عرض مشاركة واحدة
  #22  
قديم 11-01-2026, 06:20 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,651
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الأول
من صــ 311الى صــ 325
الحلقة (22)



كقوله - ﷺ -: «ليس بين العبد وبين الكفر إلاَّ ترك الصَّلاة». رواه مسلم (١).
وقوله: «العهد الذي بيننا وبينهم الصَّلاة فمن تركَها فقد كفَر». وقول عبد الله بن شقيق: «كان أصحاب محمد لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كُفر إلاَّ الصَّلاة».
فمن كان مُصرًّا على تركها حتى يموت، لا يسجد لله سجدة قط، فهذا لا يكون مسلمًا مقرًَّا بوجوبها، فإِنّ اعتقاد الوجوب، واعتقاد أنّ تاركها يستحقّ القتل؛ هذا داعٍ تامٌّ إِلى فعلها، والداعي مع القدرة يوجب وجود المقدور، فإِذا كان قادرًا ولم يفعل قطّ؛ علم أنَّ الداعي في حقّه لم يوجد، والاعتقاد التام لعقاب التارك باعث على الفعل، لكن هذا قد يعارضه أحيانًا أمور توجب تأخيرها وترْك بعض واجباتها، وتفويتها أحيانًا.
فأمَّا من كان مُصرًّا على تركها لا يصلّي قطّ، ويموت على هذا الإِصرار والترك؛ فهذا لا يكون مسلمًا؛ لكن أكثر النَّاس يصلّون تارة، ويتركونها تارة، فهؤلاء ليسوا يحافظون عليها، وهؤلاء تحت الوعيد، وهم الذين جاء فيهم الحديث الذي في «السنن» حديث عبادة عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه قال: «خمس صلوات كتبهنّ الله على العباد في اليوم والليلة، من حافظ عليهنّ؛ كان له عهد عند الله أنْ يدخله الجنّة، ومن لم يحافظ عليهنّ لم يكن له عهد عند الله، إِنْ شاء عذّبه وإنْ شاء غفر له» (٢).

------------------------
(١) وتقدم تخريجه.
(٢) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٤١٠)، وغيرهما وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في «المشكاة» (٥٧٠)، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٣٦٣) و«السنّة» لابن أبي عاصم (٩٦٧).


فالمحافظ عليها الذي يصلّيها في مواقيتها، كما أمر الله تعالى، والذي ليس يؤخّرها أحيانًا عن وقتها، أو يترك واجباتها، فهذا تحت مشيئة الله تعالى، وقد يكون لهذا نوافل يكمل بها فرائضه، كما جاء في الحديث».
وجاء (ص ٥٣) -منه-: «وسئل عن رجل يأمره الناس بالصَّلاة ولم يصلّ فما الذي يجب عليه؟
فأجاب: إِذا لم يصلّ فإِنَّه يستتاب، فإِن تاب وإِلاَّ قُتل، والله أعلم».
ويظهر من كلام شيخ الإِسلام -رحمه الله- أنه قد قسم الناس إِلى أربعة أقسام:
١ - الممتنع منها حتى يُقَتل؛ كما في قوله المتقدم: «ومتى امتنع الرجل من الصلاة حتى يقتل؛ لم يكن في الباطن مقرًا لوجوبها، ولا ملتزمًا بفعلها، وهذا كافر باتفاق المسلمين».
٢ - المُصرّ على الترك؛ كما يظهر في قوله: «فمن كان مصرًا على تركها حتى يموت؛ لا يسجد لله سجدةً قط؛ فهذا لا يكون مسلمأ مُقرًّا بوجوبها». بمعنى أنه يرى -رحمه الله- كُفره.
٣ - الذي لا يحافظ عليها ويظهر من قوله: «لكنّ أكثر الناس يُصلّون تارة ويتركونها تارة ...» وهذا تحت المشيئة؛ لحديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- المشار إِليه آنفًا.
٤ - المؤمنون المحافظون على الصلاة، وهم أصحاب العهد في دخول الجنّة. وبهذا يرى شيخ الإِسلام -رحمه الله- أن الامتناع من الصلاة حتى القتل،


أو الإِصرار على الترك؛ قرينتان للكفر، فقد قال -رحمه الله- في الممتنع: «... لم يكن في الباطن مقرًّا بوجوبها»، وقال -رحمه الله- في المُصرّ على الترك (٢٢/ ٤٨): «... فهذا لا يكون قطُّ مسلمًا مقرًّا بوجوبها».
وبهذا ينحصر الخلاف في المُصرّ على الترك، وهو المُشكل في كل الأقسام، وعليه مدار البحث والنظر، وتحقيق مناط الحُكم مرتبِطٌ بتنقيح مناطه، ويعود الأمر إِلى الإِقرار بالوجوب وعدمه. وبالله التوفيق.
وجاء أيضًا في «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٢٨٥) -بحذف-: «وسُئل -رحمه الله- عن الصلاة على الميت الذي كان لا يصلّي، هل لأحد فيها أجر أم لا؟ وهل عليه إِثم إِذا ترَكها مع عِلمه أنه كان لا يصلّي؟ وكذلك الذي يشرب الخمر، وما كان يصلّي؛ هل يجوز لمن كان يعلم حاله أنْ يصلّي عليه أم لا؟
فأجاب: أمّا من كان مظهِرًا للإِسلام، فإِنّه تجري عليه أحكام الإِسلام الظاهرة؛ من المناكحة، والموارثة، وتغسيله، والصلاة عليه، ودفنه في مقابر المسلمين، ونحو ذلك، لكن من عُلِم منه النفاق والزندقة، فإِنه لا يجوز لمن عَلِم ذلك منه الصلاة عليه؛ وإن كان مُظهِرًا للإِسلام».
وقال (ص ٢٨٦): «وكلّ من لم يُعلَم منه النفاق وهو مسلم؛ يجوز الاستغفار له والصلاة عليه بل يشرع ذلك».
وجاء (ص ٢٨٧) منه: "وسُئل عن رجل يصلي وقتًا، ويترك الصلاة كثيرًا، أو لا يصلّي هل يصلّى عليه؟


فأجاب: مثل هذا ما زال المسلمون يصلّون عليه، بل المنافقون الذين يكتمون النفاق يصلّي المسلمون عليهم، ويُغسَّلون، وتجري عليهم أحكام الإِسلام؛ كما كان المنافقون على عهد رسول الله - ﷺ -، وإِن كان من علم نفاق شخص؛ لم يجُز له أن يصلّي عليه، كما نُهي النبي - ﷺ - عن الصلاة على من عَلم نفاقَه، وأمّا من شُكّ في حاله؛ فتجوز الصلاة عليه، إِذا كان ظاهره الإِسلام».
وقال ابن القيّم -رحمه الله- في كتاب «الصلاة وحُكم تاركها» (ص ٣٨) في المسألة الأولى -وقد رجّح استتابة تارك الصلاة: المسألة الثانية: «... أنه لا يقتل حتى يُدعى إِلى فِعلها فيمتنع».
فماذا إِذا لم يُدع ولم يُستَتب؟ وماذا إِذا لم يُهدَّد بالقتل من الحاكم، أيُحكَم عليه بالكفر، وهذا هو واقعنا مع الأسف، فتنبّه وتدبّر.
ومِثله ما جاء في «الاختيارات» (ص٣٢) في ردّ شيخ الإِسلام -رحمه الله- على متأخري الفقهاء: «... إِذ يمتنع أن يعتقد أنّ الله فرَضها ولا يفعلها، ويصبر على القتل؛ هذا لا يفعله أحد قطّ» وقد سبقت الإِشارة إِلى مِثل هذا، وانظر «مجموع الفتاوى» (٧/ ٢١٨) فإِن فيه تفصيلًا أكثر.
وجاء في «المرقاة» (٢/ ٢٧٦): «فمن تركها فقد كفر: أي: أظهر الكُفر وعمل عمل أهل الكُفر فإِنّ المنافق نفاقًا اعتقاديًا كافر، فلا يُقال في حقّه كَفر».
وجاء في «الصحيحة» (١/ ١٧٤) -بحذف-: "فالجمهور على أنَّه لا يكفُر بذلك، بل يفسق، وذهب أحمد -في رواية- إِلى أنَّه يكفر، وأنَّه يُقتَل ردّة لا حدًّا، وقد صحّ عن الصحابة أنَّهم كانوا لا يرون من الأعمال شيئًا ترْكه كُفر غير الصَّلاة. رواه الترمذي والحاكم.


وأنا أرى أنَّ الصواب رأي الجمهور، وأنّ ما ورَد عن الصحابة ليس نصًّا على أنَّهم كانوا يريدون بـ (الكفر) هنا الكفر الذي يُخلِّد في النار ...
ثمَّ وقفْتُ على «الفتاوى الحديثة» (٨٤/ ٢) للحافظ السخاوي، فرأيته يقول بعد أن ساق بعض الأحاديث الواردة في تكفير تارك الصَّلاة -وهي مشهورة معروفة-: «ولكن؛ كل هذا إِنَّما يُحمل على ظاهره في حقّ تاركها جاحدًا لوجوبها، مع كونه ممَّن نشأ بين المسلمين؛ لأنَّه يكون حينئذ كافرًا مرتدًّا بإِجماع المسلمين، فإِنْ رجع إِلى الإِسلام؛ قُبِل منه وإِلاَّ قُتل.
وأمّا من تركَها بلا عذر بل تكاسلًا مع اعتقاد وجوبها؛ فالصحيح المنصوص الذي قطَع به الجمهور أنَّه لا يكفر، وأنَّه -على الصحيح أيضًا بعد إِخراج الصَّلاة الواحدة عن وقتها الضروري؛ كأن يترك الظهر مثلًا حتى تغرب الشمس، أو المغرب حتى يطلع الفجر؛ يستتاب كما يستتاب المرتدّ، ثمَّ يُقتل إِن لم يَتُب، ويُغسل ويصلَّى عليه ويُدفن في مقابر المسلمين، مع إِجراء سائر أحكام المسلمين عليه (١)، ويؤول إِطلاق الكفر عليه لكونه شاركَ الكافر في بعض أحكامه، وهو وجوب العمل؛ جمعًا بين هذه النصوص وبين ما صحّ أيضًا عنه - ﷺ - أنَّه قال:»خمس صلوات كتبهنّ الله ... (فذكر الحديث، وفيه إِنْ شاء عذبه، وإِن شاء غفر له«، وقال أيضًا:»من مات وهو يعلم أن لا إِله إلاَّ الله؛ دخل الجنّة«إِلى غير ذلك ... ولهذا لم يزل المسلمون يَرِثون تارك الصَّلاة ويورّثونه، ولو كان كافرًا؛ لم يُغفر له؛ لم يَرِث ولم يُورَث».
وقد ذكر نحو هذا الشيخ سليمان عبد الله في «حاشيته على المقنع»

-------------------------
(١) سيأتي كلام شيخنا في إِبطال هذا؛ عما قريب -بإِذن الله تعالى-.


(١/ ٩٥ - ٩٦)، وختم البحث بقوله:»ولأنَّ ذلك إِجماع المسلمين، فإِننا لا نعلم في عصرٍ من الأعصار أحدًا من تاركي الصَّلاة تُرك تغسيلُه والصَّلاة عليه، ولا مُنع ميراث موروثه، مع كثرة تاركي الصَّلاة، ولو كَفَر؛ لثبتت هذه الأحكام، وأمَّا الأحاديث المتقدمة؛ فهي على وجه التغليظ والتشبيه بالكافر لا على الحقيقة؛ كقوله عليه الصلاة والسلام: «سِباب المسلم فسوق وقتاله كُفر» (١)، وقوله: «من حلف بغير الله فقد أشرك» (٢)، وغير ذلك. قال الموفق: وهذا أصوب القولين«.
أقول [أي: شيخنا -حفظه الله-]: نقلْت هذا النص من»الحاشية«المذكورة، ليعلم بعض متعصّبة الحنابلة أن الذي ذهَبْنا إِليه ليس رأيًا لنا تفرَّدْنا به دون أهل العلم، بل هو مذهب جمهورهم، والمحققين من علماء الحنابلة أنفسهم؛ كالموفّق هذا -وهو ابن قدامة المقدسي- وغيره؛ ففي ذلك حُجّة كافية على أولئك المتعصبة، تَحْمِلُهم إِنْ شاء الله تعالى على ترك غلَوائهم، والاعتدال في حُكمهم.
بيد أنَّ هنا دقيقة قَلَّ من رأيته تنبّه لها، أو نبّه عليها، فوجب الكشفُ عنها وبيانها، فأقول:
إِنَّ التارك للصلاة كسَلًا؛ إِنَّما يصح الحكم بإِسلامه، ما دام لا يوجد هناك ما يكشف عن مكنون قلبه، أو يدلّ عليه، ومات على ذلك قبل أن يستتاب؛ كما هو الواقع في هذا الزمان، أمَّا لو خُيِّر بين القتل والتوبة بالرجوع إِلى

----------------------
(١) أخرجه البخاري: ٤٨، ومسلم: ٦٤
(٢) أخرجه أحمد وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٧٨٧)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(١٢٤١) وغيرهم، وانظر»الإِرواء" (٢٥٦١).



المحافظة على الصَّلاة، فاختار القتل عليها، فقُتل؛ فهو في هذه الحالة يموت كافرًا، ولا يُدفَن في مقابر المسلمين، ولا تَجري عليه أحكامهم؛ خلافًا لما سبق عن السخاوي؛ لأنَّه لا يُعقل -لو كان غير جاحد لها في قلبه - أن يختار القتل عليها، هذا أمر مستحيل معروف بالضرورة من طبيعة الإِنسان، لا يحتاج إِثباته إِلى برهان». انتهى.
وكم أعجبني قول بعض طلاب العلم: «إِنَّ ممّا أخشاه أن يكون المكفّرون لتارك الصلاة مطلقًا؛ قد عظّموا الصَّلاة أكثر من الشهادتين».
وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - أنّه قال: «أُمِرَ بعبد من عباد الله أن يضربَ في قبره مائة جلدة، فلم يزل يسأل ويدعو حتى صارت جلدة واحدة، فجُلدَ جلدةً واحدةً، فامتلأ قبره عليه نارًا، فلما ارتفع عنه وأفاق قال: على ما جلدتموني؟ قالوا: إِنّك صليت صلاةً واحدةً بغير طهورٍ، ومررتَ على مظلومٍ فلم تنصره» (١).
قال شيخنا -حفظه الله تعالى- من فقه الحديث: قال الطحاوي عقبه: «فيه ما قد دل أن تارك الصلاة لم يكن بذلك كافرًا، لأنّه لو كان كافرًا لكان دعاؤه باطلًا لقول الله تعالى: ﴿وما دعاء الكافرين إلاَّ في ضلال﴾.
ونقله عنه ابن عبد البر في»التمهيد«(٤/ ٢٣٩)، وأقره، بل وأيده بتأويل الأحاديث الواردة في تكفير تارك الصلاة على أن معناها:»من ترك الصلاة جاحدًا لها معاندًا مستكبرًا غير مقرّ بفرضها. وألزم من قال بكفره بها وقبلها

---------------------
(١) أخرجه الطحاوي في «مشكل الآثار» وغيره، وخرّجه شيخنا في «الصحيحة» (٢٧٧٤).


على ظاهرها فيهم أن يكفر القاتل والشاتم للمسلم، وأن يكفر الزاني و... و.. إِلى غير ذلك مما جاء في الأحاديث لا يُخرج بها العلماء المؤمن من الإِسلام، وإِن كان بفعل ذلك فاسقًا عندهم، فغير نكير أن تكون الآثار في تارك الصلاة كذلك».
وفي «المغني» (٢/ ٢٩٨) بحثٌ نفيسٌ فارجِع إِليه -إِن شئت-.
ثمَّ رأيتُ ردًّا للشيخ علي الحلبي -حفظه الله- على من يقول بتكفير تارك الصلاة إِذا كان غير جاحد لوجوبها، ذكر فيه عددًا من الحجج والبراهين من ذلك:
١ - في كتاب «الجامع» (٢/ ٥٤٦ - ٥٤٧) للخلاّل، عن إِبراهيم بن سعد الزّهري، قال: سألتُ ابن شهابٍ عن الرجل يترك الصلاة؟ قال: «إِنْ كان إِنّما يتركها أنه يبتغي دينًا غير الإِسلام قُتل، وإِنْ كان إِنّما هو فاسق من الفُسّاق، ضُرب ضربًا شديدًا أو سُجن».
٢ - قال الإِمام ابن المنذر في كتاب «الإِجماع» (ص ١٤٨) في مسألة تارك الصلاة: «لم أجِدْ فيها إِجماعًا» (١) أي: على كُفره.
٣ - نَقَلَ الحافظ محمد بن نصر المقدسيّ عن ابن المبارك قولَه في تكفير تارك الصلاة -في كتابه «تعظيم قدر الصلاة» (٢/ ٩٩٨) -، ثمَّ قال: «فقيل

-----------------------
(١) ومِثله ما ذَكَره في مقدّمة كتاب»حكم تارك الصلاة«لشيخنا عن الإِمام محمد ابن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- فقد قال كما في»الدُّرر السنيّة«(١/ ٧٠) - جوابًا على من قال عمّا يُكَّفَّر الرجل به؟ وعمّا يقاتَل عليه؟:»أركان الإِسلام الخمسة؛ أولها الشهادتان، ثمَّ الأركان الأربعة؛ إِذا أقرَّ بها وتركها تهاونًا، فنحن وإنْ قاتلناه على فِعلها فلا نكفره بتركها، والعلماء اختلفوا في كفر التارك لها كسلًا من غير جحود، ولا نكَفّر إلاَّ ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو الشهادتان".


لابن المبارك: أيتوارثان إِنْ مات؟! أو إِن طَلَّقها يقع طلاقُهُ عليها؟ فقال: أمّا في القياس؛ فلا طلاق ولا ميراث، ولكنْ أَجْبُنُ» ...
٤ - قال الإِمام ابن القيّم في «كتاب الصلاة» (ص ٥٥): «وها هنا أصل آخر، وهو أنّ الكفر نوعان: كُفر عمل، وكُفر جحود وعناد. فكُفر الجحود: أن يكفر بما علم أنّ الرسول جاء به من عند الله جُحودًا وعنادًا من أسماء الربّ وصفاته وأفعاله وأحكامه، وهذا الكفر يضادُّ الإِيمان من كل وجه، وأما كُفر العمل، فينقسم إِلى ما يضادّ الإِيمان، وإِلى ما لا يضاده، فالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف، وقتل النّبيّ وسّبه يضادّ الإِيمان.
وأمّا الحكم بغير ما أنزل الله وترك الصلاة، فهو من الكفر العملي قطعًا، ولا يمكن أن يُنفى عنه اسم الكفر؛ بعد أنْ أطلقه الله ورسوله عليه، فالحاكم بغير ما أنزل الله كافر، وتارك الصلاة كافر بنص رسول الله - ﷺ -، ولكنْ هو كفر عمل لا كفر اعتقاد، ومن الممتنع أن يُسمّي الله -سبحانه- الحاكم بغير ما أنزل الله كافرًا، ويُسمّي رسول الله - ﷺ - تارك الصلاة كافرًا، ولا يُطلِق عليهما اسم الكفر، وقد نفى رسول الله - ﷺ - الإِيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر، وعمّن لا يأمن جاره بوائقه، وإِذا نفي عنه اسم الإِيمان، فهو كافر من جهة العمل، وانتفى عنه كُفر الجحود والاعتقاد، وكذلك قوله:»لا ترْجِعوا بعدي كُفّارًا يضربُ بعضكم رقاب بعض«(١) فهذا كُفر عمل (٢)».

-----------------------
(١) أخرجه البخاري: ٦٨٦٨، ومسلم: ٦٦
(٢) قلت: ولا يخفى ما يقوله ابن القيّم -فيما يظهر من كلامه- تبعًا لشيخ الإِسلام -رحمهما الله تعالى- أنه يُعلّق الكفر على تحقُّق الترك، والإِصرار عليه؛ باعتبارهما قرينة على عدم الإِقرار بالوجوب.



٥ - قال الإِمام الشنقيطي -رحمه الله تعالى- في»أضواء البيان«(٤/ ٣٤٧) -بعد نقاشٍ طويلٍ في المسألة، وسَرْدٍ مستوعب لأدلة المكفِّرين، وغيرهم-:»هذا هو حاصل كلام العلماء وأدلتهم في مسألة ترك الصلاة عمدًا؛ مع الاعتراف بوجوبها. وأظهر الأقوال أدلة عندي: قول من قال إِنه كافر، وأجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية وعلوم الحديث قول الجمهور: إِنه كُفر غير مخرج عن الملة لوجوب الجمع بين الأدلة إِذا أمكن.
وإِذا حمل الكفر والشرك المذكوران في الأحاديث على الكفر الذي لا يخرج من الملة؛ حصل بذلك الجمع بين الأدلة والجمع واجب إِذا أمكن؛ لأن إِعمال الدليلين أولى من إِلغاء أحدهما؛ كما هو معلوم في الأصول وعلم الحديث.
وقال النووي في «شرح المهذب» -بعد أن ساق أدلة من قالوا إِنه غير كافر ما نصه-: «ولم يزل المسلمون يورّثون تارك الصلاة ويوَرِّثون عنه، ولو كان كافرًا لم يغفر له ولم يرث ولم يورث».
من أجل هذا؛ عدّ الإِمام ابن رشد في كتابه «بداية المجتهد» (١/ ٢٢٨) قول مكفّري تارك الصلاة: «... مضاهيًا لقول من يكفّر بالذنوب».
ولعلّه -من أجل ذا- قال العلامة أبو الفضل السَّكْسَكي في كتابه «البرهان» (ص ٣٥): "إِنّ تارك الصلاة -إِذا لم يكن جاحدًا- فهو مسلم -على الصحيح من مذهب أحمد- وأنّ المنصورية يسمّون أهل السنّة مرجئة؛ لأنهم يقولون بذلك، ويقولون: هذا يؤدي إِلى أن الإيمان


عندهم قول بلا عمل«!
٦ - قال الإِمام ابن عبد البّر في»التمهيد«(٤/ ٢٣٦) مُلزِمًا مكفّري تارك الصلاة -لمجرّد العمل-:»ويلزم من كَفَّرهم بتلك الآثار (١) وقبلها على ظاهرها فيهم: أن يكفِّر القاتل، والشاتم للمسلم، وأن يكفِّر الزاني، وشارب الخمر، والسارق، والمنتهب، ومن رغب عن نسب أبيه.
فقد صح عنه - ﷺ - أنّه قال: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (٢).
وقال - ﷺ -: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ...» (٣).
وقال - ﷺ -: «لا ترغبوا عن آبائكم، فإِنّه كُفرٌ بكم أن ترغبوا عن آبائكم» (٤).
وقال أيضًا: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» (٥).
إِلى آثار مِثل هذه لا يُخرجُ بها العلماء المؤمن من الإِسلام، وإِنْ كان بفعل ذلك فاسقًا عندهم، فغير نكير أنْ تكون الآثار في تارك الصلاة كذلك«.

-------------------------
(١) منها حديث بُريدة بن الخصيب -مرفوعًا-:»العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كَفر"، وتقدّم تخريجه.
(٢) أخرجه البخاري: ٤٨، ومسلم: ٦٤، وتقدّم.
(٣) أخرجه البخاري: ٦٨١٠، ومسلم: ٥٧
(٤) أخرجه البخاري: ٦٧٦٨، ومسلم: ٦٢
(٥) تقدّم.



٧ - قال الإِمام عبد الحقِّ الإِشبيلي في كتابه»الصلاة والتهجّد«(ص ٩٦):»... وذهب سائر المسلمين من أهل السنّة -المحدثين وغيرهم- إِلى أن تارك الصلاة متعمدًا، لا يكفر بتركها، وأنه أتى كبيرة من الكبائر إِذ كان مؤمنًا بها، مُقرًّا بفرضها، وتأولوا قول النّبيّ - ﷺ -، وقول عمر، وقول غيره ممن قال بتكفيره، كما تأولوا قوله - ﷺ -: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» (١)، وغير ذلك مما تأوّلوه، ومن قال بقتل تارك الصلاة من هؤلاء، فإِنما قال: يقتل حدًّا، ولا يقتل كفرًا، وإِلى هذا ذهب مالك والشافعي وغيرهما.
٨ - ويقول الحافظ العراقي في «طرح التثريب» (٢/ ١٤٩): «وذهب جمهور أهل العلم إِلى أنه لا يكفر بترك الصلاة -إِذا كان غير جاحد لوجوبها-، وهو قول بقية الأئمة أبي حنيفة ومالك والشافعي، وهي رواية عن أحمد بن حنبل -أيضًا-». انتهى كلام الشيخ علي الحلبي -حفظه الله-.
قلتُ: ومهما يكن مِن أمر؛ فإِنه لا ينبغي أن نختلف في هذه المسألة، أو نجعل فيها ولاءً وبراءً -إِذ الخلاف شرٌّ- وهذه من مسائل الاجتهاد، والذي ينبني على هذه المسألة أمران:
١ - أمْرٌ يتعلّق بجزاء تارك الصلاة عند اللَّه -تعالى- أيخلُد في النّار أم لا؟ وليس لنا من هذا الأمر شيء.
٢ - وأمْرٌ يتعلق بإِجراء الأحكام عليه في الدنيا، وينقسم إِلى قسمين:
أ- ما ينبني عليه من إِجراء أحكام الكافر؛ كمنع الميراث، وتطليق زوجته، وعدم دفنه في مقابر المسلمين عند موته ... إِلخ.

---------------------
(١) تقدّم تخريجه.


وهذا لم يمض عليه عَمَلُ مَن قبلنا، ومن هم خيرٌ منا، وتقدم الكلام فيه.
ب- ما ينبني عليه من الاستتابة إِذا امتنع؛ من قتل، ونحن نعلم -مع الأسف- غياب هذا، والعجز عنه.
ولو تحقق هذا؛ لانتهى ما طال حوله الجدل، فلنتآلف ولتجتمع قلوبنا، ولنعمل للإِسلام؛ ليأتي اليوم الذي نفرح فيه؛ بتطبيق أحكامه، وهذا من أبرزها، وبالله التوفيق.

على مَن تجب؟
تجب الصَّلاة على المسلم العاقل البالغ؛ لحديث عائشة -رضي الله عنها- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «رُفع القلم عن ثلاثة: عن النّائم حتى يستيقظ، وعن المُبتَلى حتى يبرَأ (١)، وعن الصّبيّ حتى يكبُر (٢)» (٣).

صلاة الصبيّ
تقدَّم حديث عائشة -رضي الله عنها-: «رفع القلم ...» ويتضمّن ذلك الصبيّ حتى يكبر أو يحتلم.
بيْد أنَّ عدم الوجوب لا يُعفي وليَّه أن يأمره بها حين يبلغ سبْع سنين، وأن يُعاقبه بالضّرب على ترْكها حين يبلغ عشرًا، كما في الحديث: «مُرُوا أولادكم بالصَّلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرِّقوا

-------------------------
(١) وفي رواية:»وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق«، انظر»الإِرواء«(٢٩٧).
(٢) وفي رواية:»حتى يحتلم«. المصدر السابق.
(٣) أخرجه أبو داود وغيره وقال الحاكم: صحيح عى شرط مسلم ووافقه الذهبي وكذا شيخنا في»الإرواء" (٢٩٧).



بينهم في المضاجع» (١).

عدد الفرائض
وفرائض الصَّلاة في اليوم والليلة خمس كما في حديث طلحة بن عبيد الله: «أنَّ أعرابيًا جاء إِلى رسول الله - ﷺ - ثائر الرأس فقال: يا رسولَ الله أخبِرني ماذا فرض الله عليَّ من الصَّلاة، فقال: الصلوات الخمس إلاَّ أن تطوَّع شيئًا، فقال: أخبِرني ما فرَض الله عليَّ من الصيام. فقال: شهر رمضان إلاَّ أن تطوَّع شيئًا، فقال: أخبِرني بما فرض الله عليَّ من الزكاة، فقال: فأخبَره رسول الله - ﷺ - شرائع الإِسلام، قال: والذي أكرمك لا أتطوّع شيئًا، ولا أنقُص ممَّا فرض الله عليَّ شيئًا. فقال رسول الله - ﷺ -: أفلح إِنْ صدق، أو دخل الجنَّة إِن صدق» (٢).

مواقيت الصَّلاة
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا (٣)﴾ (٤).
قال في «المغني» (١/ ٣٧٨): «أجمعَ المسلمون على أنَّ الصلوات الخمس مؤقتة بمواقيت محددةٍ».

------------------------
(١) أخرجه ابن أبى شيبة في «المصنف» وأبو داود والدارقطني والحاكم والبيهقي وأحمد وغيرهم، وهو حديث صحيح خرَّجه شيخنا في «الإِرواء» (٢٤٧)، وانظر «تمام المنة» (ص ١٣٩).
(٢) أخرجه البخاري: ١٨٩١، ومسلم: ١١، وغيرهما.
(٣) النساء: ١٠٣
(٤) جاء في «تفسير ابن كثير»: قال ابن مسعود: «إِنَّ الصلاة وقتًا كوقت الحجّ، وقال زيد بن أسلم: (كتابًا موقوتًا): مُنجَّمًا: كلّما مضى نجم جاء نجم، يعني: كلما مضى وقت جاء وقت».



وقد بيّنَت الأحاديث هذه المواقيت؛ كما في حديث عبد الله بن عمرو، أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «وقتُ الظهر إِذا زالت الشمس وكان ظلُّ الرَّجلِ كطوله، ما لم يحضُر العصر، ووقت العصر ما لم تصفَرَّ الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق، ووقت صلاة العشاء إِلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر، ما لم تطلع الشمس، فإِذا طلعت الشمس فأمسِك عن الصَّلاة، فإِنَّها تطلع بين قرنيْ شيطانٍ» (١).
وكذلك حديث جابر: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - جاءه جبريلُ عليه السلام فقال: قم فصلِّه، فصلّى الظهر حين زالت الشمس، ثمَّ جاءه العصر فقال: قم فصلّه فصلّى العصر حين صار ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه، ثمَّ جاءه المغرب فقال: قم فصلّه، فصلّى المغرب حين وجبت (٢) الشمس، ثمَّ جاءه العشاء فقال: قم فصلّه، فصلّى العشاء حين غاب الشفَق، ثمَّ جاءه الفجر فقال: قم فصلِّه، فصلَّى الفجر حين برق الفجر أو قال: سطع الفجر، ثمَّ جاء من الغد للظهر فقال: قم فصلّه، فصلّى الظهر حين صار ظلُّ كلِّ شيءٍ مثله، ثمَّ جاءه العصر حين صار ظلُّ كلِّ شيءٍ مثليه، ثمَّ جاءه المغرب وقتًا واحدًا لم يَزُل عنه. ثمَّ جاءه العشاء حين ذهب نصف الليل أو قال ثلث الليل، فصلّى العشاء، ثمَّ جاء حين أسفر (٣) جدًا، فقال له: قم فصلّه، فصلّى الفجر ثمَّ قال: ما بين هذين

----------------------
(١) أخرجه مسلم:٦١٢
(٢) أصل الوجوب: السقوط والوقوع، والمراد هنا: الغروب.
(٣) أسفر الصبح: إِذا انكشف وأضاء والمراد: تأخيرها إِلى أن يطلع الفجر الثاني ويتحقّقه، وقيل إِن الأمر بالإِسفار خاصٌّ في الليالي المقمرة؛ لأنَّ أول الصبح لا يتبيّن فيها فأُمروا بالإِسفار احتياطًا.»النهاية" بتصرف.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 36.43 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 35.80 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.72%)]