يعلمنا القرآن (4)
ميسون عبدالرحمن النحلاوي
ولنا في قصة أصحاب السبت عِبرة
(الناهون عن المنكر والصامتون)
يقول تعالى في سورة الأعراف: ﴿ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ [الأعراف: 164، 165].
فمن الذي نجا في قصة أصحاب السبت؟
تُصرِّح الآيات بأن الذين نجَوا هم الذين كانوا ينهون عن السوء، في قوله تعالى: ﴿ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ ﴾ [الأعراف: 165]، وهؤلاء هم الذين مضَوا في إنكار المنكر رغم تثبيط المثبطين، فهم كانوا يعلمون أن العمل على إنكار المنكر فيه المعذرة إلى الله والتبرؤ إليه من تلك المعصية، كما أنه تذكرة للقوم حتى يُقلعوا عن المعصية، وبهذا ردوا على الذين عاتبوهم على إنكارهم المنكر: ﴿ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ [الأعراف: 164].
ومن الذي هلك؟
الذين ظلموا، وهؤلاء كان ظلمهم بنصب لواء التحدي لأمر الله وعصيانه، فعتَوا عن أمر الله في نهيه لهم عن الصيد في السبت، فاحتالوا على ربهم سبحانه، واصطادوا.
والصامتون أو الكارهون المثبطون؟
هؤلاء هم الذين لم ينهوا عن السوء لكنهم كرهوا الفعلة، وهؤلاء الذين قالوا للمنكرين: ﴿ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ﴾ [الأعراف: 164]، وهؤلاء يمثلون كل من يكره المواجهة مع العصاة فلا ينهونهم عن المعصية، ولا يوجهون لهم النصح، مع علمهم أنهم قوم معرَّضون لعذاب الله والهلاك، بل ويثبطون الناهين عن المنكر، وعباراتهم المشهورة: "دعهم وشأنهم، منهم لربهم، لا علاقة لك بهم".
ماذا كان مصيرهم؟
هؤلاء لم يأتِ السياق على ذكرهم، فكان المفسرون فيهم على أحد قولين: إما أنهم نجوا لاختصاص الآيات "الظالمين" بالهلاك.
أو أنهم اعتبروا مع الظالمين، فهلكوا مع من هلك.
لكننا إذا تأملنا الآيات نجد أن هناك عنصرًا ثالثًا قد يوضح مصير الكارهين؛ وهو "الاعتزال"، فالناهون عن السوء، الذين أنكروا على القوم صيدهم يوم السبت، وعنَّفوهم وذكَّروهم بمعصيتهم وعذاب الله، كانوا قد اعتزلوا القوم وخرجوا من المدينة، عندما يئسوا من توبة القوم وإقلاعهم عن المعصية، وقالوا: "فقد فعلتم، يا أعداء الله، والله لا نبايتُكم الليلة في مدينتكم"؛ من رواية ابن عباس.
وهؤلاء فقط؛ أي: الذين هجروا القوم العاصين ومدينتهم، هم الذين نجوا، فإن كان قد خرج معهم أناسٌ من الكارهين أو الصامتين، فقد نجوا معهم؛ لأن كراهيتهم لفعل القوم كانت شديدةً لدرجة الهجران والاعتزال، أما من بقوا مع العصاة آكلُوهم وشاربوهم وجالسوهم، فما نفعهم كرههم الواهن؛ لأن كل من بقيَ في المدينة أصبحوا وقد مُسخوا قردةً وخنازير.
والله أعلم.
جاء في تفسير ابن كثير: "عن عكرمة قال: جئت ابن عباس يومًا وهو يبكي، وإذا المصحف في حجره، فأعظمتُ أن أدنو، ثم لم أزل على ذلك حتى تقدمت فجلست، فقلت: ما يبكيك يا أبا عباس، جعلني الله فداك؟ قال: فقال: هؤلاء الورقات، قال: وإذا هو في سورة الأعراف، قال: تعرف أيلة؟ قلت: نعم، قال: فإنه كان بها حيٌّ من يهود سِيقت الحيتان إليهم يوم السبت، ثم غاصت لا يقدرون عليها حتى يغوصوا بعد كدٍّ ومُؤنة شديدة، كانت تأتيهم يوم السبت شرعًا بيضًا سمانًا كأنها الماخض، تتبطح ظهورها لبطونها بأفنيتهم، فكانوا كذلك برهة من الدهر، ثم إن الشيطان أوحى إليهم فقال: إنما نُهيتم عن أكلها يوم السبت، فخذوها فيه، وكلوها في غيره من الأيام؛ فقالت ذلك طائفة منهم، وقالت طائفة: بل نُهيتم عن أكلها وأخذها وصيدها يوم السبت، فكانوا كذلك، حتى جاءت الجمعة المقبلة، فغدت طائفة بأنفسها وأبنائها ونسائها، واعتزلت طائفة ذات اليمين، وتنحَّت واعتزلت طائفة ذات اليسار وسكتت، وقال الأيمنون: ويلكم، الله الله ننهاكم أن تتعرضوا لعقوبة الله، وقال الأيسرون: ﴿ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ﴾ [الأعراف: 164]، قال الأيمنون: ﴿ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ [الأعراف: 164]، إن ينتهوا فهو أحب إلينا ألَّا يصابوا ولا يهلكوا، وإن لم ينتهوا فمعذرة إلى ربكم، فمضوا على الخطيئة، وقال الأيمنون: فقد فعلتم، يا أعداء الله، والله لا نبايتكم الليلة في مدينتكم، والله ما نراكم تصبحون حتى يصبحكم الله بخسفٍ أو قذف أو بعض ما عنده من العذاب، فلما أصبحوا ضربوا عليهم الباب ونادوا، فلم يجابوا، فوضعوا سلمًا، وأعلوا سور المدينة رجلًا فالتفت إليهم، فقال: أي عباد الله، قردة والله تُعاوي لها أذناب، قال: ففتحوا فدخلوا عليهم، فعرفت القرود أنسابها من الإنس، ولا تعرف الإنس أنسابها من القردة، فجعلت القرود يأتيها نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي، فتقول: ألم ننهكم عن كذا؟ فتقول برأسها، أي نعم، ثم قرأ ابن عباس: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ [الأعراف: 165]، قال: فأرى الذين نهَوا قد نجَوا، ولا أرى الآخرين ذكروا، ونحن نرى أشياء ننكرها ولا نقول فيها"؛ [انتهى].
اللهم اجعلنا ممن استمع القول فاتبع أحسنه، والحمد لله رب العالمين.