عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 12-01-2026, 04:41 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,638
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الثانى
من صــ 361الى صــ 375
الحلقة (54)





الذكر» (١).
وعن أوس بن أوس الثقفي -رضي الله عنه- قال: سمعْت رسول الله - ﷺ - يقول: «من غسَّل يوم الجمعة واغتسل، وبكّر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإِمام فاستمع ولم يلْغُ، كان له بكلّ خطوة عمل سنة، أجر صيامها وقيامها» (٢).
وأوّل ساعة تبدأ من طلوع الشمس في الغالب كما أفادني شيخنا -شفاه الله-، ولكن قد يتفق أهل حيٍّ أو قرية على الصلاة في وقتٍ ما قبل الزوال؛ فعندئذ تكون الساعة الخامسة قبل صعود الإِمام المنبر، وترتيب الساعات الباقية معروفة. والله أعلم.
وسألت شيخنا -شفاه الله تعالى- عن أول تبكير صلاة الجمعة فقال: متى يصلّي العيد؟ قلت: بعد ارتفاع وقت الكراهة، فقال: هذا هو.

الدنو من الإِمام:
عن سمرة بن جندب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «احضروا الذِّكر وادنوا من الإِمام، فإِنّ الرجل لا يزال يتباعد؛ حتى يُؤخَّر في الجنّة وإنْ دخلها» (٣).

----------------------
(١) أخرجه البخاري: ٨٨١، ٩٢٩، ومسلم: ٨٥٠
(٢) أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وحسّنه النسائي وابن ماجه وغيرهم، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٦٨٧).
(٣) أخرجه أبو داود والحاكم وغيرهما، وانظر «الصحيحة» (٣٦)، وتقدّم حديث أوس بن أوس الثقفي: «... ودنا من الإمام».


عدم تخطّي الرقاب:
عن عبد الله بن بُسر قال: «جاء رجل يتخطى رقاب النّاس يوم الجمعة والنّبيّ - ﷺ - يخطب، فقال النّبيّ - ﷺ -: اجلس فقد آذيت وآنيت (١)» (٢).

تخطي الرقاب لحاجة:
عن عقبة بن الحارث قال: «صلّيت وراء النّبيّ - ﷺ - بالمدينة العصر، فسلّم ثمَّ قام مسرعًا، فتخطى رقاب الناس إِلى بعض حُجَر نسائه، ففزع الناس من سرعته، فخرج عليهم، فرأى أنّهم عجبوا من سرعته فقال: ذكرت شيئًا من تبْرٍ (٣) عندنا، فكرهت أن يحبسني فأُمرت بقِسمته» (٤).

مشروعية التنفّل قبلها:
١ - عن نافع قال: كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة، ويصلّي بعدها ركعتين في بيته، ويُحدّث أنّ رسول الله - ﷺ - كان يفعل ذلك«(٥).
٢ - وعن أبي هريرة عن النّبيّ - ﷺ - قال:»من اغتسل ثمَّ أتى الجمعة فصلّى ما قُدِّرَ له ثمَّ أنصت حتى يفرغ من خطبته، ثمَّ يصلّيَ معه غُفر له ما بينه وبين

----------
(١) آنيت: أي: آذيت بتخطّي الرقاب وأخّرت المجيء وأبطأت. «مجمع».
(٢) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٩٨٩) وغيرهما، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٧١٣).
(٣) ما كان من الذهب غير مضروب. قاله الكرماني (٥/ ١٩٨).
(٤) أخرجه البخاري: ٨٥١
(٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٩٩٨)، وانظر «تمام المنّة» (٣٢٦).



الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام» (١).

إِذا رأى الإِمام رجلًا جاء وهو يخطب أمره أن يصلّي ركعتين (٢).
عن جابر بن عبد الله قال: «جاء رجل والنّبيّ - ﷺ - يخطب الناس يوم الجمعة فقال: أصلّيت يا فلان؟ قال: لا، قال: قم فاركع» (٣).
وفي رواية: «إِذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإِمام يخطب؛ فليركع ركعتين وليتجوّز (٤) فيهما» (٥).

تحوُّل مَن غلبه النعاس عن مكانه:
عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إِذا نعس أحدكم وهو في المسجد؛ فليتحوّل من مجلسه ذلك إِلى غيره» (٦).

وجوب صلاة الجمعة:
قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا نُودي للصلاة (٧) من يوم الجُمُعة

------------------------
(١) أخرجه مسلم: ٨٥٧
(٢) هذا العنوان من البخاري.
(٣) أخرجه البخاري: ٩٣٠، ومسلم: ٨٧٥
(٤) فليخفّفها ويسرع بها وهو من الجَوْز: القطع والسَّير. وانظر «النهاية».
(٥) أخرجه مسلم: ٨٧٥
(٦) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٩٩٠) وغيرهما، وانظر «الصحيحة» (٤٦٨).
(٧) قال شيخنا -شفاه الله- تعليقًا على الحديث (٢٢٠٦) من «الضعيفة»: "وقد اختلفوا في الأذان المحرِّم للعمل: أهو الأول أم الآخر؟ والصواب أنه الذي يكون =



فاسعَوا إِلى ذِكر الله وذَرُوا البيعَ ذلكم خيرٌ لكم إِنْ كنتم تعلَمون﴾ (١).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «نحن الآخِرون السابقون يوم القيامة، بَيْد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثمَّ هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله، فالناس لنا فيه تبَعٌ، اليهود غدًا (٢) والنصارى بعد غد (٣)» (٤).
وعن عبد الله بن مسعود أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال لقوم يتخلّفون عن الجمعة: «لقد هممْتُ أن آمر رجلا يصلّي بالناس، ثمَّ أُحَرِّقَ على رجال يتخلّفون عن الجمعة بيوتهم» (٥).
وعن عبد الله بن عمر وأبي هريرة أنهما سمعا رسول الله - ﷺ - يقول على أعواد منبره: «لَينتَهينّ أقوام عن ودْعِهم (٦) الجمعات، أو ليختمنّ الله على قلوبهم ثمَّ ليكونُنّ من الغافلين» (٧).

----------------
= والإمام على المنبر، لأنه لم يكن غيره في زمن النّبيّ - ﷺ -، فكيف يصحّ حمل الآية على الأذان الذي لم يكن ولم يوجد إلاَّ بعد وفاته - ﷺ -«.
(١) الجمعة: ٩
(٢) أي: السبت.
(٣) أي: الأحد.
(٤) أخرجه البخاري: ٨٧٦، ومسلم: ٨٥٥، وفي رواية له برقم (٨٥٦):»فكان لليهود يومُ السبت، وكان للنصارى يومُ الأحد".
(٥) أخرجه مسلم: ٦٥٢
(٦) أي: ترْكهم.
(٧) أخرجه مسلم: ٨٦٥



وعن أبي الجعد الضَّمْري وكانت له صحبة عن النّبيّ - ﷺ -: من ترك ثلاث جمع تهاونًا بها؛ طبع الله على قلبه» (١).
وعن أسامة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من ترك ثلاث جمعات من غير عُذر؛ كُتب من المنافقين» (٢).
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «من ترك الجمعة ثلاث جُمَع متواليات، فقد نبذَ الإِسلام وراء ظهره» (٣).
ولما تقدّم من النصوص أقول:
يجب شهود الجمُعة على كلّ مسلم، ويُستثنى من ذلك: العبد المملوك (٤)، والمرأة والصبي والمريض الذي يشقّ عليه حضورها، أو يخاف زيادة المرض أو تأخّر البرء.
فعن طارق بن شهاب عن النّبيّ - ﷺ - قال: «الجمعة حقٌّ واجب على كل

-----------------
(١) أخرجه أحمد وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٩٢٨) والنسائي والترمذي وابن ماجه، وانظر»المشكاة«(١٣٧١)، و»صحيح الترغيب والترهيب«(٧٢٦).
(٢) أخرجه الطبراني في»الكبير«وحسنه شيخنا في»صحيح الترغيب والترهيب«(٧٢٨).
(٣) أخرجه أبو يعلى موقوفًا بإِسناد صحيح، وانظر»صحيح الترغيب والترهيب«(٧٣٢).
(٤) وسألت شيخنا -حفظه الله تعالى-:»هل تسقط عنه الجمعة إِذا منعَه سيده، فقال: في الأصل تسقط الجمعة عنه".



مسلم في جماعة إلاَّ أربعةً: عبدٌ مملوك أو امرأةٌ أو صبيٌّ أو مريضٌ» (١).
ويلحق بالمريض من يقوم على عنايته إِذا دعَت الحاجة إِلى ذلك، فعن إِسماعيل بن عبد الرحمن «أنَّ ابن عمر -رضي الله عنهما- دُعي يوم الجمعة وهو يتجهّز للجمعة إِلى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وهو يموت، فأتاه وترَك الجمعة».
وفي رواية ...: «مرض في يوم الجمعة فركب إِليه بعد أن تعالى النهار واقتربت الجمعة وترك الجمعة» (٢)
ويستثنى من ذلك أيضًا المسافر لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «ليس على مسافر جمعة» (٣)، ولقول عمر لأحدهم: «اخرُج؛ فإِنَّ الجمعة لا تحبس عن سفر» (٤).
«وقد دلّ الاستقراء على أنَّ النّبيّ - ﷺ - سافر هو وأصحابه في الحج وغيره، فلم يصلِّ أحدٌ منهم الجمعة مع اجتماع الخلق الكثير» (٥).
ويستثنى من ذلك أيضًا كلّ معذور أُذن له أن يترك الجماعة لعُذر المطر أو الوحل أو البرد ونحو ذلك.

----------------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٩٤٢) وغيره وانظر«الإِرواء» (٥٩٢).
(٢) كذا في «الإِرواء» (٥٥٢)، وقال شيخنا فيه: أخرجه البخاري والبيهقي، وأخرجه الحاكم ... بلفظ: «أنَّه استصرخ في جنازة سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وهو خارج من المدينة يوم الجمعة، فخرج إِليه ولم يشهد الجمعة».
(٣) تقدّما في باب السفر يوم الجمعة.
(٤) تقدّما في باب السفر يوم الجمعة.
(٥) انظر «الإِرواء» (٥٩٤).



فعن عبد الله بن عبّاس -رضي الله عنهما- أنَّه قال لمؤذِّنه في يوم مطير: إِذا قلت:»أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلّوا في بيوتكم، قال: فكانّ الناس استنكروا ذاك فقال: أتعجبون من ذا؟ قد فعل ذا مَن هو خير منّي؛ إِنَّ الجمعة عَزْمَة (١) وإني كرهتُ أن أُخرجكم فتمشوا في الطين والدَّحْضِ (٢) «(٣).
وعن أبي المليح عن أبيه أنّه شهد النّبيّ - ﷺ - زمن الحديبية في يوم جمعة وأصابهم مطر؛ لم تبتلّ أسفل نعالهم فأَمَرهم أن يصلّوا في رحالهم» (٤).

أداء الجمعة في المسجد الجامع:
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان الناسُ ينتابون يومَ الجُمعة (٥) من منازلهم العوالي (٦) ... «(٧).
وقال عطاء (٨) إِذا كنت في قرية جامعة؛ فنُوديَ بالصلاة من يوم الجمعة

---------------------
(١) أي: واجبة متحتمة ضد الرخصة.
(٢) قال النووي: الدحض والزلل والزلق ... كله بمعنى واحد.
(٣) أخرجه البخاري: ٦١٦، ومسلم ٦٩٩ وهذا لفظه، وتقدّم.
(٤) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٩٣٢)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٧٦٤)، وانظر»الإرواء«(٢/ ٣٤١).
(٥) أي: أتونها ويقصدونها، وفي»الفتح" أي: يحضرونها نوبًا، وفي رواية: يتناوبون.
(٦) هي القرى التي حول المدينة على أربعة أميال فصاعدًا منها.
(٧) أخرجه البخاري: ٩٠٢، ومسلم: ٨٤٧
(٨) قال عطاء: وصَله عبد الرزاق عن ابن جريج عنه.



فحقٌّ عليك أن تشهدها، سمعْتَ النداء أو لم تسمعه (١)، وكان أنس (٢) -رضي الله عنه- في قصره أحيانًا يُجمِّعُ، وأحيانًا لا يُجمِّع، وهو بالزاوية (٣) على فرسخين».
وجاء في «الإِرواء» (٣/ ٨١) برقم (٦٢٥) -بحذف-: «حديث أنَّ النّبيّ - ﷺ - وخلفاءه لم يقيموا إلاَّ جمعة واحدة»، صحيح متواتر كذا قال ابن الملقن في «البدر المنير» (ق ٥٢/ ١) ويعني: التواتر المعنوي، وإلاَّ فإِنّي لا أعرف حديثًا واحدًا بهذا اللفظ، وما أظن المؤلّف أراد أنَّ هذا اللفظ وارد، بل هو مأخوذ بالاستقراء كما قال الحافظ في «التلخيص» (ص ١٣٢) قال: فلم يكن بالمدينة مكان يجمع فيه إِلا مسجد المدينة، وبهذا صرّح الشافعي فقال: «ولا يُجمع في مصر وإن عظُم، ولا في مساجد إِلا في مسجد واحد، وذلك لأنَّ النّبيّ - ﷺ -، والخلفاء بعده لم يفعلوا إلاَّ كذلك». وروى ابن المنذر عن ابن عمر أنّه كان يقول: لا جمعة إلاَّ في المسجد الأكبر الذي يُصلّي فيه الإِمام، وروى أبو داود في «المراسيل» عن بكير بن الأشج أنَّه كان بالمدينة تسعة مساجد مع مسجده - ﷺ -، يسمع أهلها تأذين بلال، فيصلّون في مساجدهم، زاد يحيى بن يحيى في روايته: «ولم يكونوا يصلّون في شيء من تلك المساجد إلاَّ في مسجد النّبيّ - ﷺ -». أخرجه البيهقي في «المعرفة».

--------------------------
(١) يُفهم جواز عدم تلبية نداء الصلوات المكتوبة إِذا لم يسمعها.
(٢) وكان أنس -إِلى قوله- لا يُجمّع: وصله مسدد في مسنده الكبير عن أبي عوانة عن حميد بهذا. «فتح» (٢/ ٣٨٥).
(٣) الزاوية: موضع ظاهر البصرة معروف، كانت فيه وقعه كبيرة بين الحجاج وابن الأشعث. «فتح» (٢/ ٣٨٥).



ويشهد له صلاة أهل العوالي مع النّبيّ - ﷺ - الجمعة كما في»الصحيح«...».

وقتها:
قال شيخنا في «الأجوبة النافعة» (ص٢٠ - ٢٥) -بتصرف-: للأذان المحمدي وقتان: الأول: بعد الزوال مباشرة، وعند صعود الخطيب.
والآخر: قبل الزوال عند صعود الخطيب أيضًا، وهذا مذهب أحمد بن حنبل -رحمه الله- وغيره.
أما الأوّل فدليله حديث السائب بن يزيد: «أنّ الأذان كان أوله حين يجلس على المنبر» (١). فهذا صريح في أنّ الأذان كان حين قيام سبب الصلاة، وهو زوال الشمس عن وسط السماء، مع جلوس الإِمام على المنبر في ذلك الوقت، ويشهد لهذا [ما ثبت] عن سعد القَرَظ مؤذّن النّبيّ - ﷺ - «أنَّه كان يؤذّن يوم الجمعة على عهد رسول الله - ﷺ -؛ إِذا كان الفيء مثل الشراك (٢)» (٣). أخرجه ابن ماجه (١/ ٣٤٢)، والحاكم: (٣/ ٦٠٧).

------------------------
(١) أخرجه البخاري: ٩١٢، وخرّجه شيخنا وجمع ألفاظه وطرقه وزياداته في «الكتاب المشار إِليه» (ص ٨).
(٢) الشراك: أحد سُيور النعل التي تكون على وجهها، وقدْره ها هنا ليس على معنى التحديد، ولكن زوال الشمس لا يبين إلاَّ بأقلّ ما يُرى من الظلّ ... والظلّ يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة. «النهاية».
(٣) وذلك يكون أول ما يظهر زوال الشمس وهو المراد. قاله أبو الحسن السندي على ابن ماجه.



وقال الحافظ ابن حجر: في النسائي: أن خروج الإِمام بعد الساعة السادسة وهو أول الزوال (١).

الأحاديث في الوقت الآخر (قبل الزوال):
وأمّا الوقت الآخر ففيه أحاديث:
١ - عن سلمة بن الأكوع قال: «كنّا نُجمِّع (٢) مع رسول الله - ﷺ - إِذا زالت الشمس، ثمَّ نرجع نتتبع الفيء» (٣).
٢ - عن أنس «أن رسول الله - ﷺ - كان يصلّي الجمعة حين تميل الشمس» (٤).

-----------------------
(١) قال شيخنا في التعليق: في «تلخيص الحبير» (٤/ ٥٨٠) وهو يشير بذلك إِلى حديث أبي هريرة مرفوعًا: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرّب بدنة ...» الحديث، وفيه: «ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرّب بيضة، فإِذا خرج الإِمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر»، وهو في «الصحيحين» أيضًا .... وقد ناقش السندي ما ذكره الحافظ أن خروج الإِمام بعد الساعة السادسة فقال: «ولا يخفى أن زوال الشمس في آخر الساعة السادسة وأول الساعة السابعة، ومقتضى الحديث أن الإِمام يخرج عند أول الساعة السادسة، ويلزم منه أن يكون خروج الإِمام قبل الزوال فليتأمل»، وقد أجاب عن هذا الحافظ بما تراه مشروحًا في كتابه «فتح الباري» (٢/ ٢٩٤) فليراجعه من يشاء ..
(٢) أي: نصلّي الجمعة.
(٣) أخرجه البخاري: ٤١٦٨، ومسلم: ٨٦٠
(٤) أخرجه البخاري: ٩٠٤. جاء في «عون المعبود» (٣/ ٣٠٠) -بحذف يسير-: إِذا مالت الشمس أي: زالت الشمس، قال الطيبي: أي يزيد على الزوال مزيدًا يُحسّ ميلانها. وفي «المرقاة»: أي: مالت إِلى الغروب وتزول عن استوائها بعد تحقق الزوال.



٣ - عن جابر -رضي الله عنه-: «كان رسول الله - ﷺ - إِذ زالت الشمس صلّى الجمعة» (١).
وهذه الأحاديث ظاهرة الدلالة على ما ذكَرنا، وذلك أنّه من المعلوم أنّه - ﷺ - كان يخطب قبل الصلاة خطبتين؛ يقرأ فيهما القرآن ويذكّر الناس؛ حتى كان أحيانًا يقرأ فيها ﴿ق والقرآن المجيد﴾.
ففي «صحيح مسلم» (٣/ ١٣) عن أمّ هشام بنت حارثة بن النعمان قالت: «ما أخذْتُ ﴿ق والقران المجيد﴾ إلاَّ عن لسان رسول الله - ﷺ - يقرأها كلّ يوم جمعة على المنبر إِذا خطب الناس» [وتقدّم]. وصحّ عنه أنَّه قرأ فيها سورة براءة. رواه ابن خزيمة في «صحيحه» والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وغيره.
فإِذا تذكَّرنا هذا علِمْنا أنّ الأذان كان قبل الزوال حتمًا، وكذا الخطبة طالما أن الصلاة كانت حين الزوال، وهذا بيِّنٌ لا يخفى والحمد لله.
وأصرح من هذه الأحاديث في الدلالة على المطلوب حديث جابر الآخر وهو:
٤ - وعنه قال: «كان رسول الله - ﷺ - يصلّي الجمعة ثمَّ نذهب إِلى جِمالنا فنريحها حين تزول الشمس، يعني: النواضح» (٢).
فهذا صريح في أنَّ الصلاة كانت قبل الزوال، فكيف بالخطبة والأذان؟

-------------------------
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن.
(٢) أخرجه مسلم: ٨٥٨، وغيره. والنواضح: الإبل التي يُستقى عليها، واحدها ناضِح. «النهاية».



الآثار في الوقت الآخر (قبل الزوال):
ويشهد لذلك آثار من عمل الصحابة نذكر بعضها للاستشهاد بها.
١ - عن عبد الله بن سيدان السلمي قال: «شهدتُ الجمعة مع أبي بكر الصديق، فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، ثمَّ شهِدنا مع عمر فكانت خطبته وصلاته إِلى أن أقول: انتصف النهار، ثمَّ شهدنا مع عثمان فكانت خطبته وصلاته إِلى أن أقول: زال النهار، فما رأيت أحدًا عاب ذلك ولا أنكَره» (١).
٢ - وعن عبد الله بن سلمة قال: «صلّى بنا عبد الله الجمعة ضحى، وقال: خشيت عليكم الحرّ» (٢).
٣ - وعن سعيد بن سويد قال: «صلّى بنا معاوية الجمعة ضحى» (٣).
٤ - وعن بلال العبسي: «أن عمّارًا صلّى بالناس الجمعة، والناس فريقان: بعضهم يقول: زالت الشمس، وبعضهم يقول: لم تزُل» (٤).

---------------------
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٠٦/‏٢)، والدارقطني (١٦٩)، قال شيخنا -حفظه الله-: وإسناده محتمل للتحسين، بل هو حسن على طريقة بعض العلماء كابن رجب وغيره.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة، ورجاله ثقات غير عبد الله بن سلمة، ورجّح شيخنا حِفْظه لِما شاهد وقال: فالأرجح أن هذا الأثر صحيح، ولعله من أجل ما ذكَرنا احتجّ به الإمام أحمد ...
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة عن عمرو بن مرة عنه، قال شيخنا -حفظه الله -: وسعيد هذا لم يذكروا له راويًا غير عمرو هذا، ومع ذلك ذكره ابن حبان في «الثقات» (١/ ٦٢).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح.



٥ - وعن أبي رزين قال: «كنا نصلّي مع عليّ الجمعة، فأحيانا نجد فيئًا، وأحيانًا لا نجده» (١).

العدد الذي تنعقد به الجمعة:
قال الإِمام الشوكاني (٢) -رحمه الله- في الرد على من يقول في عددها «وثلاثة مع مقيمها»: هذا الاشتراط لهذا العدد لا دليل عليه قط، وهكذا اشتراط ما فوقه من الأعداد. وأمّا الاستدلال بأنّ الجمعة أقيمت في وقت كذا وعدد من حضَرها كذا؛ فهذا استدلال باطل لا يتمسّك به من يعرف كيفية الاستدلال، ولو كان هذا صحيحا لكان اجتماع المسلمين معه صلى الله عليه وآله وسلم في سائر الصلوات دليلا على اشتراط العدد.
والحاصل أنّ صلاة الجماعة قد صحّت بواحد مع الإِمام، وصلاة الجمعة هي صلاة من الصلوات، فمن اشترط فيها زيادة على ما تنعقد به الجماعة فعليه الدليل، ولا دليل ...
[و] الشروط إِنّما تثبت بأدلّة خاصّة، تدلّ على انعدام المشروط عند انعدام شرطه، فإِثبات مِثل هذه الشروط بما ليس بدليل أصلًا؛ فضلا عن أن يكون دليلًا على الشرطية؛ مجازفةٌ بالغة وجرأة على التّقوّل على الله وعلى رسوله - ﷺ - وعلى شريعته.
والعجب من كثرة الأقوال في تقدير العدد، حتى بلغت إِلى خمسة عشر

-----------------------
(١) أخرجه ابن أبي شيبة وإسناده صحيح على شرط مسلم، قال شيخنا: وهذا يدل لمشروعية الأمرين، الصلاة قبل الزوال، والصلاة بعده، كما هو ظاهر. ولهذه الأحاديث والآثار كان الإِمام أحمد -رحمه الله- يذهب إِلى جواز صلاة الجمعة قبل الزوال، وهو الحقّ كما قال الشوكاني وغيره.
(٢) «السيل الجرار» (١/ ٢٩٧).



قولا، وليس على شيء منها دليل يستدل به قطّ؛ إلاَّ قول من قال: إِنّها تنعقد جماعة الجمعة بما تنعقد به سائر الجماعات.
قال شيخنا -شفاه الله-: وهذا هو الصواب إِن شاء الله تعالى وانظر التعليق على الحديث (١٢٠٤) من «الضعيفة».

مكان الجمعة:
يصحّ أداء الجمعة حيثما كان المرء سواءٌ أكان من أهل المدُن أو القرى أو المياه.
فعن ابن عبّاس -رضي الله عنهما- قال: «أوّل جمعة جمّعت بعد جمعةٍ جمّعت في مسجد رسول الله - ﷺ - مسجد عبد القيس؛ بجُواثى يعني من البحرين» (١).
وروى ابن أبي شيبة في «باب من كان يرى الجمعة في القرى وغيرها» من طريق أبي رافع؛ عن أبي هريرة أنهم كتبوا إِلى عمر يسألونه عن الجمعة فكتب: «جمّعوا حيثما كنتم» (٢).
وروى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن مالك قال: «كان أصحاب محمد - ﷺ - في هذه المياه بين مكة والمدينة يجمّعون» (٣).
قال شيخنا في «السلسلة الضعيفة» تحت الحديث (٩١٧): وترجم له

---------------------


(١) أخرجه البخاري: ٤٣٧١
(٢) قال شيخنا -حفظه الله- في «الضعيفة» تحت الحديث (٩١٧)، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
(٣) انظر «الضعيفة» تحت الحديث (٩١٧) و«تمام المنّة» (ص ٣٣٢).



البخاري (أي: لحديث ابن عباس أول جمعة جمّعت ...» وأبو داود بـ «باب الجمعة في القرى».
قال الحافظ: «ووجه الدلالة منه أنّ الظاهر أن عبد القيس لم يجمّعوا إلاَّ بأمر النّبيّ - ﷺ -، لِما عرف من عادة الصحابة من عدم الاستبداد بالأمور الشرعية في زمن نزول الوحي، ولأنّه لو كان ذلك لا يجوز لنزل فيه القرآن، كما استدلّ جابر وأبو سعيد على جواز العزل بأنّهم فعلوه والقرآن ينزل، فلم يُنهَوا عنه».
قلت [أي: شيخنا]-حفظه الله-: وفي هذه الآثار السلفية عن عمر ومالك وأحمد من الاهتمام العظيم اللائق بهذه الشعيرة الإِسلامية الخالدة: صلاة الجمعة، حيث أُمِروا بأدائها والمحافظة عليها حتى في القرى وما دونها من أماكن التجمع، وهذا ....... هو الذي يتفق مع عمومات النصوص الشرعية وإطلاقاتها، وبالغ التحذير من تركها -وهي معروفة- وحسبي الآن أن أذكِّر بآية من القرآن: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا نودي للصلاة من يوم الجمُعة فاسعَوا إِلى ذِكر الله وذروا البيع﴾، وصلاة الظهر بعدها ينافي تمامها: ﴿فإِذا قُضيت الصلاة فانتشِروا في الأرض وابتغوا من فضْل الله﴾.
وقال الشوكاني -رحمه الله- في «السيل الجرار» (١/ ٢٩٨) -ردًّا على من يقول مشترطًا «ومسجد في مستوطن»-: "وهذا الشرط ... لم يدل عليه دليل يصلح للتمسك به لمجرد الاستحباب فضلًا عن الشرطية، ولقد كثر التلاعب بهذه العبادة وبلغ إِلى حد تَقْضِى منه العجب.
والحق أنَّ هذه الجمعة فريضة من فرائض الله سبحانه وشعار من شعارات



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 35.78 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 35.15 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.76%)]