عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 11-01-2026, 03:58 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,519
الدولة : Egypt
افتراضي رد: بيض صحيفتك السوداء في رجب


أيها المسلمون، وفي تحريم أهل الجاهلية لرجب؛ يقول التابعي المخضرم أبو رجاءٍ العُطارِدِيُّ - بعد أن ذكر شيئًا من شركهم -: «فإذا دخل شهرُ رجبٍ، قلنا: مُنَصِّلُ الأسِنَّة، فلا ندع رمحًا فيه حديدةٌ ولا سهمًا فيه حديدةٌ إلا نزعناه، وألقيناه شهرَ رجبٍ»[10].

ألا فعظِّموا - عباد الله - ما عظَّم الله من حُرمة هذا الشهر، واسْتَحْيُوا من الله في السرِّ والجهر، واستغفروا فيه ربكم عمّا سلف، وكونوا على حذر منه في المؤتَنَف، فإن المذنبَ في هذه الشهور قد لا يُمهل، وعقوبتَه ربما تُقَدَّم وتُعجَّل، فالويل لكل مفترٍ جاهل، ساهٍ عن رُشده غافل، يؤمِّل الفوز بالبطالة، ويرتكب الذنوب بالجهالة، لا يسمع من ذي وعظٍ وعْظًا ولا زجرًا، ولا ينتفع بشرف الزمان يومًا ولا شهرًا، حتى يتصرَّم أجلُه، ويحصل في عنقه عملُه، ولربما طلب الإقالة فلم يجب إليها، والتمس العودة فلم يقدر عليها، هَيْهات حال الموت بينه وبين ما يشتهيه، وشُغِل عن أحبابه بما هو فيه، فيا له من نادم قارعٍ سنَّ النَّدامة.

ألا يا غافلًا يُحْصى عليه
مِن العمل الصغيرةُ والكبيرهْ
يُصَاحُ به وَيُنذرُ كلَّ يومٍ
وقد أنْستْهُ غفلتُه مصيرَهْ
تأهَّبْ لِلرَّحِيل فقد تدانى
وأنذرَك الرَّحِيلُ أخًا وَجِيرَهْ


عباد الله، ألا وإن أنفع الوعظ لأهل التمييز، وأحرزَ كلِّ ذي حرزٍ حريز - كلامُ القوي العزيز، والله تعالى يقول وقوله الحق المبين: ﴿ وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾ [المائدة:92].

بارَك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما جاء فيه من الآيات والذِّكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم، ولسائر المسلمين، من كل ذنبٍ وخطيئة، فاستغفروه، إنه هو الغفورُ التواب الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله الغالبةِ قدرتُه، البالغةِ حجتُه، الواضحةِ محجَّتُه، أحمده حمْدَ من عمَّتْه نعمتُه، وأستغفره وأتوب إليه توبةَ من ألْجَمَتْه خطيئتُه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعالت عظمته، وجلَّت قدرته، وأشهد أنَّ سيدنا محمدًا عبدُه ونبيُّه الذي بالهدى ودين الحق أرسَلَه، فاتَّضحتْ طريقتُه، وتبيَّنتْ شريعتُه.

اللهمَّ فصلِّ وسلِّم على هذا النبي الكريم سيِّدنا محمد، وعلى آله وأصحابه الذين شرَّفَهم اتباعُه وصحبتُه؛ أما بعد:
فقد كان يقال: «شهرُ رجبٍ مفتاحُ الخير والبركة؛ قال أبو بكر الورَّاق: شهرُ رجبٍ شهرُ الزرع، وشهرُ شعبان شهرُ السقي، وشهرُ رمضان شهر الحصاد.

وقيل: رجبٌ أيامُ ورقِها، وشعبانُ أيامُ تفرُّعِها، ورمضانُ أيامُ قطافِها.

فجديرٌ بمَن سَوَّد صحيفتَه بالذنوب أن يُبيِّضها بالتوبة في هذا الشهر، وبمَن ضيَّع عمره في البطالة أن يغتنم فيه ما بقي من العمر»[11].

بيِّض صحيفتَك السَّوداءَ في رجبِ
بصالح العمل المنجي من اللهبِ
شهرٌ حرامٌ أتى من أشهرٍ حرمٍ
إذا دعا اللهَ داعٍ فيه لم يَخِبِ
طوبى لعبد زكى فيه له عملٌ
فكفَّ فيه عن الفحشاء والرِّيَبِ





أيها المسلمون، إن انتهاز الفرصة بالعمل في هذا الشهر مَنقبة جسيمة، وعمارة ساعاته بالصالحات فضيلة عظيمة، واغتنام أوقاته بالطاعات نِعم الغنيمة، والتزود فيه من القربات مِنَّة كريمة، ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾ [العنكبوت:58]، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾ [فاطر:5].

فالحازمُ من تزوَّد لِما بِه قبل مآبه، وعجَّل بمتابه قبل حسابه، وبادَر قبل الفوت، واستدرك قبل الموت، فإنْ زلَّت القدم لم ينفع النَّدم، فلا توبةٌ تُنال، ولا عثرة تُقال، ولا يُقبل فداءٌ بمال.

يا عبد أقبل منيبًا واغتنم رجبا
فعفو ربِّك عمَّن تاب قد وجَبا
في هذه الأشهر الأبوابُ قد فُتحت
للتائبين فكلٌّ نحوه هربا
حطُّوا الركائب في أبواب رحمته
بحسن ظنِّ فكلٌّ نال ما طلبا
وقد أفاض عليهم من تعطُّفه
نثار حُسنِ قبولٍ فاز مَن نهبا


عباد الله، بحمد الله كبُرت النعم السوابغ، والحجج البوالغ، بادروا بالعمل بوادر الأجل، وكونوا من الله على وجل، فقد حذَّر وأنذر، وأمهل حتى كأنه قد أهمل: ﴿ قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ ﴾ [إبراهيم:31]، ﴿ اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ ﴾ [الشورى:47]

جعلنا الله وإياكم ممن ادَّرع بالوجَل، وارتدَع عن الزلل، وجدَّ في صالح القول والعمل، ولم يغترَّ بطول الأمل، ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ * رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴾ [آل عمران:8-9].

﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [الأعراف: 23].

﴿ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ [يونس: 85-86].

﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾ [إبراهيم: 38].

﴿ رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ﴾ [الكهف: 10].

﴿ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ﴾ [المؤمنون: 109].

﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [الحشر:10].

﴿ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [الممتحنة:4-5].

عباد الله، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل:90]، فاذكروا الله العظيم الجليل يَذكُرْكم، واشكروه على نِعمه يَزدكم، ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾[العنكبوت:45]، وأقِم الصلاة يرحمك الله.

[1] تفسير البغوي (2/ 345).

[2] رواه مسلم (2578).

[3] تفسير الطبري (11/ 445).

[4] رواه البخاري (4662)، ومسلم (1679).

[5] ينظر: مشارق الأنوار للقاضي عِياض (1/ 559).

[6] أداء ما وجب من بيان وضع الوضاعين في رجب لابن دحية (30).

[7] فضائل الأوقات للبيهقي (1/ 80).

[8] ينظر: فصل المقال في شرح كتاب الأمثال، أبو عبيد البكري (1/ 464).

[9] جمهرة الأمثال، أبو هلال العسكري (2/ 53).

[10] صحيح البخاري (4376).

[11] لطائف المعارف لابن رجب (219).






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 24.36 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 23.73 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.58%)]