
11-01-2026, 06:09 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,953
الدولة :
|
|
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة
عدد الأجزاء: ٧
الجزء الأول
من صــ 266الى صــ 280
الحلقة (19)
ومطابقة الترجمة للآية؛ من جهة أنَّ الآية دالَّة على أنَّها يجب عليها الإِظهار، فلو لم تُصدَّقْ فيه لم يكن فيه فائدة.
قال معتمر عن أبيه: سألتُ ابنَ سيرين عن المرأة ترى الدَّم بعد قُرئها بخمسة أيّام؟ قال: النِّساء أعلم بذلك» (١).
------------------
(١) ذكر الحافظ في «الفتح» (١/ ٤٢٥) وَصْل الدارمي له وصحح شيخنا إِسناده في «المختصر» (١/ ٩١).
النِّفاس
تعريفه:
هو سيلان الدَّم من رَحِم المرأة بسبب الولادة (١).
مدَّته:
أكثره أربعون يومًا لحديث أمّ سلمة -رضي الله عنها- قالت: «كانت المرأة من نساء النّبيّ - ﷺ - تقعد في النِّفاس أربعين ليلة؛ لا يأمرها النّبيّ - ﷺ - بقضاء صلاة النِّفاس» (٢).
وعنها بلفظ: «كانت النفساء على عهد رسول الله - ﷺ - تقعد بعد نفاسها أربعين يومًا، أو أربعين ليلة ...» (٣).
قال أبو عيسى الترمذي: «أجمع أهل العلم من أصحاب النّبيّ - ﷺ - والتابعين ومن بعدهم، على أنَّ النُّفساء تَدَعُ الصَّلاة أربعين يومًا؛ إِلا أن ترى
-----------------------
(١) مضى في (باب الحيض)،» ... سُمِّيت بذلك لسيلان النّفس، والدم يُسمى نفْسًا«.
جاء فى»كفاية الأخيار«(١/ ٧٥): وفي اصطلاح الفقهاء ... ويسمّى هذا الدّم نفاسًا؛ لأنَّه يخرج عَقِب نفَس.
(٢) أخرجه أبو داود والحاكم، وصحح النووي إِسناده في»المجموع«، ووافقه الذهبي، وحسَّن شيخنا إِسناده في»الإرواء«(٢٠١).
(٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٠٤)، والترمذي والدارمي وابن ماجه والدارقطني والحاكم والبيهقي وأحمد، وهو في»الإرواء" (٢٠١).
الطُّهر قبل ذلك؛ فإِنَّها تغتسل وتصلّي، فإِذا رأت الدَّم بعد الأربعين؛ فإِنَّ أكثر أهل العلم قالوا لا تدَع الصَّلاة بعد الأربعين، وهو قول أكثر الفقهاء، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإِسحاق».
وقال أبو عبيد: «وعلى هذا جماعة النَّاس، وروي هذا عن عمرو بن عباس وعثمان بن أبي العاص وعائذ بن عمرو وأنس وأمّ سلمة -رضي الله عنهم- وبه قال الثوري وإسحاق وأصحاب الرأي ...» (١).
وليس لأقلّه حدٌّ؛ أي وقت رأت الطُّهر اغتسلت وهي طاهر. وبهذا قال الثوري والشافعي.
وقال مالك والأوزاعي وأبو عبيد: «إِذا لم ترَ دمًا تغتسل وتصلّي».
قال في «المغني» (١/ ٣٥٩): «ولنا أنَّه لم يَرِد في الشرع تحديده؛ فيرجع فيه إِلى الوجود، وقد وُجد قليلًا وكثيرًا ...».
قال لي شيخنا -حفظه الله تعالى-: «تمكُث المرأة أربعين يومًا نفساء، وإذا استمرَّ الدَّم بعد ذلك تُعدّ مستحاضة، وإذا طهُرت قبل الأربعين؛ فقد طهُرت إِذا رأت القصَّة البيضاء؛ كما هو معروف بالحيض».
حُكم النفاس حُكم الحيض في كلّ شيء
قال في «المحلّى» (مسألة ٢٦١): «ودم النفاس يمنع ما يمنع منه دم الحيض؛ هذا لا خلاف فيه عن أحد ...
وحكمه حُكم الحيض في كلّ شيء، لقولِ رسول الله - ﷺ - لعائشة:
------------------------
(١)»المغني" (١/ ٣٥٨).
»أنَفِسْتِ؟ قالت: نعم«، فسمَّى الحيض نفاسًا؛ وكذلك الغُسل منه واجب بإِجماع».
ما يحرُم على الحائض والنّفساء
١ - الصّلاة (١): وتقدَّم حديث أمّ سلمة -رضي الله عنها- في ذلك، وفي حديث فاطمة بنت حبيش: «... فإِذا أقبلَت الحيضة فاتركي الصَّلاة».
٢ - الطَّواف: لقوله - ﷺ - لعائشة -رضي الله عنها- حين حاضت: «هذا
شيء كَتَبَه الله على بنات آدم، افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري» (٢).
قال في «سبل السلام» (١/ ١٩٠): «وفيه دليل على أنَّ الحائض يصحّ منها جميع أفعال الحج غير الطواف بالبيت، وهو مُجمَع عليه».
٣ - الصَّوم (٣): لحديث أبي سعيد الخُدريّ -رضي الله عنه- قال: «خرج رسول الله - ﷺ - في أضحى -أو في فطرٍ - إِلى المصلّى، فمرّ على النساء فقال: يا معشر النَّساء تصدَّقن، فإِني أُريتكنَّ أكثر أهل النَّار،
------------------------
(١) انظر»المنتقى«(باب الحائض لا تصوم ولا تصلي وتقضي الصوم دون الصلاة)،»نيل الأوطار«(١/ ٣٥٣) وأيضًا (باب سقوط الصلاة عن النفساء) (١/ ٣٥٩).
وقال في»سبل السلام«(١/ ١٨٩) بعد حديث أبي سعيد:»وهو إِخبار يفيد تقريرها على ترك الصوم والصلاة، وكونهما لا يجِبان عليها، وهو إِجماع في أنهما لا يجِبان حال الحيض، ويجب قضاء الصوم لأدلة أُخر«.
(٢) أخرجه البخاري: ٣٠٥، ومسلم: ١٢١١
(٣) انظر الحاشية المتقدمة في التعليق على الأمر الأول»الصلاة".
فقلن: وبمَ يا رسول الله؟ قال: تُكثرن اللّعنَ وتكفُرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقْل ودين أذهب لِلُبّ الرجل الحازم من إِحداكنّ، قُلن: وما نقصان ديننا وعقْلنا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة المرأة مِثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان عَقْلها، أليس إِذا حاضت لم تصلِّ ولم تصُم؟ قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان دينها» (١).
قال في «نيل الأوطار» (١/ ٣٥٤): «نقلَ ابن المنذر والنووي وغيرهما إِجماع المسلمين؛ على أنَّه لا يجب على الحائض قضاء الصَّلاة، ويجب عليها قضاء الصيام ...».
وقال النووي -رحمه الله تعالى- في «المجموع» (٢/ ٣٥١): «ونقل الترمذي وابن المنذر وابن جرير وآخرون الإِجماع؛ أنَّها لا تقضي الصَّلاة وتقضي الصوم ...».
وقال -رحمه الله- أيضًا في «المجموع» (٢/ ٣٥١): «قال أبو جعفر في كتابه»اختلاف الفقهاء«: أجمعوا على أنَّ عليها اجتناب كلّ الصلوات فرْضها ونفلها، واجتناب جميع الصيام فرضه ونفله، واجتناب الطواف فرضه ونفله، وإنها إِن صلَّت أو صامت أو طافت؛ لم يجزها ذلك عن فرضٍ كان عليها».
٤ - الوطء: قال الله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذىً
-----------------------
(١) أخرجه البخاري: ٣٠٤، ومسلم: ٧٩
فاعتزلوا النِّساء في المحيض ولا تقربوهنَّ حتى يطُهُرن فإِذا تطهَّرن فأتوهنَّ من حيث أمَركُم الله إِنَّ الله يُحبّ التَّوابين ويحبّ المتطهرين﴾ (١).
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «من أتى حائضًا أو امرأة في دُبُرها، أو كاهنًا فصدَّقه بما يقول؛ فقد كفَر بما أُنزل على محمَّد» (٢).
وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: «أنَّ اليهود كانوا إِذا حاضت المرأة فيهم؛ لم يُؤاكلوها ولم يجامعوهنّ (٣) في البيوت، فسأل أصحاب النّبيّ - ﷺ -؟ فأنزل الله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذىً فاعتزلوا النِّساء في المحيض ...﴾ إِلى آخر الآية».
فقال رسول الله - ﷺ -: «اصنعوا كلّ شيء إلاَّ النّكاح».
فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدَع من أمرنا شيئًا إلاَّ خالفَنا فيه«(٤).
قال في»المحلّى«(٢/ ٢٢٠):»أمَّا امتناع الصَّلاة، والصوم، والطواف، والوطء في الفرج في حال الحيض؛ فإِجماع متيقّن مقطوع به، لا خلاف بين
---------------------
(١) البقرة: ٢٢٢
(٢) انظر «صحيح سنن أبي داود» (٣٣٠٤)، و«صحيح سنن ابن ماجه» (٥٢٢)، و«صحيح سنن الترمذي» (١١٦) وانظر «آداب الزفاف» (١٠٥).
(٣) أي: لم يخالطوهنّ ولم يساكنوهنّ في بيت واحد. «النووي».
(٤) أخرجه مسلم: ٣٠٢، وغيره.
أحدٍ من أهل الإِسلام فيه».
وقال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «الفتاوى» (٢١/ ٦٢٤): «وطء الحائض لا يجوز باتّفاق الأئمّة ...».
ما يحلُّ للرجل من الحائض
«يجوز التمتع بما دون الفرج من الحائض، وفيه أحاديث:
الأول: قوله - ﷺ -:»... واصنعوا كلّ شيء إلاَّ النكاح (١) «(٢). الثاني: عن عائشة -رضي الله عنها- قالت:»كان رسول الله - ﷺ - يأمر إِحدانا إِذا كانت حائضًا أن تتَّزر، ثمَّ يُضاجعها زوجها، وقالت مرَّة: يباشرها (٣) «(٤).
الثالث: عن بعض أزواج النّبيّ - ﷺ - قالت: إِنَّ النّبيّ - ﷺ -:»كان إِذا أراد من الحائض شيئًا ألقى على فرجها ثوبًا [ثمَّ صنعَ ما أراد] «(٥).
------------------------
(١) أي: الجماع.
(٢) تقدمّ تخريجه.
(٣) المراد هنا وطء المرأة خارج الفرج.
(٤) البخاري: ٣٠٢، ومسلم: ٢٩٣، وأبو عوانة في»صحيحه«، وأبو داود وهذا لفظه.
(٥) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٤٢) والسياق له، وسنده صحيح على شرط مسلم، وصححه ابن عبد الهادي، وقوّاه ابن حجر، والبيهقي (١/ ٣١٤) والزيادة له. كذا قال شيخنا -حفظه الله- في»آداب الزفاف" (ص ١٢٥).
وقالت الصهباء بنت كريم: قلت لعائشة: «ما للرجل من امرأته إِن كانت حائضًا؟ قالت: كلّ شيء إلاَّ الجماع (١)» (٢).
وعن عمِّ حرام بن حكيم أنَّه سأل رسول الله - ﷺ -: ما يحلّ لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: «لك ما فوق الإِزار» (٣).
وجاء في «المغني» (١/ ٣٥٠): «ويستمتع من الحائض بما دون الفرج».
قال في «سبل السلام» (١/ ١٨٨): «... فأمَّا لو جامع وهي حائض؛ فإِنَّه يأثم إِجماعًا ...».
وذكر ابن حزم في «المحلّى» (٢/ ٢٤٩): حديث عائشة -رضي الله عنها- أنَّها قالت: قال لي رسول الله - ﷺ -: «ناوليني الخُمرة (٤) من المسجد،
-----------------------
(١) قال شيخنا في»آداب الزفاف«(ص ٢٢٤): رواه ابن سعد (٨/ ٤٨٥) وقد صحّ عنها مِثله في الصائم، وبيانه في»الأحاديث الصحيحة«(٢٢٠ و٢٢١).
(٢) انظر»آداب الزفاف«(ص١٢٣ - ١٢٥) طبعة»المكتبة الإِسلامية«، والتخريجات كذلك، من نفس الكتاب.
(٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٩٧).
(٤) جاء في»شرح النووي«(٣/ ٢١٠):»أمّا الخُمْرة -فبضم الخاء وإسكان الميم- قال الهروي وغيره: هي هذه السجَّادة، وهي ما يضع عليه الرجل جزء وجهه في سجوده؛ من حصير أو نسيجة من خُوص [ورق النّخل وما شابهه] ... وقال الخطابي: هي سجادة يسجد عليها المصلي ... وسُميت خمرة لأنَها تخمر الوجه: أي: تغطيه وأصل التخمير التغطية، ومنه خمار المرأة، والخَمر لأنها تغطي العقل".
فقلت: إِنّي حائض. فقال: «تناوَليها؛ فإِنَّ الحيضة ليست في يدك» (١).
وذكر حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أيضًا، قال: بينما رسول الله - ﷺ - في المسجد فقال: «يا عائشة! ناوليني الثوب»، فقالت: إِني حائض.
فقال: «حيضتك ليست في يدك، فناولتْه» (٢).
ثمَّ قال -رحمه الله-: فهما دليل أن لا يجتنب إلاَّ الموضع الذي فيه الحيضة وحده.
ونقل شيخ الإِسلام ابن تيمية في «الفتاوى» (٢١/ ٦٢٤) اتفاق الأئمّة على تحريم وطء الحائض، كما تقدّم.
كفّارة من جامع الحائض
على من جامع الحائض أن يتصدَّق بدينار أو نصف دينار؛ لحديث عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- عن النبيّ - ﷺ - في الذي يأتي امرأته وهي حائض، قال: «يتصدَّق بدينار أو نصف دينار» (٣).
--------------------
(١) أخرجه مسلم: ٢٩٨، وغيره.
(٢) أخرجه مسلم: ٢٩١، وغيره.
(٣) أخرجه أصحاب السنن «صحيح سنن أبي داود» (٢٣٧)، و«صحيح سنن النسائي» (٢٧٨)، و«صحيح سنن ابن ماجه» (٥٢٣). والطبراني في «المعجم الكبير» وابن الأعرابي في «معجمه» والدارمي والحاكم والبيهقي بإِسناد صحيح على شرط البخاري، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وابن دقيق العيد، وابن التركماني، وابن القيّم، وابن حجر العسقلاني، كذا في «آداب الزفاف» (ص ١٢٢) ا. هـ.
قلت: والظاهر أن دينار الذهب ٤.٢٥ غم -والله تعالى أعلم-.
قال شيخنا في «آداب الزفاف» (ص ١٢٣): «قال أبو داود في»المسائل«(٢٦):»سمعت أحمد سُئل عن الرجل يأتي امرأته وهي حائض؛ قال: ما أحسن حديث عبد الحميد فيه! (قلت: يعني: هذا).
قلت: وتذهب إِليه؟ قال: نعم؛ إِنَّما هو كفَّارة.
قلت: فدينار أو نصف دينار؟ قال: كيف يشاء«.
وذهب إِلى العمل بالحديث جماعةٌ آخرون من السلف؛ ذكر أسماءهم الشوكاني في»النيل«(١/ ٢٤٤) وقوَّاه.
قلت: -أي شيخنا حفظه الله- ولعلَّ التمييز بين الدينار ونصف الدينار، يعود إِلى حال المتصدّق من اليسار أو الضّيق؛ كما صرَّحت بذلك بعض روايات الحديث؛ وإِنْ كان سنده ضعيفًا، والله أعلم».
متى يجوز إِتيان الحائض إِذا طهُرت؟
قال في «روح المعاني» (٢/ ١٢٢): "﴿حتى يطهُرن﴾ والغاية انقطاع الدَّم عند الإِمام أبي حنيفة -رضي الله عنه- فإنْ كان الانقطاع لأكثر مدَّة الحيض حلَّ القربان بمجرَّد الانقطاع، أو إِنْ كان لأقلّ منها لم يحلّ إلاَّ بالاغتسال، أو ما هو في حُكمه من مضيّ وقت الصَّلاة، وعند الشافعية هي الاغتسال بعد الانقطاع، قالوا: ويدلُّ عليه صريحًا قراءة حمزة والكسائي وعاصم في رواية ابن عباس (يطَّهرن) -بالتشديد- أى: (يتطهَّرن) والمراد به: يغتسلن، لا لأنَّ الاغتسال معنى حقيقي للتطهير؛ كما يوهمه بعض عباراتهم -لأنَّ استعماله فيما عدا الاغتسال شائع في الكلام المجيد
والأحاديت؛ على ما لا يخفى على المتتبّع -بل لأنَّ صيغة المبالغة يُستفاد منها الطهارة الكاملة، والطهارة الكاملة للنساء عن المحيض هو الاغتسال- فلمَّا دلّت قراءة التشديد على أنَّ غاية حرمة القربان هو الاغتسال، -والأصل في القراءات التوافق- حُملت قراءة التخفيف عليها، بل قد يُدّعى أنَّ الطهر يدلّ على الاغتسال أيضًا، بحسب اللغة.
ففي»القاموس«طهُرت المرأة: انقطع دمها، واغتسلت من الحيض كتطهَّرت. وأيضًا قوله تعالى: ﴿فإِذا تطهَّرن فأتوهنَّ﴾ يدلّ التزامًا على أنَّ الغاية هي الاغتسال، لأنَّه يقتضي تأخّر جواز الإِتيان عن الغسل، فهو يُقوّي كون المراد بقراءة التخفيف الغُسل لا الانقطاع، وربما يكون قرينة على التجوز في الطهر، بحمله على الاغتسال إِن لم يسلّم ما تقدّم، وعلى فرض عدم التسليم هذا وذاك، والرجوع إِلى القول بأنَّ قراءة التخفيف من الطهر، وهو حقيقة في انقطاع الدم لا غير، ولا تجوُّز ولا قرينة، وقراءة التشديد من التطهر، ويستفاد منه الاغتسال».
وقال البغوي -رحمه الله- (١/ ١٩٧): تطهَّرن: يعني: اغتسلن.
قال في «المغني» (١/ ٣٥٣): «فإِن انقطع دمها فلا توطأ حتى تغتسل».
وجملته أنَّ وطء الحائض قبل الغسل حرام، وإِن انقطع دمها في قول أكثر أهل العلم.
قال ابن المنذر: هذا كالإِجماع منهم، وقال أحمد بن محمد المروزي: «لا أعلم في هذا خلافًا ...».
ولنا قول الله تعالى: ﴿ولا تقربوهنَّ حتى يطهُرن فإِذا تطهَّرن فأتوهنَّ من حيث أمَركم الله﴾ يعني: إِذا اغتسلن هكذا فسَّره ابن عباس، ولأنَّ الله تعالى قال في الآية: ﴿ويحبُّ المتطهِّرين﴾ فأثنى عليهم، فيدلّ على أنَّه فِعْل منهم؛ أثنى عليهم به، وفِعْلهم هو الاغتسال؛ دون انقطاع الدم، فشَرط لإِباحة الوطء شرطين:
انقطاع الدم والاغتسال، فلا يباح إلاَّ بهما؛ كقوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إِذا بَلَغُوا النكاح فإِنْ آنستم منهم رُشْدًا فادفعُوا إِليهم أموالَهم﴾ (١)، لمّا اشترط لدفع المال عليهم بلوغ النكاح والرّشد، لم يُبَح إلاَّ بهما، كذا هاهُنا، ولأنها ممنوعة من الصلاة لحدث الحيض، فلم يُبَح وطؤها كما لو انقطع لأقل الحيض، وما ذكروه من المعنى منقوض؛ بما إِذا انقطع لأقل الحيض، ولأنَّ حدث الحيض آكد من حدث الجنابة، فلا يصحّ قياسه عليه.
جاء في «الفتاوى» (٢١/ ٦٢٤): "أمَّا المرأة الحائض إِذا انقطع دمها؛ فلا يطؤها زوجها حتى تغتسل إِذا كانت قادرة على الاغتسال، وإلا تيمَّمت كما هو مذهب جمهور العلماء، كمالك وأحمد والشافعي.
وهذا معنى ما يُروى عن الصحابة حيث روي عن بضعة عشر من الصحابة -منهم الخلفاء- أنَّهم قالوا: في المعتدَّة هو أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة.
والقرآن يدلُّ على ذلك، قال الله تعالى: ﴿ولا تقربوهنَّ حتى يطهُرن فإِذا
-----------------------
(١) النساء: ٦
تطهَّرن فأتوهنَّ من حيث أمركم الله﴾ (١).
قال مجاهد: ﴿حتى يطهُرن﴾ يعني: ينقطع الدَّم، ﴿فإِذا تطهَّرن﴾: اغتسلن بالماء، وهو كما قال مجاهد.
وإِنَّما ذكر الله غايتين على قراءة الجمهور، لأنَّ قوله: ﴿حتى يطهُرن﴾ غاية التحريم الحاصل بالحيض، وهو تحريم لا يزول بالاغتسال ولا غيره، فهذا تحريم يزول بانقطاع الدَّم، ثمَّ يبقى الوطء بعد ذلك جائزًا بشرط الاغتسال، لا يبقى محرَّمًا على الإِطلاق، فلهذا قال: ﴿فإذا تطهَّرن فأتوهنَّ من حيث أمركُم الله﴾.
وهذا كقوله: ﴿فإِن طلَّقها فلا تحلُّ له من بعدُ حتى تَنكحَ زوجًا غيره﴾ (٢).
فنكاح الزوج الثاني غاية التحريم الحاصل بالثلاث، فإِذا نَكَحت الزوج الثاني زال ذلك التحريم، لكن صارت في عصمة الثاني؛ فحرمت لأجل حقّه، لا لأجل الطَّلاق الثلاث، فإِذا طلَّقها جاز للأوَّل أن يتزوَّجها.
وقد قال بعض أهل الظاهر: المراد بقوله: ﴿فإذا تطهَّرن﴾ أي: غسلْن فرجهنّ، وليس بشيء، لأنَّ الله قد قال: ﴿وإِن كنتم جُنُبًا فاطَّهروا﴾ (٣)؛ فالتطهّر في كتاب الله هو الاغتسال، وأمَّا قوله: ﴿إنَّ الله يحبّ التَّوابين ويُحبُّ
------------------------
(١) البقرة: ٢٢٢
(٢) البقرة: ٢٣٠
(٣) المائدة: ٦
المتطهِّرين﴾ (١) فهذا يدخل فيه المغتسل والمتوضئ والمستنجي، لكن التطهّر المقرون بالحيض؛ كالتطهر المقرون بالجنابة، والمراد به الاغتسال.
وأبو حنيفة -رحمه الله- يقول: إِذا اغتسلت، أو مضى عليها وقت صلاة، أو انقطع الدَّم لعشرة أيام حلَّت؛ بناءً على أنَّه محكوم بطهارتها في هذه الأحوال، وقول الجمهور هو الصواب كما تقدَّم، والله أعلم».
وجاء في الكتاب السابق أيضًا (ص٦٢٤): «وسئل رحمه الله عن إِتيان الحائض قبل الغسل، وما معنى قول أبي حنيفة: فإِن انقطع الدَّم لأقل من عشرة أيام، لم يَجُزْ وطؤها حتى تغتسل؟ وإِن انقطع دمها لعشرة أيام جاز وطؤها قبل الغسل؟ وهل الأئمة موافقون على ذلك؟
فأجاب: أمَّا مذهب الفقهاء؛ كمالك والشافعي وأحمد فإِنَّه لا يجوز وطؤها حتى تغتسل، كما قال تعالى: ﴿ولا تقربوهنَّ حتى يطهُرن فإِذا تطهَّرن فأتوهنَّ من حيثُ أمركم الله﴾، وأمَّا أبو حنيفة فيجوِّز وطأها إِذا انقطع لأكثر الحيض، أو مرَّ عليها وقت الصَّلاة فاغتسلت، وقول الجمهور هو الذي يدلّ عليه ظاهر القرآن والآثار».
وقد رأيت قول شيخ الإِسلام -رحمه الله- المتقدِّم قد رجَّح عدم الوطء إلاَّ بعد الاغتسال، حين قال -رحمه الله-: "وقال بعض أهل الظاهر: المراد بقوله: ﴿فإِذا تطهّرن﴾ أي: غسلن فروجهنَّ، وليس بشيء؛ لأنَّ الله قد قال: ﴿وإِن كنتم جُنُبًا فاطَّهروا﴾.
فالتطهُّر في كتاب الله هو الاغتسال، وأمَّا قوله: ﴿إِنَّ الله يحبُّ التوَّابين
-----------------------
(١) البقرة: ٢٢٢
ويحبُّ المتطهِّرين﴾، فهذا يدخل فيه المغتسل والمتوضئ والمستنجي، لكن التطهّر المقرون بالحيض؛ كالتَّطهر المقرون بالجنابة والمراد به الاغتسال».
قلت: وزاد هذا الترجيح عندي ما جاء في «اللسان»: «طَهَرت المرأة وطَهُرت وطَهِرت: اغتسلت من الحيض وغيره».
وطهُرت المرأة وهي طاهر: انقطع عنها الدَّم ورأت الطُّهر فإِذا اغتسلت؛ قيل تطهَّرت واطَّهَّرت، قال الله عز وجل: ﴿وإِن كنتم جُنُبًا فاطَّهَّروا﴾.
وروى الأزهري عن أبي العباس أنَّه قال في قوله عز وجل: ﴿ولا تقربوهنَّ حتى يطُهرن فإِذا تطهَّرن فأتوهنَّ من حيث أمركم الله﴾ وقرأ: ﴿حتى يطَّهَّرْن﴾، قال أبو العبّاس والفرّاء: «يطّهّرن لأنَّ من قرأ: ﴿يطْهرن﴾ أراد: انقطاع الدَّم، فإِذا تطهَّرن اغتسلن؛ فصيَّر معناهما مختلفًا، والوجه أن تكون الكلمتان بمعنى واحد؛ يُريد بهما جميعًا الغسل، ولا يحلّ المسيس إِلا بالاغتسال، وتُصدِّق ذلك قراءة ابن مسعود: ﴿حتى يَتَطهَّرْن﴾».
وقال ابن الأعرابي: «طَهَرت المرأة هو الكلام، قال: ويجوز طهُرت، فإِذا تَطَهَّرن: اغتسلن. وقال: تطهَّرت المرأة: اغتسلت».
وخلاصة القول: عدم جواز إِتيان الحائض إِذا طهُرت إِلا بعد الاغتسال (١).
--------------------------
(١) انتهيت إِلى هذا وأنا أعلم من شيخنا، أنه يرى جواز إتيان المرأة قبل الاغتسال بعد الطهر من الحيض أو النفاس؛ كما في الطبعة الأولى من الطبعة الجديدة من «آداب الزفاف» سنة ١٤٠٩هـ. ثم سألته «هل رأيتم غير ذلك؟»، فقال: «نعم، يَطْهُرن غير يَطَّهْرن، فلا بد من الاغتسال».

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|