مكارم الأخلاق.. توقير العلماء
يتعجب بعض أقاربي من شربي الشاي والقهوة دون سكر. - بدأت هذه العادة (الحسنة) منذ أكثر من أربعين سنة أثناء إنهائي لمرحلة الدكتوراة؛ لعدم توفر السكر في المكاتب المشتركة لطلبة الدراسات العليا؛ فأعددت قهوتي واستمتعت بمذاقها (المرّ)، وأصبحت عادة بعد ذلك وتأصلت باتباع الإرشادات الصحية باجتناب (السمّ الأبيض) كما يقولون، السكر والملح. كان اجتماع العائلة الأسبوعي، يوم الخميس مع أن الالتزام به أصبح أقل بكثير مما كان عليه في حياة الوالدة -رحمها الله- قبل ثلاثة أعوام. سألت شقيقتي: - سمعت أحد المشايخ يقول: إن حديث قراءة سورة الكهف يوم الجمعة (ضعيف)، هل هذا الكلام صحيح؟ قبل أن أرد عليها تدخل (أبو أحمد)، -ولا اهتمام له بالعلم الشرعي: - وما لنا ولهذا الشيخ وغيره؟ قراءة القرآن فيها أجر عظيم، لماذا نسمع آراء فلان وفلان؟! لم يعجبني رده وحافظت على هدوئي. - قبل أن نتحدث عن حديث قراءة سورة الكهف يوم الجمعة يجب أن نبين قضية أهم بكثير وهي (توقير العلماء). قاطعني: - أنا لا أهتم لرأي أحد، الدين واضح، ولا أحتاج أن أعرف أقوال (الألباني)، و(ابن باز)، و(ابن عثيمين)، ولا غيرهم. أدركت أنه يحتاج إلى توضيح! - لك أن تفعل ما تشاء، ولكن دعني أبين للباقي قضية مهمة، يقول الله -تعالى-: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (آل عمران:18)، وفي الحديث: «إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهما، إنما ورثوا العلم؛ فمن أخذه أخذ بحظ وافر» (صحيح الترمذي)؛ ففي الآية قرن الله -عز وجل- شهادتهم بشهادته -سبحانه وتعالى- وهذا تشريف لا تشريف بعده، وفي الحديث بيّن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم يحملون ميراث النبوة؛ العلم، ولا شك أن هذا تشريف عظيم. العلماء هم الذين ينقلون لنا الصحيح من دين الله، منذ عهد الصحابة وإلى يوم القيامة فهم الذين يحفظون الدين نقيًا، ويبينون الصواب من الخطأ فلا يمكن لمرء يريد الهداية أن يستغني عنهم؛ بل الواجب توقيرهم واحترامهم دون مغالاة ولا مجافاة؛ فمكانتهم محفوظة بحفظ الله لها: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} (الزمر:9)؛ فمن التقرب إلى الله، ومن أخلاق المؤمن التي بينها النبي - صلى الله عليه وسلم - توقير العلماء كما في الحديث, عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس منا من لم يجلّ كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه» (صحيح الترغيب). - وكيف نتبعهم، وهم يختلفون! وهم أحيانا يخطئ بعضهم بعضا؟ - الاختلاف من طبيعة البشر، والعلماء بشر يجتهدون، وهم أهل للاجتهاد، والمجتهد إذا أصاب له أجران وإذا أخطأ له أجر! قاطعني مرة أخرى: - كل واحد يأتي ويفتي ويتكلم في دين الله، وفي الأحاديث، حتى أن بعضهم، قال: إن (صحيح البخاري) لا يؤخذ به! - ليس كل من زعم قولا، يؤخذ بقوله، العالم هو من شهد له علماء زمانه بعلمه، يقول الإمام مالك: «ما جلست للفتوى حتى شهد لي سبعون شيخا من أهل العلم أنى موضع لذلك»؛ فالعلماء يشهد بعضهم لبعض، اجتمع (ابن باز) و(ابن عثيمين) و(الألباني) في الحج ذات سنة، وأكبرهم (ابن باز)، فتم تقديم الألباني للصلاة بهم قال: كلنا يحفظ كتاب الله وأنت أعلمنا بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم -! هكذا هم العلماء، ينبغي أن يكون للعلماء مكانة عند المسلم بحيث يعرف قدرهم ويتبعهم، ولا يقدسهم، وهذه هي تعاليمهم هم: قال أبو حنيفة: «إذا صح الحديث فهو مذهبي». وقال مالك: «إنما أنا بشر أخطئ وأصيب؛ فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وإلا فاتركوه». وقال الشافعي: «ما من أحد إلا وقد تذهب عليه سنة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فمهما قلت من قول أو أصّلت من أصل فيه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلاف ما قلت، فالقول ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو قولي»؛ فيجب موالاة العلماء ومحبتهم: فهم أولى الناس بالموالاة وأحقهم بالمحبة في الله بعد الأنبياء؛ قال شيخ الإسلام: «يجب على المسلمين بعد موالاة الله -تعالى-، ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، موالاة المؤمنين خصوصا العلماء الذين هم ورثة الأنبياء ...», قال الشافعي -رحمه الله- للإمام أحمد: «أنتم أعلم بالحديث مني، فإذا صحّ عندكم الحديث فقولوا لنا حتى آخذ به». قال ابن تيمية: «كل أمة قبل مبعث نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - فعلماؤها شرارها، إلا المسلمين، فإن علماءهم خيارهم؛ فإنهم خلفاء الرسول في أمته، والمحيون لما مات من سنته» (رفع الملام عن الائمة الأعلام 1-8», قال ابن القيم -رحمه الله-: «إن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة، قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور، بل ومأجور لاجتهاده، فلا يجوز أن يتبع فيها، ولا يجوز أن تهدر مكانته ومنزلته في قلوب المسلمين»، وإذا كانت زلة العالم هذه غير ذات أثر على الناس، فالواجب سترها لعله يرجع عنها. (إعلام الموقعين 3-283). قاطعتني شقيقتي (أم فيصل): - لقد نسينا سؤالنا الأول عن قراءة سورة الكهف يوم الجمعة؟ ابتسمت. - معك حق، ولكن موضوع توقير العلماء أهم، أما الجواب عن سؤالك فهو من أقوال العلماء وليس مني وإليك ما قالوا: روى الحاكم في المستدرك مرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين» (صححه الألباني)، هذا أصح ما ورد، مع أن بعض أهل العلم ضعّف هذا الحديث وذكره موقوفا، ولكني أقول: إن الألباني أعرف بالأحاديث من غيره في عصرنا، والله أعلم.
اعداد: د. أمير الحداد