عرض مشاركة واحدة
  #40  
قديم 11-01-2026, 09:33 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,346
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الثانى
من صــ 151الى صــ 165
الحلقة (40)



السبب في عدم استمرار النّبيّ - ﷺ - بالجماعة فيه
وإِنّما لم يقم بهم (عليه الصلاة والسلام) بقيّة الشهر خشية أن تُفرَض عليهم صلاةُ الليل في رمضان، فيعجَزوا عنها فعن عائشة أنَّ رسول الله - ﷺ - صلّى في المسجد ذات ليلة، فصلّى بصلاته ناس، ثمَّ صلّى من القابلة، فكثر الناس، ثمَّ اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إِليهم رسول الله - ﷺ -، فلمّا أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم، فلم يمنعني من الخروج إِليكم إلاَّ أنِّي خشيت أن تفرض عليكم، قال: وذلك في رمضان» (١). وقد زالت هذه الخشيةُ بوفاته - ﷺ - بعد أنْ أكمل الله الشريعة، وبذلك زال المعلول، وهو ترْك الجماعة في قيام رمضان، وبقي الحُكم السابق وهو مشروعية الجماعة، ولذلك أحياها عمر -رضي الله عنه- كما في «صحيح البخاري» وغيره (٢).

مشروعية الجماعة للنساء
قال شيخنا: «وهذا محلّه عندي إِذا كان المسجد واسعًا، لئلا يُشوِّش أحدهما على الآخر».

عدد ركعاته
وركعاتها إِحدى عشرة ركعةً، ونختار أن لا يزيد عليها اتّباعًا لرسول الله - ﷺ -، فإِنّه لم يزد عليها حتى فارق الدنيا، فقد سُئلت عائشة -رضي الله

-----------------
(١) أخرجه البخاري: ٩٢٤، ومسلم: ٧٦١
(٢) انظر رقم (٢٠١٠)، وتقدّم.


عنها- عن صلاته - ﷺ - في رمضان؟ فقالت: «ما كان رسول الله - ﷺ - يزيد في رمضان ولا في غيره على إِحدى عشرة ركعة، يصلّي أربعًا فلا تَسَلْ عن حُسْنهنّ وطولهنّ، ثمَّ يصلّي أربعًا فلا تَسَلْ عن حسنهنّ وطولهنّ، ثمَّ يصلّي ثلاثًا» (١).
وله أن يُنْقِص منها، حتى لو اقتصر على ركعة الوتر فقط، بدليل فِعله - ﷺ - وقوله:
أمّا الفعل، فقد سُئلت عائشة -رضي الله عنها-: بكم كان رسول الله - ﷺ - يوتر؟ قالت: «كان يوتر بأربعٍ وثلاثٍ، وستٍّ وثلاثٍ، وعشرٍ وثلاثٍ، ولم يكن يوتر بأنقص من سبعٍ، ولا بأكثر من ثلاث عشرة» (٢).
وأمّا قوله - ﷺ - فهو: «الوتر حقٌّ، فمن شاء فليوتر بخمسٍ، ومن شاء فليوتر بثلاثٍ، ومن شاء فليوتر بواحدة» (٣).

لم يُصَلِّ التراويح أكثر من إِحدى عشرة ركعة (٤)
لم يثبت عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه صلّى التراويح أكثر من إِحدى عشرة ركعة، وإِليك البيان:

----------------
(١) أخرجه البخاري: ١١٤٧، ومسلم: ٧٣٨، وتقدّم.
(٢) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٢٣٣) وغيرهما وهو حديث جيد الإِسناد، وصحّحه العراقي، وهو مخرَّج في «صلاة التراويح» (ص ٩٨ - ٩٩).
(٣) تقدّم.
(٤) هذا العنون وما يحتويه من كتاب «صلاة التراويح» -بتصرف-.



١ - قد تقدّم حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن أنَّه سأل عائشة -رضي الله عنها- كيف كانت صلاة رسول الله - ﷺ - في رمضان فقالت: ما كان رسول الله - ﷺ - يزيد في رمضان ولا في غيره على إِحدى عشرة ركعة.
٢ - وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال؛ صلّى بنا رسول الله - ﷺ - في شهر رمضان ثمان ركعات، وأوتر ...» (١).
٣ - أمّا ما رواه ابن أبي شيبة من حديث ابن عباس: «كان رسول الله - ﷺ - يصلّي في رمضان عشرين ركعة والوتر» فإِسناده ضعيف وقد عارضه حديث عائشة هذا الذي في الصحيحين؛ مع كونها أعلم بحال النّبيّ - ﷺ - ليلًا من غيرها، قاله الحافظ في «الفتح».
وسبَقه إِلى هذا المعنى الحافظ الزيلعي في «نصب الراية» (٢/ ١٥٣). قال شيخنا: وحديث ابن عبّاس هذا ضعيف جدًّا كما قال السيوطي في «الحاوي للفتاوى» (٢/ ٧٣) وعِلّته أنّ فيه أبا شيبة إِبراهيم بن عثمان.
قال الحافظ في «التقريب»: «متروك الحديث» وقد تتبعْتُ مصادره فلم أجِده إِلا من طريقه ... وفصّل القول في ذلك.
وقال البيهقي: تفرَّد به أبو شيبة وهو ضعيف، وكذلك قال الهيثمي في «المجمع» (٣/ ١٧٢) أنَّه ضعيف، والحقيقة أنَّه ضعيف جدًّا، كما يشير إِليه قول الحافظ المتقدّم: «متروك الحديث» وهذا هو الصواب فيه .....
وأورده الحافظ الذهبي من مناكيره، وقال الفقيه ابن حجر الهيتمي في

------------------
(١) أخرجه ابن نصر والطبراني في المعجم الصغير وسنده حسن وأشار الحافظ في «الفتح» (٣/ ١٠) و«التلخيص» (ص١١٩) إِلى تقويته.


«الفتاوى الكبرى» (١/ ١٩٥) بعد أنْ ذكر الحديث: «شديد الضعف ...».
وقال السيوطي: «فالحاصل أنَّ العشرين ركعة لم تثبت مِن فِعله ... ومما يدلّ لذلك أيضًا (أي: عدم الزيادة) أنَّه - ﷺ - كان إِذا عمل عملًا واظبَ عليه؛ كما واظب على الركعتين اللتين قضاهما بعد العصر؛ مع كون الصلاة في ذلك الوقت منهيًّا عنها، ولو فعَل العشرين ولو مرّة؛ لم يتركها أبدًا، ولو وقع ذلك لم يَخْفَ على عائشة، حيث قالت ما تقدَّم».
قلت: بل قد ثبت في «صحيح مسلم» (٧٨٢) من حديث أبي سلمة عن عائشة -رضي الله عنها-: «وكان آل محمّد إذا عملوا عملًا أثبتوه»، وقد تقدّم.
وفي «صحيح مسلم» (٧٨٣) أيضًا: عن القاسم بن محمّد قال: «وكانت عائشة إِذا عملت العمل لزِمته».
لهذا ولغيره نقول: لم يثبُت لنا عن أحدٍ من آل محمّد - ﷺ - أنهم صلّوا العشرين" والله تعالى أعلم.
٤ - إِنَّ رسول الله - ﷺ - قد التزم عددًا معيّنًا في السنن الرواتب وغيرها؛ كصلاة الاستسقاء والكسوف ... وكان هذا الالتزام دليلًا مسلّمًا عند العلماء أنَّه لا يجوز الزيادة عليها، فكذلك صلاة التراويح، ومن ادعى الفرق فعليه الدليل. وليست صلاة التراويح من النوافل المطلقة حتى يكون للمصلّي الخيار في أن يصلِّيها بأيّ عدد شاء، بل هي سُنّة مؤكّدة تشبه الفرائض من حيث أنّها تشرع مع الجماعة؛ كما قالت الشافعية فهي من هذه الحيثيّة أولى بأن لا يُزاد عليها من السنن الرواتب.


ردود على بعض التساؤلات والاعتراضات
١ - قد يقول بعضهم: اختلاف العلماء دليل على عدم ثبوت النص المعيِّن للعدد.
والجواب: إِنَّ الاختلاف في عدد ركعات التراويح لا يدلّ على عدم ورود نصٍّ ثابت فيه؛ لأنَّ الواقع أنَّ النصّ واردٌ ثابت فيه، فلا يجوز أن يُردّ النصّ بسبب الخلاف، بل الواجب أن يُزال الخلاف بالرجوع إِلى النصّ عملًا بقول الله تبارك وتعالى: ﴿فلا وربّك لا يؤمنون حتى يُحكِّموك فيما شَجَر بينهم ثمَّ لا يَجِدوا في أنفُسِهِم حرَجًا ممّا قَضَيتَ ويُسَلّموا تَسلِيمًا﴾ (١).
وقوله سبحانه: ﴿فإِنْ تَنَازعتُم في شيءٍ فردّوه إِلى الله والرسُول إِنْ كُنتُم تؤْمِنُون بالله واليَوم الآخِر ذلك خيْرٌ وأحْسَنُ تَأوِيلًا﴾ (٢).
٢ - قد يقول قائل آخر: لا مانع من الزيادة على النصّ ما لم يُنْه عنها.
وجوابه: الأصل في العبادات أنها لا تثبت إلاَّ بتوقيف من رسول الله - ﷺ -، ولولا هذا الأصل لجاز لأيّ مسلم أن يزيد في عدد ركعات السُّنن بل والفرائض الثابت عددها بفِعْله - ﷺ - واستمراره عليه؛ بزعم أنَّه - ﷺ - لم يَنْهَ عن الزيادة عليها.
٣ - وتمسّك بعضهم بالنصوص المطلقة والعامّة؛ في الحضّ على الإِكثار من الصلاة؛ بدون تحديد عدد؛ معيّن كقوله - ﷺ - لربيعة بن كعب وقد سأله

-----------------------
(١) النساء: ٦٥
(٢) النساء: ٥٩



مرافقته في الجنَّة: «فأعنّي على نفسك بكثرة السجود».
والجواب: إِنَّ هذا تمسُّكٌ واهٍ جدًا، فإِنَّ العمل بالمطلقات على إِطلاقها إِنّما يسوغ فيما لم يقيّده الشارع من المطلقات، أمّا إِذا قيّد الشارع حُكمًا مطلقًا بقيد؛ فإِنَّه يجب التقيُّد به وعدم الاكتفاء بالمطلق، فإِنَّ مسألتنا (صلاة التراويح) ليست من النوافل المطلقة، لأنها صلاة مقيّدة لا بنصّ عن رسول الله.
وما مثَل من يفعل ذلك؛ إلاَّ كمن يصلي صلاة يخالف بها صلاة النّبيّ - ﷺ - المنقولة عنه بالأسانيد الصحيحة؛ يخالفها كمًّا وكيفًا؛ متناسيًا قوله - ﷺ -: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (١) محتجًّا بمِثل تلك المطلقات! كمن يصلّي مثلًا الظهر خمسًا وسنة الفجر أربعًا!

الأحوط اتباع السنّة:
واستطرد شيخنا -حفظه الله تعالى- قائلًا: «على أنَّه مهما قيل في جواز الزيادة أو عدمها، فما أظنّ أنّ مسلمًا يتوقّف -بعد ما سلف بيانه- عن القول بأنّ العدد الذي ورَد عنه - ﷺ - أفضل من الزيادة عليه لصريح قوله - ﷺ -:»وخير الهدي هدي محمّد - ﷺ -«، رواه مسلم (٢)، فما الذي يمنع المسلمين اليوم أن يأخذوا بهذا الهدي المحمّدي ويدَعُوا ما زاد عليه من باب»دَعْ ما يَريبك إِلى ما لا يَريبك" ... وأنهم صلَّوها بالعدد الوارد في السُّنّة في مِثل المدّة التي يصلّون فيها العشرين؛ لكانت صلاتهم صحيحة مقبولة باتفاق العلماء،

-------------------------
(١) تقدّم تخريجه.
(٢) برقم: ٨٦٧



ويؤيّد ذلك حديث جابر قال: سئل - ﷺ - أيّ الصلاة أفضل؟ قال: «طول القنوت (١)» (٢). فعليكم أيها المسلمون بسنتَّه - ﷺ - تمسَّكوا بها وعضُّوا عليها بالنواجذ فإِنّ «خير الهدي هدي محمّد - ﷺ -» (٣).
٤ - وقد يقول قائل: إِنَّ عمر -رضي الله عنه- قد صلاّها عشرين ركعة.
قال شيخنا: ولا يجوز أن يُعارَض هذه الرواية الصحيحة بما رواه عبد الرزاق من وجه آخر عن محمّد بن يوسف بلفظ: «إِحدى وعشرين» لظهور خطأ هذا اللفظ من وجهين: الأوّل: مخالفة لرواية الثقة بلفظ إِحدى عشرة (٤).
الثاني: أنَّ عبد الرزاق قد تفرَّد بروايته على هذا اللفظ ... (٥).

------------------------
(١) قال النووي (٦/ ٣٥): «المراد بالقنوت هنا: القيام باتفاق العلماء -فيما علمت-».
(٢) أخرجه مسلم: ٧٥٦
(٣) صلاة التراويح: ٣٩، ٤٠
(٤) يشير شيخنا -حفظه الله تعالى- إِلى ما رواه محمّد بن يوسف عن السائب بن يزيد قال: «أمَر عمر بن الخطاب أُبيّ بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما للناس بإِحدى عشرة ركعة، قال: وقد كان يقرأ بالمئين، حتى كنا نعتمد على العصيّ من طول القيام، وما ننصرف إلاَّ في بزوغ الفجر».
قال شيخنا- حفظه الله تعالى-: «وهذا سند صحيح جدًّا، فإِنّ محمّد بن يوسف شيخ مالك ثقة واحتجّ به اتفاقًا واحتجّ به الشيخان، والسائب بن يزيد صحابيّ ...».
(٥) ارجع -إِن شئت- الكتاب المشار إِليه للمزيد من الاطلاع على التخريج والتحقيق.



وقد أشار الترمذي في»سننه«إِلى عدم ثبوت عدد العشرين عن عمر وغيره من الصحابة فقال روي عن عليّ وعمر ...
وكذلك قال الشافعي في العشرين عن عمر. انتهى كلام شيخنا -حفظه الله- بتصرف.
٥ - وقد يقول قائل: قد قال رسول الله»صلاة الليل مثنى مثنى«(١).
فجوابه: إِنَّ هذا لبيان الكيفية لا لبيان الكمّ، فعن عبد الله بن عمر؛ أنَّ رجلًا سأل النّبيّ - ﷺ -، وأنا بينه وبين السائل، فقال: يا رسول الله! كيف صلاة الليل؛ قال: مثنى مثنى ...» (٢)، فإِنَّ هذا الصحابي لم يسأل رسول الله - ﷺ - كم صلاة الليل؛ بل كيف صلاة الليل، فجواب: «مثنى مثنى»، عن كيف لا عن كم، وفي رواية (٣): «فقيل لابن عمر: ما مثنى مثنى؟ قال: أن تُسلِّم في كلّ ركعتين».

الكيفيّات التي تصلّى بها صلاة التراويح
قد تقدّم تفصيل ذلك في صلاة الوتر وقيام الليل، والآن أذكر ما كتَبه شيخنا -حفظه الله- في «قيام رمضان» (ص٢٧) تيسيرًا وتذكيرًا.
الكيفيّة الأولى: ثلاث عشرة ركعة، يفتتحها بركعتين خفيفتين، وهما على الأرجح سُنّة العشاء البعدية، أو ركعتان مخصوصتان يفتتح بهما صلاة الليل

------------------
(١) أخرجه البخاري: ٩٠٩، ومسلم: ٧٤٩، وتقدّم.
(٢) أخرجه البخاري: ٩٩٠، ومسلم: ٧٤٩ وتقدّم.
(٣) أخرجه مسلم: ٧٤٩



كما تقدّم، ثمَّ يصلّي ركعتين طويلتين جدًا، ثمَّ يصلّي ركعتين دونهما، ثمَّ يصلّي ركعتين دون اللتين قبلهما، ثمَّ يصلّي ركعتين دونهما، ثمَّ يصلّي ركعتين دونهما، ثمَّ يوتر بركعة.
الثانية: يصلّي ثلاث عشرة ركعة، منها ثمان، يُسلِّم بين كل ركعتين، ثمَّ يوتر بخمس لا يجلس ولا يُسلّم إلاَّ في الخامسة.
الثالثة: إِحدى عشرة ركعة، يُسلّم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة.
الرابعة: إِحدى عشرة ركعة، يُصلّي منها أربعًا بتسليمة واحدة، ثمَّ أربعًا كذلك، ثمَّ ثلاثًا.
وهل كان يجلس بين كل ركعتين من الأربع والثلاث؟ لم نَجِد جوابًا شافيًا في ذلك، لكنَّ الجلوس في الثلاث لا يُشرع!
الخامسة: يصلّي إِحدى عشرة ركعة، منها ثمان ركعاتٍ لا يقعد فيها إلاَّ في الثامنة، يتشهد ويصلّي على النّبيّ - ﷺ - ثمَّ يقوم ولا يسلّم، ثمَّ يوتر بركعةٍ، ثمَّ يسلم، فهذه تسع، ثمَّ يصلّي ركعتين، وهو جالس.
السادسة: يصلّي تسع ركعاتٍ؛ منها ستٌّ لا يقعد إلاَّ في السادسة منها، ثمَّ يتشهّد ويصلّي على النّبيّ - ﷺ - ثمَّ ... إِلخ ما ذُكر في الكيفيّة السابقة.
هذه هي الكيفيّات (١) التي ثبتت عن النّبيّ - ﷺ - نصًّا عنه، ويمكن أن يزاد عليها أنواع أخرى، وذلك بأن يُنقص من كل نوع منها ما شاء من الركعات حتى يقتصر على ركعة واحدة عملًا بقوله - ﷺ - المتقدّم: "... فمن شاء

-----------------------
(١) تقدّم من هنا ولأوّل القراءة في القيام.


فليوتر بخمس، ومن شاء فليوتر بثلاث، ومن شاء فليوتر بواحدة».
فهذه الخمس والثلاث، إِن شاء صلاّها بقعود واحد، وتسليمة واحدة كما في الصفة الثانية، وإِنْ شاء سلّم بين كلّ ركعتين كما في الصفة الثالثة وغيرها، وهو الأفضل.
وأمّا صلاةُ الخمس والثلاث بقعود بين كّل ركعتين بدون تسليم فلم نجِده ثابتًا عنه - ﷺ -، والأصل الجواز، لكن لمّا كان النبيّ - ﷺ - قد نهى عن الإِيتار بثلاث، وعلّل ذلك بقوله: «ولا تشبّهوا بصلاة المغرب»، فحينئذٍ لا بُدَّ لمن صلّى الوتر ثلاثًا من الخروج عن هذه المشابهة، وذلك يكون بوجهين:
أحدهما: التسليم بين الشفع والوتر، وهو الأقوى والأفضل.
والآخر: أن لا يقعد بين الشفع والوتر، والله تعالى أعلم«.

القراءة في القيام (١)
وأمّا القراءة في صلاة الليل في قيام رمضان أو غيره، فلم يَحُدَّ فيها النّبيّ - ﷺ - حدًّا لا يتعدّاه بزيادة أو نقص، بل كانت قراءته - ﷺ - تختلف قِصَرًا وطولًا، فكان تارةً يقرأُ في كلِّ ركعة قدر ﴿يا أيها المُزَّمّل﴾ (٢)، وهي عشرون آية، وتارة قدْر خمسين آية (٣)، وكان يقول:»من صلّى في ليلة بمائة آية لم يُكتَب

------------------------
(١) عن قيام رمضان (ص ٢٣ - ٢٥) -بتصرف-.
(٢) أخرجه أحمد وأبو داود بسند صحيح.
(٣) انظر «صحيح البخاري» (١١٢٣)، و«صحيح سنن أبي داود» (١٢١٦).



من الغافلين» (١).
وفي حديث آخر: «... بمائتي آية فإِنّه يُكتب من القانتين المُخلصين» (٢).
«وقرأ - ﷺ - في ليلة وهو مريض السبع الطوال، وهي سورة ﴿البقرة﴾، ﴿آل عمران﴾ و﴿النساء﴾ و﴿المائدة﴾ و﴿الأنعام﴾ و﴿الأعراف﴾ و﴿التوبة﴾» (٣).
وفي قصّة صلاة حذيفة بن اليمان وراء النّبيّ عليه الصلاة والسلام «أنّه - ﷺ - قرأ في ركعة واحدة ﴿البقرة﴾ ثمَّ ﴿النساء﴾ ثمَّ ﴿آل عمران﴾، وكان يقرؤها مترسّلًا متمهلًا» (٤).
وثبت بأصحّ إِسناد أنّ عمر -رضي الله عنه- لمَّا أمر أُبيَّ بن كعب أن يصلّي للناس بإِحدى عشرة ركعة في رمضان، كان أُبيّ -رضي الله عنه- يقرأ بالمئين، حتى كان الذين خلفه يعتمدون على العصيِّ من طول القيام، وما كانوا ينصرفون إلاَّ في أوائل الفجر (٥).
وصحّ عن عمر أيضًا أنّه دعا القُرَّاء في رمضان، فأمَر أسرعهم قراءة أن يقرأ

----------------------------
(١) أخرجه الدارمي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، وانظر «صفة الصلاة» (ص ١٢٠) و«صحيح الترغيب والترهيب» (٦٣٤).
(٢) أخرجه الدارمي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، وانظر «صفة الصلاة» (ص ١٢٠) و«صحيح الترغيب والترهيب» (٦٣٤).
(٣) أخرجه أبو يعلى والحاكم وصححّه ووافقه الذهبي وانظر «صفة الصلاة» (ص ١١٨).
(٤) انظر «صحيح مسلم» (٧٧٢).
(٥) أخرجه مالك بنحوه، وانظر «صلاة التراويح» (ص ٥٢)، وتقدّم.



ثلاثين آية، والوسط خمسًا وعشرين آية، والبطيء عشرين آية (١).
وعلى ذلك فإِنْ صلّى القائم لنفسه فليطوِّل ما شاء، وكذلك إِذا كان معه من يوافقه، وكلما أطال فهو أفضل، إلاَّ أنه لا يبالغ في الإِطالة حتى يُحيي الليل كلّه إلاَّ نادرًا، اتّباعًا للنّبيّ - ﷺ - القائل: «وخير الهدي هدي محمّد» (٢).
وأمّا إِذا صلّى إِمامًا، فعليه أن يطيل بما لا يشقُّ على مَن وراءه لقوله - ﷺ -: «إِذا ما قام أحدكم للناس فليخفّف الصلاة، فإِنَّ فيهم [الصغير] والكبير وفيهم الضعيف، [والمريض]، [وذا الحاجة]، وإِذا قام وحده فليُطِل صلاته ما شاء» (٣).

جواز جعْل القنوت بعد الركوع في النصف الثاني من رمضان
لقد سبق القول فيما يتعلّق بموضع دعاء القنوت وأنَّه قبل الركوع، ولكن: لا بأس من جعل القنوت بعد الركوع، ومن الزيادة عليه بلعن الكفَرة، والصلاة على النّبيّ - ﷺ - والدعاء للمسلمين في النصف الثاني من رمضان؛ لثبوت ذلك عن الأئمّة في عهد عمررضي الله عنه- فقد جاء في آخر حديث عبد الرحمن بن عبد القاري: «وكانوا يلعنون الكفَرة في النصف: اللهم قاتِل الكفَرة الذين يصدّون عن سبيلك، ويُكذّبون رسلك، ولا يؤمنون بوعدك، وخالِف بين كلمتهم، وألقِ في قلوبهم الرُّعب، وألقِ عليهم رِجزك وعذابك، إِله

-------------------------
(١) قال شيخنا -حفظه الله تعالى-»انظر تخريجه في «صلاة التراويح» (ص ٧١) ورواه عبد الرزاق أيضًا في «المصّنف» والبيهقي".
(٢) أخرجه مسلم: ٨٦٧
(٣) أخرجه البخاري: ٧٠٣، ومسلم: ٤٦٧ والزيادات له.



الحق»، ثمَّ يُصلّي على النّبيّ - ﷺ - ويدعو للمسلمين بما استطاع من خير، ثمَّ يستغفر للمؤمنين.
قال شيخنا -حفظه الله-: «وكان إِذا فرغ من لعْنِه الكفَرة وصلاته على النّبيّ واستغفاره للمؤمنين والمؤمنات ومسألته:»اللهمّ إِيّاك نعبد، ولك نُصلّي ونسجد، وإِليك نسعى ونحفد (١)، ونرجو رحمتك ربّنا، ونخاف عذابك الجدَّ، إِنَّ عذابك لمن عاديت مُلحق«، ثمَّ يُكبر ويهوي ساجدًا (٢)» (٣).

صلاة الضّحى
فضلها:
١ - عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «أوصاني خليلي (٤) بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كلّ شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أرقد» (٥).
٢ - عن أبي ذر عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه قال: يصبح على كلّ سُلامى (٦) من

---------------------
(١) نُسرع في العمل والخِدمة. «النهاية».
(٢) أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه».
(٣) انظر «قيام رمضان» (ص ٣٢).
(٤) خليلي: الخُلَّة بالضم: الصداقة والمحبّة التي تخلّلت القلب فصارت خلاله أي: في باطنه، والخليل: الصديق، فعيل بمعنى مُفاعِل، وقد يكون بمعنى مفعول. «النهاية».
(٥) أخرجه البخاري: ١٩٨١، ومسلم: ٧٢١
(٦) قال النووي: «أصْله عظام الأصابع وسائر الكفّ، ثمَّ استُعمل في جميع عظام البدن ومفاصله». وجاء في «النهاية»: "السلامى: جمع سُلامية، وهي الأُنمُلة من أنامل =



أحدكم صدقة، فكلّ تسبيحة صدقة، وكلّ تحميدة صدقة، وكلّ تهليلة صدقة، وكلّ تكبيرة صدقة، وأمْر بالمعروف صدقة، ونهْي عن المنكر صدقة، ويُجزئ من ذلك؛ ركعتان يركعهما من الضحى» (١).
٣ - عن بريدة -رضي الله عنه- قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «في الإِنسان ثلاثمائة وستون مَفصلًا، فعليه أن يتصدّق عن كلّ مفصل بصدقة، قالوا: ومن يطيق ذلك يا نبيّ الله؟ قال: النخاعة في المسجد تدفنها، والشيء تنحّيه عن الطريق، فإِنْ لم تجد فركعتا الضحى تجزئك» (٢).
٤ - عن أبي هريرةرضي الله عنه- قال: «بعَث رسول الله - ﷺ - بعْثًا فأعظَموا الغنيمة، وأسرعوا الكرَّة: فقال رجل: يا رسول الله ما رأينا بعْثًا قطّ أسرع كرَّة، ولا أعظم غنيمةً من هذا البعث فقال:»ألا أُخبركم بأسرع كرّة منهم، وأعظم غنيمة؟ رجل توضّأ فأحسن الوضوء، ثمَّ عمد إِلى المسجد فصلّى فيه الغداة، ثمَّ عقَّب بصلاة الضَّحوة، فقد أسرع الكرَّة، وأعظم الغنيمة«(٣).

---------------------
= الأصابع، ويُجمع على سُلامَيات، وهي التي بين كلّ مَفصلين من أصابع الإِنسان، وقيل السُّلامى: كل عظم مجوّف من صغار العظام، والمعنى: على كلّ عظم من عظام ابن آدم صدقة».
(١) أخرجه مسلم: ٧٢٠
(٢) أخرجه أبو داود وأحمد وغيرهما، وصحّحه شيخنا في «الإِرواء» (٤٦١)، و«صحيح الترغيب والترهيب» (٦٦١).
(٣) أخرجه أبو يعلى، ورجال إِسناده رجال الصحيح، والبزار وابن حبان في «صحيحه»، وبيّن البزار في روايته أن الرجل أبو بكر -رضي الله عنه- وانظر =



٥ - عن عقبة بن عامر الجهني -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إِن الله عز وجل يقول: يا ابن آدم! اكفني أوّل النهار بأربع ركعات، أكفِك بهنّ آخر يومك» (١).
٦ - عن أبي أُمامة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «من خرج من بيته متطهّرًا إِلى صلاةٍ مكتوبة، فأجْره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إِلى تسبيح الضحى (٢)، لا يُنصِبه (٣) إلاَّ إِياه (٤)، فأجْره كأجر المعتمر، وصلاة على أَثْر (٥) صلاة لا لغو بينهما، كتاب في علّيّين» (٦).
٧ - وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يحافظ على صلاة الضحى إِلاَّ أوّاب، -قال-: وهي صلاة الأوّابين» (٧).
الأوّاب: صيغة مبالغة؛ كثير الرجوع إِلى الله تعالى بالتوبة والإِنابة.

----------------------
= «صحيح الترغيب والترهيب» (٦٦٤).
(١) أخرجه أحمد وأبو يعلى ورجال أحدهما رجال الصحيح، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٦٦٦).
(٢) تسبيح الضحى: أي صلاة الضحى، جاء في «النهاية»: ويُقال أيضًا للذِّكر ولصلاة النافلة سُبحة ويُقال: قضيتُ سُبحتي، والسُّبحة من التسبيح.
(٣) من الإنصاب، وهو الإِتعاب.
(٤) لا يتعبه الخروج إلاَّ تسبيح الضحى. «عون» (٢/ ١٨٥).
(٥) بكسر الهمزة، ثم سكون أو بفتحتين عقيبها. «عون».
(٦) أخرجه أبو داود وحسنه شيخنا في «صحيح الترغيب والترهيب» (٦٧٠).
(٧) خرجه الطبراني وابن خزيمة في «صحيحه» والحاكم، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٦٧٣)، و«الصحيحة» (٧٠٣).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 35.59 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 34.96 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.76%)]