عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 11-01-2026, 04:10 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,934
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله


السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري

الجزء الثانى
الحلقة (134)

صــ 593إلى صــ 602





لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، أَمَّا بَعْدُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ، فَإِنَّكَ بَعَثْتنِي إلَى بَنِي الْحَارِثِ ابْن كَعْبٍ، وَأَمَرْتنِي إذَا أَتَيْتهمْ أَلَّا أُقَاتِلَهُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَأَنْ أَدْعُوَهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَسْلَمُوا أَقَمْتُ فِيهِمْ [١]، وَقَبِلْتُ مِنْهُمْ، وَعَلَّمْتهمْ مَعَالِمَ الْإِسْلَامِ وَكِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ، وَإِنْ لَمْ يُسْلِمُوا قَاتَلْتهمْ. وَإِنِّي قَدِمْتُ عَلَيْهِمْ فَدَعَوْتهمْ إلَى الْإِسْلَامِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، كَمَا أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَبَعَثْتُ فِيهِمْ رُكْبَانًا، قَالُوا:
يَا بَنِي الْحَارِثِ، أَسَلِمُوا تُسْلَمُوا، فَأَسْلَمُوا وَلَمْ يُقَاتِلُوا، وَأَنَا مُقِيمٌ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، آمُرُهُمْ بِمَا أَمَرَهُمْ اللَّهُ بِهِ وَأَنْهَاهُمْ عَمَّا نَهَاهُمْ اللَّهُ عَنْهُ، وَأُعَلِّمُهُمْ مَعَالِمَ الْإِسْلَامِ وَسُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى يَكْتُبَ إلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.

(كِتَابُ الرَّسُولِ إلَى خَالِدٍ يَأْمُرُهُ بِالْمَجِيءِ):
فَكَتَبَ إلَيْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولِ اللَّهِ إلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ. سَلَامٌ عَلَيْكَ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ. أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ كِتَابَكَ جَاءَنِي مَعَ رَسُولِكَ تُخْبِرُ أَنَّ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ قَدْ أَسْلَمُوا قَبْلَ أَنْ تُقَاتِلَهُمْ، وَأَجَابُوا إلَى مَا دَعَوْتهمْ إلَيْهِ مِنْ الْإِسْلَامِ، وَشَهِدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَأَنْ قَدْ هَدَاهُمْ اللَّهُ بِهُدَاهُ، فَبَشِّرْهُمْ وَأَنْذِرْهُمْ، وَأَقْبِلْ وَلْيُقْبِلْ مَعَكَ وَفْدُهُمْ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.

(قُدُومُ خَالِدٍ مَعَ وَفْدِهِمْ عَلَى الرَّسُولِ):
فَأَقْبَلَ خَالِدٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَقْبَلَ مَعَهُ وَفْدُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ، مِنْهُمْ قَيْسُ بْنُ الْحُصَيْنِ ذِي الْغُصَّةِ [٢]، وَيَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَدَانِ، وَيَزِيدُ بْنُ الْمُحَجَّلِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ قُرَادٍ الزِّيَادِيُّ، وَشَدَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَنَانِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الضَّبَابِيُّ [٣] .

--------------------
[١] هَذِه الْعبارَة: «أَقمت فيهم» سَاقِطَة فِي: أ.
[٢] سمى ذَا الغصة، لِأَنَّهُ كَانَ إِذا تكلم أَصَابَهُ كالغصص.
[٣] ضباب (بِكَسْر الضَّاد) فِي بنى الْحَارِث بن كَعْب، وَفِي قُرَيْش، وَفِي بنى عَامر بن صعصعة.
و(بِالْفَتْح) فِي نسب النَّابِغَة الذبيانيّ. و(بِالضَّمِّ) فِي بنى بكر (انْظُر السهيليّ) .
٣٨- سيرة ابْن هِشَام- ٢


(حَدِيثُ وَفْدِهِمْ مَعَ الرَّسُولِ):
فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَآهُمْ، قَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ الَّذِينَ كَأَنَّهُمْ رِجَالُ الْهِنْدِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَؤُلَاءِ رِجَالُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ، فَلَمَّا وَقَفُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَلَّمُوا عَلَيْهِ، وَقَالُوا:
نَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
وَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
أَنْتُمْ الَّذِينَ إذَا زُجِرُوا اُسْتُقْدِمُوا، فَسَكَتُوا، فَلَمْ يُرَاجِعْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، ثُمَّ أَعَادَهَا الثَّانِيَةَ، فَلَمْ يُرَاجِعْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، ثُمَّ أَعَادَهَا الثَّالِثَةَ، فَلَمْ يُرَاجِعْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، ثُمَّ أَعَادَهَا الرَّابِعَةَ، فَقَالَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَدَانِ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَحْنُ الَّذِينَ إذَا زُجِرُوا اُسْتُقْدِمُوا، قَالَهَا أَرْبَعَ مِرَارٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ أَنَّ خَالِدًا لَمْ يَكْتُبْ إلَيَّ أَنَّكُمْ أَسْلَمْتُمْ وَلَمْ تُقَاتِلُوا، لَأَلْقَيْتُ رُءُوسَكُمْ تَحْتَ أَقْدَامِكُمْ، فَقَالَ يَزِيدُ ابْن عَبْدِ الْمَدَانِ: أَمَا وَاَللَّهِ مَا حَمِدْنَاكَ وَلَا حَمِدْنَا خَالِدًا، قَالَ: فَمَنْ حَمِدْتُمْ؟ قَالُوا:
حَمِدْنَا اللَّهَ عز وجل الَّذِي هَدَانَا بِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: صَدَقْتُمْ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بِمَ كُنْتُمْ تَغْلِبُونَ مَنْ قَاتَلَكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالُوا: لَمْ نَكُنْ نَغْلِبُ أَحَدًا، قَالَ: بَلَى، قَدْ كُنْتُمْ تَغْلِبُونَ مَنْ قَاتَلَكُمْ، قَالُوا: كُنَّا نَغْلِبُ مَنْ قَاتَلَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا كُنَّا نَجْتَمِعُ وَلَا نَفْتَرِقُ، وَلَا نَبْدَأُ أَحَدًا بِظُلْمِ، قَالَ: صَدَقْتُمْ. وَأَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ قَيْسَ بْنَ الْحُصَيْنِ.
فَرَجَعَ وَفْدُ بَنِي الْحَارِثِ إلَى قَوْمِهِمْ فِي بَقِيَّةٍ مِنْ شَوَّالٍ، أَوْ فِي صَدْرِ ذِي الْقَعَدَةِ، فَلَمْ يَمْكُثُوا بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا إلَى قَوْمِهِمْ إلَّا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَرَحِمَ وَبَارَكَ، وَرَضِيَ وَأَنْعَمَ.

(بَعْثُ الرَّسُولِ عَمْرَو بْنَ حَزْمٍ بِعَهْدِهِ إِلَيْهِمْ):
وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ إلَيْهِمْ بَعْدَ أَنْ وَلَّى وَفْدُهُمْ عَمْرَو ابْن حَزْمٍ، لِيُفَقِّهَهُمْ فِي الدِّينِ، وَيُعَلِّمَهُمْ السُّنَّةَ وَمَعَالِمَ الْإِسْلَامِ، وَيَأْخُذُ مِنْهُمْ صَدَقَاتِهِمْ وَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا عَهِدَ إلَيْهِ فِيهِ عَهْدَهُ، وَأَمَرَهُ فِيهِ بِأَمْرِهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:


هَذَا بَيَانٌ مِنْ الله وَرَسُوله، يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، عَهْدٌ مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولِ اللَّهِ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ، أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي أَمْرِهِ كُلِّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَاَلَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالْحَقِّ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ، وَأَنْ يُبَشِّرَ النَّاسَ بِالْخَيْرِ، وَيَأْمُرَهُمْ بِهِ، وَيُعَلِّمَ النَّاسَ الْقُرْآنَ، وَيُفَقِّهَهُمْ فِيهِ، وَيَنْهَى النَّاسَ، فَلَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إنْسَانٌ إلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ، وَيُخْبِرَ النَّاسَ بِاَلَّذِي لَهُمْ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِمْ، وَيَلِينَ لِلنَّاسِ فِي الْحَقِّ، وَيَشْتَدَّ عَلَيْهِمْ فِي الظُّلْمِ، فَإِنَّ اللَّهَ كَرِهَ الظُّلْمَ، وَنَهَى عَنْهُ، فَقَالَ: «أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ١١: ١٨»، وَيُبَشِّرَ النَّاسَ بِالْجَنَّةِ وَبِعَمَلِهَا، وَيُنْذِرَ النَّاسَ النَّارَ وَعَمَلَهَا، وَيَسْتَأْلِفَ النَّاسَ حَتَّى يُفَقَّهُوا فِي الدِّينِ، وَيُعَلِّمَ النَّاسَ مَعَالِمَ الْحَجِّ وَسُنَّتَهُ وَفَرِيضَتَهُ، وَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَالْحَجَّ الْأَكْبَرَ: الْحَجَّ الْأَكْبَرَ، وَالْحَجَّ الْأَصْغَرَ: هُوَ الْعُمْرَةُ، وَيَنْهَى النَّاسَ أَنْ يُصَلِّيَ أَحَدٌ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ صَغِيرٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ثَوْبًا يُثْنِي طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِيهِ، وَيَنْهَى النَّاسَ أَنْ يَحْتَبِيَ أَحَدٌ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ يُفْضِي بِفَرْجِهِ إلَى السَّمَاءِ، وَيَنْهَى أَنْ يُعَقِّصَ أَحَدٌ شَعَرَ رَأْسِهِ فِي قَفَاهُ، وَيَنْهَى إذَا كَانَ بَيْنَ النَّاسِ هَيْجٌ عَنْ الدُّعَاءِ إلَى الْقَبَائِلِ وَالْعَشَائِرِ، وَلْيَكُنْ دَعَوَاهُمْ إلَى اللَّهِ عز وجل وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَمَنْ لَمْ يَدْعُ إلَى اللَّهِ، وَدَعَا إلَى الْقَبَائِلِ وَالْعَشَائِرِ فَلْيُقْطَفُوا بِالسَّيْفِ، حَتَّى تَكُونَ دَعْوَاهُمْ إلَى اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَيَأْمُرُ النَّاسَ بِإِسْبَاغِ الْوُضُوءِ وُجُوهَهُمْ وَأَيْدِيَهُمْ إلَى الْمَرَافِقِ وَأَرْجُلَهُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ وَيَمْسَحُونَ بِرُءُوسِهِمْ كَمَا أَمَرَهُمْ اللَّهُ، وَأَمَرَ بِالصَّلَاةِ لِوَقْتِهَا، وَإِتْمَامِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ [١] وَالْخُشُوعِ، وَيُغَلِّسُ بِالصُّبْحِ، وَيُهَجِّرُ بِالْهَاجِرَةِ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ، وَصَلَاةُ الْعَصْرِ وَالشَّمْسُ فِي الْأَرْضِ مُدْبِرَةٌ، وَالْمَغْرِبُ حِينَ يَقْبَلُ اللَّيْلُ، لَا يُؤَخَّرُ حَتَّى تَبْدُوَ النُّجُومُ فِي السَّمَاءِ، وَالْعِشَاءُ أَوَّلُ اللَّيْلِ، وَأَمَرَ بِالسَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ إذَا نُودِيَ لَهَا، وَالْغُسْلِ عِنْدَ الرَّوَاحِ إلَيْهَا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمَغَانِمِ خُمُسَ اللَّهِ، وَمَا كُتِبَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَةِ مِنْ الْعَقَارِ عُشْرَ مَا سَقَتْ الْعَيْنُ وَسَقَتْ السَّمَاءُ، وَعَلَى مَا سَقَى الْغَرْبُ نِصْفَ الْعُشْرِ، وَفِي كُلِّ عَشْرٍ مِنْ الْإِبِلِ شَاتَانِ، وَفِي كُلِّ عِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مِنْ الْبَقَرِ بَقَرَةٌ، وَفِي كُلِّ ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ تَبِيعٌ،
-------------------
[١] هَذِه الْكَلِمَة «السُّجُود» سَاقِطَة فِي أ.


جَذَعٌ أَوْ جَذَعَةٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مِنْ الْغَنَمِ سَائِمَةٌ وَحْدَهَا، شَاةٌ، فَإِنَّهَا فَرِيضَةُ اللَّهِ الَّتِي افْتَرَضَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَةِ، فَمَنْ زَادَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ، وَأَنَّهُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ إسْلَامًا خَالِصًا مِنْ نَفْسِهِ، وَدَانَ بِدِينِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، لَهُ مِثْلُ مَا لَهُمْ، وَعَلَيْهِ مِثْلُ مَا عَلَيْهِمْ، وَمَنْ كَانَ عَلَى نَصْرَانِيَّتِهِ أَوْ يَهُودِيَّتِهِ فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ عَنْهَا، وَعَلَى كُلِّ حَالِمٍ: ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، دِينَارٌ وَافٍ أَوْ عِوَضُهُ ثِيَابًا.
فَمَنْ أَدَّى ذَلِكَ، فَإِنَّ لَهُ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ، وَمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ عَدُوٌّ للَّه وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ جَمِيعًا، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.

قُدُومُ رِفَاعَةَ بْنِ زَيْدٍ الْجُذَامِيِّ

(إِسْلَامُهُ وَحَمْلُهُ كِتَابَ الرَّسُولِ إِلَى قَوْمِهِ):
وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي هُدْنَةِ الْحُدَيْبِيَةِ، قَبْلَ خَيْبَرَ، رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ الْجُذَامِيُّ ثُمَّ الضُّبَيْبِيُّ، فَأَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ غُلَامًا، وَأَسْلَمَ، فَحَسُنَ إسْلَامُهُ، وَكَتَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِتَابًا إلَى قَوْمِهِ.
وَفِي كِتَابِهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، لِرِفَاعَةِ بْنِ زَيْدٍ. إِنِّي بَعَثْتُهُ إلَى قَوْمِهِ عَامَّةً، وَمَنْ دَخَلَ فِيهِمْ، يَدْعُوهُمْ إلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، فَمَنْ أَقْبَلَ مِنْهُمْ فَفِي حِزْبِ اللَّهِ وَحِزْبِ رَسُولِهِ، وَمَنْ أَدْبَرَ فَلَهُ أَمَانُ شَهْرَيْنِ. فَلَمَّا قَدِمَ رِفَاعَةُ عَلَى قَوْمِهِ أَجَابُوا وَأَسْلَمُوا، ثُمَّ سَارُوا إلَى الْحَرَّةِ: حَرَّةِ الرَّجْلَاءِ، وَنَزَلُوهَا.

قُدُومُ وَفْدِ هَمْدَانَ

(أَسْمَاؤُهُمْ وَكَلِمَةُ ابْنِ نَمَطٍ بَيْنَ يَدِيِ الرَّسُولِ
) قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَدِمَ وَفْدُ هَمْدَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فِيمَا


حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُذَيْنَةَ الْعَبْدِيِّ، عَنْ أَبِي [١] إسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، قَالَ: قَدِمَ وَفْدُ هَمْدَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مِنْهُمْ مَالِكُ ابْن نَمَطٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَهُوَ ذُو الْمِشْعَارِ، وَمَالِكُ بْنُ أَيْفَعَ وَضِمَامُ بْنُ مَالِكٍ السَّلْمَانِيُّ وَعَمِيرَةُ بْنُ مَالِكٍ الْخَارِفِيَّ، فَلُقُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرْجِعَهُ مِنْ تَبُوكَ وَعَلَيْهِمْ مُقَطَّعَاتُ الْحِبَرَاتِ [٢]، وَالْعَمَائِمُ الْعَدَنِيَّةُ، بِرِحَالِ الْمَيْسِ [٣] عَلَى الْمَهْرِيَّةِ [٤] وَالْأَرْحَبِيَّةِ [٥] وَمَالِكِ بْنِ نَمَطٍ وَرَجُلٍ آخَرَ يَرْتَجِزَانِ بِالْقَوْمِ، يَقُولُ أَحَدُهُمَا:
هَمْدَانُ خَيْرٌ سُوقَةً وَأَقْيَالْ ... لَيْسَ لَهَا فِي الْعَالَمِينَ أَمْثَالْ [٦]
مَحَلُّهَا الْهَضْبُ وَمِنْهَا الْأَبْطَالْ ... لَهَا إطَابَاتٌ بِهَا وَآكَالْ [٧]
وَيَقُولُ الْآخَرُ:
إلَيْكَ جَاوَزْنَ سَوَادَ الرِّيفِ ... فِي هَبَوَاتِ الصَّيْفِ وَالْخَرِيفِ [٨]
مُخَطَّمَاتٍ بِحِبَالِ اللِّيفِ [٩]
فَقَامَ مَالِكُ بْنُ نَمَطٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَصَّيةٌ [١٠] مِنْ هَمْدَانَ، مِنْ كُلِّ حَاضِرٍ وَبَادٍ، أَتَوْكَ عَلَى قُلُصٍ نَوَاجٍ [١١]، مُتَّصِلَةٌ بِحَبَائِلِ الْإِسْلَامِ،

-------------------------
[١] فِي أ: «ابْن إِسْحَاق السبيعِي» . وَهُوَ تَحْرِيف.
[٢] مقطعات: ثِيَاب مخيطة. والحبرات: برود يمنية.
[٣] الميس: خشب تصنع مِنْهُ الرّحال الَّتِي تكون على ظُهُور الْإِبِل.
[٤] المهرية: الْإِبِل النجيبة، تنْسب إِلَى مهرَة، قَبيلَة بِالْيمن.
[٥] الأرحبية: إبل تنْسب إِلَى أرحب. وهم قَبيلَة من هَمدَان، أَو فَحل، أَو مَكَان تنْسب إِلَيْهِ النجائب.
[٦] السوقة: من دون الْمُلُوك من النَّاس. والأقيال. الْمُلُوك دون الْملك الْأَكْبَر، وأحدهم: قيل.
[٧] الهضب: مَا ارْتَفع من الأَرْض، الْوَاحِدَة: هضبة. يصف علو منزلتها. والإطابات: الْأَمْوَال الطّيبَة. والآكال: مَا يَأْخُذهُ الْملك من رَعيته وَظِيفَة لَهُ عَلَيْهِم.
[٨] السوَاد (هُنَا): الْقرى الْكَثِيرَة الشّجر وَالنَّخْل. والريف: الأَرْض الَّتِي تقرب من الْأَنْهَار والمياه الغزيرة. والهبوات: جمع هبوة، وَهِي الغبرة.
[٩] مخطمات: جعل لَهَا خطم، وَهِي الحبال الَّتِي تشد فِي رُءُوس الْإِبِل على آنافها.
[١٠] النصية: خِيَار الْقَوْم.
[١١] القلص (ككتب): الْإِبِل الْفتية، الْوَاحِد: قلُوص (كرسول) . ونواج: مسرعة.



لَا تَأْخُذُهُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، مِنْ مِخْلَافِ [١] خَارِفٍ وَيَامٍ وَشَاكِرٍ [٢] أَهْلُ السُّودِ وَالْقَوَدِ [٣]، أَجَابُوا دَعْوَةَ الرَّسُولِ، وَفَارَقُوا الْإِلَهَاتِ [٤] الْأَنْصَابَ [٥]، عَهْدُهُمْ لَا يُنْقَضُ مَا أَقَامَتْ لَعْلَعٌ [٦]، وَمَا جَرَى الْيَعْفُورُ [٧] بِصَلَعٍ [٨] .

(كِتَابُ الرَّسُولِ بِالنَّهْيِ):
فَكَتَبَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِتَابًا فِيهِ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ، لِمِخْلَافِ خَارِفٍ وَأَهْلِ جَنَابِ الْهَضْبِ وَحِقَافِ [٩] الرَّمْلِ، مَعَ وَافِدِهَا ذِي الْمِشْعَارِ مَالِكِ بْنِ نَمَطٍ، وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ قَوْمِهِ، عَلَى أَنَّ لَهُمْ فِرَاعَهَا [١٠] وَوِهَاطَهَا [١١]، مَا أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ، يَأْكُلُونَ عِلَافَهَا [١٢] وَيَرْعُونَ عَافِيَهَا [١٣]، لَهُمْ بِذَلِكَ عَهْدُ اللَّهِ وَذِمَامُ رَسُولِهِ، وَشَاهِدُهُمْ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ. فَقَالَ فِي ذَلِكَ مَالِكُ بْنُ نَمَطٍ:
ذَكَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ فِي فَحْمَةِ الدُّجَى ... وَنَحْنُ بِأَعْلَى رَحْرَحَانَ وَصَلْدَدِ [١٤]
وَهُنَّ بِنَا خُوصٌ طَلَائِحُ تَغْتَلِي ... بِرُكْبَانِهَا فِي لَاحِبٍ مُتَمَدَّدِ [١٥]

-----------------------
[١] المخلاف: الْمَدِينَة، بلغَة الْيمن.
[٢] خارف، ويام، وشاكر: قبائل من الْيمن.
[٣] السود: الْإِبِل. والقود: الْخَيل.
[٤] الإلهات: جمع إلهة.
[٥] الأنصاب: حِجَارَة كَانُوا يذبحون لَهَا. وَفِي أ: «الإلهات والأنصاب» .
[٦] لعلع: جبل.
[٧] اليعفور: ولد الظبية.
[٨] كَذَا فِي م، ر. وصلع: اسْم مَوضِع. وَفِي ط أ: «بضلع» أَي بِقُوَّة.
[٩] الحقاف: جمع حقف، وَهُوَ الرمل المستدير.
[١٠] الفراع: أعالى الأَرْض.
[١١] الوهاط: المنخفض من الأَرْض.
[١٢] العلاف: ثَمَر الطلح.
[١٣] عافيها: نباتها الْكثير، يُقَال: عَفا النبت وَغَيره: إِذا كثر.
[١٤] الفحمة: السوَاد. والدجى: جمع دجية، وَهِي الظلمَة. ورحرحان وصلدد: موضعان.
[١٥] الخوص: الغائرة الْعُيُون، الْوَاحِدَة: خوصاء. وطلائح: معيية. وتغتلى (بالغين الْمُعْجَمَة) تشتد فِي سَيرهَا. واللاحب: الطَّرِيق الْبَين.



عَلَى كُلِّ فَتْلَاءِ الذِّرَاعَيْنِ جَسْرَةٍ ... تَمُرُّ بِنَا مرّ الهجفّ الخفيدد [١]
حَلَفْتُ بِرَبِّ الرَّاقِصَاتِ إلَى مِنًى ... صَوَادِرَ بِالرُّكْبَانِ مِنْ هَضْبِ قَرْدَدِ [٢]
بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ فِينَا مُصَدَّقُ ... رَسُولٌ أَتَى مِنْ عِنْدِ ذِي الْعَرْشِ مُهْتَدِي
فَمَا حَمَلَتْ مِنْ نَاقَةٍ فَوْقَ رَحْلِهَا ... أَشَدَّ عَلَى أَعْدَائِهِ مِنْ مُحَمَّدِ
وَأَعْطَى إذَا مَا طَالِبُ الْعُرْفِ جَاءَهُ ... وَأَمْضَى بِحَدِّ الْمَشْرَفِيِّ الْمُهَنَّدِ

ذِكْرُ الْكَذَّابَينَ مُسَيْلِمَةَ الْحَنَفِيِّ وَالْأسود العنسيّ
نقال ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ تَكَلَّمَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْكَذَّابَانِ مُسَيْلِمَةُ بْنُ حَبِيبٍ بِالْيَمَامَةِ فِي بَنِي حَنِيفَةَ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ كَعْبٍ الْعَنْسِيَّ بِصَنْعَاءَ.

(رُؤْيَا الرَّسُولِ فِيهِمَا):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَوْ أَخِيهِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ عَلَى مِنْبَرِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ، إنِّي قَدْ رَأَيْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، ثُمَّ أُنْسِيتهَا، وَرَأَيْتُ فِي ذِرَاعَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ، فَكَرِهْتهمَا، فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا، فَأَوَّلْتهمَا هَذَيْنِ الْكَذَّابَيْنِ: صَاحِبِ الْيَمَنِ، وَصَاحِبِ الْيَمَامَةِ.

(حَدِيثُ الرَّسُولِ عَنْ الدَّجَّالِينَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ ثَلَاثُونَ دَجَّالًا، كُلُّهُمْ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ.

---------------------------
[١] الجسرة: النَّاقة القوية على السّير. والهجف: الذّكر الضخم من النعام. والخفيدد، بِمَعْنى الهجف.
[٢] الراقصات: الْإِبِل. والرقص والرقصان: ضرب من السّير فِيهِ حَرَكَة. وصوادر: رواجع.
والقردد: مَا ارْتَفع من الأَرْض.



خُرُوجُ الْأُمَرَاءِ وَالْعُمَّالِ عَلَى الصَّدَقَاتِ

(الْأُمَرَاءُ وَأَسْمَاءُ الْعُمَّالِ وَمَا تَوَلَّوْهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ بَعَثَ أُمَرَاءَهُ وَعُمَّالَهُ عَلَى الصَّدَقَاتِ، إلَى كُلِّ مَا أَوْطَأَ الْإِسْلَامُ مِنْ الْبُلْدَانِ، فَبَعَثَ الْمُهَاجِرَ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ ابْن الْمُغِيرَةِ إلَى صَنْعَاءَ، فَخَرَجَ عَلَيْهِ الْعَنْسِيَّ وَهُوَ بِهَا، وَبَعَثَ زِيَادَ بْنَ لَبِيدٍ، أَخَا بَنِي بَيَاضَةَ الْأَنْصَارِيَّ، إلَى حَضْرَمَوْتَ وَعَلَى صَدَقَاتِهَا، وَبَعَثَ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ عَلَى طيِّئ وَصَدَقَاتِهَا، وَعَلَى بَنِي أَسَدٍ، وَبَعَثَ مَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
الْيَرْبُوعِيُّ- عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي حَنْظَلَةَ، وَفَرَّقَ صَدَقَةَ بَنِي سَعْدٍ عَلَى رَجُلَيْنِ مِنْهُمْ، فَبَعَثَ الزِّبْرِقَانَ بْنَ بَدْرٍ عَلَى نَاحِيَةٍ مِنْهَا، وَقَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ عَلَى نَاحِيَةٍ، وَكَانَ قَدْ بَعَثَ الْعَلَاءَ ابْن الْحَضْرَمِيِّ عَلَى الْبَحْرَيْنِ، وَبَعَثَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ إلَى أَهْلِ نَجْرَانَ، لِيَجْمَعَ صَدَقَتَهُمْ وَيَقْدَمَ عَلَيْهِ بِجِزْيَتِهِمْ.

كِتَابُ مُسَيْلِمَةَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ وَالْجَوَابُ عَنْهُ
وَقَدْ كَانَ مُسَيْلِمَةُ بْنُ حَبِيبٍ، قَدْ كَتَبَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ:
مِنْ مُسَيْلِمَةَ رَسُولِ اللَّهِ، إلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ: سَلَامٌ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي قَدْ أُشْرِكْتُ فِي الْأَمْرِ مَعَكَ، وَإِنَّ لَنَا نِصْفَ الْأَرْضِ، وَلِقُرَيْشٍ نِصْفَ الْأَرْضِ، وَلَكِنَّ قُرَيْشًا قَوْمٌ يَعْتَدُونَ.
فَقَدِمَ عَلَيْهِ رَسُولَانِ لَهُ بِهَذَا الْكِتَابِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ أَشْجَعَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ أَبِيهِ نُعَيْمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَهُمَا حِينَ قَرَأَ كِتَابَهُ: فَمَا تَقُولَانِ أَنْتُمَا؟ قَالَا: نَقُولُ كَمَا قَالَ، فَقَالَ: أَمَا وَاَللَّهِ لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا.
ثُمَّ كَتَبَ إلَى مُسَيْلِمَةَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، إلَى مُسَيْلِمَةَ


الْكَذَّابِ: السَّلَامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى. أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْأَرْضَ للَّه يُورَثُهَا مَنْ يُشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ. وَذَلِكَ فِي آخِرِ سَنَةِ عَشْرٍ.

حَجَّةُ الْوَدَاعِ

(تَجَهُّزُ الرَّسُولُ وَاسْتِعْمَالِهِ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا دُجَانَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذُو الْقَعَدَةِ، تَجَهَّزَ لِلْحَجِّ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِالْجَهَازِ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَتْ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الْحَجِّ لِخَمْسِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعَدَةِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا دُجَانَةَ السَّاعِدِيَّ، وَيُقَالُ: سِبَاعَ بْنَ عُرْفُطَةَ الْغِفَارِيَّ.

(مَا أَمَرَ بِهِ الرَّسُولُ عَائِشَةَ فِي حَيْضِهَا):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَا يَذْكُرُ وَلَا يَذْكُرُ النَّاسُ إلَّا الْحَجَّ [١]، حَتَّى إذَا كَانَ بِسَرِفٍ وَقَدْ سَاقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُ الْهَدْيَ وَأَشْرَافٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ، أَمَرَ النَّاسَ أَنْ يُحِلُّوا بِعُمْرَةِ، إلَّا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ، قَالَتْ: وَحِضْتُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَدَخَلَ عَلَيَّ وَأَنَا أبكى، فَقَالَ: مَالك يَا عَائِشَةُ؟ لَعَلَّكَ نُفِسْتُ؟ قَالَتْ: قُلْتُ:
نَعَمْ، وَاَللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَخْرُجْ مَعَكُمْ عَامِي فِي هَذَا السَّفَرِ، فَقَالَ: لَا تَقُولِنَّ ذَلِكَ، فَإِنَّكَ تَقْضِينَ كُلَّ مَا يَقْضِي الْحَاجُّ إلَّا أَنَّكَ لَا تَطُوفِينَ بِالْبَيْتِ. قَالَتْ: وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ، فَحَلَّ كُلُّ مَنْ كَانَ لَا هَدْيَ مَعَهُ، وَحَلَّ نِسَاؤُهُ بِعُمْرَةٍ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ أُتِيتُ بِلَحْمِ بَقَرٍ كَثِيرٍ، فَطُرِحَ فِي بَيْتِي، فَقُلْتُ:

------------------------
[١] هَذَا الْكَلَام مَوْصُول بقولِهَا السَّابِق: «خرج رَسُول الله ﷺ إِلَى الْحَج لخمس لَيَال بَقينَ من ذِي الْقعدَة» .


مَا هَذَا؟ قَالُوا: ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ نِسَائِهِ الْبَقَرَ، حَتَّى إذَا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ، بَعَثَ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَخِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فَأَعْمَرَنِي مِنْ التَّنْعِيمِ، مَكَانَ عُمْرَتِي الَّتِي فَاتَتْنِي.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي نَافِعٌ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَن حَفْصَة بنت عُمَرَ، قَالَتْ: لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِسَاءَهُ أَنْ يُحْلِلْنَ بِعُمْرَةٍ، قُلْنَ: فَمَا يَمْنَعُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ تُحِلَّ مَعَنَا؟ فَقَالَ: إنِّي أَهْدَيْتُ وَلَبَّدْتُ [١]، فَلَا أُحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ هَدْيِي.

مُوَافَاةُ عَلِيٍّ فِي قُفُولِهِ مِنْ الْيَمَنِ رَسُولَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ

(مَا أَمَرَ بِهِ الرَّسُولُ عَلِيًّا مِنْ أُمُورِ الْحَجِّ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ بَعَثَ عَلِيًّا رضي الله عنه إلَى نَجْرَانَ، فَلَقِيَهُ بِمَكَّةَ وَقَدْ أَحْرَمَ، فَدَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرِضَى عَنْهَا، فَوَجَدَهَا قَدْ حَلَّتْ وتهيّأت، فَقَالَ: مَالك يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ؟ قَالَتْ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَحِلَّ بِعُمْرَةِ فَحَلَلْنَا. ثُمَّ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْخَبَرِ عَنْ سَفَرِهِ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، انْطَلِقْ فَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَحِلِّ كَمَا حَلَّ بِأَصْحَابِكَ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَهْلَلْتُ كَمَا أَهْلَلْتَ، فَقَالَ: ارْجِعْ فَاحْلِلْ كَمَا حَلَّ أَصْحَابُكَ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي قُلْتُ حِينَ أَحْرَمْتُ: اللَّهمّ إنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ نَبِيُّكَ وَعَبْدُكَ وَرَسُولُكَ مُحَمَّدٌ ﷺ، قَالَ: فَهَلْ مَعَكَ مِنْ هَدْيٍ؟ قَالَ: لَا. فَأَشْرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي هَدْيِهِ، وَثَبَتَ عَلَى إحْرَامِهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى فَرَغَا مِنْ الْحَجِّ، وَنَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْهَدْيَ عَنْهُمَا.

-----------------------
[١] لبدت: أَي وضعت فِي شعرى شَيْئا من صمغ عِنْد الْإِحْرَام لِئَلَّا يشعث ويقمل، وَإِنَّمَا يلبد من يطول مكثه فِي الْإِحْرَام. (عَن النِّهَايَة لِابْنِ الْأَثِير) .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 37.36 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 36.74 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.68%)]