عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 15-01-2026, 05:11 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,041
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الخامس
من صــ 356الى صــ370
الحلقة (136)




ظهارًا، وكذا لو قال: كظهر أبي. وفي رواية عن أحمد: أنه ظهار وطرَّده (١) في كل من يحرُم عليه وطؤه حتى في البهيمة* (٢).
وخولة التي أشار إِليها في الحديث هي: خولة بنت مالك بن ثعلبة، قالت: ظاهَر مني زوجي أوس بن الصامت، فجئت رسول الله - ﷺ - أشكو إِليه، ورسول الله - ﷺ - يجادلني فيه، ويقول: اتّقي الله فإِنه ابن عمّك، فما برحت حتى نزل القرآن ﴿قد سمع الله قول التي تُجادلك في زوجها﴾ إِلى الفرض فقال: يعتق رقبة، قالت: لا يجد، قال: فيصوم شهرين متتابعين، قالت: يا رسول الله، إِنه شيخ كبير ما به من صيام، قال: فليطعم ستين مسكينًا قالت: ما عنده من شيء يتصدق به، قالت: فأُتي ساعتئذ بعرَقَ (٣) من تمر، قلت: يا رسول الله! فإِني أعينه بعرَق آخر، قال: قد أحسنتِ، اذهبي فأطعمي بها عنه ستين مسكينًا، وارجعي إِلى ابن عمّك» (٤).
ثمّ ذكر أقوال بعض العلماء -كأبي حنيفة وأصحابه والأوزاعي والثوري والشافعي في أحد قوليه- الذين قالوا بقياس المحارم على الأمَّ ولو من رضاع.

-----------------------
(١) أمضاه وأجراه.
(٢) انظر «نيل الأوطار» (٧/ ٥١).
(٣) العَرَق: ضفيرة تُنسج من خوص. وفي «صحيح سنن أبي داود» (١٩٣٦) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال:- يعني بالعَرَق: زنبيلًا يأخذ خمسة عشر صاعًا وفي «سنن أبي داود» (١٩٣٨) عن أوس أخي عبادة بن الصّامت: أن النبي - ﷺ - أعطاه خمسة عشر صاعًا من الشَّعير؛ إِطعام ستِّين مسكينًا. وانظر إِن شئت المزيد ما جاء في «عون المعبود» (٦/ ٢١٧) أحوال اختلاف العَرَق في السّعة والضّيق وأنه قد وكون بعضها أكبر من بعض.
(٤) أخرجه أحمد، وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٩٣٤)، غيرهما، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٠٨٧).



*فالظهار عندهم، هو تشبيه الرجل زوجته في التحريم بإِحدى المحرمات عليه، على وجه التأبيد بالنسب، أو المصاهرة، أو الرضاع* (١). إِذ العلة التحريم المؤبد (٢).
وإنْ قال: أنتِ كأمّي أو مِثل أمِّي ونوى به الكرامة والتوقير ونحو ذلك؛ فليس بظهار (٣).
وذكَر ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (١١/ ٢٥٥) قوله -تعالى-: ﴿الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هنّ أمهاتهم إِنْ أمّهاتهم إِلا اللائي ولَدْنهم﴾، ثمّ قال -رحمه الله-: «فهذه الآية تنتظم كلّ ما قلناه، لأن الله -عز وجل- لم يذكر إِلا الظهر من الأم، ولم يوجب -تعالى- الكفَّارة في ذلك إِلا بالعود لما قال».
وقال (ص ٢٦٢): «وقالت طائفة -منهم سفيان الثوري، والشافعي-: إنْ ظاهر برأس أُمّه، أو يدها فهو ظهار.
وقال أبو حنيفة: إِنْ ظاهر بشيء لا يحل له أن ينظر إِليه من أمه؛ فهو ظهار، وإِنْ ظاهر بشيء يحل له أن ينظر إِليه من أمه؟ فليس ظهارًا.
قال أبو محمد: وكل هذه مقاييس فاسدة، ليس بعضها أولى من بعض؛ وكذلك قياس قول مالك ذكَره ابن القاسم: أن ما ظاهر به من أعضاء أمه فهو ظهار! والحق من ذلك ما ذكرنا: من أن لا نتعدّى النّص الذي حدّه الله

----------------------
(١) ما بين نجمتين من»فقه السّنة«(٣/ ٧٨).
(٢) انظر»نيل الأوطار«بحذف (٧/ ٥١).
(٣) انظر»المغني" (٨/ ٥٥٩) بتصرّف.



-تعالى-. قال الله -تعالى-: ﴿ومن يتعدَّ حدود الله فقد ظلم نفسه﴾ (١)».
وجاء في «سبل السلام» (٣/ ٣٥٥): «وقد اتفق العلماء على أنه يقع بتشبيه الزوجة بظهر الأُمِّ، ثمّ اختلفوا فيه في مسائل:
الأولى: إِذا شبَّهها بعضو منها غيره، فذهب الأكثر إِلى أنه يكون ظهارًا أيضًا، وقيل: يكون ظهارًا إِذا شبّهها بعضو يحرم النظر إِليه. وقد عرفت أن النص لم يَرِد إِلا في الظهر.
الثانية: أنهم اختلفوا أيضًا فيما إِذا شبَّهها بغير الأم من المحارم فقالت الهادوية: لا يكون ظهارًا لأن النص ورَد في الأمِّ. وذهب آخرون منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة إِلى أنه يكون ظهارًا ولو شبَّهها بمحرم من الرضاع. ودليلهم القياس فإِنَّ العلة التحريم المؤبد، وهو ثابت في المحارم كثبوته في الأمِّ، وقال مالك وأحمد: إِنه ينعقد وإن لم يكن المشبه به مؤبد التحريم كالأجنبية، بل قال أحمد: حتى في البهيمة».
ثمّ قال -رحمه الله-: «ولا يخفى أنّ النص لم يرد إِلا في الأم. وما ذكر من إِلحاق غيرها بالقياس وملاحظة المعنى، ولا ينتهض دليلًا على الحُكم».
وجاء في «المغني» (٨/ ٥٥٦): «وإذا قال لزوجته: أنت عليّ كظهر أمّي أو كظهر امرأة أجنبية أو أنتِ عليَّ حرام، أو حرَّمَ عُضوًا من أعضائها فلا يطؤها حتى يأتي بالكفَّارة». ثمّ فصّل في ذلك.
أمّا شيخنا -رحمه الله- فهو يرى تقييد الظهار بالأمّ؛ تقيُّدًا بالنصّ.
وأقول: إِنَّ لفظ: ﴿يُظاهِرون﴾ له دلالته ولفظ: ﴿إِنْ أمّهاتهم إِلا اللائي

-----------------------
(١) الطلاق: ١.


ولدنهم﴾ له دلالته أيضًا، فالكفَّارة المختصة بهذا النَّوع جاءت لهذا النَّوع من اللفظ.
فالذي يترجَّح لدىَّ أنَّ الظِّهار يختصُّ بالأُمّ؛ لأن الله -تعالى- لم يذكر إِلا الظَّهر من الأُمّ، أمَّا غير الأمِّ فهو أشبه ما يكون بالتَّحريم: كقوله (أنتِ علىَّ حرام) وكفَّارتُه كفَّارة اليمين. وإذا أردنا أنْ نتوسَّع في النَّص فهذا يجرُّنا إِلى:
١ - التَّوسّع بغير لفظ الظَّهر؛ كقوله: أنتِ عليَّ كرِجل كذا، أو كيد كذا، وهكذا يذكر سائر الأعضاء.
٢ - ويَجُرُّنا إِلى التَوَسّع بكلِّ مُحَرَّم؛ من قرابة أو غيرها، أو ذكر أو أُنثى.
ولا دليل على هذا. والله -تعالى- أعلم،

ماذا يفعل من يُظاهر امرأته؟
يجب على من يُظاهر امرأته ألا يجامعها، فإِنَّها تحرُم عليه بظهارِه؛ حتى يكفّر عن ذلك؛ لقوله -تعالى-: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم ثمّ يعودون لمِا قالوا فتحرير رقبةٍ من قبل أن يتماسَّا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير * فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسَّا فمن لم يستطع فإِطعام ستين مسكينًا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم﴾ (١).

ماذا إِذا مسّ قبل التَّكفير؟
إذا مسّ الرجل قبل التكفير فقد خالَف أمْره -سبحانه- فى قوله: ﴿من قبل أن يتماسّا﴾. ولا دليل على أنّ الكفّارة تتضاعف.

---------------------
(١) المجادلة: ٣ - ٤.


فعن سلمة بن صخر البياضي عن النّبيّ - ﷺ - في المظاهر يواقع قبل أن يكفِّر، قال: «كفّارة واحدة» (١).

كفّارة الظهار:
والكفارة -كما ورد في الآيتين السابقتين، ولحديث سلمة بن صخر البياضي المتقدّم- عَتْق رَقَبَة، فمن لم يجد فعليه أن يصوم شهرين متتابعين، فمن لم يستطع؛ فعليه أن يُطعم ستين مسكينًا.
وجاء في «الفتاوى» (٣٤/ ٨): «وسئل -رحمه الله- عن رجل قال في غيظه لزوجته: أنتِ عليّ حرام مِثل أمّي؟
فأجاب: هذا مُظاهر من امرأته، داخل في قوله: ﴿الذين يُظاهرون منكم من نسائهم ما هُنّ أمَّهاتهم إِنْ أُمَّهاتهم إِلا اللائي ولدنهم ...﴾ فهذا إِذا أراد إِمساك زوجته ووطْأَها فإِنه لا يقربها حتى يكفِّر هذه الكفارة التي ذكَرها الله».
وفيه في (ص ٩): «وسئل -رحمه الله- عن رجل قالت له زوجته. أنتَ عليّ حرام مِثل أبي وأمي. وقال لها: أنْتِ عليَّ مِثلَ أُمِّي وأُختي: فهل يجب عليه طلاق؟
فأجاب: لا طلاق بذلك؛ ولكن إِنِ استمرَّ على النكاح فعلى كلٍّ منهما كفَّارة ظِهار قبل أنْ يجتمعا، وهي عتق رقبة، فإِن لم يجد فصيام شهرين متتابعين؛ فإِنْ لم يستطع فإِطعام ستِّين مسكينًا».

----------------------
(١) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٩٥٧)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٦٧٩)، وهو في «المشكاة» (٣٣٠١).


الإِيلاء

تعريفه:
الإِيلاء لغةً: الامتناع باليمين، والإِيلاء: الحَلِف، يقال: آلى يُؤلي إِيلاءً، فهو مُؤلٍ [ملتقط من «زاد العاد» (٥/ ٣٤٤) و«طَلِبة الطَّلَبَة» (ص ١٥٦)].
وهو في الشرع: اسمٌ لِيَمين؛ يمنع بها المرء نفسه مِن وطْء منكوحته. [«طَلِبة الطَّلَبَة» (ص ١٥٦)].
قال الله -تعالى-: ﴿للذين يُؤلون من نسائهم تربُّص (١) أربعة أشهر فإِن فاؤوا (٢) فإِنّ الله غفور رحيم وإِنْ عزموا الطلاق فإِنّ الله سميع عليم﴾ (٣).
فإِذا حَلَف الرجل ألا يجامع زوجته؛ مُدّةً تقِلُّ عن أربعة أشهر؛ فالأولى أن يكفّر عن يمينه ويجامعها، لقوله - ﷺ -: «من حلَف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها؛ فليكفّر عن يمينه، وليفعل» (٤).
فإِن لم يفعل فله أن ينتظر انقضاء المدة ثمّ يُجامعها.
عن أنس -رضي الله عنه- قال: «آلى (٥) رسولُ الله - ﷺ - من نسائه، وكانت

------------------------
(١) أي: يُنْتَظَرُ الزوج أربعة أشهر من حين الحَلِف، ثمّ يوقَف ويُطالب بالفيئة أو الطلاق.»تفسير ابن كثير".
(٢) أي: رجعوا إِلى ما كانوا عليه وهو كناية عن الجماع. المصدر نفسه.
(٣) البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧.
(٤) أخرجه مسلم: ١٦٥٠.

(٥) مشتقة من الإيلاء اللغوي؛ لا من الإِيلاء الفقهي؛ كما قال الكرماني.



انفكّت رِجْله، فأقام في مَشرُبةٍ (١) له تسعًا وعشرين ثمّ نزَل، فقالوا: يا رسول الله آليتَ شهرًا، فقال: الشهر تسعٌ وعشرون» (٢).
أمّا إِذا زادت المدّة على أربعة أشهر؛ فللزوجة مطالبة الزوج عند انقضاء المدّة بالجماع أو الطلاق، وعلى الحاكم أن يُجبره على ذلك، كيلا يضرَّ بها.
عن ابن عمر -رضي الله عنهما- كان يقول في الإِيلاء الذي سمّى الله: «لا يحلّ لأحدٍ بعد الأجل إِلا أن يُمسك بالمعروف أو يعزم بالطلاق؛ كما أمر الله -عز وجل-» (٣).
وفي رواية: «إِذا مضت أربعة أشهر؛ يوقف حتى يُطلِّق، ولا يقع عليه الطلاق حتى يطلّق» (٤).
ويُذكر ذلك عن عثمان وعليّ وأبي الدرداء وعائشة واثني عشَر رجُلًا من أصحاب النّبيّ - ﷺ -«(٥).
قال أبو عيسى الترمذي -رحمه الله-: الإِيلاء أنْ يحلف الرَّجل أنْ لا يَقْرب امرأته أربعة أشهرٍ فأكثر. واختلف أهل العلم فيه: إِذا مضت أربعة أشهر. فقال بعض أهل العلم، من أصحاب النّبي - ﷺ - وغيرهم: إِذا مضت أربعة أشهرٍ يوقف.

-------------------
(١) أي: غُرفَة.
(٢) أخرجه البخاري: ٥٢٨٩.
(٣) أخرجه البخاري: ٥٢٩٠.
(٤) أخرجه البخاري ٥٢٩١، وانظر كلام الحافظ -رحمه الله- للمزيد من الفوائد الحديثية.
(٥) رواه البخاري معلّقًا، وانظر»الفتح«و»مختصر البخاري«(٣/ ٤٠٦) لوصل المعلّقات، وكذا»الإِرواء" (٧/ ١٧٤) ولا سيما لأثر عثمان -رضي الله عنه-.



فإِمَّا أنْ يفيء، وإمَّا أنْ يُطلِّق. وهو قول مالك بن أنس، والشّافعي، وأحمد، وإِسحاق، وقال بعض أهل العلم، من أصحاب النّبي - ﷺ - وغيرهم: إِذا مضت أربعة أشهرٍ فهي تطليقة بائنة. وهو قول سفيان الثّوري، وأهل الكوفة (١).
والراجح: قول عمر وعثمان ومن قال بقولهما -رضي الله عنهم-، وهو اختيار ابن جرير -رحمه الله- في «تفسيره» فانظره -إِن شئت- فإِنَّه مهمّ.

الفسخ (٢)
تعريفه: فسْخ العقد: نقْضُه، وحَلّ الرابطة التي تربِط بين الزوجين، وقد يكون الفسخ بسببِ خللٍ وقَع في العقد، أو بسبب طارئ عليه يمنع بقاءه.
مثال الفسْخ بسبب الخلل الواقع في العقد:
١ - إِذا تمّ العقد، وتبيّن أن الزوجة التي عقَد عليها أخته من الرضاع، فُسخ العقد.
٢ - إِذا عَقد غير الأب والجد للصغير أو الصغيرة، ثمّ بلغ الصغير أو الصغيرة، فمِن حقّ كلٍّ منهما، أن يختار البقاءَ على الزوجية، أو إِنهاءَها، ويُسمّى هذا خيار البلوغ، فإِذا اختار إِنهاء الحياة الزوجية، كان ذلك فسخًا للعقد [وتقدّمت الأدلّة في كتاب النكاح].
مثال الفسْخ الطارئ على العقد:
١ - إِذا ارتد أحد الزوجين عن الإِسلام، ولم يعُد إِليه، فُسخ العقد بسبب

-----------------------
(١) انظر «صحيح سنن الترمذي» (١/ ٣٥٣).
(٢) عن «فقه السّنة» (٣/ ٨١).



الردّة الطارئة.
٢ - إِذا أسلَم الزوج، وأبَتْ زوجتُهُ أن تُسلِم، وكانت مشركة، فإِنَّ العقد حينئذ يُفسخ، بخلاف ما إِذا كانت كتابية، فإِن العقد يبقى صحيحًا كما هو؛ إِذ إِنَّه يصح العقد على الكتابية ابتداءً.
والفُرقة الحاصلة بالفسخ، غير الفُرقة الحاصلة بالطلاق؛ إِذ إِن الطلاق ينقسم إِلى طلاق رجعي وطلاق بائن، والرجعي لا يُنهي الحياة الزوجية في الحال، والبائن ينهيها في الحال.
أمّا الفسخ؛ سواء أكان بسبب طارئ على العقد، أم بسبب خلل فيه، فإِنه يُنهي العلاقة الزَّوجية في الحال.
ومن جهة أخرى، فإِنّ الفُرقة بالطلاق تَنْقُص عددَ الطلقات، فإِذا طلَّق الرجل زوجته طلقة رجعية، ثمّ راجعها، وهي في عدتها، أو عقد عليها بعد انقضاء العدة عقدًا جديدًا، فإِنه تحسب عليه تلك الطلقة، ولا يملك عليهما بعد ذلك إِلا طلقتين.
وأمّا الفُرقة بسبب الفسْخ؛ فلا ينقص بها عدد الطلقات، فلو فُسخ العقد بسبب خيار البلوغ، ثمّ عاد الزوجان وتزوجا، ملك عليها ثلاث طلقات. انتهى.
وتقدّم في كتاب «النكاح» الفسخ إِذا ثَبَتَ العيب بشرطه.

اللِّعان
قيل: هو مشتق من اللَّعن؛ لأنَّ كل واحد من الزوجين يلعن نفسه في


الخامسة؛ إِنْ كان كاذبًا.
وقال القاضي: سُمّي بذلك لأن الزوجين لا ينفكان من أن يكون أحدهما كاذبًا؛ فتحصل اللعنة عليه وهي الطرد والإِبعاد، والأصل فيه قول الله -تعالى-: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إِلا أنفسهم﴾ الآيات (١).
وجاء في «سبل السلام» (٣/ ٣٦٢): «وهو مأخوذ من اللعن؛ لأنه يقول الزوج في الخامسة: لعنة الله عليه إِنْ كان من الكاذبين. ويقال فيه: اللعان والالتعان والملاعنة».

مشروعيته:
قال الله -تعالى-: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلاَّ أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إِنّه لمن الصادقين * والخامسةُ أنّ لعنةَ الله عليه إِنْ كان من الكاذبين * ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إِنّه لمن الكاذبين * والخامسةَ أنّ غضب الله عليها إِنْ كان من الصادقين﴾ (٢).
ويكون هذا حين يقذف الرجل امرأته بالزنى، وتُنكر ذلك.
عن ابن عباس «أنّ هلال بن أمية قذَف امرأته عند النّبيّ - ﷺ - بشريك بن سحماء، فقال النّبيّ - ﷺ -: البيّنة أو حدٌّ في ظهرك فقال: يا رسول الله! إِذا رأى أحدنا على امرأته رجلًا ينطلق يلتمس البيّنة؟ فجعل النّبيّ - ﷺ - يقول: البيّنة وإِلا حدٌّ في ظهرك، فقال هلال: والذي بعثَك بالحق إنِّي لصادق، فلَيُنزلنّ الله

--------------------
(١) انظر»المغني" (٩/ ٢).
(٢) النور: ٦ - ٩.



ما يُبرّئ ظهري من الحدِّ، فنزَل جبريل وأنزَل عليه ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ فقرأ حتى بلغ: ﴿إِنْ كان من الصادقين﴾، فانصرف النّبيّ - ﷺ - فأرسل إِليها، فجاء هلال فَشَهِدَ، والنّبيّ - ﷺ - يقول: إِن الله يعلم أنَّ أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ ثمّ قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا: إِنها مُوجبة.
قال ابن عباس: فتلكأت ونكصت حتى ظننّا أنها ترجع، ثمّ قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت، فقال النّبيّ - ﷺ -: أبصِروها، فإِنْ جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين (١)، خدلّج (٢) الساقين؛ فهو لشريك بن سحماء؛ فجاءت به كذلك، فقال النّبيّ - ﷺ -: لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن» (٣).

متى يكون اللّعان؟
*يكون اللعان في صورتين:
الصورة الأولى: أن يرميَ الرجل امرأته بالزنى، ولم يكن له أربعة شهود؛ يشهدون عليها بما رماها به.
الصورة الثانية: أن ينفيَ حَمْلها منه.
وإنما يجوز في الصورة الأولى إِذا تحقق من زناها؛ كان رآها تزني، أو أقرَّت

-------------------
(١) سابغ الأليتين: أي تأمَّهما وعظِيمهما «النهاية».
(٢) الخَدْل والخدلَّج: الغليظ المُمتلئ السّاق، وانظر «النهاية».
(٣) أخرجه البخاري: ٤٧٤٧، ومسلم: ١٤٩٦.



هي، ووقع في نفسه صِدْقها، والأولَى في هذه الحال، أن يُطلّقها ولا يلاعنها، فإِذا تحقَّق مِنْ زناها، فإِنه لا يجوز له أن يرميَها به، ويكون نفي الحمل في حالة ما إِذا ادعى أنه لم يطأها أصلًا، من حين العقْد عليها* (١) [أو ادّعى أنّ هذا الوطء لم يجرّ حملًا ببينةٍ يُدليها].

صفة اللعان (٢):

صفة اللعان: هو أن من قَذَف امرأته بالزِّنى هكذا مُطلقًا، أو بِإِنسانٍ سمَّاه فواجب على الحاكم أنْ يجمعهما في مجلسه، ثمَّ يسأله البيّنة على ما رماها به. فإِنْ أتى ببينة عدول أقيم عليها الحد.
فإِنْ لم يأت بالبيّنة قيل له: التَعِن. فيقول: بالله إِني لمن الصادقين، بالله إِنّي لمن الصادقين، بالله إِنّي لمن الصادقين، بالله إِنّي لمن الصادقين، هكذا يكرر، بالله إِني لمن الصادقين، أربع مرات.
ثم يأمر الحاكم مَن يضَع يَده على فيه، ويقول له: إِنها موجبة؟ فإِنْ أبى، فإِنه يقول: وعليَّ لعنة الله إِن كنت من الكاذبين. فإذا أتمَّ هذا الكلام سقط عنه الحد لها، والذي رماها به.
فإن لم يلتعن حُدَّ حَدّ القذف [لقوله - ﷺ - في حديث اللعان المتقدِّم: «البيّنة وإِلا حدٌّ في ظهرك»].
فإذا التَعن قيل لها: إِن التعنت وإلا حُدِدتِ حَدّ الزنى، فتقول: بالله إِنه لمن الكاذبين، بالله إِنه لمن الكاذبين، بالله إِنه لمن الكاذبين، بالله إِنه لمن الكاذبين،

-------------------
(١) ما بين نجمتين من «فقه السّنة» (٣/ ٨٥).
(٢) عن «المحلى» (١١/ ٤١٧) بحذف وتصرف يسير.



تُكرر بالله إِنه لمن الكاذبين، أربع مرات.
ثمّ تقول: وعليّ غضب الله إِنْ كان لمن الصادقين، ويأمر الحاكم من يوقفها عند الخامسة، ويخبرها بأنها موجبة لغضب الله -تعالى- عليها، فإِذا قالت ذلك برئت من الحد، وانفسخ نكاحها منه، وحرُمت عليه أبد الآبد، لا تحل له أصلًا -لا بعد زوج ولا قبله- ولا وإِن أكذب نفسه، لكن إِن أكذب نفسه حُدّ فقط.

الحاكم هو الذي يقضي باللعان:
ويتبيّن مما سبق أنّ الحاكم هو الذي يقضي باللعان، وقد تقدّم حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- في قذْف هلال بن أميّة امرأته عند رسول الله - ﷺ - بشريك بن سحماء وفيه ما يدل على ذلك؛ إِذ كان اللعان بقضاء النبي - ﷺ -.

اشتراط العقل والبلوغ:
يُشترط في اللعان: العقل والبلوغ في كُلٍّ من المتلاعِنَين:
عن عائشة -رضي الله عنها- إِن رسول الله - ﷺ - قال: «رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر» (١).
وعن علي -رضي الله عنه- عن النبيّ - ﷺ - قال: «رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل» (٢).

-----------------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٦٩٨)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٦٦٠)، وغيرهما، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (٢٩٧)، وتقدّم.
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٧٠٣)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٦٦١)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١١٥٠)، وغيرهم وانظر «الإِرواء» (٢/ ٦)، وتقدّم.



وجاء في كتاب «الإِجماع» لابن المنذر (ص ٨٥): «وأجمعوا أنّ الصبي إِذا قذف امرأته، أنه لا يُضرب، ولا يُلاعَن».

لعان الأخرسَيْن (١):
يشرع لِعان الأخرَسَيْن لقوله -تعالى-: ﴿لا يُكلِّف الله نفسًا إِلا وُسْعها﴾،
وليس في وسعه الكلام، فلا يجوز أن يُكلّف إِياه، وقال رسول الله - ﷺ -: «وإِذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (٢). فصح أنه يلزم كل أحد مما أمر الله -تعالى- به ما استطاع، والأخرس يستطيع الإِفهام بالإِشارة، فعليه أن يأتي بها. وكذلك من لا يحسن العربية؛ يلتعن بِلُغته بألفاظ يُعبِّر بها عما نص الله -تعالى- عليه«.

مسائل في الامتناع عن اللعان أو عدم إِتمامه:
إِذا قذَف الرجل امرأته بالزنى ثمّ امتنع عن اللعان أو لم يتمّه أو أكذب نفسه (٣)؛ فعليه حدّ القَذف لقوله -تعالى-: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إِلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إِنه لمن الصادقين﴾ (٤).
فإِذا لم يُقم الشهادة التي أمر الله -تعالى- بها قُذِف للحديث المتقدّم:

---------------------
(١) انظر»المحلّى«(١١/ ٤٢٤).
(٢) أخرجه البخاري: ٧٢٨٨، ومسلم: ١٣٣٧.
(٣) انظر»المحلّى" (١١/ ٤١٨).
(٤) النور: ٦.



«البيّنة أو حدٌّ في ظهرك».
وإِذا كان الامتناع من الزوجة؛ أُقيمَ عليها حدّ الزنى.

ماذا يترتب على اللعان:
١ - بتمام الالتعان من الزوجين؛ يقع التَّفريق الأبدي، فعن سهل بن سعد قال: «مضت السّنة بَعْدُ في المتلاعِنَيْن: أن يُفَرَّق بينهما، ثمّ لا يجتمعان أبدًا» (١).
وعن عمر -رضي الله عنه-: «المتلاعنان يُفرَّق بينهما ولا يجتمعان أبدًا» (٢).
قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (١١/ ٤٢٣): «وقوله -عليه الصلاة والسلام- لا سبيل لك عليها، مَنْعٌ مِن أن يجتمعا أبدا بكل وجه، ولم يقل -عليه الصلاة والسلام- ذلك بنص الخبر إِلا بعد تمام التعانهما جميعًا، فلا يقع التفريق إِلا حينئذ.
٢ - يأمر القاضي أن تُمسك المرأة عند ثقةٍ حتَّى تَلِد؛ عن سهل بن سعد -رضي الله عنه-»أنَّ النبي - ﷺ - قال لعاصم بن عدي: أمسك المرأة (٣) عندك؛ حتَّى تَلِد«(٤).

------------------
(١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٩٦٩)، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء«(٢١٠٤).
(٢) أخرجه البيهقي، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء«(٢١٠٥).
(٣) وهي امرأة عويمر بن أشقر العجلانيّ.
(٤) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود" (١٩٦٥).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 35.37 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 34.75 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.78%)]