عرض مشاركة واحدة
  #37  
قديم 11-01-2026, 09:22 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,663
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الثانى
من صــ 106الى صــ 120
الحلقة (37)



الاضطجاع بعدها
عن عائشة -رضي الله عنها- أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يصلّي ركعتين فإِنْ كنتُ مستيقظة حدّثني، وإلاَّ اضطجع«قلت لسفيان (١) فإِنّ بعضهم يرويه ركعتي الفجر، قال سفيان هو ذاك» (٢).
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان النّبيّ - ﷺ - إِذا صلّى ركعتي الفجر؛ اضطجع على شقّه الأيمن» (٣).
والذي يبدو أنَّ الاضطجاع لمن احتاج إِليه ليريح نفسه من دأب القيام ونحوه، لذلك كان - ﷺ - يحدّث عائشة حين تكون مستيقظة، ولا يضطجع حتى يؤذَّن بالصلاة كما تقدّم، لذلك بوب له البخاري -رحمه الله- بقوله:
(باب من تحدّث بعد الركعتين ولم يضطجع) والله تعالى أعلم.

قضاؤها بعد طلوع الشمس أو بعد صلاة الفريضة
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من لم يصلِّ ركعتي الفجر؛ فليصلّهما بعد ما تطلعُ الشمس» (٤).
وعن قيس بن عمرو قال: رأى رسول الله - ﷺ - رجلًا يصلّي بعد صلاة الصبح ركعتين، فقال رسول الله - ﷺ -: «صلاة الصبح ركعتان» فقال الرجل:

-----------------------
(١) القائل: علي بن عبد الله الراوي عنه.
(٢) أخرجه البخاري: ١١٦٨
(٣) أخرجه البخاري: ١١٦٠
(٤) أخرجه الترمذي وابن خزيمة وابن حبّان والحاكم والبيهقي وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وخرّجه شيخنا في «الصحيحة» (٢٣٦١).


إِني لم أكُنْ صليتُ الركعتين اللتين قبلهما، فصلّيتهما الآن، فسكت رسول الله - ﷺ -«(١).
عن أبي جحيفة عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه»كان في سفره الذي ناموا فيه حتى طلعَت الشمس، فقال: إِنكم كنتم أمواتًا؛ فردَّ الله إِليكم أرواحكم، فمن نام عن صلاة؛ فليصلّها إِذا استيقظ، ومن نسي صلاة؛ فليصلِّ إِذا ذكر«(٢).

سنّة الظُّهر
لقد وردَت عدة نصوص في عددها، منها أنّها أربع ومنها أنها ست ومنها أنها ثمان.

ما وَرد أنها أربع ركعات:
عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: حفظتُ من النّبيّ - ﷺ - عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل صلاة الصبح، وكانت ساعةً لا يُدخَل على النّبيّ - ﷺ - فيها» (٣).
قال الحافظ في «الفتح» (٤): «والأَولى أن يُحمَل على حالين: فكان تارة

----------------------
(١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١١٢٨).
(٢) أخرجه أبو يعلى في»مسنده«والطبراني في»الكبير«وانظر»الصحيحة" (٣٩٦).
(٣) أخرجه البخاري: ١١٨٠، مسلم: ٧٢٩
(٤) (٣/ ٥٨) بحذف.



يصلي ثنتين وتارة يصلي أربعًا، وقيل: هو محمول على أنه كان في المسجد يقتصر على ركعتين وفي بيته يصلّي أربعًا، ويُحتمَل أن يكون يصلّي إذا كان في بيته ركعتين، ثمَّ يخرج إِلى المسجد فيصلي ركعتين، فرأى ابن عمر ما في المسجد دون ما في بيته، واطلعت عائشة على الأمرين، قال أبو جعفر الطبري: الأربع كانت في كثير من أحواله، والركعتان في قليلها».
والراجح عندى الحال الأول الذي ذكره الحافظ -رحمه الله تعالى- أنَّه تارة يصلي ثنتين وتارة يصلي أربعًا، وبهذا يتأسّى المرء برسول الله - ﷺ -، فيفعل هذا بحسب نشاطه، والله تعالى أعلم.

ما ورد أنها ستّ ركعات:
١ - عن عبد الله بن شقيق قال: «سألْتُ عائشة -رضي الله عنها- عن صلاة رسول الله - ﷺ - عن تطوّعه؟ فقالت: كان يصلّي في بيتي قبل الظهر أربعًا، ثمَّ يخرج فيصلّي بالناس، ثمّ يدخل فيصلي ركعتين ...» (١).
٢ - عن أم حَبيبة رملة -رضي الله عنها- قالت: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «ما من عبد مسلم يصلي لله تعالى في كلّ يوم ثنتي عشْرة ركعة تطوعًا غير فريضة؛ إِلاَّ بنى الله تعالى له بيتًا في الجنّة، أو: إلاَّ بُني له بيتٌ في الجنّة» (٢).

ما ورَد أنها ثمان ركعات:
عن أمّ حَبيبة عن النّبيّ - ﷺ - قال: "من صلّى قبل الظهر أربعًا، وبعدها

-----------------------
(١) أخرجه مسلم: ٧٣٠، وتقدّم.
(٢) أخرجه مسلم: ٧٢٨



أربعًا، حرّمه الله على النار» (١).

فضل الأربع قبل الظهر:
عن عبد الله بن السائب -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يصلّي أربعًا بعد أن تزول الشمس قبل الظهر (٢)، وقال: «إِنها ساعةٌ تُفتح فيها أبواب السماء، فأُحِبّ أن يصعد لي فيها عملٌ صالح» (٣).
وعن عائشة -رضي الله عنها- «أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان لا يدَع أربعًا قبل الظهر وركعتين قبل الغداة» (٤).

إِذا صلّى أربعًا قبل الظهر أو بعده فهل يسلّم بعد كلّ ركعتين؟
يجوز أن يصلّيها دون أن يفصل بينها بالتسليم، والأفضل أن يسلّم بعد كلّ ركعتين، لقوله - ﷺ -: «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى» (٥).
قال شيخنا في «تمام المنّة» (٢٤٠): «... ويؤيده صلاة النّبيّ - ﷺ - يوم

---------------------
(١) أخرجه أحمد وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١١٣٠)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٣٥٢)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(١٧٠٨)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٩٥١)، وانظر»المشكاة«(١١٦٧).
(٢) أي: قبل فريضة الظهر.
(٣) أخرجه أحمد وغيره، عن»صحيح الترغيب والترهيب«(٥٨٣).
(٤) أخرجه البخاري: ١١٨٢
(٥) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١١٥١)، وابن خزيمة»صحيح ابن خزيمة«(١٢١٠)، وانظر»تمام المنّة" (٢٣٩).



فتح مكة صلاة الضحى ثماني ركعات يسلّم من كلّ ركعتين». وهو حديث صحيح أخرجه أبو داود بإِسناد صحيح على شرطهما وهو في «الصحيحين» دون التسليم، وقال الحافظ في «الفتح» (٣/ ٤١): «أخرجه ابن خزيمة وفيه ردٌّ على من تمسَّك به في صلاتها موصولة؛ سواء صلّى ثمان ركعات أو أقل.
قلت: فهذا الحديث يستأنس به على أنّ الأفضل التسليم بعد كل ركعتين في الصلاة النهارية. والله أعلم».

قضاء سنة الظهر القبلية:
عن عائشة -رضي الله عنها- أنَّ النّبيّ - ﷺ -: «كان إِذا لم يصلِّ أربعًا قبل الظهر؛ صلاَّهنّ بعدها» (١).

قضاء سنّة الظهر البعدية:
عن كُريب أنَّ ابن عباس والمِسور بن مَخرَمَة وعبد الرحمن بن أزهر -رضي الله عنهم- أرسلوه إِلى عائشة -رضي الله عنها- فقالوا اِقرَأ عليها السلام منَّا جميعًا وسلْها عن الركعتين بعد صلاة العصر، وقل لها: إِنّا أُخبرنا أنّكِ تُصلينهما، وقد بلغَنا أنَّ النّبيّ - ﷺ - نهى عنها، وقال ابن عباس: وكنتُ أضربُ الناس مع عمر بن الخطاب عنها قال كُريب فدخلتُ على عائشة -رضي الله عنها- فبلّغتُها ما أرسلوني فقالت: سل أمّ سلمة فخرَجْتُ إِليهم فأخبرتهم بقولها، فردُّوني إِلى أمّ سلمة بمِثل ما أرسلوني به إِلى عائشة، فقالت أمّ سلمة -رضي الله عنها- سمعْت النّبيّ - ﷺ - ينهى عنها، ثمَّ رأيته

------------------
(١) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٣٥٠)، وإسناده صحيح كما في «تمام المنة» (ص ٢٤١).


يصليهما حين صلّى العصر، ثمَّ دخل عليَّ وعندي نسوةٌ من بني حرامٍ من الأنصار، فأرسلتُ إِليه الجارية فقلتُ: قُومِي بجنبه قُولِي لهُ: تقول لك أمُّ سلمة يا رسول الله سمعْتك تنهى عن هاتين وأراك تُصليهما، فإِنْ أشار بيده، فاستأخري عنه، ففعَلت الجارية فأشار بيده فاستأخَرت عنه، فلمّا انصرف قال: يا ابنة أبي أُمية سألتِ عن الركعتين بعد العصر، وإنَّه أتاني ناسٌ من عبد القيس، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان«(١).

سنّة المغرب
قد ورد عدد من النصوص أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يصلّي ركعتين بعد المغرب ومن ذلك حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: حفظتُ من النّبيّ - ﷺ - عشر ركعات ... وذكر منها ركعتين بعد المغرب» (٢).

استحباب أدائها في البيت:
قد تقدّم استحباب صلاة التطوّع في البيوت، وقد وردَت نصوصٌ خاصّة في استحباب صلاة الركعتين بعد المغرب في البيوت كذلك.
فعن كعب بن عُجْرة؛ «أنَّ النّبيّ - ﷺ - أتى مسجد بني عبد الأشهل، فصلّى فيه المغرب، فلمّا قضوا صلاتهم رآهم يسبّحون (٣) بعدها فقال: هذه صلاة البيوت» (٤).

----------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٢٣٣، ومسلم: ٨٣٥
(٢) أخرجه البخاري: ١١٨٠
(٣) أي: يصلّون السُّبحة، أي: النافلة.
(٤) أخرجه أبو داود «صحيح أبي داود» (١١١٥) وغيره، وانظر «المشكاة» (١١٨٢).



وفي رواية من حديث رافع بن خَدِيج قال: أتانا رسول الله - ﷺ - في بني عبد الأشهل، فصلى بنا المغرب في مسجدنا، ثمُّ قال:»اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم«(١).

سنّة العشاء
تقدّم عدد من الأحاديث في سنّة الركعتين بعد العشاء من ذلك حديث البخاري: (١١٨٠) عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال:»حفظْت من النّبيّ - ﷺ - عشر ركعات ... «وذكر منها ركعتين بعد العشاء.

السُّنن غير المؤكّدة
١ - ركعتان قبل العصر: لعموم قوله - ﷺ -: بين كلّ أذانين صلاة، بين كلّ أذانين صلاة، ثمَّ قال في الثالثة لمن شاء» (٢).
ويُستحب المحافظة على أربع قبل العصر، لما رواه ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «رحم الله امرءًا صلّى قبل العصر أربعًا» (٣).
وعن عليّ -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله - ﷺ - يصلّي قبل العصر

------------------------
(١) أخرجه أحمد في مسنده وغيره، وانظر»صحيح ابن خزيمة«(١٢٠٠)، و»صحيح سنن ابن ماجه«(٩٥٦).
(٢) أخرجه البخاري: ٦٢٧، ومسلم: ٨٣٨
(٣) أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنّه، وابن خزيمة وابن حبان في»صحيحيهما«، وانظر»صحيح الترغيب والترهيب" (٥٨٤).



أربع ركعات، يفصل بينهنّ بالتسليم على الملائكة المقربين، ومن تبِعهم من المسلمين والمؤمنين» (١).

٢ - ركعتان قبل المغرب: للحديث السابق ولقوله - ﷺ -: «صلّوا قبل صلاة المغرب -قال: في الثالثة- لمن شاء كراهية أن يتخذها الناسُ سنّة» (٢).
٣ - ركعتان قبل العشاء: للحديث المتقدّم: «بين كلّ أذانين صلاة ...».
ولقوله - ﷺ -: «ما من صلاة مفروضة، إلاَّ وبين يديها ركعتان» (٣).

الفصل بين الفريضة والنافلة
عن عمر بن عطاء بن أبي الخُوار؛ «أنَّ نافع بن جبير أرسلَه إِلى السائب، ابن أخت نمِر، يسأله عن شيء رآه منه معاوية في الصلاة، فقال: نعم، صلَّيت معه الجمعة في المقصورة (٤)، فلما سلّم الإِمام قمت في مقامي فصلَّيت،

------------------------
(١) أخرجه أحمد والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٣٥٣) والنسائي، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٩٥)، وانظر»الصحيحة«(٢٣٧).
(٢) أخرجه البخاري: ١١٨٣
(٣) أخرجه ابن حبان في»صحيحه«والطبراني في»المعجم الكبير«وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في»الصحيحة«(٢٣٢).
(٤) هي حجرة خاصّة مفصولة عن الغُرف المجاورة فوق الطابق الأرضي.»الوسيط«. وفي»اللسان«المقصورة:»الدار المحصّنة الواسعة ومقام الإِمام«.
قال النووى (٦/ ١٧٠):»فيه دليل على جواز اتخاذها في المسجد إِذا رآها وليّ الأمر مصلحة، قالوا: وأوّل من عملها معاوية بن أبي سفيان حين ضرَبه الخارجي. =



فلما دخَل أرسل إِليّ فقال: لا تعُد لما فعلت، إِذا صلَّيت الجمعة فلا تَصِلْها بصلاة حتى تَكَلّم أو تخرُج. فإِنَّ رسول الله - ﷺ - أمَرَنا بذلك. أن لا تُوصَل صلاة بصلاةٍ حتى نتكلَّم أو نخرج» (١).
وهذا عامٌّ غير مخصوص بالجمعة لقول معاوية -رضي الله عنه-: «فإِنَّ رسول الله - ﷺ - أمَرنا بذلك، أن لا تُوصَل صلاة بصلاة ...».

الوتر (٢)
حُكمه وفضله:
الوتر سنّة مؤكّدة حضّ عليه الرسول - ﷺ -.
فعن عليّ -رضي الله عنه- قال: الوترُ ليس بحتْم كصلاة المكتوبة، ولكن سنّ رسول الله - ﷺ - قال: «إِنَّ الله وترٌ يحبّ الوتر، فأوتروا يا أهل القرآن». (٣)
عن ابن محيريز: أنَّ رجلًا من كِنَانَة يدعى المُخدجي سمع رجلًا بالشام

--------------------
= قال القاضي: واختلفوا في المقصورة، فأجازها كثيرون من السلف ... وكرهها ابن عمر والشعبي وأحمد وإسحاق«.
(١) أخرجه مسلم: ٨٨٣
(٢) الوِتر بالكسر: الفرد وبالفتح الثأر»الفتح«، وفي النهاية: وتكسر واوه وتُفتَح.
(٣) أخرجه أبو داود والترمذي واللفظ له والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة في»صحيحه«، وقال الترمذي: حديث حسن، قاله المنذري في»الترغيب والترهيب«، وانظر»صحيح الترغيب والترهيب" (٥٨٨).



يُدعى أبا محمّد يقول: إِنَّ الوتر واجب، قال المُخدجي: فرُحتُ إِلى عبادة بن الصامت فأخْبرته فقال عبادة: كذَب (١) أبو محمّد، سمعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «خمسُ صلوات كتبهنّ الله على العباد، فمن جاءَ بهنّ لم يُضيّع منهن شيئًا استخفافًا بحقّهنّ؛ كان له عند الله عهدٌ أن يُدخله الجنّة، ومن لم يأت بهنّ؛ فليس له عند الله عهد، إِن شاء عذَّبه، وإنْ شاء أدخله الجنّة» (٢).
قال شيخنا في «الصحيحة» (١/ ٢٢٢) بعد أن ذكر حديث «إِن الله زادكم صلاة، وهي الوتر ...» (٣): «يدل ظاهر الأمر في قوله - ﷺ -:»فصلُّوها«على وجوب صلاة الوتر، وبذلك قال الحنفية؛ خلافًا للجماهير، ولولا أنّه ثبَت بالأدلة القاطعة حصْر الصلوات المفروضات في كلّ يوم وليلة بخمس صلوات؛ لكان قول الحنفية أقرب إِلى الصواب، ولذلك فلا بدَّ من القول بأنّ الأمر هنا ليس للوجوب، بل لتأكيد الاستحباب، وكم من أوامرَ كريمةٍ صُرفت من الوجوب بأدنى من تلك الأدلة القاطعة، وقد انفكّ الأحناف عنها بقولهم: إِنهم لا يقولون بأن الوتر واجب كوجوب الصلوات الخمس، بل هو واسطة بينها وبين السنن، أضعف من هذه ثبوتًا، وأقوى من تلك تأكيدًا!
فليعلم أنّ قول الحنفية هذا قائم على اصطلاح لهم خاص حادث، لا تعرفه الصحابة ولا السلف الصالح، وهو تفريقهم بين الفرض والواجب ثبوتًا وجزاء؛

--------------------
(١) أي: أخطأ وفي»لسان العرب«: وقد استعمَلت العرب الكذب في موضع الخطأ، وذكَر بيت الأخطل:»كَذَبتك عينك أم رأيت بواسط ....«.
(٢) أخرجه مالك وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٢٥٨) والنسائي وابن حبان في»صحيحه«وانظر»صحيح الترغيب والترهيب" (٣٦٣)، وتقدّم.
(٣) سيأتي بتمامه وتخريجه إِن شاء الله في (وقت الوتر).



كما هو مفصَّل في كتبهم.
وإِنّ قولهم بهذا معناه التسليم بأن تارك الوتر معذّب يوم القيامة عذابًا دون عذاب تارك الفرض؛ كما هو مذهبهم في اجتهادهم، وحينئذ يقال لهم: وكيف يصحّ ذلك مع قوله - ﷺ - لمن عزم على أن لا يصلي غير الصلوات الخمس:»أفلح الرجل«؟!
وكيف يلتقي الفلاح مع العذاب؟! فلا شكَّ أن قوله - ﷺ - هذا وحده كاف؛ لبيان أن صلاة الوتر ليست بواجبة، ولهذا اتفق جماهير العلماء على سنيَّته وعدم وجوبه، وهو الحقّ.
نقول هذا مع التذكير والنصح بالاهتمام بالوتر، وعدم التهاون عنه؛ لهذا الحديث وغيره، والله أعلم».

وقته
يبدأ وقت الوتر من بعد صلاة العشاء حتى الفجر.
عن أبي تميم الجيشاني أنَّ عمرو بن العاص خطب الناس يوم الجمعة فقال: إِنَّ أبا بصرة حدّثني أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: «إِنَّ الله زادكم صلاةً، وهي الوتر، فصلّوها بين صلاة العشاء إِلى صلاة الفجر» (١).
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «مِن كلِّ الليل قد أوتر رسول الله - ﷺ -، مِن أوّل الليل وأوسطه وآخره. فانتهى وِتْرهُ إِلى السَّحَر» (٢).

--------------------
(١) أخرجه أحمد وغيره وانظر «الصحيحة» (١٠٨)، و«الإِرواء» (٤٢٣)، و«صحيح سنن ابن ماجه» (٩٥٨).
(٢) أخرجه البخاري: ٩٩٦، ومسلم: ٧٤٥



من خاف أن لا يستيقظ من آخر الليل فليوتر أوله:
عن جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوّله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل، فإِنَّ صلاة آخِر الليل مشهودة (١). وذلك أفضل».
وقال أبو معاوية: «محضورة» (٢).
وفي رواية: «أيكم خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر ثمَّ ليرقد، ومن وثَقِ بقيامٍ من الليل فليوتر من آخره فإِنّ قراءة آخر الليل محضورة وذلك أفضل» (٣).
وعن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ - لأبي بكر: «أيَّ حينٍ توتر؟ قال: أوّل الليل بعد العتمة، قال: فأنت يا عمر؟ فقال: آخر الليل، فقال النّبيّ - ﷺ -: أمَّا أنت يا أبا بكر فأخذت بالوُثقى، وأمَّا أنت يا عمر فأخذت بالقوة» (٤).
وعن سعد بن أبي وقّاص -رضي الله عنه- عن رسول الله - ﷺ - قال: «الذي لا ينام حتى يوتر حازم (٥)» (٦).

------------------
(١) أي: تشهدها الملائكة.
(٢) أخرجه مسلم: ٧٥٥.
(٣) أخرجه مسلم: ٧٥٥.
(٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٢٧١)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٩٨٨)، وابن خزيمة في «صحيحه» (١٠٨٤).
(٥) الحزم: ضَبْط الرجل أمرَه والحذر من فواته، من قولهم حزمْتُ الشيء: أي شددْته. «النهاية».
(٦) أخرجه أحمد وغيره وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في «الصحيحة» (٢٢٠٨).



عدد ركعات الوتر:
أقلّ الوتر ركعة، لحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أنَّ رجلًا سأل رسول الله - ﷺ - عن صلاة الليل، فقال رسول الله - ﷺ -: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإِذا خشي أحدكم الصبح؛ صلّى ركعةً واحدة، توتِر له ما قد صلّى» (١).
وفي رواية «للبخاري» (٩٩٣): «صلاة الليل مثنى مثنى، فإِذا أردت أن تنصرف فاركع ركعة توتر ما قد صلّيت».
قال القاسم ورأينا أناسًا منذ أدركنا يوترون بثلاث، وإِنَّ كلًاّ لواسع؛ أرجو أن لا يكون بشيء منه بأس.
وأعلاه إِحدى عشرة ركعة؛ كما في حديث عائشة عن أبي سلمة أنَّه سأَلَ عائشة -رضي الله عنها- كيف كانت صلاةُ رسول الله - ﷺ - في رمضان فقالت: ما كان رسول الله - ﷺ - يزيد في رمضان ولا في غيره على إِحدى عشرة ركعة؛ يصلّي أربعًا فلا تسَلْ عن حُسنهنّ وطولهنّ، ثمَّ يُصلِّي أربعًا فلا تسَل عن حُسنهنّ وطولهنّ، ثمَّ يُصلِّي ثلاثًا«(٢).
بيْد أنَّه قد ثبت أنَّ النّبيّ - ﷺ - صلّى ثلاث عشرة ركعة لحديث أم سلمة -رضي الله عنها- قالت:»كان النّبيّ - ﷺ - يوتر بثلاث عشرة، فلما كبُر وضعُف، أوتر بسبع«(٣).

--------------------
(١) أخرجه البخاري: ٩٩٠، ومسلم: ٧٤٩
(٢) أخرجه البخاري: ١١٤٧، ومسلم: ٧٣٨
(٣) أخرجه الترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٣٧٩)، وفيه:»... قال إسحاق بن إبراهيم: معنى ما روي أنَّ النّبي - ﷺ - كان يوتر بثلاث عشرة ركعة قال: إِنَّما معناه إِنّه =



وفي «صحيح مسلم» (٧٣٧): عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يصلّي من الليل ثلاث عشرة ركعة؛ يوتر من ذلك بخمس؛ لا يجلس في شيء إِلا في آخرها».
وقد ورد في رواية أخرى لمسلم (٧٣٧): «أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يصلّي ثلاث عشرة ركعة بركعتي الفجر».
وفي «صحيح البخاري»: (٩٩٢) من حديث ابن عباس أنَّه بات عند ميمونة، فذكر الحديث وفيه: «ثمَّ صلى ركعتين، ثمَّ ركعتين، ثمَّ ركعتين، ثمَّ ركعتين، ثمَّ ركعتين، ثمَّ ركعتين، ثمَّ أوتر، ثمَّ اضطجع حتى جاءه المؤذّن فقام فصلّى ركعتين، ثمَّ خَرج فصلّى الصبح».
وفي «صحيح سنن ابن ماجه» (٩٨١): من حديث أمّ سلمة -رضي الله عنها- أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يصلّي بعد الوتر ركعتين خفيفتين وهو جالس«.
وفيه أيضًا برقم: (٩٨٢): عن أبي سلمة؛ قال حدَّثتني عائشة قالت:»كان رسول الله - ﷺ - يوتر بواحدة، ثمَّ يركع ركعتين يقرأ فيهما وهو جالس. فإِذا أراد أن يركع، قام فركع«.
فهذه ثلاث عشرة ركعة خلا سنّة الصبح.
ويجوز الوتر بثلاث وخمس وسبع؛ لحديث أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال:»الوتر حقٌ، فمن شاء فليوتر بخمس، ومن

---------------------
= كان يصلي من الليل ثلاث عشرة مع الوتر، فنسبت صلاة الليل إِلى الوتر ... «، انظر -إِن شئت- للمزيد من الفائدة»تمام المنّة" (ص٢٥٠).


شاء فليوتر بثلاث، ومن شاء فليوتر بواحدة» (١).
ويجوز الوتر بتسع لحديث عائشة قالت: «كُنّا نُعِدّ له سواكه وطهوره، فيبعثه الله (٢) ما شاء أن يبعثه من الليل فيتسوك ويتوضّأ ويصلّي تسع ركعات، لا يجدس فيها إلاَّ في الثامنة فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثمَّ ينهض ولا يُسلّم، ثمَّ يقوم فيصلّي التاسعة، ثمَّ يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثمَّ يسلّم تسليمًا يُسمعنا، ثمَّ يصلّي ركعتين بعد ما يسلّم وهو قاعد، فتلك إحدى عشرة ركعة، يا بُنيّ (٣) فلما سنّ (٤) نَبِيّ الله - ﷺ -، وأخذهُ اللحمُ (٥) أوتر بسبعٍ. وصنع في الركعتين مثل صنيعه الأوّل، فتلك تسع يا بُنيَّ ...» (٦).

صفته (٧):
١ - يصلي ثلاث عشرة ركعة يفتتحها بركعتين خفيفتين، وفيه أحاديث: الأول: حديث زيد بن خالد الجهني أنه قال: «لأرمقنّ (٨) صلاة رسول الله

-------------------
(١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٢٦٠)، والنسائي، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٩٧٨)، وانظر»المشكاة«(١٢٦٥).
(٢) أي: يوقظه.
(٣) المخاطب سعد بن هشام.
(٤) في بعض النُسخ أسنّ.
(٥) الظاهر أنَّ معناه كثُر لحمه كما ذكر بعض العلماء.
(٦) أخرجه مسلم: ٧٤٦، وتقدّم بعضه.
(٧) عن»صلاة التراويح«(ص ٨٦) بتصرّف.
(٨) أي لأنظرنّ نظرًا طويلًا، قال بعض العلماء:»أي لأطيلنّ النظر إِلى صلاته حتى =




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 35.57 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 34.94 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.77%)]