١) أن وضعت حملْها بعد وفاته، فلمّا تعلّت (٢) من نفاسها تجمّلت للخُطّاب فدخَل عليها أبو السّنابل بن بعكك (رجل من بني عبد الدّار) فقال لها: ما لي أراكِ مُتجمّلة؟ لعلّك ترجين النّكاح، إِنّك والله ما أنتِ بناكح حتّى تَمُرَّ عليك أربعةُ أشهر وعشرٌ، قالت سبيعة: فلمّا قال لي ذلك جمعْتُ عليّ ثيابي حين أمسيت فأتيتُ رسول الله - ﷺ - فسألته عن ذلك؟ فأفتاني بأنّي قد حللتُ حِين وضعْتُ، وأمَرني بالتزوّج إِنْ بدا لي«.
قال ابن شهاب: فلا أرى بأسًا أن تتزوج حين وضعت وإِنْ كانت في دمها؛ غير أن لا يقربها زوجها حتى تطهر» (٣).
والعلماء يجعلون قول الله -تعالى-: ﴿والذين يُتَوَفَّون منكم ويذَرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا﴾ (٤) خاصةً بِعِدَد الحوائل (٥)، ويجعلون قول الله -تعالى-: ﴿وأولات الأحمال أجلهنَّ أن يضعن حمْلهن﴾ (٦) في عِدَدِ الحوامل، فليست الآية الثانية معارضة للأولى.

عدة المتوفّى عنها زوجها:
والمتوفَّى عنها زوجها عدّتُها أربعة أشهر وعشر، ما لم تكن حاملًا، لقول الله

---------------------
(١) أي: لم تلبث.
(٢) تعلَّت: أى خرجت من نفاسها، وانظر «النِّهاية».
(٣) أخرجه البخاري: ٥٣١٩، ومسلم: ١٤٨٤، واللفظ له.
(٤) البقرة: ٢٣٤.
(٥) أي: غير الحوامل.
(٦) الطلاق: ٤.



-تعالى-: ﴿والذين يُتوفون منكم ويذَرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾ (١). وإنْ طلّق امرأته طلاقًا رجعيًا، ثمّ مات عنها وهي في العِدَّة؛ اعتدّت بِعِدَّةِ الوفاة؛ لأنه توفي عنها، وهي زوجته.

عِدّة المستحاضة:
المستحاضة تعتدّ بالحيض، ثمّ إِنْ كانت لها عادة، فعليها أن تراعي عادتها في الحيض والطهر، فإِذا مضت ثلاث حيض، انتهت العدة.

عدة المطلّقة ثلاثًا:
جاء في «الاختيارات الفقهية» (ص ٢٨٢): «والمطلقة ثلاث تطليقات؛ عدّتها حيضة واحدة». انتهى.
وبالحيضة يتحقّق استبراء الأرحام؛ ولها بعد ذلك أن تنكح زوجًا غيره.

عدّة المختلعة:
والمختلعة تعتدّ بحيضة واحدة، وتقدّم التفصيل في (باب الخلع).

وجوب العدّة في غير الزواج الصحيح:
مَن وطئ امرأةً بشبهة وجَبت عليها العدَّة؛ لأنّ وطْء الشبهة كالوطء في النكاح في النَّسَب، فكان كالوطء في النكَاح، في إِيجاب العِدَّة، وكذلك تجَِب العِدَّة في زواجٍ فاسد، إذا تحقَّق الدخول.

تحول العدة من الحيض إِلى العِدَّة بالأشهر:
إِذا طلَّق الرجل زوجته، وهي من ذوات الحيض، ثمّ مات وهي في العِدَّة،

----------------------
(١) البقرة: ٢٣٤.


فإِنْ كان الطلاق رجعيًا، فإِن عليها أن تعتد عدة الوفاة، وهي أربعة أشهر وعشرًا؛ لأنها لا تزال زوجةً له، ولأنّ الطلاق الرجعي لا يُزيل الزوجية؛ ولذلك يثبت التوارث بينهما، إِذا توفي أحدهما وهي في العِدَّة.
وإِنْ كان الطلاق بائنًا فإِنها تُكمِل عدة الطلاق بالحيض، ولا تتحول العدة إِلى عدة الوفاة، وذلك لانقطاع الزوجية بين الزوجين من وقت الطلاق؛ لأن الطلاق البائن يزيل الزوجية، فتكون الوفاة قد حدثت وهو غير زوج.

تحول العدة من الأشهر إِلى الحيض:
إِذا شرعت المرأة في العدة بالشهور لِصِغَرِها، أو لبلوغها سِنَّ اليأس، ثمّ حاضت؛ لزمها الانتقال إِلى الحيض؛ لأنّ الشهور بدل عن الحيض، فلا يجوز الاعتداد بها مع وجود أصلها.
وإن انقضت عِدَّتها بالشهور، ثمّ حاضت، لم يلزمها الاستئناف للعدة بالأقراء، لأنّ هذا حدَثَ بعد انقضاء العدة [ولأنه لو كانت لها عِدَّةٌ من قبل بالأقراء؛ لم تكن في الغالب أكثر من عدّتها بالشهور]. وإنْ شرعت في العدة بالأقراء أو الأشهر، ثمّ ظهر لها حمْلٌ من الزوج، فإِنّ العدة تتحول إِلى وضع الحمل، والحمل دليل على براءة الرحم، من جهة القطع.

انقضاء العدة:
إِذا كانت المرأة حاملًا، فإِنَّ عدتها تنقضي بوضع الحمل، وإذا كانت العدة بالأشهر، فإِنها تحتسب من وقت الفرقة أو الوفاة، حتى تستكمل ثلاث أشهر أو أربعة أشهر وعشرًا، وإذا كانت بالحيض، فإِنها تنقضي بثلاث حيضات، وذلك يُعرَف من جهة المرأة نفسها.


لزوم المطلقة المعتدة بيت الزوجية:
*يجب على المعتدة أن تلزم بيت الزوجية، حتى تنقضي عِدَّتها، ولا يحلُّ لها أن تخرج منه، ولا يحل لزوجها أن يُخرِجها منه. ولو وقع الطلاق، أو حصلت الفرقة وهي غير موجودة في بيت الزوجية، وجَب عليها أن تعود إِليه بمجرد عِلْمها* (١).
يقول الله -تعالى-: ﴿يا أيها النّبيّ إِذا طلقتم النساء فطلِّقوهنّ لعدَّتهنَّ وأحصوا العِدَّة واتقوا الله ربَّكم لا تُخرِجوهنّ من بيوتهنَّ ولا يَخرُجن إلاَّ أن يأتين بفاحشة مبيِّنة وتلك حدود الله ومن يتعدَّ حدود الله فقد ظلم نفسه﴾ (٢).
قال ابن كثير -رحمه الله-: «وقوله -تعالى-: ﴿إِلا أن يأتين بفاحشة مُبَيِّنَة﴾ أي: لا يخرجن من بيوتهن إِلا أن ترتكب المرأة فاحشة مبينة فتخرج من المنزل، والفاحشة المبينة تشمل: الزنى كما قاله ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، والشعبي، والحسن، وابن سيرين، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبو قلابة، وأبو صالح، والضحاك، وزيد بن أسلم، وعطاء الخراساني، والسدي، وسعيد بن أبي هلال وغيرهم، وتشمل ما إِذا نشزت المرأة، أو بَذَتْ على أهل الرجل، وآذتهم في الكلام والفِعال، كما قاله أُبيّ بن كعب، وابن عباس، وعكرمة وغيرهم.
وقد رخَّص النّبيّ - ﷺ - لخالة جابر بن عبد الله أن تخرج لتجدَّ نخلها.

----------------------
(١) ما بين نجمتين من»فقه السّنة" (٣/ ١٠١).
(٢) الطلاق: ١.



فعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: «طُلِّقت خالتي، فأرادت أن تجُدّ نخلها (١)، فزَجَرها رجل أن تخرج، فأتت النّبيّ - ﷺ - فقال: بلى فجُدِّي نخلك؛ فإِنك عسى أن تصدَّقي أو تفعلي معروفًا» (٢).
فيبدو أنّ الأمر عند الحاجة أوسع منه من معتدّة الوفاة.
وسألت شيخنا -رحمه الله- عنْ ذلك، فأجابني به.

أين تعتد المرأة المتوفَّى زوجها؟
عن زينب بنت كعب بن عجرة "أنّ الفُريعة بنت مالك بن سنان، وهي أخت أبي سعيد الخدري، أخبَرتها أنها جاءت إِلى رسول الله - ﷺ - تسأله أن ترجع إِلى أهلها في بني خُدرة، فإِنَّ زوجها خرج في طلب أعبُد له أبَقوا حتى إِذا كانوا بطرف القَدُوم لحقَهم فقتلوه، فسألتُ رسول الله - ﷺ - أن أرجع إِلى أهلي، فإِني لم يتركني في مسكن يملكه، ولا نفقة، قالت: فقال رسول الله - ﷺ -: نعم.
قالت: فخرجتُ حتى إِذا كانت في الحجرة، أو في المسجد، دعاني أو أمَر بي فدُعيت له فقال: كيف قلت؟ فرددت عليه القصة التي ذَكَرْت من شأن زوجي.
قالت: فقال: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله، قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرًا، قالت: فلما كان عثمان بن عفان: أرسل إِليّ فسألني

-----------------------
(١) أن تقطع ثمَرَه.
(٢) أخرجه مسلم: ١٤٨٣.



عن ذلك، فأخبرته فاتَّبعه وقضى به» (١).
قال التِّرمذي -رحمه الله- عقب هذا الحديث: ... والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم، من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم: لم يروا للمعتدَّة أن تنتقل من بيت زوجها حتى تنقضي عدَّتها. وهو قول سفيان الثّوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم: للمرأة أنْ تعتدّ حيث شاءت، وإنْ لم تعتدّ في بيت زوجها. والقول الأوَّل أصحّ (٢).
وعن سعيد بن المسيب: «أنّ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان يَرُدُّ المتوفى عنهنّ أزواجهنّ من البيداء يمنعهنّ الحج» (٣).
وقد ضعّف هذا الأثر ابن حزم، وانظر الردّ عليه في «زاد المعاد» و«التلخيص الحبير» (٤/ ١٢٩١) برقم (١٦٤٨)، و«نيل الأوطار» (٧/ ١٠١)، والتحقيق الثاني «للإِرواء» (٢١٣١) لشيخنا (٤).

-------------------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٥١٦)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٩٦٢)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٦٥١)، والنسائي «صحيح سنن النسائى» (٣٣٠٢، ٣٣٠٣، ٣٣٠٤)، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (٢١٣١).
(٢) انظر «صحيح سنن الترمذي» (١/ ٣٥٥).
(٣) أخرجه مالك والبيهقي وغيرهما، وانظر «الإِرواء» (٢١٣٢).
(٤) وكان من قبل -رحمه الله- يضعّف هذا الأثر، ثمّ تراجع عن ذلك. وفي التحقيق الثاني فوائد قيّمة تُثبت صحّته. وذكر شيخنا -رحمه الله- رواية عبد الرّزّاق في «المصنف» (٧/ ٣٣/‏١٢٠٧٢) من طريق آخر صحيح عن سعيد به.



وقال عطاء: قال ابن عباس: «نسخَت هذه الآية عدتها عند أهلها؛ فتعتدّ حيث شاءت، وهو قول الله -تعالى-: ﴿غيرَ إِخراج﴾ قال عطاء: إِن شاءت اعتدت عند أهله وسكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، لقول الله -تعالى-: ﴿فلا جناح عليكم فيما فعلن﴾ (١) قال عطاء: ثمّ جاء الميراث فنسخ السّكنى، فتعتدُّ حيث شاءت ولا سكنى لها» (٢).
ومع هذا الأثر بل وآثار عديدة سيأتي ذِكرها إِن شاء الله -تعالى- بات الخلاف معتبرًا.
قال ابن القيّم -رحمه الله- في «زاد المعاد» (٥/ ٦٨١ - ٦٨٢) - بعد أن ذَكَر حديث زينب بنت كعب في شأن الفريعة بنت مالك رضي الله عنها-: «وقد اختلف الصحابة -رضي الله عنهم- ومن بعدهم في حُكم هذه المسألة، فروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة -رضي الله عنها- أنها كانت تُفتي المتوفّى عنها بالخروج في عدَّتها، وخرجت بأختها أم كلثوم حين قُتل عنها طلحة بن عبيد الله إِلى مكة في عمرة.
ومن طريق عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج: أخبرني عطاء عن ابن عباس أنه قال:»إِنما قال الله -عز وجل-: تعتد أربعة أشهر وعشرًا، ولم يقل: تعتد في بيتها، فتعتد حيث شاءت. وهذا الحديث سمعه عطاء من ابن عباس، فإِنَّ علي ابن المديني قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن جريج عن عطاء قال: سمعت ابن عباس يقول: قال الله -تعالى-: ﴿والذين يُتوفّون منكم ويَذَرون

---------------------
(١) البقرة: ٢٤٠.
(٢) أخرجه البخاري: ٤٥٣١.



أزواجًا يتربّصن بأنفسهنّ أربعة أشهر وعشْرًا﴾ ولم يقل: يعتَدِدْن في بيوتهن، تعتدُّ حيث شاءت، قال سفيان: قاله لنا ابن جريج كما أخبرنا.
وقال عبد الرزاق: حدثنا ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: تعتدُّ المتوفّى عنها حيث شاءت.
وقال عبد الرزاق عن الثوري عن إِسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي أن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- كان يُرحِّل المتوفَّى عنهن في عدتهن.
وذكر عبد الرزاق أيضًا، عن محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن طاوس وعطاء، قالا جميعًا: المبتوتة والمتوفَّى عنها تَحُجّان وتعتمران، وتنتقلان وتبييتان».
إِلى غير ذلك من الآثار الثابتة بالأسانيد الصحيحة، ثمّ قال (ص ٦٨٦) منه: "وقال سعيد بن منصور: حدثنا هُشيم: أنبأنا إِسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي أنه سُئل عن المتوفّى عنها: أتخرج في عدتها؟ فقال: كان أكثر أصحاب ابن مسعود أشدّ شيء في ذلك، يقولون: لا تخرج، وكان الشيخ -يعني علي بن أبي طالب رضي الله عنه- يُرحلها.
وقال حماد بن سلمة: أخبرنا هشام بن عروة، أن أباه قال: المتوفّى عنها زوجها تعتدُّ في بيتها إِلا أن ينتوي أهلها فتنتوي معهم.
وقال سعيد بن منصور: حدثنا هشيم:، أخبرنا يحيى بن مسعود هو الأنصاري، أن القاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وسعيد بن المسيب قالوا في المتوفّى عنها: لا تبرح حتى تنقضي عِدَّتها.
وذكر أيضًا عن ابن عُيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء وجابر كلاهما قال


في المتوفّى عنها: لا تخرج».
وقال -رحمه الله- (ص ٦٨٦): «وذكر حماد بن زيد، عن أيوب السَّختياني، عن محمد بن سيرين أن امرأة توفي زوجها وهي مريضة، فنقَلها أهلها، ثمّ سألوا فكُلُّهم يأمرهم أن تُردَّ إِلى بيت زوجها، قال ابن سيرين: فرددناها في نمَط. وهذا قول الإِمام أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة -رحمهم الله- وأصحابهم والأوزاعي وأبي عبيد وإسحاق.
قال أبو عمر بن عبد البر: وبه يقول جماعة فقهاء الأمصار بالحجاز، والشام، والعراق، ومصر».
ثمَّ قال (ص ٦٨٧): "قالوا: ونحن لا نُنكر النزاع بين السلف في المسألة، ولكن السّنة تفصل بين المتنازعين، قال أبو عمر بن عبد البر: أمّا السّنة، فثابتة بحمد الله. وأمّا الإِجماع، فمستغنى عنه مع السّنة، لأن الاختلاف إِذا نزل في مسألة، كانت الحجة في قول من وافَقَتْهُ السّنة (١).
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري، قال: أخذ المترخّصون في المتوفّى عنها بقول عائشة -رضي الله عنها-، وأخَذ أهل العزم والورع بقول ابن عمر.
فإِن قيل: فهل ملازمة المنزل حقٌّ عليها، أو حقٌّ لها؟ قيل: بل هو حقٌّ عليها إِذا ترَكه لها الورثة، ولم يكن عليها فيه ضررٌ، أو كان المسكن لها، فلو حوّلها الوارث، أو طلبوا منها الأجرة، لم يلزمها السكن، وجاز لها التحول.

-------------------
(١) وهذا قول عزيز نفيس؛ يجب أن يعضّ طالب العلم عليه بالنّواجذ، وأنْ يسأل الله -سبحانه- أن يهبه العزيمة القوية في طلب الحق ومعرفة الصواب.


ثمّ اختلف أصحاب هذا القول: هل لها أن تتحول حيث شاءت، أو يلزمها التحول إِلى أقرب المساكن إِلى مسكن الوفاة؟ على قولين. فإِن خافت هدمًا أو غرقًا، أو عدوًا أو نحو ذلك، أو حوَّلها صاحب المنزل لكونه عاريّة رجع فيها، أو بإِجارة انقضت مدتها، أو منَعَها السكنى تعديًا، أو امتنع من إِجارته، أو طلب به أكثر من أجر المِثل، أو لم تجد ما تكتري به، أو لم تجد إِلا من مالها؛ فلها أن تنتقل، لأنها حال عذر، ولا يلزمها بذل أجر المسكن، وإنما الواجب عليها فِعْل السُّكنى لا تحصيل المسكن، وإذا تعذَّرت السّكنى، سقطت. وهذا قول أحمد والشافعي».
وقال -رحمه الله- (ص ٦٩١ - ٦٩٢): "قال الآخرون: ليس في هذا ما يوجب رد هذه السّنة الصحيحة الصريحة التي تلقّاها أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وأكابر الصحابة بالقَبول، ونفَّذها عثمان، وحَكَم بها، ولو كنّا لا نقبل رواية النساء عن النّبيّ - ﷺ -، لذهبت سنن كثيرة من سنن الإِسلام لا يُعرف أنه رواها عنه إِلا النساء، وهذا كتاب الله ليس فيه ما ينبغي وجوب الاعتداد في المنزل حتى تكون السّنة مخالفة له، بل غايتها أن تكون بيانًا لحُكمٍ سكَت عنه الكتاب.
ومثل هذا لا تُردُّ به السنن، وهذا الذي حذّر منه رسول الله - ﷺ - بعينه أن تترك السنّة إِذا لم يكن نظير حُكمها في الكتاب.
وأمَّا ترك أمّ المؤمنين -رضي الله عنها- لحديث الفُريعة، فلعله لم يبلغها. ولو بَلَغَها فلعلها تأولته، ولو لم تتأوله، فلعله قام عندها معارض له.
وبكل حال، فالقائلون به في تركهم لتركها لهذا الحديث؛ أعذر من التاركين له لترك أمّ المؤمنين له، فبين التركين فرقٌ عظيم.


وأمّا من قُتل مع النّبيّ - ﷺ -، ومن مات في حياته، فلم يأت قط أن نساءهم كن يعتددن حيث شئن، ولم يأت عنهن ما يُخالف حُكم حديث فُريعة ألبتة، فلا يجوز ترك السنة الثابتة لأمرٍ لا يعلم كيف كان، ولو عُلم أنهن كن يعتددن حيث شئن، ولم يأت عنهن ما يخالف حُكْم حديث الفريعة، فلعل ذلك قبل استقرار هذا الحكم وثبوته حيث كان الأصل براءة الذمة، وعدم الوجوب».
وجاء في «سُبل السلام» (٣/ ٣٨٥) -بعد حديث فُريعة بنت مالك رضي الله عنها-: «والحديث دليل على أن المتوفى عنها زوجها تعتد في بيتها الذي نوت فيه العدة، ولا تخرج منه إِلى غيره، وإلى هذا ذهب جماعة من السلف والخلف، وفي ذلك عدة روايات وآثار عن الصحابة ومن بعدهم.
وقال بهذا أحمد والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم. وقال ابن عبد البر: وبه يقول جماعة من فقهاء الأمصار بالحجاز والشام ومصر والعراق، وقضى به عمر بمحضر من المهاجرين والأنصار».
وجاء في «الروضة الندية» (٢/ ١٥٠): «وقد ذهَب إِلى العمل بحديث فريعة جماعة من الصحابة فمن بعدهم، وقد روي جواز الخروج للعذر عن جماعة من الصحابة فمن بعدهم، ولم يأت من أجاز ذلك بحجة تصلح لمعارضة حديث فريعة، وغاية ما هناك روايات عن بعض الصحابة وليست بحجة، لا سيما إِذا عارضَت المرفوع».
وقال شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٧/ ٢٠٧) في (التحقيق الثاني): "ثمّ رأيت ابن القيّم قد انتصر لصحة الحديث ... كما انتصر لقول من قال بوجوب العمل به -وهم الجمهور-، ويؤيّده تصحيح من صحّحه من الأئمة دون



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 34.88 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 34.25 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.80%)]