عرض مشاركة واحدة
  #24  
قديم 11-01-2026, 06:28 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,954
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الأول
من صــ 341الى صــ 355
الحلقة (24)



التغليس (١) بصلاة الفجر

يستحبُّ التغليس بصلاة الفجر؛ بأن تُصلّى في أوّل وقتها، كما تدلّ على ذلك الأحاديث الصحيحة، منها:
حديث أبي مسعود البدري: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - صلّى الصبح مرّة بغلس، ثمَّ صلّى مرّة أخرى فأسفَر بها، ثمَّ كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات، ولم يعد إِلى أن يسفر» (٢).
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كنَّ نساءُ المؤمنات يشهدنَ مع رسول الله - ﷺ - صلاة الفجر مُتَلَفِّعاتٍ بمروطهنَّ، ثمَّ ينقلبنَ إِلى بيوتهنَّ حين يقضين الصلاة؛ لا يعرفهنَّ أحدٌ من الغَلَس» (٣).

---------------------
(١) الغَلس: ظُلمة آخر الليل كما تقدّم، والمراد بالتغليس هنا: المبادرة بصلاة الفجر في أوّل وقتها.
(٢) أخرجه أبو داود بسند حسن كما قال النووي وابن حبان في «صحيحه» (٣٧٨) وصححه الحاكم والخطابي والذهبي وغيرهم، كما بيّنه شيخنا -حفظه الله تعالى- في «صحيح سنن أبي داود» (٣٧٨)، وقال: «والعمل بهذا الحديث هو الذي عليه جماهير العلماء؛ من الصحابة والتابعين والأئمّة المجتهدين ...»، وانظر «الضعيفة» (٢/ ٣٧٢).
ومعنى إِلى أن يُسفر: «أي: ينكشف ويُضيء فلا يُشَكُّ فيه، وسيأتي شرحه قريبًا -إِن شاء الله- في حديث:»أسفروا بالفجر ... «، وقال ابن المنذر في»الأوسط«(٢/ ٣٨١):»وقال بعضهم: معروف في كلام العرب قولهم: أسفرت المرأة عن وجهها، وأسفري عن وجهك، أي: اكشفي«.
(٣) أخرجه البخاري: ٥٧٨، ومسلم: ٦٤٥، وغيرهما.
قال الحافظ في»الفتح«(٢/ ٥٥):»(كنَّ): قال الكرماني: هو مِثل (أكلوني =


وفي رواية: «وما يعرف بعضنا وجوه بعض» (١).
ولا يُعارض هذا الحديث قوله - ﷺ -: «أسفروا (٢) بالفجر؛ فإِنَّه أعظم

-----------------------
= البراغيث) لأنَّ قياسه الإِفراد وقد جُمِع. قوله (نساء المؤمنات): تقديره نساء الأنفس المؤمنات أو نحوها، ذلك حتى لا يكون من إِضافة الشيء إلى نفسه، وقيل: إِنَّ (نساء) هنا بمعنى الفاضلات، أي: فاضلات المؤمنات، كما يقال: رجال القوم، أي: فضلاؤهم. وقوله (لا يعرفهن أحد)، قال الداودي: معناه: لا يُعرفن أنساء أم رجال، أى: لا يظهر للرائي إلاَّ الأشباح خاصّة، وقيل: لا يُعرف أعيانهن فلا يُفرّق بين خديجة وزينب، وضعّفه النووي بأنّ المتلفّعة في النهار لا تعرف عينها فلا يبقى في الكلام فائدة، وتعقّب بأن المعرفة إِنما تتعلق بالأعيان، فلو كان المراد الأول لعبَّر بنفي العِلم، وما ذكر من أن المتلفّعة بالنهار لا تُعرف عينُها فيه نظر، لأنَّ لكلّ أمرأة هيئة غير هيئة الأخرى في الغالب، ولو كان بدنها مُغطّى.
وقال الباجي: هذا يدلّ على أنهنّ كنّ سافرات، إِذ لو كنَّ متنقّبات لمنع تغطية الوجه من معرفتهنّ لا الغلس.
قلت: وفيه ما فيه، لأنَّه مبني على الاشتباه الذي أشار إِليه النووي، وأمّا إِذا قلنا إِنَّ لكل واحدة منهن هيئة غالبًا فلا يلزم ما ذكر. والله أعلم.
والمروط: جمع مِرط بكسر الميم وهو كساء معلم من خز أو صوف أو غير ذلك، وقيل: لا يسمى مِرْطًا؛ إلاَّ إِذا كان أخضر، ولا يلبسه إلاَّ النساء، وهو مردود بقوله مِرْط من شعر أسود، وقوله: ينقلبن أي: يرجعن».
(١) أخرجه أبو يعلى في «مسنده» بسند صحيح عنها. عن «جلباب المرأة المسلمة» (ص ٦٦).
(٢) أسفر الصبح إِذا انكشف وأضاء. قالوا: يُحتمل أنهم حين أمرهم بتغليس صلاة الفجر في أوّل وقتها؛ كانوا يصلّونها عند الفجر الأوّل حرصًا ورغبةً، فقال: أسفِروا بها =



للأجر» (١).
قال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (٢/ ٥٥): «وأمّا ما رواه أصحاب السنن وصحّحه غير واحد من حديث رافع بن خديج قال: قال رسول الله - ﷺ -:»أسفِروا بالفجر فإِنَّه أعظم للأجر«، فقد حَمَله الشافعي وغيره على أنَّ المراد بذلك تحقُّق طلوع الفجر، وحَمله الطحاوي على أنَّ المراد الأمر بتطويل القراءة فيها؛ حتى يخرج من الصلاة مُسفِرًا، وأبعَدَ من زَعمَ أنَّه ناسخ للصلاة في الغلس».
وقال شيخنا -حفظه الله تعالى- في «الإِرواء» (١/ ٢٨٦): «قال الترمذي عقب الحديث: وقد رأى غير واحد من أهل العلم من أصحاب النّبيّ - ﷺ - والتابعين الإِسفار بصلاة الفجر. وبه يقول سفيان الثوري. وقال الشافعي وأحمد وإِسحاق: معنى الإِسفار: أن يتضح الفجر، فلا يُشكّ فيه، ولم يرو أنَّ معنى الإِسفار تأخير الصَّلاة».
قلت [الكلام لشيخنا -حفظه الله-]: «بل المعنى الذي يدل عليه مجموع ألفاظ الحديث إِطالة القراءة في الصَّلاة حتى يخرج منها في الإِسفار، ومهما أسفَر فهو أفضل وأعظم للأجر؛ كما هو صريحُ بعضِ الألفاظ المتقدمة، فليس معنى الإِسفار إِذن هو الدخول في الصَّلاة في وقت الأِسفار؛ كما هو

----------------
= أي: أخّروها إِلى أن يطلع الفجر الثاني وتتحققوه. وقيل: إِن الأمر بالإسفار خاصٌ في الليالي المقمرة؛ لأنَّ أوّل الصبح لا يتبّين فيها، فأُمروا بالأِسفار احتياطًا.»النهاية«بحذف يسير.
(١) أخرجه أحمد وأبو داود والدارمي وغيرهم، وهو حديث صحيح خرَّجه شيخنا في»الإرواء" (٢٥٨)، وذكر له طُرقًا وشواهد عديدة.



مشهور عن الحنفية، لأنَّ هذا خلاف السنّة الصحيحة العملية التي جرى عليها رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- كما تقدَّم في الحديث الذي قبله، ولا هو التحقّق من دخول الوقت كما هو ظاهر كلام أولئك الأئمّة، فإِنَّ التحقق فرْض لا بد منه، والحديث لا يدلّ إلاَّ على شيء هو أفضل من غيره، لا على ما لا بدّ منه كما هو صريح قوله: «... فإِنَّه أعظم للأجر»، زِدْ على ذلك أنَّ هذا المعنى خلاف قوله في بعض ألفاظ الحديث: «... فكلّما أصبحتم بها فهو أعظم للأجر».
وخلاصة القول؛ أنَّ الحديث إِنّما يتحدّث عن وقت الخروج من الصلاة، لا الدخول، فهذا أمر يُستفاد من الأحاديث الأخرى، وبالجمع بينها وبين هذا: نستنتج أنَّ السنَّة الدخول في الغلس والخروج في الإِسفار، وقد شرح هذا المعنى الإِمام الطحاوي في «شرح المعاني»، وبيّنه أتمّ البيان بما أظهر أنَّه لم يُسبَق إِليه، واستدلّ على ذلك ببعض الأحاديث والآثار، وختم البحث بقوله: فالذي ينبغي الدخول في الفجر في وقت التغليس، والخروج منها في وقت الإِسفار؛ على موافقة ما روينا عن رسول الله - ﷺ - وأصحابه. وهو قول أبي حنيفة وأيي يوسف ومحمد بن الحسن -رحمهم الله تعالى-.
وقد فاتهَ -رحمه الله- أصرح حديث يدلّ على هذا الجمع؛ منْ فِعْله عليه الصلاة والسلام وهو حديث أنس -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله - ﷺ - يصلّي، .. الصُّبح إِذا طلَع الفجر إِلى أن ينفسح البصر».
أخرجه أحمد بسند صحيح كما تقدَّم بيانه في آخر تخريج الحديث السابق. وقال الزيلعي (١/ ٢٣٩): «هذا الحديث يُبطلِ تأويلهم الإِسفار بظهور الفجر» وهو كما قال -رحمه الله تعالى-". انتهى ولشيخ الإِسلام


كلام مهم في «الفتاوى» (٢٢/ ٩٥) فارجع إِليه -إِن شئت-.

من أدرَك ركعة من صلاة الفجر أو العصر
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «من أدرَك من الصبح ركعةً قبل أن تطلع الشمس؛ فقد أدرَك الصبح، ومن أدرَك ركعةً من العصر قبل أن تغرب الشمس؛ فقد أدرَك العصر» (١).
وعنه -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا أدرَك أحدُكم سجدةً من صلاة العصر قبل أن تغرُب الشمس، فليُتمَّ صلاته، وإذا أدرَك سجدةً من صلاة الصُّبح قبل أن تطلع الشمس، فليتمّ صلاته» (٢).
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «من أدرَك من العصر سجدةً قبل أن تغرب الشمس؛ أو من الصبح قبل أنْ تطلع، فقد أدرَكها» (٣) والسجدة إِنَّما هي الركعة (٤).

------------------------
(١) أخرجه البخاري: ٥٧٩، ومسلم: ٦٠٨
(٢) أخرجه البخاري: ٥٥٦
(٣) أخرجه مسلم: ٦٠٩، وغيره.
(٤) قوله: «والسجدة إِنما هي الركعة» مُدرجة في الحديث ليست من قوله - ﷺ -.
قال شيخنا في «الإِرواء» (تحت الحديث ٢٥٢): «وهي مُدرجةٌ في الحديث ليست من كلامه - ﷺ -، قال الحافظ في»التلخيص«(ص٦٥): قال المحبّ الطبري في»الأحكام«: ويُحتمل إِدراج هذه اللفظة الأخيرة.
قلت: -أي: شيخنا حفظه الله -:»وهو الذي أُلقيَ في نفسي وتبيّن لي بعد أن تتبعتُ مصادر الحديث فلم أجدها عند غير مسلم. والله أعلم".



وجاء في «صحيح البخاري» (٥٥٦) (كتاب مواقيت الصلاة) «باب من أدرَك ركعةً من العصر قبل الغروب»، وأورد فيه حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: «إِذا أدرَك أحدكم سجدةً ...».
قال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٣٨): «قوله (باب من أدرَك ركعةً من العصر قبل الغروب) أورد فيه حديث أبي سلمة عن أبي هريرة:»إِذا أدرَك أحدكم سجدةً من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتمّ صلاته، فكأنَّه أراد تفسير الحديث، وأنَّ المراد بقوله: «فيه سجدة»، أي: ركعة.
وقد رواه الإِسماعيلي من طريق حسين بن محمد عن شيبان بلفظ: «من أدرَك منكم ركعة» فدلّ على أنَّ الاختلاف في الألفاظ وقَع من الرواة، ... و[في] رواية مالك في أبواب وقت الصبح بلفظ: «من أدرَك ركعة» ولم يُختَلف على راويها في ذلك، فكان عليها الاعتماد. وقال الخطابي: «المراد بالسجدة الركعة بركوعها وسجودها، والركعة إِنّما يكون تمامها بسجودها فسُمّيت على هذا المعنى سجدة»«.
قال شيخنا في»الإِرواء«(١/ ٢٧٥):»... وقد أخرجه البيهقي (١/ ٣٧٨) من طريق محمد بن الحسين بن أبي الحنين حدثنا الفضل يعني ابن دكين به، بلفظ: «إِذا أدرك أحدكم أوّل سجدة ...» بزيادة «أوّل» في الموضعين.
... فثبتَ مما ذكَرْنا أنَّ هذه الزيادة صحيحة ثابتة في الحديث، وهي تعيِّن أنَّ المراد من الحديث إدراك الركوع مع السجدة الأولى؛ كما سبَق بيانه، وما يترتّب عليه من رفْع الخلاف الفقهي في الحديث الذي قبله"،


أي: حديث: «من أدرَك ركعةً من الصبح ...».

الأوقات التي ورَد النّهي عن الصَّلاة فيها
لقد ورَد النهي عن الصَّلاة في عِدّه مواطن، وهي ما يأتي:
١ - بعد صلاة الفجر حتى تطلُع الشمس.
٢ - وحين طلوعها حتى ترتفع قدر رمح.
٣ - وحين استوائها.
٤ - وحين تميل إِلى الغروب.
٥ - وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس؛ وذكر بعض العلماء جواز ذلك قبل اصفرار الشمس، كما سيأتي إِن شاء الله.
ودليل ذلك:
حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا صلاة بعد صلاة العصر حتَّى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتَّى تطلع الشمس» (١).

----------------------
(١) أخرجه البخاري: ٥٨٦، ومسلم: ٨٢٧
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» (٦٣ - ٦٥) بحذف يسير: "فقد نهى النّبيّ - ﷺ - عن الصلاة وقت طلوع الشمس، ووقت الغروب، مُعلِّلًا ذلك النهي: بأنّها تطلع وتغرب بين قرني شيطان، وأنَّه حينئذ يسجُد لها الكفار. ومعلوم أنَّ المؤمن لا يقصد السجود إلاَّ لله تعالى، وأكثر النّاس قد لا يعلمون أنَّ طلوعها وغروبها بين قرني شيطان، ولا أنَّ الكفار يسجدون لها، ثمَّ إِنَّه - ﷺ - نَهى عن الصلاة في هذا الوقت حَسمًا لمادّة المشابهة بكلّ طريق. =



وحديث عمرو بن عبسة -رضي الله عنه- في قصة إِسلامه، وفيه: «فقلتُ: يا نبي الله! أخبِرني عمَّا علَّمك الله وأجهلُهُ، أخبرْني عن الصلاة؟».
قال: «صلِّ صلاة الصبح. ثمَّ أقْصِرْ عن الصَّلاة حتى تطلع الشمس حتَّى ترتفع، فإِنّها تطلعُ حين تطلعُ بين قرْني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثمَّ صلِّ فإِنَّ الصَّلاة مشهودةٌ محضورةٌ (١) حتَّى يستقلَّ الظِّلُّ بالرمح (٢). ثمَّ أقصِرْ

-------------------
= ... وكان فيه تنبيهٌ على أنَّ كلّ ما يفعله المشركون من العبادات ونحوها ممّا يكون كفرًا أو معصية بالنية؛ يُنهى المؤمنون عن ظاهره، وإنْ لم يقصدوا به قصْد المشركين سدًّا للذريعة، وحسمًا للمادة»، ولهذا نهَى عن الصلاة إِلى ما عُبد من دون الله في الجملة، وإِن لم يكن العابد يقصد ذلك، ولهذا يُنهى عن السجود لله بين يدي الرّجل، وإن لم يقصد الساجد ذلك، لِمَا فيه من مُشابهة السجود لغير الله.
فانظر كيف قَطَعت الشريعة المشابهة في الجهات وفي الأوقات، وكما لا يُصلّي إِلى القبلة التي يُصلون إِليها؛ كذلك لا يصلّي إِلى ما يُصلّون له؛ بل هذا أشدّ فسادًا، فإِنَّ القبلة شريعة من الشرائع، قد تختلف باختلاف شرائع الأنبياء، أمَّا السجود لغير الله وعبادته؛ فهو مًحرّم في الدين الذي اتفقت عليه رسل الله، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿واسألْ من أرسَلْنا من قبلِك من رُسُلنا أجعَلْنا من دون الرحمن آلهةً يُعبدون﴾. [الزخرف: ٤٥].
(١) أي: تشهدها الملائكة وتحضرها.
(٢) قال النووي -رحمه الله-: أى: يقوم مقابله في جهة الشمال؛ ليس مائلًا إِلى المغرب ولا إِلى المشرق، وهذه حالة الاستواء، وفي الحديث التصريح بالنهي عن الصلاة حينئذ حتى تزول الشمس، وهو مذهب الشافعي وجماهير العلماء، واستثنى الشافعي حالة الاستواء يوم الجمعة.
وقال في «النهاية»: أي: حتى يبلغ ظلّ الرمح المغروس في الأرض أدنى غاية القلَّة والنقص؛ لأنَّ ظلَّ كل شيء في أوّل النّهار يكون طويلًا، ثمَّ لا يزال ينقص حتى يبلغ أقصره =



عن الصَّلاة. فإِنَّ حينئذ تُسْجَرُ جهنم (١) فإِذا أقبل الفيءُ فَصَلِّ (٢). فإِن الصَّلاة مشهودةٌ محضورةٌ، حتَّى تصلِّي العصر ثمَّ أقصِر عن الصَّلاة (٣) حتَّى تغرب الشمس. فإِنّها تغرُب بين قرني شيطانٍ، وحينئذ يسجد لها الكفار» (٤).
وعن عقبة بن عامر الجهني -رضي الله عنه- قال: «ثلاث ساعات كان رسول الله - ﷺ - ينهانا أن نصلِّي فيهنّ، أو أن نقبرَ فيهنّ موتانا (٥): حين تطلعُ الشمس بازغةً (٦) حتى ترتفع، وحين يقوم قائمُ الظهيرة (٧) حتى تميل

----------------------
= وذلك عند انتصاف النهار، فإِذا زالت الشمس عاد الظِّل يزيد، وحينئذ يدخل وقت الظهر، وتجوز الصلاة ويذهب وقت الكراهة. وهذا الظّل المتناهي في القِصَر هو الذي يسمّى ظلَّ الزوال، أي: الظل الذي تزول الشمس عن وسط السماء، وهو موجود قبل الزيادة. فقوله:»يستقل الرّمح بالظل«هو من القلة لا من الإِقلال والاستقلال الذي بمعنى الارتفاع والاستبداد، يقال: تقلل الشيء، واستقله، وتقالَّه: إِذا رآه قليلا.
(١) أي: توقد إِيقادًا بليغًا.»شرح النووي«.
(٢) أقبل الفيء: ظهر إِلى جهة الشرق، والفيء مختصّ بما بعد الزّوال، وأمّا الظلّ فيقع على ما قبل الزوال وبعده.»شرح النووي«.
(٣) أي: أمسِكْ وكفّ.
(٤) أخرجه مسلم: ٨٣٢، وغيره.
(٥) قال شيخنا -حفظه الله- في»تمام المنة«(ص ١٤٣): [الواجب] تأخير دفْن الجنازة حتى يخرج وقت الكراهة، إلاَّ إِذا خيف تغيّر الميت، وهو قول الحنابلة كما ذكره المؤلف [أي: السيد سابق -حفظه الله-] في كتاب»الجنائز«.
(٦) البزوغ: ابتداء طلوع الشمس، يقال: بزغت الشمس، وبزغ القمر وغيرهما: إِذا طلعَت.»النهاية".
(٧) أي: قيام الشمس وقت الزوال، من قولهم: قامت به دابّته: أي: وقَفَت =



الشمس، وحين تضَيَّف (١) الشمس للغروب حتى تغرب» (٢).
أمّا الصلاة بعد العصر؛ فقد ذكر بعض العلماء جوازها قبل اصفرار الشمس؛ لحديث عليّ -رضي الله عنه-: «نهى رسول الله - ﷺ - عن الصَّلاة بعد العصر إلاَّ والشمس مرتفعة» (٣).
وعن المقدام بن شريح عن أبيه قال: «سألت عائشة عن الصلاة بعد العصر؛ فقالت: صلِّ، إِنما نهى رسول الله - ﷺ - قومك أهل اليمن عن الصلاة إِذا طلعت الشمس» (٤).

------------------
= والمعنى: أنَّ الشمس إذا بَلَغَت وسط السماء أبطأت حركة الظلّ إِلى أن تزول، فيحسب النّاظر المتأمل أنها قد وقفت وهي سائرة؛ لكن سيرًا لا يظهر له أثر سريع؛ كما يظهر قبل الزوال وبعده، فيُقال لذلك الوقوف المشاهد: قامَ قائم الظهيرة. «النهاية».
ويستثنى من ذلك التطوّع يوم الجمعة، كما سيأتي إِن شاء الله تعالى، وقال شيخنا في «تمام المنة» (ص١٤٣): «وفيه أحاديث كثيرة؛ تراجع في»زاد المعاد«و»إِعلام أهل العصر بحُكم ركعتي الفجر«للعظيم آبادي وغيرهما».
قال النووي: حال استواء الشمس، ومعناه: حين لا يبقى للقائم فى الظهيرة ظلٌّ في المشرق ولا في المغرب.
(١) أي: تميل، يُقال: ضاف عنه يضيف. وانظر «النهاية».
(٢) أخرجه مسلم: ٨٣١، وغيره.
(٣) أخرجه أبو داود والنسائي وأبو يعلى في «مسنده» وغيرهم، وهو حديث صحيح خرَّجه شيخنا في «الصحيحة» (٢٠٠).
(٤) قال شيخنا -شفاه الله- في «الضعيفة» تحت الحديث (٩٤٥): «وسنده صحيح على شرط مسلم».



قال شيخنا في»الصحيحة«(١/ ٣٤٢) بعد حديث»لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس«:»فهذا مطلق، يقيّده حديث عليّ -رضي الله عنه- وإلى هذا أشار ابن حزم -رحمه الله- بقوله المتقدِّم: «وهذه زيادة عدْل لا يجوز ترْكها».
ثمَّ قال البيهقي: «وقد رُوي عن علي -رضي الله عنه- ما يخالف هذا. وروي ما يوافقه».
ثمَّ ساق هو والضياء في «المختارة» (١/ ١٨٥) من طريق سفيان قال: أخبَرني أبو إِسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله - ﷺ - يُصلِّي ركعتين في دبر كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ، إلاَّ الفجر والعصر».
قلتُ -أي: شيخنا حفظه الله تعالى-: "وهذا لا يخالف الحديث الأوّل إِطلاقًا، لأنَّه إنما ينفي أن يكون النّبيّ - ﷺ - صلَّى ركعتين بعد صلاة العصر، والحديث الأوّل لا يُثبِت ذلك حتى يُعارَض بهذا، وغاية ما فيه أنَّه يدلّ على جواز الصَّلاة بعد العصر إِلى ما قبل اصفرار الشمس، وليس يلزم أن يفعل النّبيّ - ﷺ - ما أثبت جوازه بالدليل الشرعي كما هو ظاهر.
نعم، قد ثبَت عن أمّ سلمة وعائشة -رضي الله عنهما- أنَّ النّبيّ - ﷺ - صلّى ركعتين سنة الظهر البعدية بعد صلاة العصر، وقالت عائشة: إِنَّه - ﷺ - داوم عليها بعد ذلك، فهذا يُعارض حديث عليّ الثاني، والجمع بينهما سهْل، فكلٌّ حَدَّث بما عَلِم، ومن عَلِم حُجَّةٌ على من لم يعلم، ويظهر أنَّ عليًا -رضي الله عنه- عَلِم فيما بعد من بعض الصحابة ما نفاه في هذا الحديث،


فقد ثبَت عنه صلاته - ﷺ - بعد العصر، وذلك قول البيهقي: «وأمّا الذي يوافقه ففيما أخبَرنا ...» ثمَّ ساق من طريق شعبة عن أبي إِسحاق عن عاصم بن ضمرة قال: «كُنّا مع عليّ -رضي الله عنه- في سفر فصلَّى بنا العصر ركعتين، ثمَّ دخل فسطاطه (١) وأنا أنظر، فصلّى ركعتين».
ففي هذا أنَّ عليًّا -رضي الله عنه- عَمِل بما دلّ عليه حديثه الأوّل من الجواز.
وروى ابن حزم (٣/ ٤) عن بلال مُؤذِّن رسول الله - ﷺ - قال: «لم ينه عن الصلاة إلاَّ عند غروب الشمس».
قلت: وإِسناده صحيح، وهو شاهد قويّ لحديث عليّ -رضي الله عنه- وأمّا الركعتان بعد العصر، فقد روى ابن حزم القول بمشروعيّتهما عن جماعةٍ من الصحابة، فمن شاء فليرجع إِليه.
وما دلَّ عليه الحديث من جواز الصلاة ولو نفلًا بعد صلاة العصر وقبل إصفرار الشمس، هو الذي ينبغي الاعتماد عليه في هذه المسألة التي كثُرت الأقوال فيها، وهو الذي ذهب إِليه ابن حزم تبعًا لابن عمر -رضي الله عنهما- كما ذكره الحافط العراقي وغيره، فلا تكن ممّن تغرّه الكثرة، إذا كانت على خلاف السُنَّة.
ثمَّ وجَدْتُ للحديث طريقًا أخرى عن عليّ -رضي الله عنه- بلفظ: «لا تصلُّوا بعد العصر، إلاَّ أن تُصلّوا والشمس مرتفعة». أخرجه الإمام أحمد (١/ ١٣٠): حدثنا إِسحاق بن يوسف: أخبرنا سفيان عن أبي إِسحاق عن

------------------------
(١) الفُسطاط: -بالضم والكسر- المدينة التي فيها مجتمع الناس. «النهاية».


عاصم عن عليّ -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه قال: فذكره.
قلت: وهذا سند جيّد، ورجاله كلّهم ثقات رجال الشيخين غير عاصم وهو ابن ضمرة السلولي وهو صدوق. كما في»التقريب«.
قلت: فهذه الطريق مما يُعطي الحديث قوّة على قوّة، لا سيما وهي من طريق عاصم الذي روى عن عليّ أيضًا أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان لا يصلّي بعد العصر، فادّعى البيهقي من أجل هذه الرواية إِعلال الحديث، وأجَبْنا عن ذلك بما تقدّم، ثمَّ تأكَّدْنا من صحة الجواب حين وقَفْنا على الحديث من طريق عاصم أيضًا. فالحمد لله على توفيقه» اهـ.
ثمَّ وجدت لابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ٣٨٨ - ٣٩١) كلامًا مفيدًا في ذلك.
قال -رحمه الله- (ص ٣٨٨): "قد ثبتت الأخبار عن رسول الله - ﷺ - بنهيه عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، فكان الذي يوجبه ظاهر هذه الأحاديث عن النّبيّ - ﷺ - الوقوف عن جميع الصلوات بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس، فدّلت الأخبار الثابتة عن النّبيّ - ﷺ - على أنَّ النهي إِنّما وقع في ذلك على وقت طلوع الشمس ووقت غروبها، فممّا دلّ على ذلك حديث عليّ بن أبي طالب، وابن عمر، وعائشة -رضي الله عنهم-، وهي أحاديث ثابتة بأسانيد جياد، لا مطعن لأحد من أهل العلم فيها. ثمَّ ساقها بأسانيده.
ثمَّ قال (ص٣٩٠): (ذِكر الأخبار الدالة على إِباحة صلاة التطوّع بعد


صلاة العصر) ثمَّ ذكر حديث أم سلمة قالت: «دخل علي رسول الله - ﷺ - بعد العصر فصلّى ركعتين فقلت: يا رسول الله إِن هذه صلاة ما كنت تصليها؟ قال: قدم وفد بني تميم فحبسوني عن ركعتين كنت أركعهما بعد صلاة الظهر» (١).
وقال بعد ذلك: «قد ثبت أن نبي الله - ﷺ - صلّى بعد العصر صلاة كان يصليها بعد الظهر شغل عنها وهي صلاة تطوع، فإِذا جاز أن يتطوع بعد العصر بركعتين جاز أن يتطوع المرء ما شاء من التطوع إِذا اتقى الأوقات التي نهى رسول الله - ﷺ - عن التطوع فيها، مع أنا قد روينا عن رسول الله - ﷺ - بإِسناد ثابت لا أعلم لأحد من أهل العلم فيه مقالًا، أنّه كان يصلي بعد العصر ركعتين».
وذكر تحته عددًا من الأحاديث منها: حديث عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: «والله ما ترك رسول الله - ﷺ - ركعتين عندي بعد العصر قط» (٢).
وحديث الأسود بن يزيد ومسروق يقولان: «نشهد على عائشة أنها قالت: ما كان رسول الله - ﷺ - عندي في يومي إلاَّ صلاها، تعني ركعتين بعد العصر» (٣).

-----------------------
(١) أخرجه أحمد في «المسند» (١٠/ ١٧٩) برقم (٢٦٥٧٧)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٥٦٣، ٥٦٤) ونحوه في «صحيح البخاري» (١٢٣٣)، و«صحيح مسلم» (٨٣٤).
(٢) أخرجه البخاري: ٥٩١، ومسلم: ٨٣٥
(٣) أخرجه البخاري: ٥٩٣، ومسلم: ٨٣٥



التطوّع حين الإِقامة
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إِذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلاَّ المكتوبة» (١).
وعن ابن بُحينة -رضي الله عنه- قال: أقيمت صلاة الصبحِ فرأى رسول الله - ﷺ - رجلًا يصلّي والمؤذن يُقيم، فقال: «أتُصلِّي الصبح أربعًا» (٢).
وعن عبد الله بن سَرجِس قال: «دخل رجلٌ المسجد ورسول الله - ﷺ - في صلاة الغداة فصلّى ركعتين في جانب المسجد، ثمَّ دخل مع رسول الله - ﷺ -، فلمّا سلَّمَ رسول الله - ﷺ - قال: يا فلان! بأيِّ الصلاتين اعتددتَ؟ أبصلاتك وحدك، أم بصلاتك معنا؟» (٣).
ولا يعني هذا أن يقطع كل مصلٍّ صلاته حين يسمع الإِقامة، إِذ الأمر يختلف من إِمام إِلى إِمام، ومن مُصلٍّ إِلى مُصلٍّ، فربّما كان المصلّي في حالٍ يُرجّح فيها أنه يُدرك التكبيرة الأولى لصلاة الفريضة، أو كان آخر في وسط الصلاة، وقد عَهِد من إمامه الانتظار لتسوية الصفوف وسدّ الفُرج، فيتسنّى له استكمال صلاته مع استعجال غير مُخلٍّ، فهذا وذاك لا يقطعان الصلاة، أمَّا إِذا رجّح المصلّي فوات تكبيرة الإِحرام لأنَّه في بداية صلاته، أو لاستعجال إمامه بالتكبير دون تسوية الصفوف؛ فعليه أن يُبادر بالفريضة ويدَع ما سواها. سمعتُه من شيخنا -حفظه الله-.

-------------------------
(١) أخرجه أحمد ومسلم: ٧١٠، وأصحاب السنن.
(٢) أخرجه البخاري: ٦٦٣، ومسلم: ٧١١، وهذا لفظه.
(٣) أخرجه مسلم: ٧١٢






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 36.32 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 35.70 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.73%)]