عرض مشاركة واحدة
  #136  
قديم 11-01-2026, 04:16 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,844
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله


السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري

الجزء الثانى
الحلقة (136)

صــ 613إلى صــ 622




قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: قُرَّةُ بْنُ أَشْقَرَ الضَّفَارِيُّ، وَحَيَّانُ بْنُ مِلَّةَ.

(تَمَكُّنُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْكُفَّارِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ جُذَامَ، قَالَ: فَاسْتَنْقَذُوا مَا كَانَ فِي يَدِ الْهُنَيْدِ وَابْنِهِ، فَرَدُّوهُ عَلَى دِحْيَةَ، فَخَرَجَ دِحْيَةُ، حَتَّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُ، وَاسْتَسْقَاهُ دَمَ الْهُنَيْدِ وَابْنِهِ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِمْ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، وَذَلِكَ الَّذِي هَاجَ غَزْوَةَ زَيْدٍ جُذَامَ، وَبَعَثَ مَعَهُ جَيْشًا، وَقَدْ وَجَّهَتْ غَطَفَانُ مِنْ جُذَامَ وَوَائِلٌ وَمَنْ كَانَ مِنْ سَلَامَانَ وَسَعْدُ بْنُ هُذَيْمٍ، حِينَ جَاءَهُمْ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ، بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى نَزَلُوا الْحَرَّةَ، حَرَّةَ الرَّجْلَاءِ، وَرِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ بِكُرَاعِ رِبَةَ، لَمْ يَعْلَمْ، وَمَعَهُ نَاسٌ مِنْ بَنِي الضُّبَيْبِ، وَسَائِرُ بَنِي الضُّبَيْبِ بِوَادِي مَدَانٍ، مِنْ نَاحِيَةِ الْحَرَّةِ، مِمَّا [١] يَسِيلُ مُشَرِّقًا، وَأَقْبَلَ جَيْشُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ مِنْ نَاحِيَةِ الْأَوْلَاجِ، فَأَغَارَ بِالْمَاقِصِ مِنْ قِبَلِ الْحَرَّةِ، فَجَمَعُوا مَا وَجَدُوا مِنْ مَالٍ أَوْ نَاسٍ، وَقَتَلُوا الْهُنَيْدَ وَابْنَهُ وَرَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي الْأَجْنَفِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: مِنْ بَنِي الْأَحْنَفِ [٢] .

(شَأْنُ حَسَّانَ وَأُنَيْفٍ ابْنِي مِلَّةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ فِي حَدِيثِهِ: وَرَجُلًا مِنْ بَنِي الْخَصِيبِ. فَلَمَّا سَمِعَتْ بِذَلِكَ بَنُو الضُّبَيْبِ وَالْجَيْشُ بِفَيْفَاءِ مَدَانٍ رَكِبَ نَفَرٌ مِنْهُمْ، وَكَانَ فِيمَنْ رَكِبَ مَعَهُمْ حَسَّانُ بْنُ مِلَّةَ، عَلَى فَرَسٍ لِسُوَيْدِ بْنِ زَيْدٍ، يُقَالُ لَهَا الْعَجَاجَةُ، وَأُنَيْفُ بْنُ مِلَّةَ عَلَى فَرَسٍ لِمَلَّةَ يُقَالُ لَهَا: رِغَالٌ، وَأَبُو زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو عَلَى فرس يُقَال لَهُ لَهَا شَمِرٌ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى إذَا دَنَوْا مِنْ الْجَيْشِ، قَالَ أَبُو زَيْدٍ وَحَسَّانُ لِأُنَيْفِ بْنِ مِلَّةَ:
كُفَّ عَنَّا وَانْصَرِفْ، فَإِنَّا نَخْشَى لِسَانَكَ، فَوَقَفَ عَنْهُمَا، فَلَمْ يَبْعُدَا مِنْهُ حَتَّى جَعَلَتْ فَرَسُهُ تَبْحَثُ بِيَدَيْهَا وَتَوَثَّبَ، فَقَالَ: لَأَنَا أَضَنُّ بِالرَّجُلَيْنِ مِنْكَ بِالْفَرَسَيْنِ، فَأَرْخَى لَهَا، حَتَّى أَدْرَكَهُمَا، فَقَالَا لَهُ: أَمَّا إذَا فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ فَكُفَّ عَنَّا

----------------------
[١] فِي م، ر: «من مَاء» .
[٢] فِي م، ر هُنَا: «الأخيف» . وَفِيمَا يأتى: «الْأَحْنَف» .


لِسَانَكَ، وَلَا تَشْأَمْنَا الْيَوْمَ، فَتَوَاصَوْا أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ مِنْهُمْ إلَّا حَسَّانُ بْنُ مِلَّةَ، وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ كَلِمَةٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَدْ عَرَفَهَا بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، إذَا أَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَضْرِبَ بِسَيْفِهِ قَالَ: بُورَى أَوْ ثُورَى، فَلَمَّا بَرَزُوا عَلَى الْجَيْشِ، أَقْبَلَ الْقَوْمُ يَبْتَدِرُونَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ حَسَّانُ: إنَّا قَوْمٌ مُسْلِمُونَ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيَهُمْ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ أَدْهَمَ، فَأَقْبَلَ يَسُوقُهُمْ، فَقَالَ أُنَيْفٌ: بُورَى، فَقَالَ حَسَّانُ: مَهْلًا، فَلَمَّا وَقَفُوا عَلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ قَالَ حَسَّانُ: إنَّا قَوْمٌ مُسْلِمُونَ، فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ:
فَاقْرَءُوا أُمَّ الْكِتَابِ، فَقَرَأَهَا حَسَّانُ، فَقَالَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ: نَادُوا فِي الْجَيْشِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَيْنَا ثُغْرَةَ [١] الْقَوْمِ الَّتِي جَاءُوا مِنْهَا إلَّا مَنْ خَتَرَ [٢] .

(قُدُومُهُمْ عَلَى الرَّسُولِ وَشِعْرُ أَبِي جُعَالٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَإِذَا أُخْتُ حَسَّانَ بْنِ مِلَّةَ، وَهِيَ امْرَأَةُ أَبِي وَبْرِ بْنِ عَدِيِّ ابْن أُمَيَّةَ بْنِ الضُّبَيْبِ فِي الْأُسَارَى، فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ: خُذْهَا، وَأَخَذَتْ بِحَقْوَيْهِ [٣] فَقَالَتْ أُمُّ الْفِزْرِ الضُّلَعِيَّةُ: أَتَنْطَلِقُونَ بِبَنَاتِكُمْ وَتَذَرُونَ أُمَّهَاتِكُمْ؟ فَقَالَ أَحَدُ بَنِي الْخَصِيبِ: إنَّهَا بَنُو الضُّبَيْبِ وَسِحْرُ أَلْسِنَتِهِمْ سَائِرَ الْيَوْمِ، فَسَمِعَهَا بَعْضُ الْجَيْشِ، فَأَخْبَرَ بِهَا زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، فَأَمَرَ بِأُخْتِ حَسَّانَ، فَفُكَّتْ يَدَاهَا مِنْ حِقْوَيْهِ، وَقَالَ لَهَا: اجْلِسِي مَعَ بَنَاتِ عَمِّكَ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ فِيكُنَّ حُكْمَهُ، فَرَجَعُوا، وَنَهَى الْجَيْشَ أَنْ يَهْبِطُوا إلَى وَادِيهِمْ الَّذِي جَاءُوا مِنْهُ، فَأَمْسَوْا فِي أَهْلِيهِمْ، وَاسْتَعْتَمُوا ذَوْدًا [٤] لِسُوَيْدِ بْنِ زَيْدٍ، فَلَمَّا شَرِبُوا عَتَمَتَهُمْ [٥]، رَكِبُوا إلَى رِفَاعَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَكَانَ مِمَّنْ رَكِبَ إلَى رِفَاعَةَ بْنِ زَيْدٍ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، أَبُو زَيْدِ ابْن عَمْرٍو، وَأَبُو شِمَاسِ بْنِ عَمْرٍو، وَسُوَيْدُ بْنُ زَيْدٍ، وَبَعْجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَبَرْذَعُ بْنُ زَيْدٍ، وَثَعْلَبَةُ بْنُ زَيْدٍ [٦]، وَمُخَرَّبَةُ بْنُ عَدِيٍّ، وَأُنَيْفُ بْنُ مِلَّةَ، وَحَسَّانُ

-------------------
[١] ثغرة الْقَوْم: ناحيتهم الَّتِي يحمونها.
[٢] ختر: نقض الْعَهْد.
[٣] بحقويه: بخصريه.
[٤] الذود: مَا بَين الثَّلَاث إِلَى الْعشْر من الْإِبِل. واستعتموا ذودا: انتظروه إِلَى عتمة من اللَّيْل.
[٥] عتمتهم: لبنهم الّذي انتظروه إِلَى ذَلِك الْوَقْت.
[٦] فِي م، ر: «عَمْرو» .



ابْن مِلَّةَ، حَتَّى صَبَّحُوا رِفَاعَةَ بْنَ زَيْدٍ بِكُرَاعِ رِبَةَ، بِظَهْرِ الْحَرَّةِ، عَلَى بِئْرٍ هُنَالِكَ مِنْ حَرَّةِ لَيْلَى، فَقَالَ لَهُ حَسَّانُ بْنُ مِلَّةَ: إنَّكَ لَجَالِسٌ تَحْلُبُ الْمِعْزَى وَنِسَاءُ جُذَامَ أُسَارَى قَدْ غَرَّهَا كِتَابُكَ الَّذِي جِئْتُ بِهِ، فَدَعَا رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ بِجَمَلِ لَهُ، فَجَعَلَ يَشُدُّ عَلَيْهِ رَحْلَهُ وَهُوَ يَقُولُ:
هَلْ أَنْتَ حَيٌّ أَوْ تُنَادِي حَيَّا
ثُمَّ غَدَا وَهُمْ مَعَهُ بِأُمَيَّةَ بْنِ ضَفَارَةَ أَخِي الْخَصِيبِيِّ الْمَقْتُولِ، مُبَكِّرِينَ مِنْ ظَهْرِ الْحَرَّةِ، فَسَارُوا إلَى جَوْفِ الْمَدِينَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَلَمَّا دَخَلُوا الْمَدِينَةَ، وَانْتَهَوْا إلَى الْمَسْجِدِ، نَظَرَ إلَيْهِمْ رَجُلٌ مِنْ النَّاسِ، فَقَالَ: لَا تُنِيخُوا إبِلَكُمْ، فَتُقَطَّعَ أَيْدِيَهُنَّ، فَنَزَلُوا عَنْهُنَّ وَهُنَّ قِيَامٌ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَآهُمْ أَلَاحَ [١] إلَيْهِمْ بِيَدِهِ: أَنْ تُعَالُوا مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ، فَلَمَّا اسْتَفْتَحَ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ الْمَنْطِقَ، قَامَ رَجُلٌ مِنْ النَّاسِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ سَحَرَةٌ، فَرَدَّدَهَا مَرَّتَيْنِ، فَقَالَ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ: رَحِمَ اللَّهُ مَنْ لَمْ يَحْذُنَا [٢] فِي يَوْمِهِ هَذَا إلَّا خَيْرًا. ثُمَّ دَفَعَ رِفَاعَةُ ابْن زَيْدٍ كِتَابَهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي كَانَ كَتَبَهُ لَهُ. فَقَالَ: دُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدِيمًا كِتَابُهُ، حَدِيثًا غَدْرُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
اقْرَأْهُ يَا غُلَامُ، وَأَعْلِنْ، فَلَمَّا قَرَأَ كِتَابَهُ اسْتَخْبَرَهُ، فَأَخْبَرُوهُمْ الْخَبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَيْفَ أَصْنَعُ بِالْقَتْلَى؟ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) [٣] . فَقَالَ رِفَاعَةُ:
أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْلَمُ، لَا نُحَرِّمُ عَلَيْكَ حَلَالًا، وَلَا نُحَلِّلُ لَكَ حَرَامًا، فَقَالَ أَبُو زَيْدِ ابْن عَمْرٍو: أَطْلِقْ لَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ كَانَ حَيًّا، وَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ تَحْتَ قَدَمِي هَذِهِ.
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: صَدَقَ أَبُو زَيْدٍ، ارْكَبْ مَعَهُمْ يَا عَلِيُّ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ رضي الله عنه: إنَّ زَيْدًا لَنْ يُطِيعَنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَخُذْ سَيْفِي هَذَا، فَأَعْطَاهُ سَيْفَهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَيْسَ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ رَاحِلَةٌ أَرْكَبُهَا، فَحَمَلُوهُ عَلَى بَعِيرٍ لِثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرٍو، يُقَالُ لَهُ مِكْحَالٌ، فَخَرَجُوا، فَإِذَا رَسُولٌ لِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ عَلَى نَاقَةٍ

---------------------
[١] ألاح: أَشَارَ.
[٢] كَذَا فِي الْأُصُول، وَلم يحذنا: لم يعطنا. وتروى: «لم يجدنا»: لم ينفعنا.
[٣] فِي أ: «مرار» .



مِنْ إبِلِ أَبِي وَبْرٍ، يُقَالُ لَهَا: الشِّمْرُ، فَأَنْزَلُوهُ عَنْهَا، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ، مَا شَأْنِي؟
فَقَالَ: مَا لَهُمْ، عَرَفُوهُ فَأَخَذُوهُ، ثُمَّ سَارُوا فَلَقَوْا الْجَيْشَ بِفَيْفَاءِ الْفَحْلَتَيْنِ، فَأَخَذُوا مَا فِي أَيْدِيهِمْ، حَتَّى كَانُوا يَنْزِعُونَ لَبِيدَ الْمَرْأَةِ مِنْ تَحْتِ الرَّحْلِ، فَقَالَ أَبُو جِعَالٍ حِينَ فَرَغُوا مِنْ شَأْنِهِمْ:
وَعَاذِلَةٍ وَلَمْ تَعْذُلْ بِطِبٍّ ... وَلَوْلَا نَحْنُ حُشَّ بِهَا السَّعِيرَ [١]
تُدَافِعُ فِي الْأُسَارَى بِابْنَتَيْهَا ... وَلَا يُرْجَى لَهَا عِتْقٌ يَسِيرُ
وَلَوْ وُكِلَتْ إلَى عُوصٍ وَأَوْسٍ ... لَحَارَ بِهَا عَنْ الْعِتْقِ الْأُمُورُ [٢]
وَلَوْ شَهِدَتْ رَكَائِبَنَا بِمِصْرٍ ... تُحَاذِرُ أَنْ يُعَلَّ بِهَا الْمَسِيرُ [٣]
وَرَدْنَا مَاءَ يَثْرِبَ عَنْ حِفَاظٍ ... لِرَبْعٍ إنَّهُ قَرَبَ ضَرِيرُ [٤]
بِكُلِّ مُجَرَّبٍ كَالسِّيدِ نَهْدٍ ... عَلَى أَقْتَادِ نَاجِيَةٍ صَبُورُ [٥]
فِدًى لِأَبِي سُلَيْمَى كُلُّ جَيْشٍ ... بِيَثْرِبَ إذْ تَنَاطَحَتْ النُّحُورُ [٦]
غَدَاةَ تَرَى الْمُجَرَّبَ مُسْتَكِينًا ... خِلَافَ الْقَوْمِ هَامَتُهُ تَدُورُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ: «
وَلَا يُرْجَى لَهَا عِتْقٌ يَسِيرُ
»، وَقَوْلُهُ: «عَنْ الْعِتْقِ الْأُمُورُ» عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
تَمَّتْ الْغَزَاةُ، وَعُدْنَا إلَى تَفْصِيلِ ذِكْرِ السَّرَايَا وَالْبُعُوثِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَغَزْوَةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ أَيْضًا الطَّرَفَ مِنْ نَاحِيَةِ نَخْلٍ. مِنْ طَرِيقِ الْعِرَاقِ.

----------------------
[١] بطب: بِرِفْق. وَحش: أوقد.
[٢] حَار: رَجَعَ.
[٣] يعل: يُكَرر.
[٤] الْحِفْظ: الْغَضَب. وَالرّبع: أَن ترد الْإِبِل المَاء لأربعة أَيَّام. والقرب: السّير فِي طلب المَاء. وضرير: مُضر.
[٥] السَّيِّد: الذِّئْب. والنهد: الغليظ. والأقتاد: أدوات الرحل. والناجية: السريعة. وصبور:
صابرة، وتروى: «ضبور»» . والضبور: الموثقة الْخلق.
[٦] النحور: الصُّدُور.



غَزْوَةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ بَنِي فَزَارَةَ وَمُصَابُ أُمِّ قِرْفَةَ

(بَعْضُ مَنْ أُصِيبَ بِهَا):
وَغَزْوَةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ أَيْضًا وَادِيَ الْقُرَى، لَقِيَ بِهِ بَنِي فَزَارَةَ، فَأُصِيبَ بِهَا نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَارْتُثَّ [١] زَيْدٌ مِنْ بَيْنَ الْقَتْلَى، وَفِيهَا أُصِيبَ وَرْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مَدَاشٍ، وَكَانَ أَحَدَ بَنِي سَعْدِ بْنِ هُذَيْلٍ، أَصَابَهُ أَحَدُ بَنِي بَدْرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: سَعْدُ بْنُ هُذَيْمٍ.

(مُعَاوَدَةُ زَيْدٍ لَهُمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا قَدِمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ آلَى أَنْ لَا يَمَسَّ رَأْسَهُ غُسْلٌ مِنْ جَنَابَةٍ حَتَّى يَغْزُوَ بَنِي فَزَارَةَ، فَلَمَّا اسْتَبَلَّ مِنْ جِرَاحَتِهِ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى بَنِي فَزَارَةَ فِي جَيْشٍ، فَقَتَلَهُمْ بِوَادِي الْقُرَى، وَأَصَابَ فِيهِمْ، وَقَتَلَ قَيْسَ بْنَ الْمُسَحَّرِ الْيَعْمُرِيَّ مَسْعَدَةَ بْنَ حَكَمَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ، وَأُسِرَتْ أُمُّ قِرْفَةَ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَبِيعَةَ بْنِ بَدْرٍ، كَانَتْ عَجُوزًا كَبِيرَةٌ عِنْدَ مَالِكِ بْنِ حُذَيْفَةَ ابْن بَدْرٍ، وَبِنْتٌ لَهَا، وَعَبْدُ اللَّهِ [٢] بْنُ مَسْعَدَةَ، فَأَمَرَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ قَيْسَ بْنَ الْمُسَحَّرِ أَنْ يَقْتُلَ أُمَّ قِرْفَةَ، فَقَتَلَهَا قَتْلًا عَنِيفًا، ثُمَّ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِابْنَةِ أُمِّ قِرْفَةَ، وَبِابْنِ مَسْعَدَةَ.

(شَأْنُ أُمِّ قِرْفَةَ):
وَكَانَتْ بِنْتُ أُمِّ قِرْفَةَ لِسَلَمَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَكْوَعِ، كَانَ هُوَ الَّذِي أَصَابَهَا، وَكَانَتْ فِي بَيْتِ شَرَفٍ مِنْ قَوْمِهَا، كَانَتْ الْعَرَبُ تَقُولُ: (لَوْ كُنْتَ أَعَزَّ مِنْ أُمِّ قِرْفَةَ مَا زِدْتُ) . فَسَأَلَهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَلَمَةُ، فَوَهَبَهَا لَهُ، فَأَهْدَاهَا لِخَالِهِ حَزْنَ بْنَ أَبِي وَهْبٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ حَزْنٍ.

(شِعْرُ ابْنِ الْمُسَحَّرِ فِي قَتْلِ مَسْعَدَةَ):
فَقَالَ قَيْسُ بْنُ الْمُسَحَّرِ فِي قَتْلِ مَسْعَدَةَ:

----------------------
[١] ارتث: (بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول) حمل من المعركة رثيثا، أَي جريحا وَبِه رَمق.
[٢] فِي م: «عبيد الله»:



سَعَيْتُ بِوَرْدٍ مِثْلَ سَعْيِ ابْنِ أُمِّهِ ... وَإِنِّي بِوَرْدٍ فِي الْحَيَاةِ لَثَائِرُ [١]
كَرَرْتُ عَلَيْهِ الْمُهْرَ لَمَّا رَأَيْتُهُ ... عَلَى بَطَلٍ مِنْ آلِ بَدْرٍ مُغَاوِرِ [٢]
فَرَكَّبْتُ فِيهِ قَعْضَبِيًّا كَأَنَّهُ [٣] ... شِهَابٌ بِمَعْرَاةَ [٤] يُذَكَّى لِنَاظِرِ [٥]

غَزْوَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ لِقَتْلِ الْيَسِيرِ بْنِ رِزَامٍ
وَغَزْوَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ خَيْبَرَ مَرَّتَيْنِ: إحْدَاهُمَا الَّتِي أَصَابَ فِيهَا الْيَسِيرَ بْنَ رِزَامٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ ابْنُ رَازِمٍ [٦] .

(مَقْتَلُ الْيَسِيرِ):
وَكَانَ مِنْ حَدِيثِ الْيَسِيرِ بْنِ رِزَامٍ أَنَّهُ كَانَ بِخَيْبَرِ يَجْمَعُ غَطَفَانَ لِغَزْوِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَبَعَثَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ، حَلِيفُ بَنِي سَلِمَةَ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَيْهِ كَلَّمُوهُ، وَقَرَّبُوا لَهُ، وَقَالُوا لَهُ: إنَّكَ إنْ قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَكَ وَأَكْرَمَكَ، فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ، حَتَّى خَرَجَ مَعَهُمْ فِي نَفَرٍ مِنْ يَهُودَ، فَحَمَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ عَلَى بَعِيرِهِ، حَتَّى إذَا كَانَ بِالْقَرْقَرَةِ مِنْ خَيْبَرَ، عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ، نَدِمَ الْيَسِيرُ بْنُ رِزَامٍ عَلَى مَسِيرِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَفَطَنَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ، وَهُوَ يُرِيدُ السَّيْفَ، فَاقْتَحَمَ بِهِ، ثُمَّ ضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ، فَقَطَعَ رِجْلَهُ، وَضَرَبَهُ الْيَسِيرُ بِمِخْرَشٍ [٧] فِي يَدِهِ مِنْ شَوْحَطٍ [٨]، فَأَمَّهُ [٩]، وَمَالَ كُلُّ

-----------------------
[١] ثَائِر: آخذ بثأره. وَفِي هَذَا الشّعْر إقواء.
[٢] المغاور: الْكثير الإغراء.
[٣] قعضبيا: سِنَانًا مَنْسُوبا إِلَى قعضب، رجل كَانَ يصنع الأسنة.
[٤] كَذَا فِي ر، م. والمعراة: الْموضع الّذي لَا يستره شَيْء. وَفِي أ: «بمعزاة» .
[٥] ويذكى: يشعل.
[٦] وَردت هَذِه الْعبارَة فِي أبعد «ابْن رزام» الَّتِي فِي السطر التَّالِي.
[٧] كَذَا فِي أ. وَفِي م، ر: «بمخراش» . والمخرش والمخراش: الْمِجَن، وَهُوَ عَصا معقوفة يجذب بهَا الْبَعِير وَنَحْوه.
[٨] الشوحط: شجر من النبع.
[٩] أمه: جرحه فِي رَأسه.



رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى صَاحِبِهِ مِنْ يَهُودَ فَقَتَلَهُ، إلَّا رَجُلًا وَاحِدًا أَفْلَتْ عَلَى رِجْلَيْهِ، فَلَمَّا قَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَفَلَ [١] عَلَى شَجَّتِهِ، فَلَمْ تَقِحْ وَلَمْ تُؤْذِهِ.

(غَزْوَةُ ابْنِ عَتِيكٍ خَيْبَرَ):
وَغَزْوَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتِيكٍ خَيْبَرَ، فَأَصَابَ بِهَا أَبَا رَافِعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ.

غَزْوَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ لِقَتْلِ خَالِدِ بْنِ سُفْيَانَ بْنِ نُبَيْحٍ الْهُذَلِيِّ

(مَقْتَلُ ابْنُ نَبِيحٍ):
وَغَزْوَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ خَالِدَ بْنِ سُفْيَانَ بْنِ نُبَيْحٍ، بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِ وَهُوَ بِنَخْلَةَ أَوْ بِعُرَنَةَ، يَجْمَعُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ لِيَغْزُوهُ، فَقَتَلَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ: دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: إنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ سُفْيَانَ بْنِ نُبَيْحٍ الْهُذَلِيَّ يَجْمَعُ لِي النَّاسَ لِيَغْزُونِي، وَهُوَ بِنَخْلَةَ أَوْ بِعُرَنَةَ، فَأْتِهِ فَاقْتُلْهُ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، انْعَتْهُ لِي حَتَّى أَعْرِفَهُ. قَالَ: إنَّكَ إذَا رَأَيْتُهُ أَذْكَرَكَ الشَّيْطَانَ، وَآيَةُ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ أَنَّكَ إذَا رَأَيْتُهُ وَجَدْتُ لَهُ قُشَعْرِيرَةً [٢] . قَالَ:
فَخَرَجْتُ مُتَوَشِّحًا سَيْفِي، حَتَّى دُفِعْتُ إلَيْهِ وَهُوَ فِي ظُعُنٍ [٣] يَرْتَادُ لَهُنَّ مَنْزِلًا [٤]، وَحَيْثُ كَانَ وَقْتُ الْعَصْرِ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ وَجَدْتُ مَا قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْقُشَعْرِيرَةِ، فَأَقْبَلْتُ نَحْوَهُ، وَخَشِيتُ أَنْ تَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مُجَاوَلَةٌ تَشْغَلُنِي عَنْ الصَّلَاةِ، فَصَلَّيْتُ وَأَنَا أَمْشِي نَحْوَهُ، أُومِئُ بِرَأْسِي، فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إلَيْهِ، قَالَ: مَنْ الرَّجُلُ؟ قُلْتُ: رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ سَمِعَ بِكَ وَبِجَمْعِكَ لِهَذَا الرَّجُلِ، فَجَاءَكَ لِذَلِكَ.

----------------------
[١] تفل: بَصق بصاقا خَفِيفا.
[٢] قشعريرة: رعدة.
[٣] الظعن (ككتب): النِّسَاء فِي الهودج: جمع ظَعِينَة.
[٤] يرتاد لَهُنَّ منزلا: يطْلب لَهُنَّ موضعا.



قَالَ: أَجَلْ، إنِّي لَفِي ذَلِكَ [١] . قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ شَيْئًا، حَتَّى إذَا أَمْكَنَنِي حَمَلْتُ عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ، فَقَتَلْتُهُ، ثُمَّ خَرَجْتُ، وَتَرَكْتُ ظَعَائِنَهُ مُنْكَبَّاتٌ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَآنِي، قَالَ: أَفْلَحَ الْوَجْهُ، قُلْتُ: قَدْ قَتَلْتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: صَدَقْتُ.

(إهْدَاءُ الرَّسُولِ عَصًا لَابْنِ أُنَيْسٍ):
ثُمَّ قَامَ بِي، فَأَدْخَلَنِي بَيْتَهُ، فَأَعْطَانِي عَصًا، فَقَالَ: أَمْسِكْ هَذِهِ الْعَصَا عِنْدَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ. قَالَ: فَخَرَجْتُ بِهَا عَلَى النَّاسِ، فَقَالُوا: مَا هَذِهِ الْعَصَا؟
قُلْتُ: أَعْطَانِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَهَا عِنْدِي. قَالُوا:
أَفَلَا تَرْجِعُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَسْأَلَهُ لِمَ ذَلِكَ؟ قَالَ: فَرَجَعْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ أَعْطَيْتنِي هَذِهِ الْعَصَا؟
قَالَ: آيَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. إنَّ أَقَلَّ النَّاسِ الْمُتَخَصِّرُونَ [٢] يَوْمئِذٍ، قَالَ:
فَقَرَنَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ بِسَيْفِهِ، فَلَمْ تَزَلْ مَعَهُ حَتَّى مَاتَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَضُمَّتْ فِي كَفَنِهِ، ثُمَّ دُفِنَا جَمِيعًا.

(شِعْرُ بْنِ أُنَيْسٍ فِي قَتْلِهِ ابْنَ نُبَيْحٍ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ فِي ذَلِكَ:
تَرَكْتُ ابْنَ ثَوْرٍ كَالْحُوَارِ وَحَوْلَهُ ... نَوَائِحُ تَفْرِي كُلَّ جَيْبٍ مُقَدَّدِ [٣]
تَنَاوَلْتُهُ وَالظُّعْنُ خَلْفِي وَخَلْفَهُ ... بِأَبْيَضَ مِنْ مَاءِ الْحَدِيدِ مُهَنَّدِ [٤]
عَجُومٍ لِهَامِ الدَّارِعِينَ كَأَنَّهُ ... شِهَابٌ غَضًى مِنْ مُلْهَبٍ مُتَوَقِّدِ [٥]
أَقُولُ لَهُ وَالسَّيْفُ يَعْجُمُ رَأْسَهُ ... أَنَا ابْنُ أُنَيْسٍ فَارِسًا غَيْرَ قُعْدُدِ [٦]

-----------------------
[١] فِي أ: «أَنا فِي ذَلِك» .
[٢] المتخصرون: المتكئون على المخاصر، وَهِي الْعَصَا، واحدتها مخصرة.
[٣] الحوار: ولد النَّاقة إِذا كَانَ صَغِيرا. وتفري: تقطع.
[٤] الْأَبْيَض: السَّيْف. والمهند: الْمَنْسُوب إِلَى الْهِنْد.
[٥] عجوم: عضوض. يُقَال: عجمه، إِذا عضه. والهام: الرُّءُوس. والشهاب: الْقطعَة من النَّار.
والغضى: شجر يشْتَد التهاب النَّار فِيهِ.
[٦] القعدد: اللَّئِيم.



أَنَا ابْنُ الَّذِي لَمْ يُنْزِلْ الدَّهَرُ قِدْرَهُ ... رَحِيبُ فِنَاءِ الدَّارِ غَيْرُ مُزَنَّدِ [١]
وَقُلْتُ لَهُ خُذْهَا بِضَرْبَةِ مَاجِدٍ ... حَنِيفٍ عَلَى دِينِ النَّبِيِّ مُحَمَّدِ [٢]
وَكُنْتُ إذَا هَمَّ النَّبِيُّ بِكَافِرٍ ... سَبَقْتُ إلَيْهِ بِاللِّسَانِ وَبِالْيَدِ
تَمَّتْ الْغَزَاةُ، وَعُدْنَا إلَى خَبَرِ الْبُعُوثِ [٣] .

(غَزَوَاتٌ أُخَرُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَغَزْوَةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ مُؤْتَةَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، فَأُصِيبُوا بِهَا جَمِيعًا، وَغَزْوَةُ كَعْبِ بْنِ عُمَيْرٍ الْغِفَارِيُّ ذَاتَ أَطْلَاحٍ، مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، أُصِيبَ بِهَا هُوَ وَأَصْحَابُهُ جَمِيعًا. وَغَزْوَةُ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ بَنِي الْعَنْبَرِ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ.

غَزْوَةُ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ بَنِي الْعَنْبَرِ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ

(وَعْدُ الرَّسُولِ عَائِشَةَ بِإِعْطَائِهَا سَبْيًا مِنْهُمْ لِتَعْتِقَهُ):
وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ إلَيْهِمْ، فَأَغَارَ عَلَيْهِمْ، فَأَصَابَ مِنْهُمْ أَنَاسًا، وَسَبَى مِنْهُمْ أُنَاسًا.
فَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ عَلَيَّ رَقَبَةً مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ. قَالَ: هَذَا سَبْيُ بَنِي الْعَنْبَرِ يَقْدَمُ الْآنَ، فَنُعْطِيكَ مِنْهُمْ إنْسَانًا فَتُعْتِقِينَهُ.

(بَعْضُ مَنْ سُبِيَ وَبَعْضُ مَنْ قُتِلَ وَشِعْرُ سَلْمَى فِي ذَلِكَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا قُدِمَ بِسَبْيِهِمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، رَكِبَ فِيهِمْ وَفْدٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، حَتَّى قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مِنْهُمْ رَبِيعَةُ ابْن رَفِيعٍ، وَسَبْرَةُ بْنُ عَمْرٍو، وَالْقَعْقَاعُ بْنُ مَعْبَدٍ، وَوَرْدَانُ بْنُ مُحْرِزٍ، وَقَيْسُ

----------------------
[١] رحيب: متسع. والمزند: الضّيق الْبَخِيل.
[٢] الْمَاجِد: الشريف: والحنيف (هُنَا): الّذي مَال عَن دين الشّرك إِلَى دين الْإِسْلَام.
[٣] هَذِه الْعبارَة سَاقِطَة فِي أ.



ابْن عَاصِمٍ، وَمَالِكُ بْنُ عَمْرٍو، وَالْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، وَفِرَاسُ بْنُ حَابِسٍ، فَكَلَّمُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ، فَأَعْتَقَ بَعْضًا، وَأَفْدَى بَعْضًا، وَكَانَ مِمَّنْ قُتِلَ يَوْمئِذٍ مِنْ بَنِي الْعَنْبَرِ: عَبْدُ اللَّهِ وَأَخَوَانِ لَهُ، بَنُو وَهْبٍ، وَشَدَّادُ بْنُ فِرَاسٍ، وَحَنْظَلَةُ بْنُ دَارِمٍ، وَكَانَ مِمَّنْ سُبِيَ مِنْ نِسَائِهِمْ يَوْمئِذٍ: أَسَمَاءُ بِنْتُ مَالِكٍ، وَكَاسٍ بِنْتُ أَرِي، وَنَجْوَةُ بِنْتُ نَهْدٍ، وَجُمَيْعَةُ بِنْتُ قَيْسٍ، وَعَمْرَةُ بِنْتُ مَطَرٍ. فَقَالَتْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ سَلْمَى بِنْتُ عَتَّابٍ:
لَعَمْرِي لَقَدْ لَاقَتْ عَدِيُّ بْنُ جُنْدَبٍ ... مِنْ الشَّرِّ مَهْوَاةً شَدِيدًا كَئُودهَا [١]
تَكَنَّفَهَا الْأَعْدَاءُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ... وَغُيَّبَ عَنْهَا عِزُّهَا وَجُدُودُهَا [٢]

(شِعْرُ الْفَرْزَدَقِ فِي ذَلِكَ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ فِي ذَلِكَ:
وَعِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ قَامَ ابْنُ حَابِسٍ ... بِخُطَّةِ سَوَّارٍ إلَى الْمَجْدِ حَازِمِ [٣]
لَهُ أَطْلَقَ الْأَسْرَى الَّتِي فِي حِبَالِهِ ... مُغَلَّلَةً أَعْنَاقُهَا فِي الشَّكَائِمِ
كَفَى أُمَّهَاتِ الْخَالِفِينَ [٤] عَلَيْهِمْ ... غِلَاءَ الْمُفَادِي أَوْ سِهَامَ الْمَقَاسِمِ
وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَعَدِيُّ بْنُ جُنْدُبٍ مِنْ بَنِي الْعَنْبَرِ، وَالْعَنْبَرُ ابْن عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ.

غَزْوَةُ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَرْضَ بَنِي مُرَّةَ

(مَقْتَلُ مِرْدَاسٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَغَزْوَةُ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْكَلْبِيِّ- كَلْبِ لَيْثٍ- أَرْضَ بَنِي مُرَّةَ، فَأَصَابَ بِهَا مِرْدَاسَ بْنَ نَهِيكٍ، حَلِيفًا لَهُمْ مِنْ الْحُرْقَةِ، مِنْ جُهَيْنَةَ، قَتَلَهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ.

-----------------------
[١] المهواة: مَوضِع منخفض بَين جبلين. والكئود: عقبَة صعبة.
[٢] الجدود: جمع جد (بِالْفَتْح) وَهُوَ السعد وَالْبخْت.
[٣] الخطة: الْخصْلَة. والسوار: الّذي يرتقى ويثب.
[٤] قَالَ أَبُو ذَر. «الخالفين: يُرِيد الَّذين تخلفوا فِي أهلهم» . وَفِي أ، م، ر: «الْخَائِفِينَ» .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 36.90 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 36.27 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.70%)]