
08-01-2026, 08:28 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,622
الدولة :
|
|
رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله

السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (57)
صــ 541إلى صــ 550
فَلَمَّا جاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ. بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ٢: ٨٩- ٩٠، أَيْ أَنْ جَعَلَهُ فِي غَيرهم فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ ٢: ٩٠.
(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَبَاءُوا بِغَضَبٍ: أَيْ اعْتَرَفُوا بِهِ وَاحْتَمَلُوهُ. قَالَ أَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ:
أُصَالِحُكُمْ حَتَّى تَبُوءُوا بِمِثْلِهَا ... كَصَرْخَةِ حُبْلَى يَسَّرَتْهَا قَبِيلُهَا [١]
(قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يَسَّرَتْهَا: أَجَلَسَتْهَا لِلْوِلَادَةِ) [٢] . وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَالْغَضَبُ عَلَى الْغَضَبِ لِغَضَبِهِ عَلَيْهِمْ فِيمَا كَانُوا ضَيَّعُوا مِنْ التَّوْرَاةِ، وَهِيَ مَعَهُمْ، وَغَضَبٌ بِكُفْرِهِمْ بِهَذَا النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي أَحْدَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ.
ثُمَّ أَنَّبَهُمْ بِرَفْعِ الطُّورِ عَلَيْهِمْ، وَاِتِّخَاذِهِمْ الْعِجْلَ إلَهًا دُونَ رَبِّهِمْ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ، فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ٢: ٩٤، أَيْ اُدْعُوا بِالْمَوْتِ عَلَى أَيِّ الْفَرِيقَيْنِ أَكْذَبُ عِنْدَ اللَّهِ، فَأَبَوْا ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ عليه الصلاة والسلام: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ٢: ٩٥، أَيْ بِعِلْمِهِمْ بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ بِكَ، وَالْكُفْرِ بِذَلِكَ [٣]، فَيُقَالُ: لَوْ تَمَنَّوْهُ يَوْمَ قَالَ ذَلِكَ لَهُمْ مَا بَقِيَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ يَهُودِيٌّ إلَّا مَاتَ. ثُمَّ ذَكَرَ رَغْبَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَطُولَ الْعُمْرِ، فَقَالَ تَعَالَى:
وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ ٢: ٩٦ الْيَهُودَ وَمن الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ ٢: ٩٦،
---------------------------
[١] الْقَبِيل: الْقَابِلَة.
[٢] زِيَادَة عَن ط.
[٣] كَذَا فِي أ. وَفِي ط: «بك» . وَفِي سَائِر الْأُصُول: «فَذَلِك» .
أَيْ مَا هُوَ بِمُنْجِيهِ مِنْ الْعَذَابِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكَ لَا يَرْجُو بَعْثًا بَعْدَ الْمَوْتِ، فَهُوَ يُحِبُّ طُولَ الْحَيَاةِ، وَأَنَّ الْيَهُودِيَّ قَدْ عَرَفَ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخِزْيِ بِمَا ضَيَّعَ مِمَّا عِنْدَهُ مِنْ الْعِلْمِ. ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ ٢: ٩٧.
(سُؤَالُ الْيَهُودِ الرَّسُولَ، وَإِجَابَتُهُ لَهُمْ عليه الصلاة والسلام):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ (عَبْدِ) [١] الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ الْمَكِّيُّ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ الْأَشْعَرِيِّ: أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَحْبَارِ يَهُودَ جَاءُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنَا عَنْ أَرْبَعٍ نَسْأَلُكَ عَنْهُنَّ، فَإِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ اتَّبَعْنَاكَ وَصَدَّقْنَاكَ، وَآمَنَّا بِكَ. قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ لَئِنْ أَنَا أَخْبَرْتُكُمْ بِذَلِكَ لَتُصَدِّقُنَّنِي، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَاسْأَلُوا عَمَّا بَدَا لَكُمْ، قَالُوا: فَأَخْبِرْنَا كَيْفَ يُشْبِهُ الْوَلَدُ أُمَّهُ، وَإِنَّمَا النُّطْفَةُ مِنْ الرَّجُلِ؟ قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أُنْشِدُكُمْ باللَّه وَبِأَيَّامِهِ عِنْدَ بَنِي إسْرَائِيلَ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ نُطْفَةَ الرَّجُلِ بَيْضَاءُ غَلِيظَةٌ، وَنُطْفَةَ الْمَرْأَةِ صَفْرَاءُ رَقِيقَةٌ، فَأَيَّتُهُمَا عَلَتْ صَاحِبَتَهَا كَانَ لَهَا الشَّبَهُ؟ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، قَالُوا:
فَأَخْبِرْنَا كَيْفَ نَوْمُكَ؟ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ باللَّه وَبِأَيَّامِهِ عِنْدَ بَنِي إسْرَائِيلَ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ نَوْمَ الَّذِي تَزْعُمُونَ أَنِّي لَسْتُ بِهِ تَنَامُ عَيْنُهُ وَقَلْبُهُ يَقْظَانُ؟ فَقَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، قَالَ: فَكَذَلِكَ نَوْمِي، تَنَامُ عَيْنِيَّ وَقَلْبِي يَقْظَانُ، قَالُوا: فَأَخْبِرْنَا عَمَّا حَرَّمَ إسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ؟ قَالَ: أَنْشُدُكُمْ باللَّه وَبِأَيَّامِهِ عِنْدَ بَنِي إسْرَائِيلَ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَانَ أَحَبُّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إلَيْهِ أَلْبَانَ الْإِبِلِ وَلُحُومَهَا، وَأَنَّهُ اشْتَكَى شَكْوَى، فَعَافَاهُ اللَّهُ مِنْهَا، فَحَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ أَحَبَّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إلَيْهِ شُكْرًا للَّه، فَحَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ لُحُومَ الْإِبِلِ وَأَلْبَانَهَا؟ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، قَالُوا: فَأَخْبِرْنَا عَنْ الرُّوحِ؟ قَالَ: أَنْشُدُكُمْ باللَّه وَبِأَيَّامِهِ عِنْدَ بَنِي إسْرَائِيلَ، هَلْ تَعْلَمُونَهُ جِبْرِيلُ، وَهُوَ الَّذِي يَأْتِينِي؟ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، وَلَكِنَّهُ يَا مُحَمَّدُ لَنَا عَدُوٌّ، وَهُوَ مَلَكٌ، إنَّمَا يَأْتِي بِالشِّدَّةِ وَبِسَفْكِ الدِّمَاءِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَاتَّبَعْنَاكَ، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل فِيهِمْ: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا ٢: ٩٧----------------------
[١] زِيَادَة عَن ط.
لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ٢: ٩٧ ... إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ. وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ. وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ ٢: ١٠٠- ١٠٢، أَيْ السِّحْرُ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ٢: ١٠٢.
(إنْكَارُ الْيَهُودِ نُبُوَّةَ دَاوُدَ عليه السلام، وَرَدُّ اللَّهِ عَلَيْهِمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ- فِيمَا بَلَغَنِي- لَمَّا ذَكَرَ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ فِي الْمُرْسَلِينَ، قَالَ بَعْضُ أَحْبَارِهِمْ: أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ مُحَمَّدٍ، يَزْعُمُ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ كَانَ نَبِيًّا، وَاَللَّهِ مَا كَانَ إلَّا سَاحِرًا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا ٢: ١٠٢، أَيْ بِاتِّبَاعِهِمْ السِّحْرَ وَعَمَلِهِمْ بِهِ. وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ ٢: ١٠٢.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الَّذِي حَرَّمَ إسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ زَائِدَتَا الْكَبِدِ وَالْكُلْيَتَانِ وَالشَّحْمَ، إلَّا مَا كَانَ عَلَى الظَّهْرِ، فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ يُقَرَّبُ لِلْقُرْبَانِ، فَتَأْكُلَهُ النَّارُ.
(كِتَابُهُ ﷺ إلَى يَهُودِ خَيْبَرَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى يَهُودِ خَيْبَرَ، فِيمَا حَدَّثَنِي مَوْلًى لِآلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، صَاحِبِ مُوسَى وَأَخِيهِ، وَالْمُصَدِّقُ لِمَا جَاءَ بِهِ مُوسَى: أَلَا إنَّ اللَّهَ قَدْ قَالَ لَكُمْ يَا مَعْشَرَ أَهْلِ التَّوْرَاةِ، وَإِنَّكُمْ لَتَجِدُونَ ذَلِكَ فِي كِتَابِكُمْ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ، تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا، سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ، ذلِكَ
مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ، وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ٤٨: ٢٩.
وَإِنِّي أَنْشُدُكُمْ باللَّه، وَأَنْشُدُكُمْ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ، وَأَنْشُدُكُمْ بِاَلَّذِي أَطْعَمَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنْ أَسْبَاطِكُمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى، وَأَنْشُدُكُمْ بِاَلَّذِي أَيْبَسَ الْبَحْرَ لِآبَائِكُمْ حَتَّى أَنَجَاهُمْ مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ، إلَّا أَخْبَرْتُمُونِي: هَلْ تَجِدُونَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِمُحَمِّدٍ؟ فَإِنْ كُنْتُمْ لَا تَجِدُونَ ذَلِكَ فِي كِتَابِكُمْ فَلَا كُرْهَ عَلَيْكُمْ. قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الْغَيِّ ٢: ٢٥٦- فَأَدْعُوكُمْ إلَى اللَّهِ وَإِلَى نَبِيِّهِ.
(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْن هِشَام: شطوه: فِرَاخُهُ، وَوَاحِدَتُهُ: شِطْأَةٌ. تَقُولُ الْعَرَبُ: قَدْ أَشْطَأَ الزَّرْعُ، إذَا أَخْرَجَ فِرَاخَهُ. وَآزَرَهُ: عَاوَنَهُ، فَصَارَ الَّذِي قَبْلَهُ مِثْلَ الْأُمَّهَاتِ.
قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ حُجْرٍ الْكِنْدِيُّ:
بمَحْنِيَةٍ قَدْ آزَرَ الضَّالَّ نَبْتُهَا ... مَجَرَّ جُيُوشٍ غَانِمِينَ وَخُيَّبِ [١]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ مَالِكٍ الْأَرْقَطُ، أَحَدُ بَنِي رَبِيعَةَ بْنِ مَالِكِ ابْن زَيْدِ مَنَاةَ:
زَرْعًا وَقَضْبًا مُؤْزَرَ النَّبَاتِ [٢]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ، وَسُوقُهُ (غَيْرُ مَهْمُوزٍ): جَمْعُ سَاقٍ، لِسَاقِ [٣] الشَّجَرَةِ.
(مَا نَزَلَ فِي أَبِي يَاسِرٍ وَأَخِيهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِمَّنْ نَزَلَ فِيهِ الْقُرْآنُ، بِخَاصَّةٍ مِنْ الْأَحْبَارِ وَكُفَّارِ يَهُودَ، الَّذِي كَانُوا يَسْأَلُونَهُ وَيَتَعَنَّتُونَهُ لِيَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ- فِيمَا ذُكِرَ لِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رِئَابٍ- أَنَّ أَبَا يَاسِرِ بْنِ أَخْطَبَ مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ يَتْلُو فَاتِحَةَ الْبَقَرَةِ: الم ذلِكَ الْكِتابُ لَا رَيْبَ فِيهِ ٢: ١- ٢.
------------------------
[١] المحنية: مَا انحنى من الْوَادي وانعطف. والضال: شجر يشبه السدر تعْمل مِنْهُ القسي.
[٢] القضب: الفصفصة الرّطبَة.
[٣] فِي أ: «كساق» .
٣٥- سيرة ابْن هِشَام- ١
فَأَتَى أَخَاهُ حُيَيَّ بْنَ أَخْطَبَ فِي رِجَالٍ مِنْ يَهُودَ، فَقَالَ: تَعْلَمُوا وَاَللَّهِ، لَقَدْ سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَتْلُو فِيمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ: الم ذلِكَ الْكِتابُ ٢: ١- ٢، فَقَالُوا: أَنْتَ سَمِعْتَهُ؟ فَقَالَ: نعم فمثنى حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ فِي أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنْ يَهُودَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، أَلَمْ يُذْكَرْ لَنَا أَنَّكَ تَتْلُو فِيمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ: الم ذلِكَ الْكِتابُ ٢: ١- ٢؟
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَلَى، قَالُوا: أَجَاءَكَ بِهَا جِبْرِيلُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟
فَقَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: لَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ قَبْلَكَ أَنْبِيَاءَ، مَا نَعْلَمُهُ بَيَّنَ لِنَبِيٍّ مِنْهُمْ مَا مُدَّةُ مُلْكِهِ، وَمَا أَكْلُ [١] أُمَّتِهِ غَيْرَكَ، فَقَالَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَأَقْبَلَ عَلَى مَنْ مَعَهُ، فَقَالَ لَهُمْ: الْأَلِفُ وَاحِدَةٌ، وَاللَّامُ ثَلَاثُونَ، وَالْمِيمُ أَرْبَعُونَ، فَهَذِهِ إحْدَى وَسَبْعُونَ سَنَةً، أَفَتَدْخُلُونَ فِي دِينٍ إنَّمَا مُدَّةُ مُلْكِهِ وَأَكْلُ أُمَّتِهِ إحْدَى وَسَبْعُونَ سَنَةً؟ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، هَلْ مَعَ هَذَا غَيْرُهُ؟ قَالَ:
نَعَمْ، قَالَ: مَاذَا؟ قَالَ: المص ٧: ١. قَالَ: هَذِهِ وَاَللَّهِ أَثْقَلُ وَأَطْوَلُ، الْأَلِفُ وَاحِدَةٌ وَاللَّامُ ثَلَاثُونَ، وَالْمِيمُ أَرْبَعُونَ، وَالصَّادُ تِسْعُونَ [٢]، فَهَذِهِ إِحْدَى وستّون [٣] وَمِائَة سَنَةٍ، هَلْ مَعَ هَذَا يَا مُحَمَّدُ غَيْرُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ الر ١٠: ١. قَالَ: هَذِهِ وَاَللَّهِ أَثْقَلُ وَأَطْوَلُ، الْأَلِفُ وَاحِدَةٌ، وَاللَّامُ ثَلَاثُونَ، وَالرَّاءُ مِائَتَانِ، فَهَذِهِ إِحْدَى وَثَلَاثُونَ ومائتان، هَلْ مَعَ هَذَا غَيْرُهُ يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: نَعَمْ المر ١٣: ١. قَالَ: هَذِهِ وَاَللَّهِ أَثْقَلُ وَأَطْوَلُ، الْأَلِفُ وَاحِدَةٌ، وَاللَّامُ ثَلَاثُونَ، وَالْمِيمُ أَرْبَعُونَ، وَالرَّاءُ مِائَتَانِ، فَهَذِهِ إِحْدَى وَسَبْعُونَ وَمِائَتَا سَنَةٍ، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ لُبِّسَ عَلَيْنَا أَمْرُكَ يَا مُحَمَّدُ، حَتَّى مَا نَدْرِي أَقَلِيلًا أُعْطِيتَ أَمْ كَثِيرًا؟ ثُمَّ قَامُوا عَنْهُ، فَقَالَ أَبُو يَاسِرٍ لِأَخِيهِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ وَلِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْأَحْبَارِ: مَا يُدْرِيكُمْ لَعَلَّهُ قَدْ جُمِعَ هَذَا كُلُّهُ لِمُحَمَّدٍ، إحْدَى وَسَبْعُونَ، وَإِحْدَى وَسِتُّونَ وَمِئَةً، وَإِحْدَى وَثَلَاثُونَ ومائتان، وَإِحْدَى وَسَبْعُونَ وَمِئَتَانِ، فَذَلِكَ سَبْعُ مِئَةٍ وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً [٤]، فَقَالُوا: لَقَدْ تَشَابَهَ عَلَيْنَا أَمْرُهُ. فَيَزْعُمُونَ أَنَّ هَؤُلَاءِ
-------------------------
[١] الْأكل (بِالضَّمِّ): الرزق وَالطَّعَام. وَيُرِيد «بِأَكْل أمته»: طول مدتهم.
[٢] فِي أ: «سِتُّونَ»، وَهُوَ خطأ.
[٣] فِي أ: «إِحْدَى وَثَلَاثُونَ»، وَهُوَ خطأ مبْنى على التَّقْدِير السَّابِق للصاد.
[٤] فِي أ: «وَأَرْبع سِنِين»، وَهُوَ خطأ أَيْضا.
الْآيَاتِ نَزَلَتْ فِيهِمْ: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ، وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ٣: ٧. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ سَمِعْتُ مَنْ لَا أَتَّهِمُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَذْكُرُ: أَنَّ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ إنَّمَا أُنْزِلْنَ فِي أَهْلِ نَجْرَانَ، حَيْنَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَسْأَلُونَهُ عَنْ عِيسَى بن مَرْيَمَ عليه السلام.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، أَنَّهُ قَدْ سَمِعَ: أَنَّ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ إنَّمَا أُنْزِلْنَ فِي نَفَرٍ مِنْ يَهُودَ، وَلَمْ يُفَسِّرْ ذَلِكَ لِي. فاللَّه أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ.
(كُفْرُ الْيَهُودِ بِهِ ﷺ بَعْدَ اسْتِفْتَاحِهِمْ بِهِ، وَمَا نَزَلَ فِي ذَلِكَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ فِيمَا بَلَغَنِي عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ ابْن جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ يَهُودَ كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، فَلَمَّا بَعَثَهُ اللَّهُ مِنْ الْعَرَبِ كَفَرُوا بِهِ، وَجَحَدُوا مَا كَانُوا يَقُولُونَ فِيهِ. فَقَالَ لَهُمْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ. وَبِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، اتَّقُوا اللَّهَ وَأَسْلِمُوا، فَقَدْ كُنْتُمْ تَسْتَفْتِحُونَ عَلَيْنَا بِمُحَمَّدٍ وَنَحْنُ أَهْلُ شِرْكٍ، وَتُخْبِرُونَنَا أَنَّهُ مَبْعُوثٌ، وَتَصِفُونَهُ لَنَا بِصِفَّتِهِ، فَقَالَ سَلَامُ بْنُ مِشْكَمٍ، أَحَدُ بَنِي النَّضِيرِ: مَا جَاءَنَا بِشَيْءٍ نَعْرِفُهُ، وَمَا هُوَ بِاَلَّذِي كُنَّا نَذْكُرُهُ لَكُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا، فَلَمَّا جاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ ٢: ٨٩.
(مَا نَزَلَ فِي نُكْرَانِ مَالِكِ بْنِ الصَّيْفِ الْعَهْدَ إلَيْهِمْ بِالنَّبِيِّ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ مَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ [١]، حَيْنَ بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، - وَذَكَرَ لَهُمْ مَا أُخِذَ عَلَيْهِمْ لَهُ مِنْ الْمِيثَاقِ، وَمَا عَهِدَ اللَّهُ إلَيْهِمْ فِيهِ:
وَاَللَّهِ مَا عُهِدَ إلَيْنَا فِي مُحَمَّدٍ عَهْدٌ، وَمَا أُخِذَ لَهُ عَلَيْنَا مِنْ مِيثَاقٍ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ:
------------------------
[١] فِي أ: «الضَّيْف» بالضاد الْمُعْجَمَة، وهما رِوَايَتَانِ فِيهِ.
أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ٢: ١٠٠
(مَا نَزَلَ فِي قَوْلِ أَبِي صَلُوبا: «مَا جِئْتنَا بِشَيْءٍ نَعْرِفُهُ»):
وَقَالَ أَبُو [١] صَلُوبا الْفَطْيُونِيُّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يَا مُحَمَّدُ، مَا جِئْتَنَا بِشَيْءٍ نَعْرِفُهُ، وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِنْ آيَةٍ فَنَتَّبِعَكَ لَهَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ ٢: ٩٩.
(مَا نَزَلَ فِي قَوْلِ ابْنِ حُرَيْمِلَةَ وَوَهْبٍ):
وَقَالَ رَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ، وَوَهْبُ بْنُ زَيْدٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ:
يَا مُحَمَّدُ، ائْتِنَا بِكِتَابٍ تُنَزِّلُهُ عَلَيْنَا مِنْ السَّمَاءِ نَقْرَؤُهُ، وَفَجِّرْ لَنَا أَنَهَارًا نَتَّبِعْكَ وَنُصَدِّقْكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمَا: أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ، وَمن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ ٢: ١٠٨.
(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: سَوَاءُ السَّبِيلِ: وَسَطُ السَّبِيلِ. قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
يَا وَيْحَ أَنْصَارِ النَّبِيِّ وَرَهْطِهِ ... بَعْدَ الْمُغَيَّبِ فِي سَوَاءِ الْمُلْحَدِ [٢]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ سَأَذْكُرُهَا فِي مَوْضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى:
(مَا نَزَلَ فِي صَدِّ حُيَيٍّ وَأَخِيهِ النَّاسَ عَنْ الْإِسْلَامِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ وَأَخُوهُ أَبُو يَاسِرِ بْنِ أَخْطَبَ، مِنْ أَشَدِّ يَهُودَ لِلْعَرَبِ حَسَدًا، إذْ خَصَّهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِرَسُولِهِ ﷺ، وَكَانَا جَاهِدَيْنِ فِي رَدِّ النَّاسِ عَنْ الْإِسْلَامِ بِمَا اسْتَطَاعَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمَا: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ، فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ، إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ٢: ١٠٩.
----------------------------
[١] فِي م، ر: «ابْن» .
[٢] الملحد: الْقَبْر.
(تَنَازُعُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى عِنْدَ الرَّسُولِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا قَدِمَ أَهْلُ نَجْرَانَ مِنْ النَّصَارَى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَتَتْهُمْ أَحْبَارُ يَهُودَ، فَتَنَازَعُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ رَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ: مَا أَنْتُمْ عَلَى شَيْءٍ، وَكَفَرَ بِعِيسَى وَبِالْإِنْجِيلِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ مِنْ النَّصَارَى لِلْيَهُودِ: مَا أَنْتُمْ عَلَى شَيْءٍ، وَجَحَدَ نُبُوَّةَ مُوسَى وَكَفَرَ بِالتَّوْرَاةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ، وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ، وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ، كَذلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ، فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ٢: ١١٣، أَيْ كُلٌّ يَتْلُو فِي كِتَابِهِ تَصْدِيقَ مَا كَفَرَ بِهِ، أَيْ يَكْفُرُ الْيَهُودُ بِعِيسَى، وَعِنْدَهُمْ التَّوْرَاةُ فِيهَا مَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَلَى لِسَانِ مُوسَى عليه السلام بِالتَّصْدِيقِ بِعِيسَى عليه السلام، وَفِي الْإِنْجِيلِ مَا جَاءَ بِهِ عِيسَى عليه السلام، مِنْ تَصْدِيقِ مُوسَى عليه السلام، وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ التَّوْرَاةِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَكُلٌّ يَكْفُرُ بِمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ.
(مَا نَزَلَ فِي طَلَبِ ابْنِ حُرَيْمِلَةَ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ رَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ:
يَا مُحَمَّدُ، إنْ كُنْتَ رَسُولًا مِنْ اللَّهِ كَمَا تَقُولُ، فَقُلْ للَّه فَلْيُكَلِّمْنَا حَتَّى نَسْمَعَ كَلَامَهُ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: وَقال الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ، أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ، قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ٢: ١١٨.
(مَا نَزَلَ فِي سُؤَالِ ابْنِ صُورِيَّا لِلنَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام بِأَنْ يَتَهَوَّدَ):
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَّا الْأَعْوَرُ الْفَطْيُونِيُّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ:
مَا الْهُدَى إلَّا مَا نَحْنُ عَلَيْهِ، فَاتَّبِعْنَا يَا مُحَمَّدُ تَهْتَدِ، وَقَالَتْ النَّصَارَى مِثْلَ ذَلِكَ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صُورِيَّا وَمَا قَالَتْ النَّصَارَى: وَقالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا، قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ٢: ١٣٥. ثُمَّ الْقِصَّةَ إلَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ،
لَها مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ، وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ٢: ١٣٤.
(مَقَالَةُ الْيَهُودِ عِنْدَ صَرْفِ الْقِبْلَةِ إلَى الْكَعْبَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا صُرِفَتْ الْقِبْلَةُ عَنْ الشَّامِ إلَى الْكَعْبَةِ، وَصُرِفَتْ فِي رَجَبٍ عَلَى رَأْسِ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رِفَاعَةُ بْنُ قَيْسٍ، وَقَرْدَمُ بْنُ عَمْرٍو، وَكَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ، وَرَافِعُ بْنُ أَبِي رَافِعٍ، وَالْحَجَّاجُ بْنُ عَمْرٍو، حَلِيفُ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، وَالرَّبِيعُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَكِنَانَةُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، فَقَالُوا:
يَا مُحَمَّدُ، مَا وَلَّاكَ عَنْ قِبْلَتِكَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا وَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ عَلَى مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ وَدِينِهِ؟ ارْجِعْ إلَى قِبْلَتِكَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا نَتَّبِعْكَ وَنُصَدِّقْكَ، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ فِتْنَتَهُ عَنْ دِينِهِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ، يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ، وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا. وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ ٢: ١٤٢- ١٤٣، أَيْ ابْتِلَاءً وَاخْتِبَارًا وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ٢: ١٤٣، أَيْ مِنْ الْفِتَنِ: أَيْ الَّذِينَ ثَبَّتَ اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ ٢: ١٤٣، أَيْ إيمَانَكُمْ بِالْقِبْلَةِ الْأُولَى، وَتَصْدِيقَكُمْ نَبِيَّكُمْ، وَاتِّبَاعَكُمْ إيَّاهُ إلَى الْقِبْلَةِ الْآخِرَةِ، وَطَاعَتَكُمْ نَبِيَّكُمْ فِيهَا: أَيْ لَيُعْطِيَنَّكُمْ أَجْرَهُمَا جَمِيعًا إِنَّ الله بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ٢: ١٤٣.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها، فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ٢: ١٤٤.
(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: شَطْرَهُ: نَحْوَهُ وَقَصْدَهُ. قَالَ عَمْرُو بْنُ أَحْمَرَ الْبَاهِلِيُّ- وَبَاهِلَةُ ابْن يَعْصِرَ بْنِ سَعْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ- يَصِفُ نَاقَةً لَهُ:
تَعْدُو بِنَا شَطْرَ جَمْعٍ وَهِيَ عَاقِدَةٌ ... قَدْ كارَبَ الْعَقْدُ مِنْ إيفَادِهَا الْحَقَبَا [١]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
وَقَالَ قَيْسُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الْهُذَلِيُّ يَصِفُ نَاقَتَهُ:
إنَّ النَّعُوسَ [٢] بِهَا دَاءٌ مُخَامِرُهَا ... فَشَطْرَهَا نَظَرُ الْعَيْنَيْنِ مَحْسُورُ [٣]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ [٤]:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَالنَّعُوسُ: نَاقَتُهُ، وَكَانَ بِهَا دَاءٌ فَنَظَرَ إلَيْهَا نَظَرَ حَسِيرٍ، مِنْ قَوْلِهِ: وَهُوَ حَسِيرٌ.
وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ، وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ. وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ، وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ، وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ، وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ، إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ٢: ١٤٤- ١٤٥.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ- فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ٢: ١٤٧.
(كِتْمَانُهُمْ مَا فِي التَّوْرَاةِ مِنْ الْحَقِّ):
وَسَأَلَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ، وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، أَخُو بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، أَخُو بَلْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، نَفَرًا مِنْ أَحْبَارِ يَهُودَ عَنْ بَعْضِ.
مَا فِي التَّوْرَاةِ، فَكَتَمُوهُمْ إيَّاهُ، وَأَبَوْا أَنْ يُخْبِرُوهُمْ عَنْهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ:
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ٢: ١٥٩.
----------------------
[١] عاقدة: يصف نَاقَته بِأَنَّهَا عقدت ذنبها بَين فخذيها، وَذَلِكَ أول مَا تحمل. والإيفاد: الإشراف.
والحقب: حَبل يشد بِهِ الرحل إِلَى بطن الْبَعِير.
[٢] النعوس: الْكَثِيرَة النعاس. ويروى: «العسير»، وَهِي النَّاقة الَّتِي تركب قبل أَن ترَاض وتلين
[٣] مخامرها: مخالطها. ومحسور: أَي معجز.
[٤] هَذِه الْعبارَة سَاقِطَة فِي أ.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|