عرض مشاركة واحدة
  #21  
قديم 11-01-2026, 06:17 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,958
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الأول
من صــ 296الى صــ 310
الحلقة (21)





وأنا حائض» (١).
* لا حرج من سؤر الحائض ومؤاكلتها:
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كنتُ أشرب وأنا حائض؛ ثمَّ أناوله النّبيّ - ﷺ -؛ فيضع فاه على موضع فيَّ فيشرب، وأتعرَّق (٢) العَرْق وأنا حائض؛ ثمَّ أناوله النّبيّ - ﷺ -؛ فيضع فاه على موضع فيَّ» (٣).
وعن عبد الله بن سعد -رضي الله عنه- قال: «سألت رسول الله - ﷺ - عن مؤاكلة الحائض؟ فقال:»واكِلْها«(٤).
قال في»نيل الأوطار«(١/ ٣٥٥):»والحديث يدلّ على جواز مواكلة الحائض.
قال الترمذي: وهو قول عامَّة أهل العلم؛ لم يَروا بمواكلة الحائض بأسًا.
قال ابن سيد النَّاس في «شرحه»: «وهذا أجمع النَّاس عليه، وهكذا نَقل الإِجماع محمد بن جرير الطبري».
وأمَّا قوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النِّساء في المحيض﴾ (٥) فالمراد: اعتزلوا

---------------------------
(١) أخرجه البخاري: ٢٩٥، ومسلم: ٢١٧
(٢) العَرْق: العظم إِذا أُخِذ عنه معظم اللحم، يُقال: عَرَقْتُ العظم واعترقته وتعرَّقُته: إِذا أخذْت عنه اللحم بأسنانك. «النهاية».
(٣) أخرجه مسلم: ٣٠٠، وغيره، وتقدم.
(٤) أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١١٤)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٥٣١).
(٥) البقرة: ٢٢٢


وطأهنَّ».
* الإِجهاض: سواءٌ كان قبل تخلُّق الجنين أو بعده فإِنّه يُعدُّ نفاسًا، والنّفساء كالحائض، لا تصوم ولا تصلّي، ولكنَّها تقضي الصيام دون الصَّلاة (١).
* إِذا لم تر المرأة في أيامها الأخيرة من الحيض وقبل طُهرها أثرًا للدّم، ولم تلحظ القصة البيضاء؛ فهي حائض ما دامت في عادتها.
* إِذا شعرت المرأة بألم العادة، ولم تَرَ دمًا قبل غروب الشمس؛ فإِنَّها تُتمّ صومها وتؤدّي صلاتها، إِذ الضابط في الحُكم على الحيض رؤيتها الدّم، وكذلك إِذا لم تجزم أنَّ دمها دمُ حيض، فلا يُحكم لها بالحيض حتى تجزم.
* إذا اضطرب موعد قدوم الدورة؛ فإِنَّها تنظر إِلى لون الدَّم؛ لأنَّ دم الحيض أسود يُعرف.
* كفَّارة من أتى زوجته وهي نفساء ككفّارة من أتاها وهي حائض.
* إِذا نزلت نقاط يسيرة من الدَّم من المرأة طوال شهر، فلا شكَّ أنَّها مرَّت في عادتها من الحيض، إِذا لم تكن حاملًا، فهي أدرى بنفسها؛ فيما إِذا كانت معتادة. يعني لها عادة كل شهر، تحيضُ في الأسبوع الأول أو الثاني أو الثالث أو الرابع -فهي وهذه الحالة، تُمسِك عن الصَّلاة والصيام في الأيّام التي

--------------------------
(١) استفدتُ هذا إلى آخر الباب من شيخنا -حفظه الله تعالى- من مجالستي له، ومن خلال بعض الاستفسارات، وذكرْتُه هكذا مُلخصًا، والأدلة والتفصيلات مبثوثة داخل الكتاب في العديد من الأبواب، فلم أُعِدها.


تقدِّرها أنَّها هي أيَّام الحيض، وسائر الأيام من الشهر، تصلّي وتصوم، لأنَّها مستحاضة.
* إِذا رأت المرأة دمًا في أوان عادتها، ولم تَرَه في بعض الأيام؛ فإِنَّه لا يُنظر إِلى انقطاع الدَّم أو استمراره، فهي حائض ما دامت في عادتها، فالمعتادة لا تنظر إِلى استمرار الدَّم أو انقطاعه، فهي حائض وإن لم تَرَ دمًا.
* الحُمرة والصُّفرة بعد أيَّام الحيض تُعدّ استحاضة.
* لا قيمة للكُدرة التي تراها المرأة إلاَّ في أيَّام الحيض، أمَّا قبل الحيض أو بعده ببضعة أيَّام فلا.
* إِذا كانت المرأة حاملًا ثمَّ أُجريت لها عمديَّة جراحية، وأُخرج الطفل دون نزول دم من المكان المعتاد، فإِنَّها لا تمضي عليها أحكام النّفاس، ولا تُعدّ نفساء.
* إِذا أُصيبت الحامل بحادث، وأجهضت الجنين، مُصاحبًا ذلك نزيفًا حادًّا؛ فهي نُفَساء.


الصَّلاة
الصَّلاةُ في اللغة: الدُّعاء، قال الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عليهم إِنَّ صلاتَكَ سكَنٌ لهم﴾ (١) أي: ادعْ لهم، وقال النّبيّ - ﷺ -:»إِذا دُعي أحدكم فليُجب، فإِن كان مُفطرًا؛ فليطعَم وإِن كان صائمًا؛ فليصلِّ«(٢).
وقال الشاعر:
تقول بنتي وقد قرَّبت مرتحلا ... يا ربِّ جنّب أبي الأوصاب والوجعا
عليك مِثل الذي صليت فاغتمضي ... نومًا فإِنَّ لجنب المرء مضطجعا (٣).
ومعناها في اصطلاح الفقهاء: أقوالٌ وأفعالٌ مُفتَتَحةٌ بالتكبير، مختَتَمةٌ بالتسليم، بشرائطَ مخصوصةٍ، وهذا التعريف يشمل كلّ صلاةٍ مفتتحةٍ بتكبيرة الإِحرام، ومختتمةٍ بالسلام، ويخرج عنه سجود التلاوة وهو سجدة واحدة عند سماع آية من القرآن المشتملة على ما يترتّب عليه ذلك السجود من غير تكبير، أو سلام» (٤).
جاء في «المغني» (١/ ٣٧٦) (٥): «وهي واجبةٌ بالكتاب والسنَّة والإِجماع، أمَّا الكتاب فقول الله تعالى: ﴿وما أمروا إِلاَّ ليعبدوا الله مخلِصين

----------------------------
(١) التوبة: ١٠٣
(٢) أخرجه مسلم: ١٤٣١، وغيره.
(٣) عن كتاب»المغني«(١/ ٣٧٦).
(٤)»الفقه على المذاهب الأربعة" (١/ ١٦٠).
(٥) بحذف وتصرُّفٍ يسيرين.



له الدين حُنفاءَ ويقيموا الصَّلاة ويُؤتوا الزكاة وذلك دين القَيِّمة﴾ (١).
وأمَّا السُّنّة؛ فقد ثبَت عن ابن عمر عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه قال: «بُني الإِسلام على خمس: شهادةِ أن لا إِله إلاَّ الله وأنَّ محمّدًا رسول الله، وإِقامِ الصَّلاة، وإيتاءِ الزكاة والحجِّ وصومِ رمضان» (٢).
وأمَّا الإِجماع؛ فقد أجمعت الأمَّة على وجوب خمس صلوات في اليوم والليلة«.

فضل الصلاة ومنزلتها في الإِسلام (٣)
للصلاة منزلةٌ عظيمةٌ في الإِسلام وقد ورد في ذلك آيات كثيرة والمتتبّع لآيات القرآن الكريم يرى أنَّ الله سبحانه يذكُر الصَّلاةَ ويقرِنُها بالذِّكر تارةً: ﴿إنَّ الصَّلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذِكْر الله أكبر﴾ (٤)، ﴿قدْ أفلحَ من تزكَّى وذكَرَ اسمَ ربِه فصلَّى﴾ (٥)، ﴿وأقم الصَّلاة لذِكْري﴾ (٦).
وتارةً يَقرِنُها بالزكاة: ﴿وأقيموا الصَّلاة وآتوا الزكاة﴾ (٧)، ومرّة بالصبر:

---------------------------
(١) البيّنة: ٥
(٢) أخرجه البخاري: ٨، ومسلم: ١٦، وغيرهما.
(٣) انظر كتابي»الصلاة وأثرها في زيادة الإِيمان وتهذيب النفس".
(٤) العنكبوت: ٤٥
(٥) الأعلى: ١٤، ١٥
(٦) طه: ١٤
(٧) البقرة: ١١٠



﴿واستعينوا بالصَّبر والصَّلاة﴾ (١)، وطورًا بالنُّسك: ﴿فَصَلِّ لرَبِّك وانْحَرْ﴾ (٢)، ﴿قُلْ إِنَّ صلاتي ونُسُكي ومحْيَايَ ومَمَاتي لله رَبِّ العالمينَ لا شريكَ لهُ وبِذَلِكَ أُمرتُ وأنا أوَّل المُسلمِين﴾ (٣).
وأحيانًا يفتَتِح بها أعمال البر ويختتمها بها، كما في سورة «المعارج» وفي أول سورة المؤمنين: ﴿قدَ أفلح المُؤمنُون * الذينَ هُم في صلاتهم خاشعُونَ﴾ إلى قوله: ﴿والذين هُم على صلواتهم يُحافظونَ * أولئكَ هُمُ الوارِثونَ * الذين يرِثونَ الفردوسَ هُم فيها خالدون﴾ (٤).
وقد بَلغَ من عناية الإِسلام بالصَّلاة، أنْ أمرَ بالمحافظة عليها في الحضر والسفَر، والأمن والخوف؛ فقال تعالى: ﴿حافظوا على الصَلَوَات والصَّلاة الوُسطى وقوموا لله قانتين * فإِنْ خفتم فَرِجالًا أو رُكبَانًا فإِذا أمنْتم فاذكروا الله كما علَّمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾ (٥)، وقال مُبَيِّنًا كيفيَّتَها في السفر والحرب والأمن: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا * وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا

----------------------
(١) البقرة: ٤٥
(٢) الكوثر: ٢
(٣) الأنعام: ١٦٢، ١٦٣
(٤) المؤمنون: ١ - ١١
(٥) البقرة: ٢٣٨، ٢٣٩



فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا * فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (١).
وقد شدَّد النكيرَ على من يُفرِّط فيها، وهدَّد الذين يُضيّعونها. فقال جلَّ شأنه: ﴿فَخَلفَ من بعدهِم خلْفٌ أضاعوا الصَّلاةَ واتَّبعُوا الشّهواتِ فسوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (٢)، وقال: ﴿فويلٌ للمُصَلّينَ * الذينَ همْ عنْ صلاتهم ساهون﴾ (٣).
ولأنَّ الصَّلاة من الأمور الكبرى التي تحتاجِ إِلى هداية خاصّة، سأَل إِبراهيمِ عليه السلام ربّه، أن يجعله هو وذريّته مقيمًا لها فقال: ﴿رَبِّ اجعلني مُقيم الصَّلاةِ ومن ذُرّيتي ربّنا وتقبَّلْ دُعاء﴾ (٤) «(٥).
وقد وردَت أحاديثُ كثيرةٌ في فضل الصَّلاة وسموّ منزلتها في الدين، منها:

-----------------------------
(١) النساء: ١٠١ - ١٠٣
(٢) مريم: ٥٩
(٣) الماعون: ٤، ٥
(٤) إِبراهيم: ٤٠
(٥) انظر كتاب»فقه السنّة" (١/ ٩٠ - ٩٢) للسيد سابق -حفظه الله تعالى-.



حديث معاذ بن جبل -رضي الله عنه- قال: «كنتُ مع النّبيّ - ﷺ - في سفَر، فأصبحْتُ يومًا قريبًا منه، ونحن نسير، فقلت: يا رسول الله أخبِرني بعمل يُدخلني الجنَّة، ويباعدني من النَّار، قال: لقد سأَلتَني عن عظيم، وإنَّه ليسير على من يسَّره الله عليه: تعبدُ الله ولا تشركُ به شيئًا، وتقيمُ الصَّلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت، ثمَّ قال: ألا أدلّك على أبواب الخير؟ الصوم جُنَّة (١)، والصدقة تُطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النَّار، وصلاة الرجل في جوف الليل، قال: ثمَّ تلا: ﴿تتجافى جُنوبُهم عن المضاجع﴾ حتى بلغ: ﴿يعملون﴾ (٢)، ثمَّ قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعَموده، وذِروة سَنامه؟ (٣) قلتُ: بلى يا رسول الله: قال: رأس الأمر الإِسلام وعموده الصَّلاة، وذروة سَنامه الجهاد، ثمَّ قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كلِّه؟ قلت: بلى يا نبيّ اللهَ، فأخذَ بلسانه، قال: كُفَّ عليك هذا، فقلتُ: يا نبيّ الله وإِنَّا لمؤاخذون بما نتكلّم به؟ فقال: ثَكِلَتْك (٤) أمّك يا معاذ! وهل يكُبُّ النّاسَ في النَّار على وجوههم أو على مناخرهم إلاَّ حصائدُ ألسنتهم» (٥).
-----------------------
(١) أي: يقي صاحبه ما يُؤذيه من الشهوات؛ والجُنّة: الوقاية. «النهاية».
(٢) السجدة: ١٦ - ١٧
(٣) الذِّروة: أعلى سَنام البعير، وذِروة كلِّ شيء أعلاه. «النهاية». السَّنام: كُتل من الشحم محدّبة على ظهر البعير والناقة، والسَّنام من كل شيء أعلاه. «الوسيط».
(٤) قال في «النهاية» -بحذف-: أي: فقَدَتْك، والثُّكْل: فقْد الولد، والموت يعم كلَّ أحد، فإِذن الدعاء عليه كلا دُعاء ... ويجوز أن يكون من الألفاظ التي تجري على ألسنة العرب، ولا يُراد بها الدعاء كقوله تربت يداك ....
(٥) أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد، وهو حديث صحيح بطُرُقه، خرَّجه شيخنا في «الإرواء» (٤١٣).



وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أوّل ما يحايسَبُ به العبد يوم القيامة الصَّلاة، فإِن صلحت؛ صلح سائر عمله، وإِنْ فسدت؛ فسد سائر عمله» (١).
وعن أبي هريرة أنَّه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «أرأيتم لو أنَّ نهرًا بباب أحدِكم يغتسلُ فيه كلَّ يوم خمسًا؛ ما تقولُ ذلك يُبقي من درنه؟ قالوا: لا يُبقي من درنه (٢) شيئًا. قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله به الخطايا» (٣).
وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «تحترقون تحترقون (٤)، فإِذا صلّيتم الصُّبحَ غَسَلَتْها، ثمَّ تحترقون تحترقون، فإِذا صلّيتم الظهرَ غَسَلَتها، ثمَّ تحترقون تحترقون، فإِذا صلّيتم العصر غَسَلَتها، ثمَّ تحترقون تحترقون، فإِذا صليتم المغرب غَسَلَتها، ثمَّ تحترقون تحترقون، فإِذا صلّيتم العشاء غَسَلَتها، ثمَّ تَنامون فلا يُكتبُ عليكم حتى تَستَيْقظوا» (٥).

--------------------------
(١) أخرجه الطبراني في «الأوسط»، وصححه شيخنا بمجموع طُرُقه في «الصحيحة» (١٣٥٨).
(٢) أي: وسخه.
(٣) أخرجه البخاري: ٥٢٨، ومسلم: ٦٦٧
(٤) الإِحراق: الإِهلاك، وهو من إِحراق النار. «النهاية». والمراد هنا: استحقاق الهلاك لاقتراف الذنوب والآثام.
(٥) قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ٢٣٤): رواه الطبراني في «الصغير» و«الأوسط» وإسناده حسن. ورواه في «الكبير» موقوفًا عليه، وهو أشبه، ورواته محتجٌّ بهم في الصحيح، وحسّنه شيخنا في «صحيح الترغيب والترهيب» (٣٥١).



وعن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال: «كان رجلان أخَوان، فهلكَ أحدهما قبل صاحبه بأربعين ليلة، فَذُكِرَتْ فضيلة الأول منهما عند رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -:»ألم يكن الآخر مسلمًا؛ قالوا: بلى، وكان لا بأس به. فقال رسول الله - ﷺ-: «وما يُدريكم ما بَلَغَتْ به صلاته؟ إِنَّما مثَل الصَّلاةِ كمثل نهرٍ عَذْبٍ غَمْرٍ، بباب أحدكم، يَقْتَحم فيه كلَّ يوم خمس مرات، فما ترَون في ذلك يُبقي من درنه؟ فإِنّكم لا تدرون ما بلَغتْ به صلاته» (١).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «كان رجلان من بَلِي من -قضاعة- أسلما مع رسول الله - ﷺ -، فاستشهد أحدهما، وأُخِّر الآخرُ سنةً، فقال طلحة بن عبيد الله: فرأيتُ المؤخَّرَ منهما أُدخلَ الجنَّة قبل الشهيد، فتعجّبتُ لذلك، فأصبحتُ، فذكرتُ ذلك للنبي - ﷺ - أو ذُكر لرسول الله - ﷺ - فقال رسول الله - ﷺ -:»أليس قد صام بعده رمضانَ، وصلَّى ستةَ آلاف ركعةٍ، وكذا وكذا ركعةً، صلاةَ سنةٍ؟ «(٢).

------------------------
(١) قال المنذري في»الترغيب والترهيب«(١/ ٢٤٣): رواه مالك واللفظ له، وأحمد بإِسناد حسن، والنسائي وابن خزيمة في»صحيحه«إِلا أنَّه قال: عن عامر بن سعد ابن أبي وقاص قال: سمعتُ سعدًا وناسًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - يقولون:»كان رجلان أخوان في عهد رسول الله - ﷺ -، وكان أحدهما أفضل من الآخر، فتوفِّي الذي هو أفضلهما، ثمَّ عُمِّر الآخرُ بعده أربعين ليلة، ثمَّ توفّي، فذُكر ذلك لرسول الله - ﷺ - فقال: «ألم يكن يصلي؟» قالوا: بلى يا رسول الله، وكان لا بأس به، فقال رسول الله - ﷺ -: «وماذا يُدريكم ما بلغَت به صلاته ...» الحديث.
قال شيخنا: «وهذا اللفظ هو عند أحمد (١٥٣٤) أيضًا»، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٣٦٤).
(٢) قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ٢٤٤): رواه أحمد بإِسناد حسن =



حُكم ترْك الصَّلاة
عن جابر -رضي الله عنه- قال: سمعتُ النّبيّ - ﷺ - يقول: «إِنَّ بين الرجل وبين الشرك والكُفر تركَ الصَّلاة» (١).
وعن بريدة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «العهد الذي بيننا وبينهم الصَّلاة، فمَن تركها فقد كفر» (٢).
وعن عبد الله بن شقيق قال: «كان أصحاب رسول الله - ﷺ - لا يَرون شيئًا من الأعمال تركُه كفرٌ غير الصَّلاة» (٣).
إِنَّ ما تقدم من النصوص ينطق بكفر تارك الصَّلاة، ولكن هل هو كفر مُخرجٌ من الملّة؟ أم هو كُفر دون كُفر؟ وهل هو كفر عمل أم كفر اعتقاد (٤)؟
ومن الأمور المتفق عليها؛ أنَّ من لم يقر بوجوب الصلاة فهو كافر، بالنص

-------------------------
= ورواه ابن ماجه وابن حبان في «صحيحه» والبيهقي كلهم عن طلحة بنحوه، أطول منه. وزاد ابن ماجه وابن حبان في آخره: «فلما بينهما أبعدُ ممّا بين السماء والأرض».
وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٣٦٦).
(١) أخرجه مسلم: ٨٢
(٢) أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم والذهبي ووافقهم شيخنا في «المشكاة» (٥٧٤).
(٣) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٢١١٤)، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٥٦٢).
(٤) وانظر كلام ابن القيم -رحمه الله تعالى- الآتي قريبًا بإِذن الله -سبحانه-.



والإِجماع (١).
جاء في «النهاية»: «... ومنه الحديث:»من قال لأخيه: يا كافر؛ فقد باء به أحدهما«لأنَّه إِمَّا أن يصدُق عليه أو يكذب، فإِن صدَق فهو كافر، وإن كذب عاد الكُفر إِليه بتكفيره أخاه المسلم.
والكُفر (٢) صنفان: أحدهما الكُفر بأصل الإِيمان وهو ضدُّه، والآخر الكُفر بفَرْعٍ من فروع الإِسلام، فلا يَخْرج به عن أصْل الإِيمان.
وقيل: الكُفر على أربعة أنحاء: كُفر إِنكار، بألاَّ يعرف الله أصلًا ولا يعترف به.
وكُفر جُحود، ككُفر إِبليس، يعرف الله بقلبه ولا يُقِرّ بلسانه (٣).
وكُفر عِنَاد، وهو أن يعترف بقلبه ويعترف بلسانه ولا يدين به؛ حسدًا وبغيًا، ككُفَر أبي جهل وأضرابه.
وكُفر نفاق، وهو أن يُقرّ بلسانه ولا يعتقد بقلبه.
قال الهروي: سُئل الأزهري عمّن يقول بخلق القرآن: أتسمِّيه كافرًا؟ فقال: الذي يقوله كُفر، فأُعيد عليه السؤال ثلاثًا ويقول مِثل ما قال، ثمَّ قال في الآخر: قد يقول المسلم كُفرًا.
ومنه حديث ابن عباس قيل له:»﴿ومن لم يحكُم بما أنزَل الله فأولئك

-------------------------
(١) وسيأتي كلام شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى- في ذلك غير بعيد بإِذن الله -سبحانه-.
(٢) انظر تقسيم ابن القيم -رحمه الله- للكفر في «مدارج السالكين» (١/ ٣٣٧).
(٣) بل كفره كفر إِباء واستكبار، وهو قول ابن القيم -رحمه الله- في «مدارج السالكين» (١/ ٣٣٧).



هم الكافرون﴾ (١) قال: هم كَفَرة، وليسو كمن كفَر بالله واليوم الآخر».
ومنه حديثه الآخر: «إِنَّ الأوس والخزرج ذكروا ما كان منهم في الجاهلية، فثار بعضهم إِلى بعض بالسيوف، فأنزل الله تعالى: ﴿وكيفَ تكفرونَ وأنتم تُتلى عليكُمْ آياتُ الله وفيكُم رسولُه﴾ (٢) ولم يكن ذلك على الكُفر بالله، ولكن على تغطيتهم ما كانوا عليه من الأُلفة والمودَّة» (٣). انتهى.
قال النووي -رحمه الله- في شرح حديث مسلم المتقدّم -بحذف-: «إِنَّ بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصَّلاة»: "وأمَّا تارك الصَّلاة فإِن كان مُنكِرًا لوجوبها فهو كافر بإِجماع المسلمين، خارج من ملّة الإِسلام؛ إلاَّ أن يكون قريب عهد بالإِسلام ولم يخالط المسلمين مدّة؛ يبلغه فيها وجوب الصَّلاة عليه، وإِن كان ترَكه تكاسلًا مع اعتقاده وجوبها -كما هو حال كثير من النَّاس- فقد اختلف العلماء فيه فذهب مالك والشافعي -رحمهما الله- والجماهير من السلف والخلف إِلى أنَّه لا يكفر، بل يفسق ويُستتاب، فإِنْ تاب وإِلا قتلناه حدًّا كالزاني المحصَن، ولكنَّه يُقتل بالسيف، وذهب جماعة من السلف إِلى أنّه يكفر وهو مرويٌّ عن عليّ بن أبي طالب وهو إِحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل -رحمه الله- وبه قال عبد الله بن المبارك وإسحاق بن راهويه، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي -رضوان الله عليه- وذهب أبو حنيفة وجماعة من أهل الكوفة والمزني صاحب الشافعي

------------------------
(١) المائدة: ٤٤
(٢) آل عمران: ١٠١
(٣) إِنْ صحّ هذا الخبر، وهناك كلام طيب لابن كثير في هذا الموضع فارجِع إِليه -إِن شئت-.



-رحمهما الله- أنَّه لا يكفر ولا يقتل، بل يُعزّر ويُحبس حتى يصلّي، واحتجّ من قال بكفره بظاهر الحديث الثاني المذكور وبالقياس على كلمة التوحيد، واحتجّ من قال لا يُقتل بحديث «لا يحلّ دم امرئ مسلم إلاَّ بإِحدى ثلاث ...» (١) وليس فيه الصَّلاة، واحتجّ الجمهور على أنَّه لا يكفَّر بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الله لا يغفر أن يُشرَك به ويَغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ (٢) وبقوله - ﷺ -: «من قال لا إله إلاَّ الله دخل الجنة»، «من مات وهو يعلم أن لا إِله إلاَّ الله دخل الجنَّة»، «ولا يلقى اللهَ تعالى عبدٌ بهما غير شاكٍّ فيُحجب عن الجنَّة» (٣)، «حرم الله على النَّار من قال لا إِله إلاَّ الله ...» (٤). وغير ذلك، واحتجّوا على قتله بقوله تعالى: ﴿فإِنْ تابوا وأقاموا الصَّلاة وآتَوُا الزكاة فخلّوا سبيلهم﴾ (٥)، وقوله - ﷺ -: «أُمِرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إِله إلاَّ الله، ويقيموا الصَّلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم» (٦).
وتأوّلوا قوله - ﷺ -: «بين العبد وبين الكفر ترك الصَّلاة» (٧)، على معنى أنَّه

---------------------
(١) أخرجه البخاري: ٦٨٧٨، ومسلم: ١٦٧٦
(٢) النساء: ٤٨
(٣) أخرجه مسلم: ٢٦، ٢٧
(٤) أخرجه مسلم: ٢٩
(٥) التوبة: ٥
(٦) أخرجه البخاري: ٢٥، ومسلم: ٢٢
(٧) تقدّم تخريجه.



يستحق بترك الصَّلاة عقوبة الكافر وهي القتل، أو أنَّه محمول على المستحلّ، أو على أنَّه قد يؤول به إِلى الكفر، أو أن فِعله فِعل الكفّار والله أعلم».
وفي «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٤٠) لشيخ الإِسلام ابن تيمية: «وسُئل -رحمه الله- عن تارك الصَّلاة من غير عُذر، هل هو مسلم في تلك الحال؟
فأجاب: أمَّا تارك الصَّلاة؛ فهذا إِن لم يكن معتقدًا لوجوبها فهو كافر بالنصّ والإِجماع، لكنْ إِذا أسلم ولم يعلم أنَّ الله أوجب عليه الصَّلاة، أو وجوب بعض أركانها؛ مِثل أن يصلّي بلا وضوء، فلا يعلم أنَّ الله أوجب عليه الوضوء، أو يصلّي مع الجنابة فلا يعلم أنَّ الله أوجب عليه غُسل الجنابة، فهذا ليس بكافر إِذا لم يعلم.
وقال (ص ٤٨):»وإِذا صبر حتى يقتل فهل يقتل كافرًا مرتدًا، أو فاسقًا كفسّاق المسلمين؟ على قولين مشهورين؛ حُكيا روايتين عن أحمد، وهذه الفروع لم تُنقَل عن الصحابة، وهي فروع فاسدة، فإِنْ كان مقرًّا بالصَّلاة في الباطن، معتقدًا لوجوبها، يمتنع أن يصرّ على تركها حتى يقتل وهو لا يصلّي، هذا لا يُعرَف من بني آدم وعادتهم؛ ولهذا لم يقع هذا قطّ في الإِسلام، ولا يعرف أنَّ أحدًا يعتقد وجوبها، ويقال له: إِنْ لم تصلّ وإِلاَّ قتلناك، وهو يصرّ على تركها، مع إِقراره بالوجوب، فهذا لم يقع قطّ في الإِسلام.
ومتى امتنع الرجل من الصَّلاة حتى يقتل لم يكن في الباطن مقرًّا بوجوبها، ولا ملتزمًا بفِعلها، وهذا كافر باتفاق المسلمين، كما استفاضت الآثار عن الصحابة بكفر هذا، ودلّت عليه النصوص الصحيحة.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 35.95 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 35.32 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.75%)]