
11-01-2026, 06:44 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,976
الدولة :
|
|
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة
عدد الأجزاء: ٧
الجزء الأول
من صــ 401الى صــ 415
الحلقة (28)
وقال -رحمه الله- (ص ٢٣): «وفي الصلاة نوع ثالث؛ فإِن المرأة لو صلَّت وحدها، كانت مأمورة بالاختمار، وفي غير الصلاة يجوز لها كشف رأسها في بيتها، فأَخْذ الزينة في الصلاة لحق الله، فليس لأحد أن يطوف بالبيت عُريانًا ولو كان وحده بالليل، ولا يصلي عُريانًا ولو كان وحده، فعلم أن أخذ الزينة في الصلاة لم يكن لتحتجب عن الناس، فهذا نوع، وهذا نوع.
وحينئذ فقد يستر المصلي في الصلاة ما يجوز إِبداؤه في غير الصلاة، وقد يُبدي في الصلاة ما يستره عن الرجال. فالأول مِثل المَنكِبين، فإِنّ النّبيّ - ﷺ - نهى أن يصلّي الرجل في الثوب الواحد، ليس على عاتقه منه شيء فهذا لحقّ الصلاة، ويجوز له كشف منكبيه للرجال خارج الصلاة».
وقال -رحمه الله- (ص ٣٢): «والمنكبان في حقه؛ كالرأس في حقّ المرأة؛ لأنّه يصلّي في قميص أو ما يقوم مقام القميص ...».
ما يجب على الرّجل ستره عند الصلاة:
يجب ستر القُبل والدُّبر، وجاء في بعض النصوص ما يدّل على أنّه يجب على المصلّي أن يستر من بدنه ما ليس بعورة وهو القسم الأعلى منه؛ كما في حديث بريدة -رضي الله عنه-: «نهى رسول الله - ﷺ - أن يُصلّي الرجل في لحاف واحد؛ لا يتوشّح به (١) ونهى أن يُصلّي الرجل في سراويل وليس عليه رداء» (٢).
قال شيخنا في «تمام المنّة» (١٦٣): «وفي الحديث دلالة على أنّه
----------------------------
(١) أي: يتغشّى به.
(٢) أخرجه أبو داود وغيره وإسناده حسن وانظر»تمام المنّة" (١٦٢).
يجب على المصلّي أن يستر من بدنه ما ليس بعورة، وهو القسم الأعلى منه، وذلك إِنْ وجَد كما يدلّ عليه حديث ابن عمر وغيره، وظاهر النهي يفيد بطلان الصلاة، ويؤكّد ذلك قوله - ﷺ -: لا يصلّينّ أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه (وفي رواية: عاتقيه. وفي أخرى: منكبيه) منه شيء».
رواه الشيخان وأبو داود وغيرهم، وهو مخرَّج في «الإِرواء» (٢٧٥) و«صحيح أبي داود» (٦٣٧).
قال الشوكاني في «نيل الأوطار» (٢/ ٥٩): «وقد حمَل الجمهور هذا النهي على التنزيه، وعن أحمد: لا تصحّ صلاة من قَدِرَ على ذلك فتركَه، وعنه أيضًا: تصحّ ويأثم»«.
وقد ورَد في بعض الأحاديث ما يدّل على جواز الصلاة في الثوب الواحد.
فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ سائلًا سأل رسول الله - ﷺ - عن الصلاة في ثوب واحد، فقال رسول الله - ﷺ -:»أَولكُلِّكُمْ ثوبان«(١).
وعن محمّد بن المنكدر قال:»رأيت جابر بن عبد الله يُصلّي في ثوبٍ واحد، وقال: رأيت النّبي - ﷺ - يصلّي في ثوب«(٢).
وعنه أيضًا قال:»صلّى جابر في إِزارٍ قد عقَده من قبل قفاه وثيابه موضوعة على المِشجَب (٣) قال له قائل: تُصلّي في إِزارٍ واحدٍ؟ فقال: إِنّما صنعْتُ ذلك ليراني أحمقُ مثلُك، وأيُّنا كان له ثوبان على عهد النّبيّ - ﷺ -«؟ (٤).
----------------------
(١) أخرجه البخاري: ٣٥٨، ومسلم: ٥١٥، وتقدّم.
(٢) أخرجه البخاري: ٣٥٣
(٣) هو عيدان تُضمّ رؤوسها ويُفرَج بين قوائمها توضَع عليها الثياب وغيرها.»فتح".
(٤) أخرجه البخاري: ٣٥٢
وعن عمر بن أبي سلمة «أنَّ النّبيّ - ﷺ - صلّى في ثوبٍ واحدٍ قد خالف بين طرفيه» (١).
ولكن الصلاة في الثوب الواحد بقيد تغطية العاتقين (٢).
قال البخاري -رحمه الله- (٣): (باب إِذا صلّى في الثوب الواحد، فليجعل على عاتقيه).
وروى حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال النّبيّ - ﷺ -: «لا يُصلي (٤) أحدُكم في الثوب الواحد؛ ليس على عاتِقَيه شيء» (٥).
ثمَّ روى حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «أشهدُ أنّي سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: من صلّى في ثوبٍ واحدٍ؛ فليخالِف بين طرفيه» (٦).
-----------------------
(١) أخرجه البخاري: ٣٥٤
(٢) العاتق: هو ما بين المنكبين إِلى أصل العُنُق.
(٣) انظر «الفتح» (١/ ٤٧١).
(٤) قال في «الفتح» (١/ ٤٧١): قوله (لا يصلي)، قال ابن الأثير: كذا هو في الصحيحين بإِثبات الياء، ووجهه أن (لا) نافية، وهو خبر بمعنى النهي. قلت [أي: الحافظ -رحمه الله-]: ورواه الدارقطني في «غرائب مالك» من طريق الشافعي عن مالك بلفظ: «لا يُصلِّ»، بغير ياء، ومن طريق عبد الوهاب بن عطاء عن مالك بلفظ «لا يصلِّيَنّ» بزيادة نون التأكيد.
(٥) أخرجه مسلم: ٥١٦.
(٦) انظر البخاري: ٣٦٠.
جاء في «الفتح» (١/ ٤٧١): «... ودلالته على الترجمة من جهة؛ أنَّ المخالفة بين الطرفين لا تتيسَّر إلاَّ بجعل شيءٍ من الثوب على العاتق، كذا قال الكرماني».
حُجّة من يرى أنَّ الفخذ ليست بعورة (١):
استدل القائلون بأنَّ السُّرّة والفخذ والركبة ليست بعورة بهذه الأحاديث: عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله - ﷺ - مضطجعًا في بيته كاشفًا عن فخذيه، فاستأذَن أبو بكر، فأذن له وهو على تلك الحال، ثمَّ استأذَن عمر، فأذِن له وهوكذلك، فتحدّث، ثمَّ استأذن عثمان، فجلس النّبيّ - ﷺ - يُسوّي ثيابه وقال محمّد: -ولا أقول ذلك في يوم واحد- فدخل، فتحدّث، فلمّا خرج قالت له عائشة: دخل عليك أبو بكر فلم تجلس، ثمَّ دخل عثمان، فجلست وسوَّيتَ ثيابك؟ فقال: ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة«(٢).
قال البخاري -رحمه الله-:»وقال أنس: حسَر النّبيّ - ﷺ - عن فَخِذه (٣)،
---------------------
(١) عن «فقه السنة» (١/ ١٢٥) بتصرف يسير.
(٢) أخرجه الطحاوي في «المشكل» وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في «الإِرواء» (١/ ٢٩٨) وأصْله في مسلم: ٢٤٠١
(٣) أخرجه البخاري معلقًا وموصولًا: ٣٧١ وانظر «الفتح» (١/ ٤٧٨) -إِن شئت- للمزيد من الفائدة وانظر أيضًا «صحيح مسلم» (٢٤٠١).
وحديث أنس أسند، وحديث جَرهَد (١) أحوط، حتى يُخرَجَ من اختلافهم، وقال أبو موسى: غطَّى النّبيّ - ﷺ - رُكبتيه حين دخل عثمان (٢). وقال زيد بن ثابت: أنزل الله على رسوله - ﷺ - وفخِذه على فخذي، فثقُلَت عليَّ حتى خِفتُ أن ترُضَّ فخذي» (٣).
قال ابن حزم (٤): «فصحّ أنَّ الفخذ ليست عورة، ولوكانت عورة؛ لَما كشَفَها الله عز وجل عن رسول الله - ﷺ - المطهَّر المعصوم من الناس؛ في حال النّبوة والرسالة، ولا أَراها أنس بن مالك ولا غيره، وهو تعالى قد عصَمَه من كشْف العورة في حال الصّبا وقبل النّبوة». ثمَّ ذكَر حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- في «الصحيحين»: «أنَّ رسول الله - ﷺ - كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إِزاره، فقال له العباس عمّه: يا ابن أخي! لو حلَلْتَ إِزارك فجعلتَه على منكِبك دون الحجارة، قال: فحلَّه فجعلَه على مَنْكِبه، فسقط مغشيًا عليه، فما رؤي بعد ذلك عُريانًا - ﷺ -» (٥).
وعن أبي العالية البَراء قال: قلتُ لعبد الله بن الصامت نُصلِّي يوم الجمعة
--------------------------
(١) قال شيخنا في «مختصر البخاري» (١/ ١٠٧): «وصَله مالك والترمذي وحسّنه، وصحّحه ابن حبان».
(٢) وصَله البخاري في كتاب «فضائل الصحابة» وانظر (٣٦٩٥).
(٣) وصَله البخاري في «كتاب الجهاد» وانظر رقم (٢٨٣٢) وأشار شيخنا إِلى ذلك في «مختصره»، وكذا الذي قبله.
(٤) انظر «المحلّى» (٣/ ٧٢٧٢).
(٥) انظر البخاري: ٣٦٤، ومسلم: ٣٤٠
خلْف أمراء، فيؤخّرون الصلاة، قال: فضرب فَخذي ضربةً أوجعتني، وقال: سألتُ أبا ذرٍّ عن ذلك فضرَب فخِذي، وقال: سألتُ رسول الله - ﷺ - عن ذلك: فقال: «صَلُّوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم معهم نافلة».
قال: وقال عبد الله: ذُكر لي أنَّ النّبيّ - ﷺ - ضرب فَخِذَ أبي ذرّ«(١).
وفي رواية لمسلم:»وقال: إِنِّي سألتُ رسول الله - ﷺ - كما سألتني، فضربَ فخِذي كما ضرَبتُ فَخِذَك ... «(٢).
قال ابن حزم: فلو كانت الفخذ عورة؛ لما مسَّها رسول الله - ﷺ -، من أبي ذرّ أصلًا بيده المقدّسة. ولو كانت الفخذ عند أبي ذرّ عورة، لما ضرب عليها بيده، وكذلك عبد الله بن الصامت وأبي العالية. وما يستحلّ مسلم أن يضرب بيده على ذَكَر إِنسان، على الثياب، ولا على حلقة دُبُر الإِنسان على الثياب، ولا على بدن امرأة أجنبية على الثياب، البتة».
ثمَّ ذكَر ابن حزم (٣) بإِسناده إِلى أنس بن مالك أنّه أتى ثابت بن قيس بن شمّاس؛ وقد حسر عن فَخِذيه ... «(٤).
حُجَّة من يرى أنَّها عورة:
واستدلّ القائلون بأنّها عورة بهذين الحديثين:
١ - عن محمّد بن جحش قال:»مرّ رسول الله - ﷺ - على معمر، وفخذاه
----------------------
(١) أخرجه مسلم: ٦٤٨
(٢) انظره تحت رقم: ٦٤٨
(٣) انظر «المحلى» (٣/ ٢٧٨).
(٤) انظر البخاري: ٢٨٤٥
مكشوفتان فقال: يا معمر غطِّ فخذيك؛ فإِنَّ الفخذين عورة» (١).
٢ - وعن جَرهَد قال: مرّ رسول الله - ﷺ - وعليّ بُردة وقد انكشفت فخِذي
فقال: «غطِّ فخذك فإِنَّ الفخِذ عورة» (٢).
قال شيخنا في «تمام المنّة» (١٥٩ - ١٦٠): «ومن الواضح لدى كلّ ناظرٍ في الأدلّة التي ساقَها المؤلّف؛ أنَّ أدلّة القائلين بأنَّ الفخذ ليس بعورة فعليّة من جهة، ومبيحة من جهة أخرى. وأدلة القائلين بأنّه عورة قولية من جهة، وحاظرة من جهة أخرى، ومن القواعد الأصولية التي تساعد على الترجيح بين الأدلة والاختيار قاعدتان:
الأولى: الحاظر مُقدَّم على المبيح.
والأخرى: القول مُقدَّم على الفِعل؛ لاحتمال الخصوصية وغيرها؛ مع أنَّ الفعل في بعض الأدلة المشار إِليها لا يظهر فيها أنَّه كان مقصودًا متعمّدًا؛ كحديث أنس وأثر أبي بكر -رضي الله عنهما- أضِف إِلى ذلك أنّها وقائعُ أعيان لا عموم لها؛ بخلاف الأدلّة القولية، فهي شريعة عامّة، وعليها جَرى عمل المسلمين سلَفًا وخلفًا، بحيث لا نعلم أنّ أحدًا منهم كان يمشي أو يجلس كاشفًا عن فَخِذيه؛ كما يفعل بعض الكفّار اليوم، ومن يقلّدهم من المسلمين الذ ين يلبسون البنطلون الذي يسمّونه بـ (الشورت)، وهو (التبان) في اللغة.
----------------------
(١) أخرجه أحمد في المسند وغيره وإسناده ضعيف لكنّه يتقوى بغيره كما فى»المشكاة«(٣١١٤)، و»الإرواء«(١/ ٢٩٧ - ٢٩٨).
(٢) أخرجه أحمد في»مسنده«والحاكم في»المستدرك«وغيرهما وذكره البخاري معلقًا انظر»الفتح«(١/ ٤٧٨)، وإسناده ضعيف لكنّه يتقوى بغيره أيضًا، وانظر»الإرواء" (١/ ٢٩٨).
ولهذا، فلا ينبغي التردد في كون الفخذ عورة ترجيحًا للأدلة القولية، فلا جَرَم أن ذهب إِليه أكثر العلماء، وجزم به الشوكاني في»نيل الأوطار«(٢/ ٥٢ - ٥٣) و»السيل الجرّار«(١/ ١٦٠ - ١٦١).
نعم، يمكن القول بأنّ عورة الفخذين أخفّ من عورة السوأتين، وهو الذي مال إِليه ابن القيّم في»تهذيب السنن«كما كُنتُ نقَلْتهُ عنه في»الإِرواء«(١/ ٣٠١). وحينئذ، فمسُّ الفَخِذ الذي وقع في حديث أبي ذرّ -والظاهر أنَّه من فوق الثوب- ليس كمس السوأتين ...». انتهى.
وعن أنس بن مالك «أنَّ رسول الله - ﷺ - غزا خيبر فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس، فركب النّبيّ - ﷺ - وركب أبو طلحة، وأنا رديف أبي طلحة، فأجرى رسول الله - ﷺ - في زقاق خيبر، وإنّ ركبتي لتمسّ فخذ رسول الله - ﷺ -، ثمَّ حسر الإِزار عن فخِذه حتى إِني أنظر إِلى بياض فخذ نبيَّ الله - ﷺ - ...».
قال شيخنا في «الإِرواء» (١/ ٣٠٠) بعد تخريج الحديث: أخرجه البخاري (١/ ١٠٥) والبيهقي (٢/ ٢٣٠) وأخرجه مسلم (٤/ ١٤٥، ٥/ ١٨٥) وأحمد (٣/ ١٠٢) إِلا أنهما قالا: «وأنحسر» بدل «وحسر»، ولم يذكر النسائي في روايته (٢/ ٩٢) ذلك كلّه.
قال الزيلعي في «نصب الراية» (٤/ ٢٤٥) عقب رواية مسلم: «قال النووي في الخلاصة: وهذه الرواية تُبيّن رواية البخاري، وأنّ المراد: انحسر بغير اختياره لضرورة الإِجراء. انتهى».
قلت [القائل: شيخنا -حفظه الله تعالى-]: وأجاب عن ذلك الحافظ في «الدراية» بقوله (ص ٤٣٤): "قلت: لكن لا فرق في نظري بين الروايتين؛ من
جهة أنَّه - ﷺ - لا يُقرّ على ذلك لو كان حرامًا، فاستوى الحال بين أن يكون حسَره باختياره، وانحسر بغير اختياره».
وهذا من الحافظ نظر دقيق، ويؤيده أن لا تعارض بين الروايتين، إِذ الجمع بينهما ممكن بأن يقال: حسَر النّبيّ - ﷺ - الثوب فانحسر.
وقد جمع الشوكاني بين هذين الحديثين وبين الأحاديث المتقدّمة في أن الفخِذ عورة بأنهما حكاية حال، لا عموم لها. انظر «نيل الأوطار» (١/ ٢٦٢).
ولعل الأقرب أن يقال في الجمع بين الأحاديث: ما قاله ابن القيم في «تهذيب السنن» (٦/ ١٧): «وطريق الجمع بين هذه الأحاديث: ما ذكره غير واحد من أصحاب أحمدَ وغيرهم: أنّ العورة عورتان: مخففة ومغلظة، فالمغلظة: السوأتان، والمخففة: الفخذان.
ولا تَنافي بين الأمر بغض البصر عن الفخذين لكونهما عورة، وبين كشفهما لكونهما عورة مخففة. والله أعلم».
قلت: وكأنّ الإمام البخاري -رحمه الله- أشار إِلى هذا الجمع بقوله المتقدّم: «وحديث أنس أسند، وحديث جَرهَد أحوط» اهـ.
ما يجب على المرأة سِتْره في الصلاة
يجب على المرأة أن تستر بدنها كلّه في الصلاة خلا الوجه والكفين، لقول الله تعالى: ﴿ولا يُبدين زينتهنّ إِلاَّ ما ظَهَر منها﴾ (١).
قال ابن كثير -رحمه الله- في «تفسيره»: "أي: لا يُظهرن شيئًا من الزينة
-----------------------
(١) النور: ٣١
للأجانب إِلا ما لا يمكن إِخفاءه».
قال ابن المنذر في «الأوسط» (٥/ ٧٠): «وقد روينا عن جماعة من أهل التفسير أنهم قالوا في قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إِلاَّ ما ظهر منها﴾ الآية، أنّ ذلك الكفان والوجه، فممّن روينا ذلك عنه ابن عباس، وعطاء ومكحول، وسعيد بن جبير».
قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في «جلباب المرأة المسلمة» (ص ٤٠): «... وقد اختلفت أقوال السلف في تفسيرها؛ فمن قائل: إِنّها الثياب الظاهرة، ومن قائل: إِنّها الكحل والخاتم والسوار والوجه، وغيرها من الأقوال التي رواها ابن جرير في»تفسيره«(١٨/ ٨٤) عن بعض الصحابة والتابعين، ثمَّ اختار هو أنّ المراد بهذا الاستثناء الوجه والكفان، فقال:»وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عَنَى بذلك الوجه والكفين، يدخل في ذلك -إِذا كان كذلك- الكحل والخاتم والسوار والخضاب، وإنّما قلنا: ذلك أولى الأقوال في ذلك بالتأويل؛ لإِجماع الجميع على أنّ على كلّ مصلٍّ أن يستر عورته في صلاته، وأنّ للمرأة أن تكشف وجهها وكفّيها في صلاتها، وأنّ عليها أن تستر ما عدا ذلك من بدنها، إلاَّ ما روي عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه أباح لها أن تبدي من ذراعها قدْر النصف (١)، فإِذا كان ذلك من جميعهم إِجماعًا؛ كان معلومًا بذلك أنَّ لها أن تبديَ من بدنها ما لم يكن عورة كما ذلك للرجال، لأنَّ ما لم يكن عورة فغير حرام إِظهاره، وإِذا كان لها إِظهار ذلك؛ كان معلومًا أنَّه ممَّا استثنى الله تعالى ذكره بقوله: ﴿إِلاَّ ما
----------------
(١) وهو حديث منكر وانظر «جلباب المرأة المسلمة» (ص ٤١).
ظهر منها﴾؛ لأنَّ كل ذلك ظاهر منها».
ثمَّ ذكر شيخنا (ص٥١) كلام القرطبي (١٢/ ٢٢٩): «قال ابن عطية: ويظهر لي بحُكم ألفاظ الآية أنَّ المرأة مأمورة بأن لا تُبديَ، وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بدَّ منه، أو إِصلاح شأن، ونحو ذلك فـ ﴿ما ظهر﴾ على هذا الوجه ممّا تؤدي إِليه الضرورة في النساء فهو المعفو عنه».
وقال -حفظه الله- (ص٥١ - ٥٢) -بحذف يسير-: «... وبيانه أنَّ السلف اتفقوا على أنّ قوله تعالى: ﴿إِلاَّ ما ظهَر منها﴾ يعود إِلى فعلٍ يصدر من المرأة المكلَّفة، غاية ما في الأمر أنهم اختلفوا فيما تظهره بقصدٍ منها، فابن مسعود يقول: هو ثيابها؛ أي: جلبابها. وابن عباس ومن معه من الصحابة وغيرهم يقول: هو الوجه والكفان منها.
فمعنى الآية حينئذ: إلاَّ ما ظهرَ عادة بإِذن الشارع وأمرِه. ألستَ ترى أن المرأة لو رفعت من جلبابها حتى ظهر من تحته شيء من ثيابها وزينتها -كما يفعل ذلك بعض المتجلببات- أنها تكون قد خالفَت الآية باتفاق العلماء؛ فقد التقى فِعْلها هذا مع فِعْلها الأول، وكلاهما بقصد منها؛ لا يمكن إلاَّ هذا، فمناط الحكم إِذن في الآية؛ ليس هو ما ظهر دون قصد من المرأة -فهذا ممّا لا مؤاخذة عليه في غير موضع الخلاف أيضًا اتفاقًا - وإِنما هو فيما ظهر دون إِذنٍ من الشارع الحكيم».
وقال شيخنا -حفظه الله تعالى- في «تمام المنّة» (ص ١٦٠): «روى ابن أبي شيبة في»المصنّف" (٤/ ٢٥٣) عن ابن عباس في تفسير الآية
المذكورة: «قال: الكفّ ورقعة الوجه». وسنده صحيح.
«ورَوَى نحوه عن ابن عمر بسند صحيح أيضًا ...».
وفي الحديث: «لا يقبل الله صلاة حائض (١) إلاَّ بخمار (٢)» (٣).
وروى عبد الرزاق من طريق أم الحسن قالت: «رأيت أمّ سلمة زوج النّبيّ - ﷺ - تصلّي في دِرْع (٤) وخمار» (٥).
وعن عبيد الله الخولاني -وكان يتيمًا في حِجر ميمونة- أنَّ ميمونة كانت تُصلّي في الدّرع والخمار ليس عليها إِزار«(٦).
قال شيخنا في»تمام المنّة«(ص ١٦٢):»وفي الباب آثار أُخرى؛ مما يدلّ على أنَّ صلاة المرأة في الدرع والخمار كان أمرًا معروفًا لديهم، وهو أقلّ ما يجب عليهنّ لستر عورتهنّ في الصلاة. ولا ينافي ذلك ما روى ابن أبي شيبة والبيهقي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: «تصلي المرأة
------------------
(١) هي التي بلَغت سنَّ المحيض وجرى عليها القلم، ولم يُرِدْ في أيام حيضها، لأنَّ الحائض لا صلاة عليها.»النهاية«.
(٢) هو غطاء الرأس.
(٣) أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن أبي شيبة وغيرهم، وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في»الإِرواء«(١١٦).
(٤) درع المرأة: قميصها.»النهاية«.
(٥) وإسناده صحيح كما في»تمام المنّة«(ص ١٦٢).
(٦) أخرجه مالك في»الموطّأ«، وعنه ابن أبي شيبة والبيهقي وإسناده صحيح، انظر»تمام المنّة" (ص ١٦٢).
في ثلاثة أثواب: درع وخمار وإزار«. وإسناده صحيح.
وفي طريق أخرى عن ابن عمر قال:»إِذا صلت المرأة فلتصلِّ في ثيابها كلها: الدرع والخمار والملحفة (١)«. رواه ابن أبي شيبة وسنده صحيح أيضًا.
فهذا كله محمول على الأكمل والأفضل لها، والله أعلم».
ملاحظة: احِرص على الثياب التي تستر العورة، واعلم أنَّه لا تجوز الصلاة في الثوب الرقيق الذي يُبرز لَون الجلد.
وقد سألت شيخنا -حفظه الله تعالى- عمّن لبس ثوبًا خفيفًا بحيث يبيّن لون الجلد؛ من بياض أو حمرة فقال: «إِذا كان اللباس خفيفًا، بحيث يصف العضو، فهو كالعاري».
هل يكشف الرجل رأسه في الصلاة؟
قال الله تعالى: ﴿يا بني آدمَ خذوا زينَتكم عند كلّ مسجد﴾ (٢).
قال ابن كثير في «تفسيره»: «قال العوفي عن ابن عباس ... كان رجال يطوفون بالبيت عُراة فأمَرهم الله بالزينة، والزينة اللباس، وهو ما يُواري السوأة وما سوى ذلك من جيّد البز (٣) والمتاع (٤) فأمرهم أن يأخذوا زينتهم عند كلّ مسجد ...».
-------------------
(١) ما يتخذ من اللباس فوق سائر اللباس من دثار البرد ونحوه، وانظر «المحيط».
(٢) الأعراف: ٣١
(٣) البز: الهيئة والشارة. «الوسيط».
(٤) المتاع: كلّ ما يُنفع به ويُرغب في اقتنائه؛ كالطعام وأثاث البيت والسلعة والأداة والمال. «الوسيط».
وقال: «ولهذه الآية وما ورَد في معناها من السنّة التجمُّل عند الصلاة، ولا سيّما يوم الجمعة ويوم العيد، والطِّيب لأنَّه من الزينة، والسواك لأنَّه من تمام ذلك ومن أفضل اللباس البياض ...».
فإِذا كان الطِّيب والسواك ولبس البياض من الزينة؛ أفلا يكون غطاء الرأس من الزينة؟!
قال شيخنا في «تمام المنة» (ص ١٦٤) -بحذف يسير-: «والذي أراه في هذه المسألة؛ أنَّ الصلاة حاسرَ الرأس مكروهةٌ، ذلك أنَّه من المُسلَّم به استحباب دخول المسلم في الصلاة في أكمل هيئة إِسلاميّة؛ للحديث المتقدّم» ... فإِنَّ الله أحقّ أن يُتزيَّن له".
وليس من الهيئة الحسنة في عُرف السلف اعتياد حسْر الرأس والسير كذلك في الطرقات والدخول كذلك في أماكن العبادات، بل هذه عادة أجنبية؛ تسرَّبَتَ إِلى كثيرٍ من البلاد الإِسلامية؛ حينما دخَلَها الكُفار، وجلبوا إِليها عاداتهم الفاسدة، فقلَّدهم المسلمون فيها، فأضاعوا بها وبأمثالها من التقاليد شخصيّتهم الإِسلامية، فهذا العرض الطارئ لا يصلح أن يكون مسوِّغًا لمخالفة العُرف الإِسلامي السابق ولا اتخاذه حُجَّةً لجواز الدخول في الصلاة حاسر الرأس.
وأمّا استدلال بعض إِخواننا ... على جوازه قياسًا على حسر المُحرم في الحجّ؛ فمن أبطلِ قياسٍ قرأْتُه ... كيف والحسر في الحجّ شعيرة إِسلامية، ومن مناسكه التي لا تُشاركه فيها عبادة أُخرى، ولو كان القياس المذكور صحيحًا؛ للزم القول بوجوب الحسر في الصلاة؛ لأنَّه واجب في الحجّ، وهذا
إلزامٌ لا انفكاك لهم عنه إلاَّ بالرجوع عن القياس المذكور ...».
وقال -حفظه الله- (ص ١٦٦): «وأمّا استحباب الحسر بنية الخشوع؛ فابتداعُ حُكمٍ في الدين لا دليل عليه إلاَّ الرأي، ولو كان حقًّا؛ لفعله رسول الله - ﷺ -، ولو فعَله لنُقل عنه؛ وإذ لم يُنقل عنه، دلّ ذلك أنَّه بدعة فاحذرها.
وممّا سلف تعلم أنَّ نفي المؤلّف (١) ورود دليل بأفضلية تغطية الرأس في الصلاة، ليس صوابًا على إِطلاقه، إلاَّ إِن كان يُريد دليلًا خاصًا، فهو مُسلَّم، ولكنّه لا ينفي ورود الدليل العام على ما بيّناه آنفًا، وهو التزيّن للصلاة بالزّيّ الإِسلامي المعروف من قَبل هذا العصر، والدليل العام حجّة عند الجميع عند عدم المُعارِض فتأمّل».
٥ - استقبال القِبلة
قال الله تعالى. ﴿قد نرى تقلُّب وجْهِك في السماء فَلَنولينَّك قبلةً ترضاها فولِّ وجْهَك شطْر المسجد الحرام وحيثُما كنتم فولُّوا وجوهَكم شَطره﴾ (٢).
---------------------
(١) أي: الشيخ الفاضل السيد سابق -حفظه الله- حين قال: «ولم يَرِدْ دليلٌ بأفضلية تغطية الرأس في الصلاة».
(٢) البقرة: ١٤٤، وقوله تعالى: شطره: أي: نحوه كما أنشدوا:
ألا مَن مُبلِغٍ عنّا رسولًا ... وما تُغني الرسالةُ شطْر عمرو
أي: نحو عمرو
وتقول العرب: هؤلاء القوم يشاطروننا؛ إِذا كانت بيوتهم تُقابل بيوتهم. «المغنى» (١/ ٤٤٧).

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|