عرض مشاركة واحدة
  #23  
قديم 11-01-2026, 06:24 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,958
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الأول
من صــ 326الى صــ 340
الحلقة (23)



وقتٌ» (١)
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إِنَّ للصلاة أولًا وآخرًا، وإنّ أوّل وقت صلاة الظهر حين تزول الشمس، وآخر وقتها حين يدخل وقت العصر، وإنّ أول وقت صلاة العصر حين يدخل وقتها، وإِنّ آخر وقتها حين تصفرّ الشمس، وإنّ أول وقت المغرب حين تغرب الشمس، وإن آخر وقتها حين يغيب الأفق، وإِنّ أول وقت العشاء الآخرة حين يغيب الأفق، وإن آخر وقتها حين ينتصف الليل، وإِنّ أول وقت الفجر حين يطلع الفجر، وإِنَّ آخر وقتها حين تطلع الشمس» (٢).

وقت الظُّهر (٣)

عن عبد الله بن عمرو أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «وقت الظهر إِذا زالت

---------------------
(١) أخرجه النسائي»صحيح سنن النسائي«(٤٨٨) والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(١٢٧) والدارقطني والحاكم وعنه البيهقي وأحمد، وقال الحاكم:»حديث صحيح مشهور«ووافقه الذهبي، وشيخنا الألباني، وانظر»الإِرواء«(٢٥٠).
(٢) أخرجه الترمذي والطحاوي في»شرح المعاني«والدارقطني في»السنن«وغيرهم، وخرّجه شيخنا في»الصحيحة«(١٦٩٦).
(٣) قال في»المغني«(١/ ٣٧٨):»بدأ الخرقي بذِكر صلاة الظهر؛ لأنَّ جبريل بدأ بها حين أمّ النّبيّ - ﷺ - في حديث ابن عباس وجابر، وبَدأ بها - ﷺ - حين علَّم الصحابة مواقيتَ الصلاة في حديث بريدة وغيره، وبدأ بها الصحابة حين سُئلوا عن الأوقات في حديث أبي برزة وجابر وغيرهما«. انتهى.
قلتُ: لكن بدأت بعض الألفاظ بصلاة الفجر، كما في»صحيح مسلم«(٦١٢).
فعن عبد الله بن عمرو أنَّ نبي الله - ﷺ - قال:»إِذا صلّيتم الفجر فإِنَّه وقت إِلى أنْ يطلع =


الشمس، وكان ظلّ الرجل كطوله، ما لم يحضُر العصر» (١).
يبدأ وقت الظهر حين تزول الشمس عن بطن السماء ووسطها، ويستمرّ ذلك حتى يصير ظلّ كلّ شيء مثله، باستثناء فيء (٢) الزوال.
وأجمع أهل العلم على أن أوّل وقت الظهر زوال الشمس، قاله ابن المنذر وابن عبد البرّ، وقد تظاهرَت الأخبار بذلك ... (٣).
قال في «المغني» (١/ ٣٨٠): «ومعنى زوال الشمس: ميلها عن كبد

-----------------------
= قرن الشمس الأول، ثمَّ إِذا صليتم الظهر فإِنه وقتٌ إِلى أن يحضر العصر، فإِذا صلّيتم العصر فإِنَّه وقتٌ إِلى أن تصفر الشمس، فإِذا صليتم المغرب فإِنَّه وقتٌ إلى أن يسقط الشفق، فإِذا صليتم العشاء فإِنَه وقتٌ إِلى نصف الليل».
وورد في «صحيح مسلم» (٦١٢): عن عبد الله بن عمرو أيضًا مرفوعًا بلفظ: «وقت صلاة الفجر ما لم يطلع قرن الشمس الأول ...» ولكن أحاديث الابتداء بوقت صلاة الظهر أكثر.
واستحسن شيخ الإسلام ابن تيمية: كما في «الاختيارات» (ص ٣٣): أن يُبدَأ بالفجر؛ لأنَّ الصلاة الوسطى هي العصر، وإنَّما تكون الوسطى إِذا كان الفجر هو الأوّل.
(١) أخرجه مسلم: ٦١٢
(٢) قال في «النهاية»: «... وأصْل الفيء الرجوع، يُقال: فاء يفي فئةً وفُيوءًا؛ كأنه كان في الأصل لهم فرجع إِليهم، ومنه قيل للظلِّ الذى يكون يعد الزوال: فيء، لأنَّه يرجع من جانب الغرب إِلى جانب الشرق».
قال النووي: «والفيء لا يكون إلاَّ بعد الزوال، وأمّا الظلّ فيُطلق على ما قبل الزوال وبعده، وهذا قول أهل اللغة». وقال الحافظ في «الفتح» (٦/ ٣٢٦): «والفيء يكون من عند زوال الشمس، ويتناهى بمغيبها».
(٣) انظر «الأوسط» (٢/ ٣٢٦)، و«المغني» (١/ ٣٧٨).



السماء، ويُعرف ذلك بطول ظلّ الشخص بعد تناهي قِصَره، فمن أراد معرفة ذلك فليُقدّر ظلّ الشمس، ثمَّ يصبر قليلًا ثمَّ يقدّره ثانيًا، فإِنْ كان دون الأول فلم تَزُل، وإن زاد ولم ينقص فقد زالت، وأمَّا معرفة ذلك بالأقدام فتختلف باختلاف الشهور والبلدان، فكلّما طال النهار قصر الظل، وإِذا قصر طال الظلّ، فكلّ يوم يزيد أو ينقص».
جاء في «عون المعبود» (٣/ ٣٠٠): «قال الشيخ عبد القادر الجيلاني في»غنية الطالبين«: فإِذا أردت أن تعرف ذلك؛ فقِس الظل بأن تنصب عمودًا أو تقوم قائمًا في موضع الأرض مستويًا معتدلًا، ثمَّ علِّم على منتهى الظل؛ بأن تخط خطًا، ثم انظر أينقص أو يزيد، فإِن رأيته ينقص؛ علمْتَ أنّ الشمس لم تَزُل بعد، وإِنْ رأيته قائمًا لا يزيد ولا ينقص؛ فذلك قيامها وهو نصف النهار، لا تجوز الصلاة حينئذ، فإِذا أخذ الظل في الزيادة؛ فذلك زوال الشمس، فقِس من حدّ الزيادة إِلى ظلّ ذلك الشيء الذي قست به طول الظل، فإِذا بلغ إِلى آخر طوله؛ فهو وقت آخر الظهر».
وقال شيخنا -حفظه الله تعالى- موضّحًا دخول وقت الظهر (١): «لو وضَعْنا شاخصًا وراقبْنا ظلّه حتى صار الظلّ ٢ سم مثلًا، وبعد ذلك لم يطُل أكثر من ذلك ولم يقصُر، ثمَّ تحرَّك حتى صار مثلًا ٢ سم و١ ملم، فهذا اسمه فيء الزوال، بمعنى زالت الشمس عن وسط السماء، ودخل وقت الظهر».

------------------------
(١) قاله لي هكذا بمعناه حين طلبْتُ منه توضيحًا عمليًّا لذلك.


وانظر ما قاله ابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ٣٢٨) تحت (باب ذكر معرفة الزوال).

الإِبراد بصلاة الظهر عند الحرّ
عن أبي ذرّ -رضي الله عنه- قال: «كان النّبيّ - ﷺ - في سفر، فقال: أبرِد، ثمَّ قال: أبرِد، حتى فاء الفيء -يعني للتلول (١) - ثمَّ قال: أبردوا بالصَّلاة؛ فإِنَّ شدّة الحرّ من فيح (٢) جهنّم» (٣).
وعن أبي سعيد -رضي الله عنه- قال: «قال النّبيّ - ﷺ -: أبردوا بالصَّلاة، فإِنَّ شدّة الحرّ من فيح جهنّم» (٤).
قال في «المغني» (١/ ٤٠٠): «وقال القاضي: إِنَّما يُستحبُّ الإِبراد بثلاثة شروط: شدّة الحرّ، وأن يكون في البلدان الحارّة ومساجد الجماعات، فأمَّا من صلاّها في بيته، أو في مسجدٍ بفناء بيته؛ فالأفضل تعجيلها، وهذا مذهب الشافعي؛ لأنَّ التأخير إِنَّما يُستحبّ لينكسر الحرّ ويتسع في

----------------------
(١) جمع تلّ: وهو ما ارتفع من الأرض عمّا حوله، وهو دون الجبل، وتُجمع أيضًا على تِلال وأتلال، وانظر»الوسيط«.
(٢) الفيح: سطوع الحر وفورانه، وفاحت القدر غلت.»النهاية«.
(٣) أخرجه البخاري: ٣٢٥٨، ومسلم: ٦١٦، قال النووي (٣/ ١١٩):»ومعنى قوله رأَينا فيء التّلول: أنَّه أخّر تأخيرًا كثيرًا؛ حتى صار للتلول فيءٌ، والتلولُ مُنبطحة غير منتصبة، ولا يصير لها فيءٌ في العادة؛ إلاَّ بعد زوال الشمس بكثير".
(٤) أخرجه البخاري: ٣٢٥٩، ومسلم: ٦١٥



الحيطان، ويكثر السعي إِلى الجماعات، ومن لا يصلّي في جماعة لا حاجة به إِلى التأخير».
واختلف العلماء في غاية الإِبراد: قال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (٢/ ٢٠) (١): «وقد اختلف العلماء في غاية الإِبراد، فقيل: حتى يصير الظلّ ذراعًا بعد ظلّ الزوال، وقيل: رُبع قامة، وقيل: ثلثها وقيل: نصفها، وقيل: غير ذلك. ونزلها المازري على اختلاف الأوقات، والجاري على القواعد أنَّه يختلف باختلاف الأحوال، لكن يشترط أن لا يمتدّ إِلى آخر الوقت».

وقت صلاة العصر
ويبدأ حين يكون ظلّ الشيء مثله مع فيء الزوال، ويمتدّ إِلى غروب الشمس.
قال لي شيخنا -حفظه الله تعالى- في بيان وقت العصر في درس عمليّ: «قلنا في بيان صلاة الظهر أنَّ طول الشاخص ١م مثلًا وفيء الزوال ٢سم و١ ملم، فمتى يكون وقت العصر؟
عندما يصير هذا الظلّ طوله ١م و٢سم و١ملم، فالشاخص الذي قلنا إِنَّ طوله ١م، يصير ظلّه على الأرض ١م و٢سم و١ملم وهو فيء الزوال». انتهى.
وفي ذلك أحاديث منها حديث جابر المتقدّم وفيه: «... ثمَّ جاءه العصر فقال: قُم فصلِّه، فصلَّى العصر حين صار ظلّ كل شيء مثليه».
وكذلك حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال:

------------------------
(١) ونقله السيد سابق -حفظه الله- في «فقه السنة» (١/ ٩٩).


«... ومن أدرك ركعة (١) قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» (٢).
وفي رواية: «إِذا أدرك أحدكم سجدةً (٣) من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس، فليتمّ صلاته» (٤).

الترهيب من ترك صلاة العصْر
عن أبي المَليح قال: كنّا مع بريدة في غزوةٍ في يوم ذي غيم، فقال: بكِّروا بصلاة العصر، فإِنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: «من ترك صلاة العصر فقد حَبِط عمله» (٥).
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «الذى تفوتُه صلاة العصر كأنَّما وُتِرَ (٦) أهلَه وماله» (٧).

-------------------------
(١) سيأتي الكلام حولها في (باب من أدرك ركعة من صلاة الفجر أو العصر).
(٢) أخرجه البخاري: ٥٧٩، ومسلم: ٦٠٨
(٣) سيأتي الكلام حولها في (باب من أدرك ركعة من صلاة الفجر أو العصر).
(٤) أخرجه البخاري: ٥٥٦ من حديث أبي هريرة، ومسلم: ٦٠٩ من حديث عائشة -رضي الله عنهما-.
(٥) أخرجه البخاري: ٥٥٣، ٥٩٤، وانظر للمزيد من الفوائد الحديثية، «الإِرواء» (٢٥٥).
(٦) قال في «الفتح»: «وُتِر أهله: هو بالنصب عند الجمهور على أنَه مفعول ثانٍ لوُتِر، وأُضمر في (وُتِر) مفعول لم يسمّ فاعله، وهو عائد على الذي فاتَتْه، فالمعنى: أصيب بأهله وماله، وهو متعدٍّ إِلى مفعولين ...».
(٧) أخرجه البخاري: ٥٥٢، ومسلم: ٦٢٦، وغيرهما.



تعجيلها عند الغيم
لقول بريدة السابق حين غزا في يوم ذي غيمْ: «بكّروا بصلاة العصر ...».

صلاة العصر هي الصَّلاة الوسطى
قال الله تعالى: ﴿حافِظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين﴾ (١).
وعن عليّ -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال يوم الخندق: «ملأ الله عليهم بيوتهم، وقبورهم نارًا؛ كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس» (٢).
وفي رواية: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر؛ ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا ...» (٣).
وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: «حَبَسَ المشركون رسول الله - ﷺ - عن صلاة العصر، حتى احمرَّت الشمس أو اصفرَّت، فقال رسول الله - ﷺ -: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر؛ ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارًا»، أو قال: «حشا الله أجوافهم وقبورهم نارًا» (٤).
قال ابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ٣٦٨): "ويُقال: إِنها سُمّيت وسطى

------------------------
(١) البقرة: ٢٣٨
(٢) أخرجه البخاري: ٤١١١، ومسلم: ٦٢٧
(٣) أخرجه مسلم: ٦٢٧
(٤) أخرجه مسلم: ٦٢٨



لأنها بين صلاتين في الليل، وصلاتين في النهار».

وقت صلاة المغرب
ويبدأ وقت صلاة المغرب إِذا غابَ جميع قُرص الشمس، ويستمرّ إِلى مغيب الشّفق (١) الأحمر، وتقدَّم حديث مسلم (٦١٢): «فإِذا صلّيتم المغرب؛ فإِنَّه وقْتٌ إِلى أن يسقُط الشّفق».
ويُستحبّ التعجيل بصلاة المغرب وفي ذلك نصوص عديدة منها:
١ - ما رواه سلمة بن الأكوع -رضي الله عنه- «أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يصلي المغرب إِذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب» (٢).
٢ - عن أبي أيوب -رضي الله عنه- عن النبيّ - ﷺ - قال: «صلّوا صلاة المغرب مع سقوط الشمس» (٣).
٣ - ما رواه رافع بن خديج -رضي الله عنه- قال: «كُنّا نصلّي المغرب مع النّبيّ - ﷺ - فينصرف أحدُنا؛ وإِنَّه ليُبصر مواقع نَبْلِه» (٤).
جاء في «المغني» (١/ ٣٩٠): «وإِذا غابت الشمس وجَبَت المغرب، ولا يُستحبّ تأخيرها إِلى أن يغيب الشّفق، أمَّا دخول وقت المغرب بغروب

------------------
(١) قال في»النهاية«: الشفق من الأضداد؛ يقع على الحُمرة التي تُرى في المغرب بعد مغيب الشمس، وبه أخذَ الشافعي، وعلى البياض الباقي في الأفق الغربي بعد الحمرة المذكورة، وبه أخذَ أبو حنيفة.
(٢) أخرجه البخاري: ٥٦١، ومسلم: ٦٣٦
(٣) أخرجه الطبراني وغيره وخرجه شيخنا في»الصحيحة" (١٩١٥).
(٤) أخرجه البخاري: ٥٥٩، ومسلم: ٦٣٧



الشمس؛ فإِجماع أهل العلم لا نعلم بينهم خلافًا فيه، والأحاديث دالّة عليه وآخره مغيب الشّفق، وبهذا قال الثوري وإِسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وبعض أصحاب الشافعي، وقال مالك والأوزاعي والشافعي: ليس لها إلاَّ وقت واحد عند مغيب الشمس؛ لأن جبريل عليه السلام صلاّها بالنّبيّ - ﷺ - في اليومين لوقت واحد في بيان مواقيت الصَّلاة».

التعجيل بصلاة المغرب:
لما تقدّم من النصوص:
وقال ابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ٣٦٩): «وأجمع كلّ من نحفظ عنه من أهل العلم على أنَّ التعجيل بصلاة المغرب أفضل، وكذلك نقول».

وقت العشاء
يبدأ وقت صلاة العشاء حين يغيب الشّفق، ويمتدّ إلى نصف الليل، وتقدَّم حديث جابر -رضي الله عنه-: «... فصلّى العشاء حين غاب الشّفق ...»، إِلى قوله: «ثمَّ جاء من الغد ... ثمَّ جاءه العشاء حين ذهب نصف الليل أو قال ثُلث الليل، فصلّى العشاء ... ثمَّ قال: ما بين هذين وقْت».
وفي الحديث: «إِذا ملأ الليل بطن كلِّ وادٍ فصلّ العشاء الآخرة» (١).

استحباب تأخير العشاء عن أوّل وقْتها
وفيه أحاديثُ عديدة، منها:

---------------------
(١) أخرجه أحمد وغيره، وهو ثابت بمجموع طرقه، وانظر «الصحيحة» (١٥٢٠).


حديث أبي برزة الأسلمي -رضي الله عنه- يصف صفة صلاة النّبيّ - ﷺ -
المكتوبة- قال: «وكان يستحِبُّ أن يؤخّر من العشاء التي تدْعونها العَتَمةَ» (١).
وعن حميد قال: «سُئل أنسٌ: هل اتخذ النّبيّ - ﷺ - خاتَمًا؟ قال: أخّرَ ليلةً صلاة العشاء إِلى شطر الليل، ثمَّ أقبلَ علينا بوجهه، فكأني أنظر إِلى وبيص (٢) خاتمه، قال: إِنّ الناس قد صلَّوا وناموا، وإِنَّكَم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتموها» (٣).
وعن عائشة؛ قالت: «أَعْتَم (٤) النّبيّ - ﷺ - ذات ليلة حتى ذهب عامّة الليل، وحتى نام أهل المسجد، ثمَّ خرج فصلّى، فقال:»إِنَّه لَوَقتها؛ لولا أن أشقَّ على أمّتي«(٥).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -:»لولا أن أشقَّ على أمّتي، لأمَرْتهم أن يُؤخّروا العشاء إِلى ثلث الليل أو نصفه«(٦).
وعن محمد بن عمرو بن الحسن بن عليّ قال: قدم الحجّاج فسأَلنا جابر

---------------------------
(١) ووردَ معلقًا في البخاري: (١/ ١٥٠)، وموصولًا (٥٤٧)، وانظر مسلم: ٦٤٧
(٢) أي: بريق.
(٣) رواه البخاري: ٥٨٦٩، ومسلم: ٦٤٠
(٤) أي: أخر صلاة العشاء حتى اشتدّت عتمة الليل وظُلمته.
(٥) أخرجه مسلم: ٦٣٨، وغيره.
(٦) أخرجه أحمد والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وهو في»صحيح سنن ابن ماجه«(٥٦٥)، وصحّح شيخنا إِسناده في»المشكاة" (٦١١).



ابن عبد الله فقال: «كان النّبيّ - ﷺ - يصلّي الظهرَ بالهاجرةِ (١)، والعصر والشمس نقيةٌ، والمغرب إِذا وجبتْ، والعشاء أحيانًا وأحيانًا: إِذا رآهم اجتمعوا عجّلَ، وإذا رآهم أبطأوا أخَّر، والصبح -كانوا أو كان النّبيّ - ﷺ - يصليها بغَلَس» (٢).
قال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٤٨) عقب الحديث (٥٦٧): «... فعلى هذا من وجد به قوّةً على تأخيرها، ولم يغلِبه النوم ولم يشقّ على أحد من المأمومين؛ فالتأخير في حقّه أفضل، وقد قرّر النووي ذلك في»شرح مسلم«، وهو اختيار كثير من أهل الحديث من الشافعيّة وغيرهم والله أعلم.
ونقل ابن المنذر عن الليث وإِسحاق؛ أنَّ المستحبّ تأخير العشاء إِلى قبل الثُلث، وقال الطحاوي: يُستحبُّ إِلى الثلث، وبه قال مالك وأحمد وأكثر الصحابة والتابعين، وهو قول الشافعي في الجديد، وقال في القديم: التعجيل أفضل، وكذا قال في»الإِملاء«وصحّحه النووي وجماعة وقالوا: إِنَّه ممَّا يُفتي به على القديم، وتعقب بأنَّه ذكره في»الإِملاء«وهو من كُتُبه الجديدة، والمختار من حيث الدليل أفضلية التأخير، ومن حيث النظر التفصيل والله أعلم».
قلت: «ولعلّ ذلك يتبع ما بالحيّ والجماعة من قوّة؛ يُراعى فيها أضعفهم؛ حرصًا على صلاة الجماعة.

--------------------------
(١) قال في»النهاية«:»والهجير والهاجرة: اشتداد الحرّ نصف النّهار«. وأشار الحافظ في»الفتح" (٢/ ٤٢) أنَّه عقبَ الزوال؛ حين اشتداد الحرّ، وذلك في معرض مناقشة بعض الأقوال.
(٢) أخرجه البخاري: ٥٦٠، ومسلم: ٦٤٦



فربّما استدعى الأمر إِلى عدم التأخير مُطلقًا لظروف المصلِّين، وربما كان المصلّون قلَّةً في مسجدٍ ما، يستطيعون تأخير الصلاة إِلى ثلث الليل أو قبله أو بعده، ويراعى في ذلك الانتفاع من وقت الانتظار في العبادة والطاعة، والله أعلم».
ولابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ٣٦٩) كلام نفيس في هذا فارجع إِليه -إِن شئت-.

آخر وقت للعشاء
تعدَّدت الأقوال في آخر وقت للعشاء، فمنهم مَن قال: إِنَّ العشاء يمتدُّ إِلى طلوع الفجر الثاني، ومنهم من قال: إِنّه يمتدّ إِلى ثُلث الليل، ومنهم من قال: إِلى نصف الليل.
ومنهم من قال: وقت الاختيار إِلى ثلث الليل، ووقت الضرورة إِلى طلوع الفجر الثاني.
واستدلّ من قال بامتداد العشاء إِلى طلوع الفجر الثاني بحديث «مسلم» (٦٨١): «... أما إِنّه ليس في النّوم تفريط، إِنَّما التفريطُ على من لم يُصلِّ الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأُخرى ...».
قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في «تمام المنّة» (ص١٤٠): "... ولا دليل فيه على ما ذهبوا إِليه، إِذ ليس فيه بيان أوقات الصلاة، ولا سيق من أجل ذلك وإِنّما لبيان إِثم من يؤخِّر الصلاة حتى يخرجها عامدًا عن وقتها مطلقًا؛ سواء كان يعقبها صلاة أخرى مِثل العصر مع المغرب، أوْ لا، مِثْل الصبح مع الظهر، ويدلّ على ذلك أنّ الحديث ورَد في صلاة الفجر؛ حين فاتتْه - ﷺ - مع


أصحابه وهم نائمون في سَفَر لهم، واستعظَم الصحابة -رضي الله عنهم- وقوع ذلك منهم، فقال - ﷺ - لهم: «أما لكم فيَّ أُسوة؟» ثمَّ ذكَر الحديث.
كذلك هو في «صحيح مسلم» وغيره، فلو كان المراد من الحديث ما ذهبوا إِليه من امتداد وقت كل صلاة إِلى دخول الأخرى، لكان نصًّا صريحًا على امتداد وقت الصبح إِلى وقت الظهر، وهم لا يقولون بذلك، ولذلك اضطروا إِلى استثناء صلاة الصبح من ذلك، وهذا الاستثناء على ما بينّا من سبب الحديث يعود عليه بالإِبطال؛ لأنَّه إِنَّما ورَد في خصوص صلاة الصبح، فكيف يصحّ استثناؤها؟! فالحقّ أنَّ الحديث لم يَرِد من أجل التحديد، بل لإِنكار تعمُّد إِخراج الصلاة عن وقتها مطلقًا، ولذلك قال ابن حزم في «المحلّى» (٣/ ٢٣٣) مجيبًا على استدلالهم المذكور:
«هذا لا يدلّ على ما قالوه أصلًا، وهم مُجمِعون معَنا أنَّ وقت صلاة الصبح لا يمتدّ إِلى وقت صلاة الظهر، فصحّ أنَّ هذا الخبر لا يدل على اتّصال وقْت كلّ صلاة بوقت التي بعدها، وإِنَّما فيه معصية من أخَّرَ صلاةً إِلى وقْتِ غيرها فقط، سواءٌ اتصل آخر وقتها بأول الثانية أمْ لم يتَّصل، وليس فيه أنّه لا يكون مفرِّطًا أيضًا من أخَّرها إِلى خروج وقتها، وإِن لم يدخُل وقتُ أخرى، ولا أنّه يكون مُفرِّطًا، بل هو مسكوت عنه في هذا الخبر، ولكن بيانه في سائر الأخبار التي فيها نصٌّ على خروج وقتِ كلِّ صلاة، والضرورة توجبُ أنَّ من تعدَّى بكل عمل وقته الذي حدَّه الله تعالى لذلك العمل؛ فقد تعدّى حدود الله، وقال تعالى: ﴿ومن يتَعَدَّ حدودَ الله فأولئكَ هم الظالمون﴾ (١)».
وإذ قد ثَبت أنّ الحديث لا دليل فيه على امتداد وقت العشاء إِلى الفجر،

-----------------------------
(١) البقرة: ٢٢٩


فإِنَّه يتحتّم الرجوع إِلى الأحاديث الأخرى التي هي صريحة في تحديد وقت العشاء مِثل قوله - ﷺ -: «ووقت صلاة العشاء إِلى نصف الليل الأوسط ...». رواه «مسلم» (٦١٢) وغيره.
وقد مضى بتمامه في الكتاب، ويؤيّده ما كتب به عمر بن الخطاب إِلى أبي موسى الأشعري: «... وأَن صلِّ العشاء ما بينك وبين ثلث الليل، وإنْ أخَّرْت فإِلى شطْر الليل، ولا تكن من الغافلين». أخرجه مالك والطحاوي وابن حزم، وسنده صحيح.
فهذا الحديث دليل واضح على أنَّ وقت العشاء إِنّما يمتدّ إِلى نصف الليل فقط، وهو الحقّ، ولذلك اختارَه الشوكاني في «الدرر البهية»، فقال: «... وآخر وقت صلاة العشاء نصف الليل»، وكذا في «السيل الجرّار» (١/ ١٨٣) وتبِعه صديق حسن خان في «شرحه» (١/ ٦٩ - ٧٠)، وقد رُوي القول به عن مالك كما في «بداية المجتهد»، وهو اختيار جماعة من الشافعية كأبي سعيد الاصطخري وغيره. انظر «المجموع» (٣/ ٤٠).
فخلاصة الأمر أنَّ وقت صلاة العشاء؛ يمتدّ إلى نصف الليل فقط، وحديث «مسلم» (٦١٢) المتقدم عُمدة في ذلك وفيه: «... ووقت صلاة العشاء إِلى نصف الليل الأوسط ...» وبالله التوفيق.

فائدة:
ينتهي الليل بطلوع الفجر الصادق، قال الله تعالى: ﴿وكلُوا واشْرَبُوا حتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِن الخَيْطِ الأسْوَدِ من الفَجْر﴾ (١). فالخيط

-------------------------
(١) البقرة: ١٨٧


الأسود آخر الليل، والخيط الأبيض أول الفجر.

وقت صلاة الصبح
يبدأ وقت صلاة الصبح حين يطلُع الفجر الصّادق، ويمتدّ إِلى طلوع الشمس.
جاء في «المغني» (١/ ٣٩٥): «وإذا طلَع الفجر الثاني وجَبَت صلاة الصبح، والوقت مُبقىً إِلى ما قبل أنْ تطلُع الشمس، ومن أدرَك منها ركعةً قبل أن تطلُع فقد أدرَكها وهذا مع الضرورة.
وجملته: إِنَّ وقت الصبح يدخل بطلوع الفجر الثاني إِجماعًا، وقد دلَّت عليه أخبار المواقيت وهو البياض المستطير (١) المنتشر في الأفق، ويُسمَّى الفجر الصادق؛ لأنَّه صدقَك عن الصبح وبيَّنه لك، والصبحُ ما جمع بياضًا وحمرةً، ومنه سُمِّي الرجل الذي في لونه بياض وحمرة أصبح، فأمَّا الفجر الأول: فهو البياض المستدق صُعُدًا (٢) من غير اعتراض، فلا يتعلّق به حكم، ويُسمَّى الفجر الكاذب».

------------------------
(١) الفجر المستطير: هو الذي انتشر ضوؤه واعترض في الأفق، بخلاف المستطيل. ومنه حديث بني قريظة:
وهان على سراة بني لؤيٍّ ... حريقٌ بالبويرة مستطير
أي: منتشر متفرّق، كأنه طار في نواحيها. «النهاية».
(٢) أي: طولًا.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 35.53 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 34.90 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.77%)]