
07-01-2026, 03:48 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,962
الدولة :
|
|
رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله

السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (25)
صــ 221إلى صــ 230
الدِّينِ الَّذِي تَبْتَغِي، فَهُوَ يُخْبِرُكَ عَنْهُ. قَالَ سَلْمَانُ: فَخَرَجْتُ حَتَّى أَتَيْتُ حَيْثُ وُصِفَ لِي، فَوَجَدْتُ النَّاسَ قَدْ اجْتَمَعُوا بِمَرْضَاهُمْ هُنَالِكَ، حَتَّى خَرَجَ لَهُمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، مُسْتَجِيزًا مِنْ إحْدَى الْغَيْضَتَيْنِ إلَى أُخْرَى، فَغَشِيَهُ النَّاسُ بِمَرْضَاهُمْ، لَا يَدْعُو لِمَرِيضٍ إلَّا شُفِيَ، وَغَلَبُونِي عَلَيْهِ، فَلَمْ أَخْلُصْ إلَيْهِ حَتَّى دَخَلَ الْغَيْضَةَ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ، إلَّا مَنْكِبِهِ. قَالَ: فَتَنَاوَلْتُهُ: فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ وَالْتَفَتَ إلَيَّ، فَقُلْتُ:
يَرْحَمُكَ اللَّهُ، أَخْبِرْنِي عَنْ الْحَنِيفِيَّةِ دِينِ إبْرَاهِيمَ. قَالَ: إنَّكَ لَتَسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ مَا يَسْأَلُ عَنْهُ النَّاسُ الْيَوْمَ، قَدْ أَظَلَّكَ زَمَانُ نَبِيٍّ يُبْعَثُ بِهَذَا الدِّينِ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ، فَأْتِهِ فَهُوَ يَحْمِلُكَ عَلَيْهِ. قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِسَلْمَانَ: لَئِنْ كُنْتَ صَدَّقْتَنِي يَا سَلْمَانُ، لَقَدْ لَقِيتُ عِيسَى بن مَرْيَمَ [١]، عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ السَّلَامُ.
ذِكْرُ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ وَعُثْمَانَ بْنِ الْحُوَيْرِثِ وَزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ [٢]
(بَحْثُهُمْ فِي الْأَدْيَانِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَاجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ يَوْمًا فِي عِيدٍ لَهُمْ عِنْدَ صَنَمٍ مِنْ أَصْنَامِهِمْ، كَانُوا يُعَظِّمُونَهُ وَيَنْحَرُونَ لَهُ، وَيَعْكُفُونَ عِنْدَهُ، وَيُدِيرُونَ [٣] بِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ عِيدًا لَهُمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْمًا، فَخَلَصَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ نَفَرٍ نَجِيًّا [٤]، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَصَادَقُوا وَلْيَكْتُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ، قَالُوا: أَجَلْ. وَهُمْ: وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ،
----------------------------
[١] قَالَ السهيليّ عِنْد الْكَلَام على هَذَا الحَدِيث: «إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث مَقْطُوع. وَفِيه رجل مَجْهُول، وَيُقَال إِن الرجل هُوَ الْحسن بن عمَارَة، وَهُوَ ضَعِيف بِإِجْمَاع مِنْهُم فان صَحَّ الحَدِيث فَلَا نَكَارَة فِي مَتنه» .
ثمَّ تصدى السهيليّ لتأييده على فرض صِحَّته نَاقِلا عَن الطَّبَرِيّ فِي كَلَام طَوِيل رَأينَا أَن نجتزئ هُنَا بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهِ.
[٢] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَفِي أ: «أَمر النَّفر الْأَرْبَعَة المتفرقين فِي عبَادَة الْأَوْثَان فِي طلب الْأَدْيَان» .
[٣] فِي أ: «يدورون» . وهما بِمَعْنى.
[٤] النجي: الْجَمَاعَة يتحدثون سرا عَن غَيرهم، وَيَقَع للاثنين وَالْجَمَاعَة بِلَفْظ وَاحِد.
وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشِ بْنِ رِئَابِ بْنِ يَعْمُرَ بْنِ صَبْرَةَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَبِيرِ بْنِ غَنْمِ ابْن دُودَانَ [١] بْنِ أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَكَانَتْ أُمُّهُ أُمَيْمَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعُثْمَانِ ابْن الْحُوَيْرِثِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ، وَزَيْدِ [٢] بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلِ ابْن عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطِ بْنِ رِيَاحِ [٣] بْنِ رَزَاحِ [٤] بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ ابْن لُؤَيٍّ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَعَلَّمُوا وَاَللَّهِ مَا قَوْمُكُمْ عَلَى شَيْءٍ! لَقَدْ أَخْطَئُوا دِينَ أَبِيهِمْ إبْرَاهِيمَ! مَا حَجَرٌ نُطِيفُ بِهِ، لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ، وَلَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ، يَا قَوْمِ الْتَمِسُوا لِأَنْفُسِكُمْ (دِينًا) [٥]، فَإِنَّكُمْ وَاَللَّهِ مَا أَنْتُمْ عَلَى شَيْءٍ. فَتَفَرَّقُوا فِي الْبُلْدَانِ يَلْتَمِسُونَ الْحَنِيفِيَّةَ، دِينَ إبْرَاهِيمَ.
(مَا وَصَلَ إلَيْهِ وَرَقَةُ وَابْنُ جَحْشٍ):
فَأَمَّا وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ فَاسْتَحْكَمَ فِي النَّصْرَانِيَّةِ، وَاتَّبَعَ الْكُتُبَ مِنْ أَهْلِهَا، حَتَّى عَلِمَ عِلْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَأَمَّا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ، فَأَقَامَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ الِالْتِبَاسِ حَتَّى أَسْلَمَ، ثُمَّ هَاجَرَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ إلَى الْحَبَشَةِ، وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ مُسْلِمَةً، فَلَمَّا قَدِمَهَا تَنَصَّرَ، وَفَارَقَ الْإِسْلَامَ، حَتَّى هَلَكَ هُنَالِكَ نَصْرَانِيًّا.
(مَا كَانَ يَفْعَلُهُ ابْنُ جَحْشٍ بَعْدَ تَنَصُّرِهِ بِمُسْلِمِي الْحَبَشَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: كَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ ابْن جَحْشٍ حِينَ تَنَصَّرَ يَمُرُّ بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُمْ هُنَالِكَ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَيَقُولُ: فَقَّحْنَا وَصَأْصَأْتُمْ، أَيْ أَبْصَرْنَا وَأَنْتَمِ تَلْتَمِسُونَ الْبَصَرَ،
------------------------------
[١] كَذَا فِي أوالقاموس وَشَرحه. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «داودان» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٢] وَأم زيد: الحيداء بنت خَالِد الفهمية، وَهِي امْرَأَة جده نفَيْل، ولدت لَهُ الْخطاب، فَهُوَ أَخُو الْخطاب لأمه وَابْن أُخْته، وَكَانَ ذَلِك مُبَاحا فِي الْجَاهِلِيَّة. (رَاجع الرَّوْض) .
[٣] الْمَعْرُوف فِي نسب عمر بن الْخطاب، وَهُوَ ابْن عَم زيد بن عَمْرو، أَنه: عمر بن الْخطاب بن نفَيْل بن ريَاح بن عبد الله بن قرط بن رزاح، بِتَقْدِيم «ريَاح» على «عبد الله» . (رَاجع الرَّوْض الْأنف)
[٤] رزاح: بِفَتْح الرَّاء. وَقيل بِكَسْرِهَا، وَقيل: إِن الّذي بِالْكَسْرِ هُوَ رزاح بن ربيعَة، أَخُو قصي لأمه. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٥] زِيَادَة عَن أ.
وَلَمْ تُبْصِرُوا بَعْدُ. وَذَلِكَ أَنَّ وَلَدَ الْكَلْبِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَفْتَحَ عَيْنَيْهِ لِيَنْظُرَ، صَأْصَأَ لِيَنْظُرَ. وَقَوْلُهُ: فَقَّحَ: فَتَّحَ عَيْنَيْهِ.
(زَوَاجُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ امْرَأَةِ ابْنِ جَحْشٍ بَعْدَ مَوْتِهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَخَلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَهُ عَلَى امْرَأَتِهِ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ فِيهَا إلَى النَّجَاشِيِّ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ، فَخَطَبَهَا عَلَيْهِ النَّجَاشِيُّ، فَزَوَّجَهُ إيَّاهَا، وَأَصْدَقَهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَ ماِئَةِ دِينَارٍ. فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: مَا نَرَى عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ وَقَفَ صَدَاقَ النِّسَاءِ عَلَى أَرْبَعِ ماِئَةِ دِينَارٍ إلَّا عَنْ ذَلِكَ. وَكَانَ الَّذِي أَمْلَكَهَا النَّبِيَّ [١] ﷺ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ ابْن الْعَاصِ.
(تَنَصُّرُ ابْنِ الْحُوَيْرِثِ، وَذَهَابُهُ إلَى قَيْصَرَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَمَّا عُثْمَانُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ فَقَدِمَ عَلَى قَيْصَرَ مَلِكِ الرّوم، فتنصّر وحسلت مَنْزِلَتُهُ عِنْدَهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَلِعُثْمَانَ بْنِ الْحُوَيْرِثِ عِنْدَ قَيْصَرَ حَدِيثٌ، مَنَعَنِي مِنْ ذِكْرِهِ مَا ذَكَرْتُ فِي حَدِيثِ حَرْبِ الْفِجَارِ
[٢] .
(زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو وَمَا وَصَلَ إلَيْهِ، وَشَيْءٌ عَنْهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَمَّا زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ فَوَقَفَ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي يَهُودِيَّةٍ وَلَا نَصْرَانِيَّةٍ، وَفَارَقَ دِينَ قَوْمِهِ، فَاعْتَزَلَ الْأَوْثَانَ وَالْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَالذَّبَائِحَ الَّتِي
-----------------------------
[١] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «للنّبيّ» . وَالْمَعْرُوف أَن: «أملك» . تتعدى إِلَى مفعولين.
[٢] وَهَذَا الحَدِيث هُوَ أَن قَيْصر كَانَ قد توج عُثْمَان وولاه أَمر مَكَّة، فَلَمَّا جَاءَهُم بذلك أنفوا من أَن يدينوا لملك، وَصَاح الْأسود بن أَسد بن عبد الْعُزَّى: أَلا إِن مَكَّة حَيّ لقاح لَا تدين لملك، فَلم يتم لَهُ مُرَاده، وَقيل غير هَذَا.
وَكَانَ يُقَال لعُثْمَان هَذَا: البطريق، وَلَا عقب لَهُ، وَمَات بِالشَّام مسموما، سمه عَمْرو بن جَفْنَة الغساني الْملك. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
تُذْبَحُ عَلَى الْأَوْثَانِ [١] وَنَهَى عَنْ قَتْلِ الْمَوْءُودَةِ [٢]، وَقَالَ: أَعْبُدُ رَبَّ إبْرَاهِيمَ، وَبَادَى قَوْمَهُ بِعَيْبِ مَا هُمْ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُمِّهِ أَسَمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما، قَالَتْ: لَقَدْ رَأَيْتُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ شَيْخًا كَبِيرًا مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إلَى الْكَعْبَةِ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، وَاَلَّذِي نَفْسُ زَيْدِ ابْن عَمْرٍو بِيَدِهِ، مَا أَصْبَحَ مِنْكُمْ أَحَدٌ عَلَى دِينِ إبْرَاهِيمَ غَيْرِي، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهمّ لَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَيَّ الْوُجُوهِ أَحَبُّ إلَيْكَ عَبَدَتْكَ بِهِ، وَلَكِنِّي لَا أَعْلَمُهُ، ثُمَّ يَسْجُدُ عَلَى رَاحَتِهِ.
-----------------------------
[١] قَالَ السهيليّ بعد مَا تعرض للْكَلَام على ترك زيد لما ذبح على النصب: «وَفِيه سُؤال، يُقَال: كَيفَ وفْق الله زيدا إِلَى ترك أكل مَا ذبح على النصب، وَمَا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ، وَرَسُول الله ﷺ كَانَ أولى بِهَذِهِ الْفَضِيلَة فِي الْجَاهِلِيَّة؟ فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه لَيْسَ فِي الحَدِيث حِين لقِيه ببلدح (يُشِير إِلَى لِقَاء رَسُول الله ﷺ ببلدح قبل أَن ينزل الْوَحْي، فَقدمت إِلَى النَّبِي ﷺ سفرة، فَأبى زيد أَن يَأْكُل مِنْهَا، وَقَالَ: إِنِّي لست آكل مَا يذبح على النصب، وَلَا آكل إِلَّا مَا ذكر اسْم الله عَلَيْهِ)، فَقدمت إِلَيْهِ السفرة أَن رَسُول الله ﷺ أكل مِنْهَا، وَإِنَّمَا فِي الحَدِيث أَن زيدا قَالَ حِين قدمت السفرة: لَا آكل مِمَّا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ.
الْجَواب الثَّانِي: أَن زيدا إِنَّمَا فعل ذَلِك بِرَأْي رَآهُ، لَا بشرع مُتَقَدم، وَإِنَّمَا تقدم شرع إِبْرَاهِيم بِتَحْرِيم الْميتَة، لَا بِتَحْرِيم مَا ذبح لغير الله وَإِنَّمَا نزل تَحْرِيم ذَلِك فِي الْإِسْلَام. وَبَعض الْأُصُولِيِّينَ يَقُول: الْأَشْيَاء قبل وُرُود الشَّرْع على الْإِبَاحَة، فَإِن قُلْنَا بِهَذَا، وَقُلْنَا: إِن رَسُول الله ﷺ كَانَ يَأْكُل مِمَّا ذبح على النصب، فَإِنَّمَا فعل أمرا مُبَاحا، وَإِن كَانَ لَا يَأْكُل مِنْهُ فَلَا إِشْكَال. وَإِن قُلْنَا أَيْضا: إِنَّهَا لَيست على الْإِبَاحَة، وَلَا على التَّحْرِيم، وَهُوَ الصَّحِيح، فالذبائح خَاصَّة لَهَا أصل فِي تَحْلِيل الشَّرْع الْمُتَقَدّم كالشاة وَالْبَعِير، وَنَحْو ذَلِك، مِمَّا أحله الله تَعَالَى فِي دين من كَانَ قبلنَا، وَلم يقْدَح فِي ذَلِك التَّحْلِيل الْمُتَقَدّم مَا ابتدعوه حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَام، وَأنزل الله سُبْحَانَهُ: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ الله عَلَيْهِ ٦: ١٢١.
أَلا ترى كَيفَ بقيت ذَبَائِح أهل الْكتاب عندنَا على أصل التَّحْلِيل بِالشَّرْعِ الْمُتَقَدّم وَلم يقْدَح فِي ذَلِك التَّحْلِيل مَا أحدثوه من الْكفْر وَعبادَة الصلبان، فَكَذَلِك كَانَ مَا ذبحه أهل الْأَوْثَان محلا بِالشَّرْعِ الْمُتَقَدّم، حَتَّى خصّه الْقُرْآن بِالتَّحْرِيمِ.
[٢] وَكَانَ زيد- فِيمَا يُقَال- يَقُول للرجل إِذا أَرَادَ أَن يقتل ابْنَته: لَا تقتلها، أكفيك مئونتها، فيأخذها، فَإِذا ترعرعت قَالَ لأَبِيهَا: إِن شِئْت دفعتها إِلَيْك، وَإِن شِئْت كفيتك مئونتها.
وَقد كَانَ صعصعة بن مُعَاوِيَة جد الفرزدق رحمه الله يفعل مثل ذَلِك، وَلما أسلم سَأَلَ رَسُول الله ﷺ: هَل لي فِي ذَلِك أجر؟ فَقَالَ: لَك من أجره إِذْ من الله عَلَيْك بِالْإِسْلَامِ. وَفِي الْفَخر بِمُعَاوِيَة يَقُول الفرزدق:
وَمنا الّذي منع الوائدات ... وَأَحْيَا الوئيد فَلم يوأد
١٥- سيرة ابْن هِشَام- ١
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحُدِّثْتُ أَنَّ ابْنَهُ، سَعِيدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّهِ، قَالَا لرَسُول الله ﷺ: أنستغفر [١] لِزَيْدِ بْنِ عَمْرٍو؟ قَالَ: نَعَمْ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ أُمَّةً وَحْدَهُ.
(شِعْرُ زَيْدٍ فِي فِرَاقِ دِينِ قَوْمِهِ):
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ فِي فِرَاقِ دِينِ قَوْمِهِ، وَمَا كَانَ لَقِيَ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ:
أَرَبًّا وَاحِدًا أَمْ أَلْفَ رَبٍّ ... أَدِينُ إذَا تُقُسِّمَتْ الْأُمُورُ
عَزَلْتُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى [٢] جَمِيعًا ... كَذَلِكَ يَفْعَلُ الْجَلْدُ الصَّبُورُ
فَلَا الْعُزَّى أَدِينُ وَلَا ابْنَتَيْهَا ... وَلَا صَنَمَيْ بَنِي عَمْرٍو أَزُورُ [٣]
وَلَا هُبَلًا أَدِينُ وَكَانَ رَبًّا [٤] ... لَنَا فِي الدَّهْرِ إذْ حِلْمِي يَسِيرُ
عَجِبْتُ وَفِي اللَّيَالِي مُعْجَبَاتٌ ... وَفِي الْأَيَّامِ يَعْرِفُهَا الْبَصِيرُ
بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَفْنَى رِجَالًا ... كَثِيرًا كَانَ شَأْنَهُمْ الْفُجُورُ [٥]
وَأَبْقَى آخَرِينَ بِبِرِّ قَوْمٍ ... فَيَرْبِلُ مِنْهُمْ الطِّفْلُ الصَّغِيرُ [٦]
-----------------------------
[١] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أسْتَغْفر» .
[٢] وَكَانَت الْعُزَّى نخلات مجتمعة، وَكَانَ عَمْرو بن لحي قد أخْبرهُم، فِيمَا ذكر، أَن الرب يشتى بِالطَّائِف عِنْد اللات، ويصيف بالعزى، فعظموها وَبَنُو لَهَا بَيْتا، وَكَانُوا يهْدُونَ لَهَا كَمَا يهْدُونَ إِلَى الْكَعْبَة، وَهِي الَّتِي بعث رَسُول الله ﷺ خَالِد بن الْوَلِيد ليهدمها، فَقَالَ لَهُ سادنها: يَا خَالِد احذرها فإنّها تجذع وتكتع، فَهَدمهَا خَالِد، وَترك مِنْهَا جذمها وأساسها، فَقَالَ قيمها: وَالله لتعودن ولتنتقمن مِمَّن فعل بهَا هَذَا، ثمَّ كَانَ أَن أَمر رَسُول الله ﷺ خَالِدا باستئصال بقيتها، فَفعل.
[٣] كَذَا فِي الْأُصُول: يُرِيد قبيل أَبِيه. وَفِي الْأَصْنَام لِابْنِ الْكَلْبِيّ (ص ٢٢)، وبلوغ الأرب (ج ٢ ص ٢٢٠): «بنى غنم» .
[٤] كَذَا فِي كتاب الْأَصْنَام لِابْنِ الْكَلْبِيّ، وهبل (كصرد): صنم لَهُم. وَقد تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ، وَفِي جَمِيع الْأُصُول: «وَلَا غنما» . وَلم نجد بَين أصنام الْعَرَب صنما لَهُ هَذَا الِاسْم.
[٥] رِوَايَة هَذَا الْبَيْت فِي الأغاني:
ألم تعلم بِأَن الله أفنى ... رجَالًا كَانَ شَأْنهمْ الْفُجُور
[٦] كَذَا فِي الْأُصُول وبلوغ الأرب. وربل الطِّفْل يربل (من بَابي نصر وَضرب): إِذا شب وَعظم وَكبر. وَفِي الأغاني: «فيربو» .
وَبَيْنَا الْمَرْءُ يَفْتَرُّ [١] ثَابَ [٢] يَوْمًا ... كَمَا يُتَرَوَّحُ الْغُصْنُ الْمَطِيرُ [٣]
وَلَكِنْ أَعْبُدُ الرَّحْمَنَ رَبِّي ... لِيَغْفِرَ ذَنْبِي الرَّبُّ الْغَفُورُ
فَتَقْوَى الله ربّكم احفظ هَا ... مَتَى مَا تَحْفَظُوهَا لَا تَبُورُوا
تَرَى الْأَبْرَارَ دَارُهُمْ جِنَانٌ ... وَلِلْكَفَّارِ حَامِيَةً سَعِيرُ
وَخِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ وَإِنْ يَمُوتُوا ... يُلَاقُوا مَا تَضِيقُ بِهِ الصُّدُورُ
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنُ نُفَيْلٍ أَيْضًا- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هِيَ لِأُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ، إلَّا الْبَيْتَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَالْبَيْتَ الْخَامِسَ وَآخِرَهَا بَيْتًا. وَعَجُزُ الْبَيْتِ الْأَوَّلِ عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ-:
إلَى اللَّهِ أُهْدِي مِدْحَتِي وَثَنَائِيَا ... وَقَوْلًا رَصِينًا [٤] لَا يَنِي الدَّهْرَ بَاقِيَا [٥]
إلَى الْمَلِكِ الْأَعْلَى الَّذِي لَيْسَ فَوْقه ... إِلَه وَلَا رَبٌّ يَكُونُ مُدَانِيَا
أَلَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إيَّاكَ وَالرَّدَى [٦] ... فَإِنَّكَ لَا تُخْفِي مِنْ اللَّهِ خَافِيَا
وَإِيَّاكَ لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ ... فَإِنَّ سَبِيلَ الرُّشْدِ أَصْبَحَ بَادِيَا
حَنَانَيْكَ [٧] إنَّ الْحِنَّ [٨] كَانَتْ رجاءهم ... وَأَنت إلهي رَبَّنَا وَرَجَائِيَا
----------------------------
[١] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول والأغاني وبلوغ الأرب. وَفِي أ: «يفتر» . وفتر الشَّيْء يفتر (من بَابي نصر وَضرب): سكن بعد حِدته، ولان بعد شدته وَضعف.
[٢] ثاب: رَجَعَ.
[٣] يتروح: يَهْتَز ويخضر، وينبت ورقه بعد سُقُوطه.
[٤] كَذَا فِي أ. والرصين: الثَّابِت الْمُحكم. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «وقولا رَضِينَا» .
[٥] لَا ينى: لَا يفتر وَلَا يضعف.
[٦] الردى: الْهَلَاك وَالْمَوْت، وَلَيْسَ المُرَاد تحذيره الْمَوْت، وَإِنَّمَا المُرَاد تحذيره مَا يأتى بِهِ الْمَوْت ويبديه ويكشفه من جَزَاء الْأَعْمَال.
[٧] حنانيك: أَي حنانا بعد حنان، كَأَنَّهُمْ ذَهَبُوا إِلَى التَّضْعِيف والتكرار، لَا إِلَى الْقصر على اثْنَيْنِ خَاصَّة دون مزِيد، وَيجوز أَن يكون المُرَاد: حنانا فِي الدُّنْيَا وَحَنَانًا فِي الْآخِرَة، وَإِذا خُوطِبَ بِهَذَا اللَّفْظ مَخْلُوق، كَقَوْل طرفَة:
حنانيك بعض الشَّرّ أَهْون من بعض
فَإِنَّمَا يُرِيد حنان دفع، وحنان نفع، لِأَن كل من أمل ملكا، فَإِنَّمَا يؤمله ليدفع عَنهُ ضيرا أَو ليجلب إِلَيْهِ خيرا.
[٨] قَوْله: إِن الحن. قَالَ فِي الْقَامُوس: «والحن (بِالْكَسْرِ): حَيّ من الْجِنّ، مِنْهُم الْكلاب السود البهم، أَو سفلَة الْجِنّ وضعفاؤهم، أَو كلابهم، أَو خلق بَين الْجِنّ وَالْإِنْس» انْتهى.
رَضِيتُ بِكَ اللَّهمّ رَبًّا فَلَنْ أرى ... أدين إِلَهًا [١] غَيْرَكَ اللَّهُ [٢] ثَانِيَا
(أَدِينُ لِرَبٍّ يُسْتَجَابُ وَلَا أَرَى ... أَدِينُ لِمَنْ لَمْ يَسْمَعْ الدَّهْرَ دَاعِيَا) [٣]
وَأَنْتَ الَّذِي مِنْ فَضْلِ مَنٍّ وَرَحْمَةٍ ... بَعَثْتَ إلَى مُوسَى رَسُولًا مُنَادِيَا
فَقُلْتُ لَهُ يَا اذْهَبْ [٤] وَهَارُونَ [٥] فَادْعُوَا ... إلَى اللَّهِ فِرْعَوْنَ الَّذِي كَانَ طَاغِيَا
وَقُولَا لَهُ: أَأَنْتَ سَوَّيْتَ هَذِهِ [٦] ... بِلَا وَتَدٍ حَتَّى اطْمَأَنَّتْ كَمَا هِيَا
وَقُولَا لَهُ: أَأَنْتَ رَفَّعْتَ هَذِهِ [٧] ... بِلَا عُمُدٍ أَرْفِقْ إذَا بِكَ بَانِيَا [٨]
وَقُولَا لَهُ: أَأَنْتَ سَوَّيْتَ وَسْطَهَا ... مُنِيرًا إذَا مَا جَنَّهُ اللَّيْلُ هَادِيَا
وَقُولَا لَهُ: مَنْ يُرْسِلُ الشَّمْسَ غُدْوَةً ... فَيُصْبِحُ مَا مَسَّتْ مِنْ الْأَرْضِ ضَاحِيَا
وَقُولَا لَهُ: مَنْ يُنْبِتُ الْحَبَّ فِي الثَّرَى ... فَيُصْبِحُ مِنْهُ الْبَقْلُ يَهْتَزُّ رَابِيَا [٩]
وَيُخْرِجُ مِنْهُ حَبَّهُ فِي رُءُوسِهِ ... وَفِي ذَاكَ آيَاتٌ لِمَنْ كَانَ وَاعِيَا
وَأَنْتَ بِفَضْلٍ مِنْكَ نَجَّيْتَ يُونُسَا ... وَقَدْ بَاتَ فِي أَضْعَافِ حُوتٍ لَيَالِيَا
وَإِنِّي [١٠] (وَ) [١١] لَوْ سَبَّحْتُ بِاسْمِكَ رَبَّنَا ... لَأُكْثِرُ، إلَّا مَا غَفَرْتَ، خَطَائِيَا [١٢]
------------------------------
[١] أدين إِلَهًا: أَي أدين لإله، وَحذف اللَّام وعدي الْفِعْل، لِأَنَّهُ فِي معنى: أعبد إِلَهًا.
[٢] يُرِيد: يَا الله.
[٣] زِيَادَة عَن الأغاني.
[٤] يَا اذْهَبْ: على حذف الْمُنَادِي. كَأَنَّهُ قَالَ: أَلا يَا هَذَا اذْهَبْ، كَمَا قرئَ: «أَلا يَا اسجدوا» يُرِيد: يَا قوم اسجدوا، وكما قَالَ غيلَان ذُو الرمة:
أَلا يَا أسلمي يَا دَار مي على البلى
[٥] يَصح عطف «هَارُون» على الضَّمِير الْمُسْتَتر فِي الْفِعْل «اذْهَبْ» مَعَ عدم توكيده بضمير فصل وَهُوَ قَبِيح. والجيد نصب هَارُون على الْمَفْعُول مَعَه.
[٦] يُرِيد الأَرْض، وَأَشَارَ إِلَيْهَا للْعلم بهَا.
[٧] يُرِيد السَّمَاء.
[٨] أرْفق: فعل تعجب، وَعَلِيهِ فالباء فِي «بك» زَائِدَة. وَهِي فِي مَحل رفع فَاعل. وَيكون الْمَعْنى:
رفقت.
[٩] رابيا: ظَاهرا على وَجه الأَرْض.
[١٠] ويروى: «وَإِنِّي إِن ... إِلَخ» .
[١١] زِيَادَة عَن أ.
[١٢] يُرِيد: إِنِّي لأكْثر من هَذَا الدُّعَاء الّذي هُوَ: بِاسْمِك رَبنَا إِلَّا مَا غفرت، وَمَا بعد إِلَّا زَائِدَة، وَلَو سبحت: اعْتِرَاض بَين اسْم إِن وخبرها. وَالتَّسْبِيح (هُنَا): الصَّلَاة: أَي لَا. أعْتَمد وَإِن صليت إِلَّا على دعائك واستغفارك من خطاياي.
فَرَبَّ الْعِبَادِ أَلْقِ سَيْبًا وَرَحْمَةً [١] ... عَلَيَّ وَبَارِكْ فِي بَنِيَّ وَمَالِيَا
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو يُعَاتِبُ امْرَأَتَهُ صَفِيَّةَ بِنْتَ الْحَضْرَمِيِّ-
(نَسَبُ الْحَضْرَمِيِّ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُ الْحَضْرَمِيِّ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِمَادِ [٢] (بْنِ أَكْبَرَ) [٣] أَحَدُ الصَّدِفِ، وَاسْمُ الصَّدِفِ: عَمْرُو بْنُ مَالِكٍ أَحَدُ السَّكُونِ بْنِ أَشْرَسَ بْنِ كِنْدَى، وَيُقَالُ: كِنْدَةُ بْنُ ثَوْرِ بْنِ مُرَتِّعِ بْنِ عُفَيْرِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ أَدَدَ ابْن زَيْدِ بْنِ مِهْسَعِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَرِيبِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأٍ، وَيُقَالُ: مُرَتِّعُ ابْن مَالِكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأٍ.
(شِعْرُ زَيْدٍ فِي عِتَابَ زَوْجَتِهِ عَلَى اتِّفَاقِهَا مَعَ الْخَطَّابِ فِي مُعَاكَسَتِهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو قَدْ أَجْمَعَ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ لِيَضْرِبَ فِي الْأَرْضِ يَطْلُبُ الْحَنِيفِيَّةَ دِينَ إبْرَاهِيمَ ﷺ، فَكَانَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ الْحَضْرَمِيِّ كَلَّمَا رَأَتْهُ قَدْ تَهَيَّأَ لِلْخُرُوجِ وَأَرَادَهُ آذَنَتْ بِهِ الْخَطَّابَ بْنَ نُفَيْلٍ، وَكَانَ الْخَطَّابُ ابْن نُفَيْلٍ عَمَّهُ [٤] وَأَخَاهُ لِأُمِّهِ، وَكَانَ يُعَاتِبُهُ عَلَى فِرَاقِ دِينِ قَوْمِهِ، وَكَانَ الْخَطَّابُ قَدْ وَكَّلَ صَفِيَّةَ بِهِ، وَقَالَ: إذَا رَأَيْتِيهِ قَدْ هَمَّ بِأَمْرٍ فَآذِنِينِي بِهِ- فَقَالَ زَيْدٌ:
لَا تحبسينى فِي الهوان ... صَفِيُّ مَا دَابِي وَدَابُهُ [٥]
إنِّي إِذا خفت الهوان ... مُشَيَّعٌ ذُلُلَ رِكَابِهِ [٦]
دعموص [٧] أَبْوَاب الْمُلُوك ... وَجَائِبٌ لِلْخِرَقِ نَابَهُ [٨]
-------------------------------
[١] السيب: الْعَطاء.
[٢] فِي الْأُصُول: «عباد» . والتصويب عَن شرح السِّيرَة وَالرَّوْض والاستيعاب.
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] وَذَلِكَ أَن أم زيد، وَهِي جيداء بنت خَالِد بن جَابر بن أَبى حبيب بن فهم، كَانَت عِنْد نفَيْل بن عبد الْعُزَّى، فَولدت لَهُ الْخطاب، أَبَا عمر بن الْخطاب، ثمَّ مَاتَ عَنْهَا نفَيْل، فَتَزَوجهَا ابْنه عَمْرو، فَولدت لَهُ زيدا، وَكَانَ هَذَا نِكَاحا ينكحه أهل الْجَاهِلِيَّة. (رَاجع الأغاني ج ٣ ص ١٣٣ طبع دَار الْكتب) .
[٥] الدأب: الْعَادة. وسهلت همزته للقافية.
[٦] المشيع: الجريء الشجاع. والذلل: السهلة قد ارتاضت.
[٧] الدعموص: دويبة تغوص فِي المَاء مرّة بعد مرّة، يشبه بهَا الرجل الّذي يكثر الولوج فِي الْأَشْيَاء يُرِيد: وَلَا جافى أَبْوَاب الْمُلُوك، وَأَنه يكثر الدُّخُول عَلَيْهِم.
[٨] جائب: قَاطع، والخرق: الفلاة الواسعة.
قطّاع أَسبَاب تذلّ ... بِغَيْرِ أَقْرَانٍ صِعَابُهْ [١]
وَإِنَّمَا أَخذ الهوان ... الْعِيرَ إذْ يُوهَى إهَابُهْ [٢]
وَيَقُولُ إنِّي لَا أَذِّلُ ... بِصَكِّ جَنْبَيْهِ صِلَابُهْ [٣]
وَأَخِي ابْنُ أمّى ثمَّ ... عمي لَا يُوَاتِينِي خِطَابُهُ [٤]
وَإِذَا يُعَاتِبُنِي بِسُوء ... قُلْتُ أَعْيَانِي جَوَابُهُ
وَلَوْ أَشَاءَ لَقُلْتُ مَا ... عِنْدِي مَفَاتِحُهُ وَبَابُهُ
[٥]
(شِعْرُ زَيْدٍ حِينَ كَانَ يَسْتَقْبِلُ الْكَعْبَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحُدِّثَتْ (عَنْ) [٦] بَعْضِ أَهْلِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: أَنَّ زَيْدًا كَانَ إذَا اسْتَقْبَلَ الْكَعْبَةَ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ، قَالَ: لَبَّيْكَ حَقًّا حَقًّا، تَعَبُّدًا وَرِقًّا.
عُذْتُ بِمَا عَاذَ بِهِ إِبْرَاهِمْ ... مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ وَهُوَ قَائِمُ
إذْ قَالَ:
أَنْفِي لَكَ اللَّهمّ عَانٍ رَاغِمُ ... مَهْمَا تُجَشِّمُنِي فَإِنِّي جَاشِمُ
[٧] الْبِرَّ أَبْغِي لَا الْخَالَ [٨]، لَيْسَ مُهَجِّرٌ كَمَنْ [٩] قَالَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: الْبِرُّ أَبْقَى لَا الْخَالُ، لَيْسَ مُهَجِّرٌ كَمَنْ قَالَ. قَالَ وَقَوْلُهُ «مُسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةِ» عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنُ نُفَيْلٍ:
-----------------------------
[١] الأقران: جمع قرن، وَهُوَ الْحَبل.
[٢] يوهى: يشق. وإهاب: جلد. وَفِي الْبَيْت خرم.
[٣] أَي يَقُول العير ذَلِك بصك جَنْبَيْهِ، أَي صلاب مَا يوضع عَلَيْهِ. وأضافها إِلَى العير لِأَنَّهَا عبؤه وَحمله.
[٤] لَا يواتينى: لَا يوافقني.
[٥] فِي الْبَيْت خرم.
[٦] زِيَادَة عَن أ. وَفِي السبرة على هَامِش الرَّوْض الْأنف وَحدث بعض.
[٧] العاني: الْأَسير. وتجشمنى: تكلفني.
[٨] الْخَال: الْخُيَلَاء وَالْكبر.
[٩] المهجر: الّذي يسير فِي الهاجرة: أَي القائلة، وَقَالَ يقيل: إِذا نَام فِي القائلة: أَي لَيْسَ من هجر كمن آثر الرَّاحَة فِي القائلة وَالنَّوْم.
وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ ... لَهُ الْأَرْضُ تَحْمِلُ صَخْرًا ثِقَالًا
دَحَاهَا [١] فَلَمَّا رَآهَا اسْتَوَتْ ... عَلَى الْمَاءِ أَرْسَى عَلَيْهَا الْجِبَالَا
وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ ... لَهُ الْمُزْنُ تَحْمِلُ عَذْبًا زُلَالًا [٢]
إذَا هِيَ سِيقَتْ إلَى بَلْدَةٍ ... أَطَاعَتْ فَصَبَّتْ عَلَيْهَا سِجَالًا
[٣]
(الْخَطَّابُ وَوُقُوفُهُ فِي سَبِيلِ زَيْدِ بْنِ نُفَيْلٍ، وَخُرُوجُ زَيْدٍ إلَى الشَّامِ وَمَوْتُهُ):
وَكَانَ الْخَطَّابُ قَدْ آذَى زَيْدًا، حَتَّى أَخْرَجَهُ إلَى أَعَلَى مَكَّةَ، فَنَزَلَ حِرَاءَ [٤] مُقَابِلَ مَكَّةَ، وَوَكَّلَ بِهِ الْخَطَّابُ شَبَابًا مِنْ شَبَابِ قُرَيْشٍ وَسُفَهَاءَ مِنْ سُفَهَائِهَا، فَقَالَ لَهُمْ:
لَا تَتْرُكُوهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ، فَكَانَ لَا يَدْخُلُهَا إلَّا سِرًّا مِنْهُمْ، فَإِذَا عَلِمُوا بِذَلِكَ آذَنُوا بِهِ الْخَطَّابَ فَأَخْرَجُوهُ وَآذَوْهُ كَرَاهِيَةَ أَنْ يُفْسِدَ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ، وَأَنْ يُتَابِعَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى فِرَاقِهِ. فَقَالَ وَهُوَ يُعَظِّمُ حُرْمَتَهُ عَلَى مَنْ اسْتَحَلَّ مِنْهُ مَا اسْتَحَلَّ مِنْ قَوْمِهِ:
لَا هَمَّ إنِّي مُحْرِمٌ لَا حِلَّهْ [٥] ... وَإِنَّ بَيْتِي أَوْسَطَ الْمَحِلَّهْ
عِنْدَ الصَّفَا لَيْسَ بِذِي مُضِلَّهُ
ثُمَّ خَرَجَ يَطْلُبُ دِينَ إبْرَاهِيمَ عليه السلام، وَيَسْأَلُ الرُّهْبَانَ وَالْأَحْبَارَ، حَتَّى بَلَغَ الْمَوْصِلَ وَالْجَزِيرَةَ كُلَّهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ فَجَالَ الشَّامَ كُلَّهُ، حَتَّى انْتَهَى إلَى رَاهِبٍ بِمَيْفَعَةٍ [٦] مِنْ أَرْضِ الْبَلْقَاءِ [٧] كَانَ يَنْتَهِي إلَيْهِ عِلْمُ أَهْلِ النَّصْرَانِيَّةِ فِيمَا يَزْعُمُونَ، فَسَأَلَهُ عَنْ الْحَنِيفِيَّةِ دِينِ إبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: إنَّكَ لَتَطْلُبُ دِينًا مَا أَنْتَ بِوَاجِدٍ مَنْ يَحْمِلُكَ عَلَيْهِ الْيَوْمَ، وَلَكِنْ قَدْ أَظَلَّ زَمَانُ نَبِيٍّ يَخْرُجُ مِنْ بِلَادِكَ الَّتِي خَرَجْتَ مِنْهَا، يُبْعَثُ بِدِينِ إبْرَاهِيمَ الْحَنِيفِيَّةِ، فَالْحَقُّ بِهَا، فَإِنَّهُ مَبْعُوثٌ الْآنَ، هَذَا زَمَانُهُ. وَقَدْ كَانَ
------------------------------
[١] دحاها: بسطها. وأرسى: أثبت عَلَيْهَا وثقلها بهَا.
[٢] المزن: السَّحَاب، وَقيل الْأَبْيَض مِنْهَا.
[٣] السجال: جمع سجل، وَهِي الدَّلْو المملوءة مَاء، فاستعارها لِكَثْرَة الْمَطَر.
[٤] حراء (بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَالْمدّ): جبل بَينه وَبَين مَكَّة نَحْو ثَلَاثَة أَمْيَال، على الْيَسَار الذَّاهِب إِلَى منى.
[٥] محرم: سَاكن بِالْحرم. والحلة: أهل الْحل، يُقَال للْوَاحِد وَالْجمع: حلَّة.
[٦] الْمِيفَعَة بِفَتْح الْمِيم: الأَرْض المرتفعة.
[٧] البلقاء: كورة من أَعمال دمشق بَين الشَّام ووادي الْقرى قصبتها عمان وفيهَا قرى كَثِيرَة ومزارع وَاسِعَة. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|