
06-01-2026, 07:44 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,893
الدولة :
|
|
رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله

السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري
الجزء الاول
الحلقة (16)
صــ 131إلى صــ 140
(مَنْ دَخَلُوا فِي حِلْفِ الْمُطَيَّبِينَ):
فَأَخْرَجَ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ جَفْنَةً مَمْلُوءَةً طِيبًا. فَيَزْعُمُونَ أَنَّ بَعْضَ نِسَاءِ [١] بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أَخْرَجَتْهَا لَهُمْ، فَوَضَعُوهَا لِأَحْلَافِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ غَمَسَ الْقَوْمُ أَيْدِيَهُمْ فِيهَا، فَتَعَاقَدُوا وَتَعَاهَدُوا هُمْ وَحَلْفَاؤُهُمْ، ثُمَّ مَسَحُوا الْكَعْبَةَ بِأَيْدِيهِمْ تَوْكِيدًا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَسُمُّوا الْمُطَيَّبِينَ.
(مَنْ دَخَلُوا فِي حِلْفِ الْأَحْلَافِ):
وَتَعَاقَدَ بَنُو عَبْدِ الدَّارِ وَتَعَاهَدُوا هُمْ وَحُلَفَاؤُهُمْ عِنْدَ الْكَعْبَةِ حِلْفًا مُؤَكَّدًا، عَلَى أَنْ لَا يَتَخَاذَلُوا وَلَا يُسَلِّمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَسُمُّوا الْأَحْلَافَ [٢] .
(تَوْزِيعُ الْقَبَائِلِ فِي الْحَرْبِ):
ثُمَّ سُونِدَ [٣] بَيْنَ الْقَبَائِلِ، وَلُزَّ [٤] بَعْضُهَا بِبَعْضِ، فَعُبِّيَتْ [٥] بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ لِبَنِي سَهْمٍ، وَعُبِّيَتْ بَنُو أَسَدٍ لِبَنِي عَبْدِ الدَّارِ، وَعُبِّيَتْ زُهْرَةُ لِبَنِي جُمَحَ، وَعُبِّيَتْ بَنُو تَيْمٍ لِبَنِي مَخْزُومٍ، وَعُبِّيَتْ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ فِهْرِ لِبَنِي عَدِّي بْنِ كَعْبٍ. ثُمَّ قَالُوا: لِتُفْنَ كُلُّ قَبِيلَةٍ مَنْ أُسْنِدَ إلَيْهَا.
(مَا تَصَالَحَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ):
فَبَيْنَا النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ قَدْ أَجَمَعُوا لِلْحَرْبِ إذْ تَدَاعَوْا إلَى الصُّلْحِ، عَلَى أَنْ يُعْطُوا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ السِّقَايَةَ وَالرِّفَادَةَ، وَأَنْ تَكُونَ الْحِجَابَةُ وَاللِّوَاءُ وَالنَّدْوَةُ لِبَنِي عَبْدِ الدَّارِ كَمَا كَانَتْ. فَفَعَلُوا وَرَضِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ بِذَلِكَ، وَتَحَاجَزَ النَّاسُ عَنْ الْحَرْبِ، وَثَبَتَ كُلُّ قَوْمٍ مَعَ مَنْ حَالَفُوا، فَلَمْ يَزَالُوا عَلَى ذَلِكَ، حَتَّى جَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ لَمْ يَزِدْهُ إلَّا شِدَّةً» [٦] .
-------------------------[١] يُقَال: إِن الَّتِي أخرجت لَهُم الْجَفْنَة هِيَ أم حَكِيم الْبَيْضَاء بنت عبد الْمطلب عمَّة رَسُول الله ﷺ وتوأمة أَبِيه. (رَاجع الرَّوْض الْأنف، وَشرح السِّيرَة) .
[٢] وَيُقَال إِن عمر كَانَ من الأحلاف، وَكَانَ رَسُول الله ﷺ وَأَبُو بكر من المطيبين.
[٣] المساندة: الْمُقَابلَة والمعاونة.
[٤] لز: أَي شدّ بَعْضهَا بِبَعْض.
[٥] رَاجع الْحَاشِيَة (رقم ٢ ص ٥٢) .
[٦] يُرِيد المعاقدة على الْخَيْر ونصرة الْحق. وبذا يجْتَمع هَذَا الحَدِيث وَحَدِيث آخر لَهُ صلى الله عَلَيْهِ
حِلْفُ الْفُضُولِ
(سَبَب تَسْمِيَته كَذَلِك):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَمَّا حِلْفُ الْفُضُولِ [١] فَحَدَّثَنِي زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ قَالَ:
تَدَاعَتْ قَبَائِلُ مِنْ قُرَيْشٍ إلَى حِلْفٍ، فَاجْتَمَعُوا لَهُ فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ ابْن عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، لِشَرَفِهِ وَسِنِّهِ، فَكَانَ حِلْفُهُمْ عِنْدَهُ: بَنُو هَاشِمٍ، وَبَنُو الْمُطَّلِبِ، وَأَسَدُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى، وَزُهْرَةُ ابْن كِلَابٍ، وَتَيْمُ بْنُ مُرَّةَ. فَتَعَاقَدُوا وَتَعَاهَدُوا عَلَى أَنْ لَا يَجِدُوا بِمَكَّةَ مَظْلُومًا مِنْ
-----------------------
[()] وَسلم، وَهُوَ: «لَا حلف فِي الْإِسْلَام» . على أَن يكون المُرَاد من هَذَا الحَدِيث الثَّانِي: النهى عَمَّا كَانَت تَفْعَلهُ الْجَاهِلِيَّة من المحالفة على الْفِتَن، والقتال بَين الْقَبَائِل والغارات. وَقيل: إِن الحَدِيث الثَّانِي، وَهُوَ «لَا حلف فِي الْإِسْلَام» حاء لاحقا، قَالَه الرَّسُول ﷺ: زمن الْفَتْح، فَهُوَ نَاسخ للْحَدِيث الأول.
(لِسَان الْعَرَب: حلف) .
[١] يذكرُونَ: فِي سَبَب تَسْمِيَة هَذَا الْحلف بِهَذَا الِاسْم، أَن جرهما فِي الزَّمن الأول، قد سبقت قُريْشًا إِلَى مثل هَذَا الْحلف، فتحالف مِنْهُم ثَلَاثَة هم وَمن تَبِعَهُمْ، أحدهم: الْفضل بن فضَالة، وَالثَّانِي: الْفضل ابْن ودَاعَة، وَالثَّالِث: فُضَيْل بن الْحَارِث، وَقيل: بل هم: الفضيل بن شراعة، وَالْفضل بن ودَاعَة، وَالْفضل بن قضاعة، فَلَمَّا أشبه حلف قُرَيْش هَذَا حلف هَؤُلَاءِ الجرهميين سمى حلف الفضول.
وَقيل: بل سمى كَذَلِك لأَنهم تحالفوا أَن ترد الفضول على أَهلهَا، وَألا يَغْزُو ظَالِم مَظْلُوما.
وَكَانَ حلف الفضول هَذَا قبل الْبَعْث بِعشْرين سنة، وَكَانَ أكْرم حلف وأشرفه. وَأول من تكلم بِهِ ودعا إِلَيْهِ الزبير بن عبد الْمطلب، وَكَانَ سَببه أَن رجلا من زبيد قدم مَكَّة ببضاعة، فاشتراها مِنْهُ العَاصِي بن وَائِل، وَكَانَ ذَا قدر بِمَكَّة وَشرف، فحبس عَنهُ حَقه، فاستعدى عَلَيْهِ الزبيدِيّ الأحلاف: عبد الدَّار، ومخزوما، وجمح، وَسَهْما، وعدي بن كَعْب، فَأَبَوا أَن يعينوه على العَاصِي، وزبروه (انتهروه) .
فَلَمَّا رأى الزبيدِيّ الشَّرّ، أَو فِي على أَبى قبيس عِنْد طُلُوع الشَّمْس، وقريش فِي أَنْدِيَتهمْ حول الْكَعْبَة، فصاح بِأَعْلَى صَوته:
يَا آل فهر لمظلوم بضاعته ... بِبَطن مَكَّة نائى الدَّار والنفر
ومحرم أَشْعَث لم يقْض عمرته ... يَا للرِّجَال وَبَين الْحجر وَالْحجر
إِن الْحَرَام لمن تمت كرامته ... وَلَا حرَام لثوب الْفَاجِر الْغدر
فَقَامَ فِي ذَلِك الزبير بن عبد الْمطلب، وَقَالَ: مَا لهَذَا مترك. فاجتمعت هَاشم، وزهرة، وتيم بن مرّة فِي دَار ابْن جدعَان، فَصنعَ لَهُم طَعَاما وتعاقدوا، وَكَانَ حلف الفضول. وَكَانَ بعْدهَا أَن أنصفوا الزبيدِيّ من العَاصِي. (عَن الرَّوْض الْأنف) .
أَهْلِهَا وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ دَخَلَهَا مِنْ سَائِرِ النَّاسِ إلَّا قَامُوا مَعَهُ، وَكَانُوا عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ حَتَّى تُرَدَّ عَلَيْهِ مَظْلِمَتُهُ، فَسَمَّتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ الْحِلْفَ حِلْفَ الْفُضُولِ.
(حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ حِلْفِ الْفُضُولِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ [١] التَّيْمِيُّ [٢] أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفِ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَقَدْ شَهِدْتُ فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ [٣] حِلْفًا مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهِ حُمْرَ النَّعَمِ [٤] وَلَوْ أُدْعَى بِهِ فِي الْإِسْلَامِ لَأَجَبْتُ.
(نَازَعَ الْحُسَيْنُ الْوَلِيدَ فِي حَقٍّ، وَهَدَّدَ بِالدَّعْوَةِ إلَى حِلْفِ الْفُضُولِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ [٥] بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِي اللَّيْثِيُّ أَنَّ مُحَمَّدَ ابْن إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيَّ حَدَّثَهُ:
أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنهما، وَبَيْنَ الْوَلِيدِ ابْن عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ. وَالْوَلِيدُ يَوْمَئِذٍ أَمِيرٌ عَلَى الْمَدِينَةِ أَمَّرَهُ عَلَيْهَا عَمُّهُ مُعَاوِيَةُ
------------------------
[١] هُوَ مُحَمَّد بن زيد بن المُهَاجر بن قنفذ التَّيْمِيّ الجدعانى الْمدنِي. روى عَن عبد الله بن عمر، وَعُمَيْر مولى آبى اللَّحْم، وأبى سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن وَغَيرهم. وروى عَنهُ مَالك بن أنس، وَيَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن الإسْكَنْدراني، وَبشر بن الْمفضل، وَحَفْص بن غياث، وفضيل بن سُلَيْمَان النميري، وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ، وَابْن ماجة. (تراجم رجال) .
[٢] زِيَادَة عَن أ، وتراجم رجال.
[٣] هُوَ عبد الله بن جدعَان بن عَمْرو بن كَعْب بن سعد بن تيم، ويكنى أَبَا زُهَيْر. وَهُوَ ابْن عَم عَائِشَة رضي الله عنها، وَلذَلِك قَالَت لرَسُول الله ﷺ: إِن ابْن جدعَان كَانَ يطعم الطَّعَام، ويقرى الضَّيْف، فَهَل يَنْفَعهُ ذَلِك يَوْم الْقِيَامَة؟ فَقَالَ: لَا، إِنَّه لم يقل يَوْمًا: رب اغْفِر لي خطيئتي يَوْم الدَّين. وَكَانَ ابْن جدعَان فِي بَدْء أمره صعلوكا ترب الْيَدَيْنِ، وَكَانَ مَعَ ذَلِك فاتكا لَا يزَال يجنى الْجِنَايَات، فيعقل عَنهُ أَبوهُ وَقَومه، حَتَّى أبغضته عشيرته ونفاه أَبوهُ، وَحلف أَلا يؤويه أبدا لما أثقله بِهِ من الْغرم وَحمله من الدِّيات، ثمَّ كَانَ أَن أثرى ابْن جدعَان بعثوره على ثعبان من ذهب، وَعَيناهُ ياقوتتان، فأوسع فِي الْكَرم حَتَّى كَانَ يضْرب بِعظم جفنته الْمثل، ومدحه أُميَّة بن أَبى الصَّلْت لكرمه.
[٤] أَي لَا أحب نقضه، وَإِن دفع لي حمر النعم فِي مُقَابلَة ذَلِك.
[٥] هُوَ يزِيد بن عبد الله بن أُسَامَة بن الْهَادِي اللَّيْثِيّ الْمدنِي أَبُو عبد الله. روى عَن أَبى بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم، وَمُحَمّد بن كَعْب الْقرظِيّ وَغَيرهمَا. وروى عَنهُ يحيى بن أَيُّوب، وَاللَّيْث وَآخَرُونَ. قَالَ ابْن سعد: كَانَ ثِقَة كثير الحَدِيث توفى بِالْمَدِينَةِ سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة. (رَاجع تراجم رجال) .
ابْن أَبِي سُفْيَانَ- مُنَازَعَةً فِي مَالٍ كَانَ بَيْنَهُمَا بِذِي الْمَرْوَةِ [١] . فَكَانَ الْوَلِيدُ تَحَامَلَ عَلَى الْحُسَيْنِ رضي الله عنه فِي حَقِّهِ لِسُلْطَانِهِ، فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: أَحْلِفُ باللَّه لَتُنْصِفَنِّي مِنْ حَقِّي أَوْ لَآخُذَنَّ سَيْفِي، ثُمَّ لَأَقُومَنَّ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ لَأَدْعُوَنَّ بِحِلْفِ الْفُضُولِ. قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ عِنْدَ الْوَلِيدِ حِينَ قَالَ الْحُسَيْنُ رضي الله عنه مَا قَالَ: وَأَنَا أَحْلِفُ باللَّه لَئِنْ دَعَا بِهِ لَآخُذَنَّ سَيْفِي، ثُمَّ لَأَقُومَنَّ مَعَهُ حَتَّى يُنْصَفَ مِنْ حَقِّهِ أَوْ نَمُوتَ جَمِيعًا. قَالَ: فَبَلَّغْتُ الْمِسْوَرَ ابْن مَخْرَمَةَ بْنَ نَوْفَلٍ الزُّهْرِيَّ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَبَلَّغْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيَّ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ أَنْصَفَ الْحُسَيْنَ مِنْ حَقِّهِ حَتَّى رَضِيَ.
(سَأَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ عَبْدِ شَمْسٍ وَبَنِي نَوْفَلٍ وَدُخُولِهِمَا فِي حِلْفِ الْفُضُولِ، فَأَخْبَرَهُ بِخُرُوجِهِمَا مِنْهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِي اللَّيْثِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ قَالَ:
قَدِمَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ- وَكَانَ مُحَمَّدُ ابْن جُبَيْرٍ أَعْلَمَ قُرَيْشٍ- عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ حِينَ قَتَلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، أَلَمْ نَكُنْ نَحْنُ وَأَنْتُمْ، يَعْنِي بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَبَنِيَّ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ فِي حِلْفِ الْفُضُولِ؟ قَالَ: أَنْتَ أَعْلَمُ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: لِتُخْبِرَنِّي يَا أَبَا سَعِيدٍ بِالْحَقِّ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: لَا وَاَللَّهِ، لَقَدْ خَرَجْنَا نَحْنُ وَأَنْتُمْ مِنْهُ! قَالَ: صَدَقْتَ.
تَمَّ خَبَرُ حَلِفِ الْفُضُولِ.
(وِلَايَةُ هَاشِمٍ الرِّفَادَةَ وَالسِّقَايَةَ وَمَا كَانَ يَصْنَعُ إذَا قَدِمَ الْحَاجُّ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلِيَ الرِّفَادَةَ وَالسِّقَايَةَ هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ، وَذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ شَمْسٍ كَانَ رَجُلًا سِفَارًا قَلَّمَا يُقِيمُ بِمَكَّةَ، وَكَانَ مُقِلًّا ذَا وَلَدٍ، وَكَانَ هَاشِمٌ مُوسِرًا فَكَانَ- فِيمَا يَزْعُمُونَ- إذَا حَضَرَ الْحَاجُّ قَامَ فِي قُرَيْشٍ فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ
-------------------------
[١] ذُو الْمَرْوَة: قَرْيَة بوادي الْقرى، وَقيل بَين خشب ووادي الْقرى. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
قُرَيْشٍ، إنَّكُمْ جِيرَانُ اللَّهِ وَأَهْلُ بَيْتِهِ، وَإِنَّهُ يَأْتِيكُمْ فِي هَذَا الْمَوْسِمِ زُوَّارُ اللَّهِ وَحُجَّاجُ بَيْتِهِ، وَهُمْ ضَيْفُ اللَّهِ، وَأَحَقُّ الضَّيْفِ بِالْكَرَامَةِ ضَيْفُهُ، فَاجْمَعُوا لَهُمْ مَا تَصْنَعُونَ لَهُمْ بِهِ طَعَامًا أَيَّامَهُمْ هَذِهِ الَّتِي لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ الْإِقَامَةِ بِهَا، فَإِنَّهُ وَاَللَّهِ لَوْ كَانَ مَالِي يَسَعُ لِذَلِكَ مَا كَلَّفْتُكُمُوهُ» . فَيُخْرِجُونَ لِذَلِكَ خَرْجًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، كُلُّ امْرِئِ بِقَدْرِ مَا عِنْدَهُ، فيصنع بِهِ للحجّاج طَعَامًا حَتَّى يُصْدَرُوا مِنْهَا.
(شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِ هَاشِمٍ):
وَكَانَ هَاشِمٌ فِيمَا يَزْعُمُونَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الرِّحْلَتَيْنِ لِقُرَيْشِ: رِحْلَتَيْ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ.
وَأَوَّلَ مَنْ أَطْعَمَ الثَّرِيدَ بِمَكَّةَ، وَإِنَّمَا كَانَ اسْمُهُ عَمْرًا، فَمَا سُمِّيَ هَاشِمًا إِلَّا بهشمه الْخَبَر بِمَكَّةَ [١] لِقَوْمِهِ. فَقَالَ شَاعِرٌ [٢] مِنْ قُرَيْشٍ أَوْ مِنْ بَعْضِ الْعَرَبِ:
عَمْرُو الَّذِي هَشَمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ ... قَوْمٌ بِمَكَّةَ مُسْنِتِينَ عِجَافِ [٣]
سُنَّتْ إلَيْهِ الرِّحْلَتَانِ كِلَاهُمَا ... سَفَرُ الشِّتَاءِ وَرِحْلَةُ الْأَصْيَافِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ:
قَوْمٌ بِمَكَّةَ مُسْنِتِينَ عِجَافِ
[٤]
---------------------
[١] وَمِمَّا يذكر فِي هَذَا أَن هاشما- وَقد كَانَ يَسْتَعِين بِقُرَيْش على إطْعَام الْحَاج- أَصَابَته وأصابت قومه أزمة شَدِيدَة، فكره أَن يُكَلف قُريْشًا أَمر الرفادة، فَاحْتمل إِلَى الشَّام بِجَمِيعِ مَاله، فَاشْترى بِهِ أجمع كعكا، ثمَّ أَتَى الْمَوْسِم فهشم ذَلِك الكعك كُله هشما، ودقه وصنع مِنْهُ للْحَاج طَعَاما شبه الثَّرِيد. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٢] هُوَ عبد الله بن الزبعري، وَكَانَ سَبَب مدحه لبني عبد منَاف، مَعَ أَنه سهمي، أَنه كَانَ قد هجا قصيا بِشعر كتبه فِي أَسْتَار الْكَعْبَة، فَاسْتَعدوا عَلَيْهِ بنى سهم، فأسلموه إِلَيْهِم، فضربوه وحلقوا شعره وربطوه إِلَى صَخْرَة، فاستغاث قومه فَلم يغيثوه، فَجعل يمدح قصيا ويسترضيهم، فَأَطْلقهُ بَنو عبد منَاف مِنْهُم وأكرموه، فمدحهم بِهَذَا الشّعْر، وبأشعار كَثِيرَة. وَيُقَال: إِن هذَيْن الْبَيْتَيْنِ من أَبْيَات لمطرود بن كَعْب ستجيء فِيمَا بعد من هَذَا الْكتاب أَولهَا:
يَا أَيهَا الرجل المحول رَحْله ... هلا نزلت بآل عبد منَاف
[٣] المسنتون: الَّذين أَصَابَتْهُم السّنة، وَهِي الْجُوع والقحط. والعجاف: من العجف، وَهُوَ الهزال والضعف. وَذَلِكَ أَن قومه من قُرَيْش كَانَت أَصَابَتْهُم لزبة وقحط، فَرَحل إِلَى فلسطين، فَاشْترى مِنْهَا الدَّقِيق، فَقدم بِهِ مَكَّة، فَأمر بِهِ فخبز لَهُ، وَنحر جزورا، ثمَّ اتخذ لِقَوْمِهِ مرقة ثريد بذلك الْخبز. (رَاجع الطَّبَرِيّ) .
[٤] ويروى:
وَرِجَال مَكَّة مسنتون عجاف
(ولَايَة الْمطلب الرفادة وَالسِّقَايَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ هَلَكَ هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ بِغَزَّةَ [١] مِنْ أَرْضِ الشَّامِ تَاجِرًا، فَوَلِيَ السِّقَايَةَ وَالرِّفَادَةَ مِنْ بَعْدِهِ الْمُطَّلِبُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ، وَكَانَ أَصْغَرَ مِنْ عَبْدِ شَمْسٍ وَهَاشِمٍ، وَكَانَ ذَا شَرَفٍ فِي قَوْمِهِ وَفَضْلٍ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ إنَّمَا تُسَمِّيهِ الْفَيْضَ لِسَمَاحَتِهِ وَفَضْلِهِ.
(زَوَاجُ هَاشِمٍ):
وَكَانَ هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَتَزَوَّجَ سَلْمَى بِنْتَ عَمْرٍو أَحَدِ بَنِي عَدِيِّ ابْن النَّجَّارِ [٢]، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجُلَاحِ بْنِ الْحَرِيشِ [٣] . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ وَيُقَالُ: الْحَرِيسُ- ابْنُ جَحْجَبِي بْنِ كُلْفَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ ابْن الْأَوْسِ. فَوَلَدَتْ لَهُ عَمْرَو بْنَ أُحَيْحَةَ، وَكَانَتْ لَا تَنْكِحُ الرِّجَالَ لِشَرَفِهَا فِي قَوْمِهَا حَتَّى يَشْتَرِطُوا لَهَا أَنَّ أَمْرَهَا بِيَدِهَا، إذَا كَرِهَتْ رَجُلًا فَارَقَتْهُ.
(مِيلَادُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَسَبَبُ تَسْمِيَتِهِ كَذَلِكَ):
فَوَلَدَتْ لِهَاشِمِ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ، فَسَمَّتْهُ شَيْبَةَ [٤] . فَتَرَكَهُ هَاشِمٌ عِنْدَهَا حَتَّى كَانَ وَصِيفًا [٥] أَوْ فَوْقَ ذَلِكَ، ثُمَّ خَرَجَ إلَيْهِ عَمُّهُ الْمُطَّلِبُ لِيَقْبِضَهُ فَيُلْحِقَهُ بِبَلَدِهِ وَقَوْمِهِ، فَقَالَتْ لَهُ سَلْمَى: لَسْتُ بِمُرْسَلَتِهِ مَعَكَ، فَقَالَ لَهَا الْمُطَّلِبُ: إنِّي غَيْرُ مُنْصَرَفٍ حَتَّى
---------------------
[()] وعَلى هَذِه الرِّوَايَة يكون فِي الشّعْر إقواء. وَلَعَلَّ هَذِه الرِّوَايَة عَن غير أهل الْعلم بالشعر من أهل الْحجاز، الَّذين أَخذ عَنْهُم ابْن هِشَام الرِّوَايَة الأولى، ورفض الثَّانِيَة: لِأَنَّهَا لم تستقم فِي نظره، وأدلى بِعُذْرِهِ فِي أَنه أَخذهَا عَن أهل علم بالشعر، وَلم يكن لَهُ بِهِ دراية تَامَّة، فيقيم نَفسه فِي هَذَا الميدان حكما.
[١] غَزَّة (بِفَتْح أَوله وَتَشْديد ثَانِيه وفتحه): مَدِينَة فِي أقْصَى الشَّام من نَاحيَة مصر، بَينهَا وَبَين عسقلان فرسخان أَو أقل. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٢] وَيُقَال: إِنَّه بِسَبَب هَذَا النّسَب، رحب سيف بن ذِي يزن، أَو ابْنه معديكرب بن سيف ملك الْيمن، بِعَبْد الْمطلب بن هَاشم، حِين وَفد عَلَيْهِ فِي ركب من قُرَيْش، وَقَالَ لَهُ: مرْحَبًا بِابْن أُخْتنَا: لِأَن سلمى من الْخَزْرَج، وهم من الْيمن من سبإ، وَلِأَن سَيْفا من حمير بن سبإ
[٣] وَيُقَال: إِن كل من فِي الْأَنْصَار بِهَذَا الِاسْم، فَهُوَ حريس (بِالسِّين الْمُهْملَة) إِلَّا هَذَا فَهُوَ بالشين الْمُعْجَمَة. (رَاجع شرح السِّيرَة وَالرَّوْض الْأنف) .
[٤] سمى شيبَة لشيبة كَانَت فِي رَأسه، ويكنى بِأبي الْحَارِث أكبر وَلَده. (رَاجع الطَّبَرِيّ) .
[٥] الوصيف (كقتيل): الْغُلَام دون المراهقة.
أَخْرُجَ بِهِ مَعِي، إنَّ ابْنَ أَخِي قَدْ بَلَغَ، وَهُوَ غَرِيبٌ فِي غَيْرِ قَوْمِهِ، وَنَحْنُ أَهْلُ بَيْتِ شَرَفٍ فِي قَوْمِنَا، نَلِي كَثِيرًا مِنْ أُمُورِهِمْ، وَقَوْمُهُ وَبَلَدُهُ وَعَشِيرَتُهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ الْإِقَامَةِ فِي غَيْرِهِمْ، أَوْ كَمَا قَالَ. وَقَالَ شَيْبَةُ لِعَمِّهِ الْمُطَّلِبِ- فِيمَا يَزْعُمُونَ-: لَسْتُ بِمُفَارِقِهَا إلَّا أَنْ تَأْذَنَ لِي، فَأَذِنَتْ لَهُ، وَدَفَعَتْهُ إلَيْهِ، فَاحْتَمَلَهُ فَدَخَلَ بِهِ مَكَّةَ مُرْدِفَهُ مَعَهُ عَلَى بَعِيرِهِ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: عَبْدُ الْمُطَّلِبِ ابْتَاعَهُ، فَبِهَا سُمِّيَ شَيْبَةُ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ. فَقَالَ الْمُطَّلِبُ: وَيْحَكُمْ! إنَّمَا هُوَ ابْنُ أَخِي هَاشِمٍ، قَدِمْتُ بِهِ مِنْ الْمَدِينَةِ.
(مَوْتُ الْمُطَّلِبِ وَمَا قِيلَ فِي رِثَائِهِ مِنْ الشِّعْرِ):
ثُمَّ هَلَكَ الْمُطَّلِبُ بِرَدْمَانَ [١] مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ يَبْكِيهِ:
قَدْ ظَمِئَ الْحَجِيجُ بَعْدَ الْمُطَّلِبِ ... بَعْدَ الْجِفَانِ وَالشَّرَابِ المُنْثَعِبْ [٢]
لَيْتَ قُرَيْشًا بَعْدَهُ عَلَى نَصَبْ
[٣] وَقَالَ مَطْرُودُ بْنُ كَعْبٍ الْخُزَاعِيُّ، يَبْكِي الْمُطَّلِبَ وَبَنِيَّ عَبْدِ مَنَافٍ جَمِيعًا حِينَ أَتَاهُ نَعْيُ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَكَانَ نَوْفَلٌ آخِرَهُمْ هُلْكًا:
يَا لَيْلَةً هَيَّجَتْ لَيْلَاتِي ... إحْدَى لَيَالِيَ الْقَسِيَّاتِ [٤]
وَمَا أُقَاسِي مِنْ هُمُومٍ وَمَا ... عَالَجْتُ مِنْ رُزْءِ الْمَنِيَّاتِ
إذَا تَذَكَّرْتُ أَخِي نَوْفَلًا ... ذَكَّرَنِي بِالْأَوَّلِيَّاتِ
ذَكَّرَنِي بالأزر الْحمر و... الأردية الصُّفْرِ الْقَشِيبَاتِ
أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ سَيِّدُ ... أَبْنَاءِ سَادَاتٍ لِسَادَاتِ
مَيْتٌ بِرَدْمَانَ وَمَيْتٌ بِسَلْمَانَ ... [٥] وَمَيِّتٌ عِنْدَ غَزَّاتِ [٦]
-----------------------
[١] ردمان (بِفَتْح أَوله): مَوضِع بِالْيمن. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٢] المنثعب: الْكثير السَّيْل، يُقَال: انشعب المَاء: إِذا سَالَ من مَوضِع حصر فِيهِ.
[٣] النصب: التَّعَب وَالْعَذَاب.
[٤] كَذَا فِي الأَصْل. والقسيات: الشدائد. ويروى: العشيات. والعشيات: المظلمات.
[٥] سلمَان: مَاء قديم جاهلى، وَبِه قبر نَوْفَل بن عبد منَاف، وَهُوَ طَرِيق إِلَى تهَامَة من الْعرَاق فِي الْجَاهِلِيَّة (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٦] هِيَ غَزَّة، وَلَكنهُمْ يجْعَلُونَ لكل نَاحيَة، أَو لكل ربض من الْبَلدة اسْم الْبَلدة، فَيَقُولُونَ:
غزات فِي غَزَّة، كَمَا يَقُولُونَ فِي بغدان بغادين كَقَوْل بعض الْمُحدثين:
وَمَيِّتٌ [١] أُسْكِنَ لَحْدًا لَدَى ... الْمَحْجُوبِ شَرْقِيِّ الْبُنَيَّاتِ [٢]
أَخْلَصُهُمْ عَبْدُ مَنَافٍ فَهُمْ ... مِنْ لَوْمِ مَنْ لَامَ بِمَنْجَاةِ
إنَّ الْمُغِيرَاتِ وَأَبْنَاءَهَا ... مِنْ خَيْرِ أَحْيَاءٍ وَأَمْوَاتِ
[٣] وَكَانَ اسْمُ عَبْدِ مَنَافٍ الْمُغِيرَةَ، وَكَانَ أَوَّلَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ هُلْكًا هَاشِمٌ، بِغَزَّةَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، ثُمَّ عَبْدَ شَمْسٍ بِمَكَّةَ، ثُمَّ الْمُطَّلِبَ بِرَدْمَانَ مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ ثُمَّ نَوْفَلًا بِسَلْمَانَ مِنْ نَاحِيَةِ الْعِرَاقِ.
فَقِيلَ لِمَطْرُودِ- فِيمَا يَزْعُمُونَ-: لَقَدْ قُلْتَ فَأَحْسَنْتَ، وَلَوْ كَانَ أَفْحَلَ مِمَّا قُلْتَ كَانَ أَحْسَنَ، فَقَالَ: أَنْظِرْنِي لَيَالِيَ، فَمَكَثَ أَيَّامًا، ثُمَّ قَالَ:
يَا عَيْنُ جُوى وَأَذْرِي الدَّمْعَ وَانْهَمِرِي ... وَابْكِي عَلَى السِّرِّ مِنْ كَعْبِ الْمُغِيرَاتِ [٤]
يَا عَيْنُ وَاسْحَنْفِرِي بِالدَّمْعِ وَاحْتَفِلِي [٥] ... وَابْكِي خَبِيئَةَ نَفْسِي فِي الْمُلِمَّاتِ [٦]
وَابْكِي عَلَى كُلِّ فَيَّاضٍ أَخِي ثِقَةٍ ... ضَخْمِ الدَّسِيعَةِ وَهَّابِ الْجَزِيلَاتِ [٧]
مَحْضِ الضَّرِيبَةِ عَالِي الْهَمِّ مُخْتَلِقٌ ... جَلْدِ النَّحِيزَةِ نَاءٍ بِالْعَظِيمَاتِ [٨]
صَعْبِ الْبَدِيهَةِ لَا نِكْسٍ وَلَا وَكِلٍ ... مَاضِي الْعَزِيمَةِ مِتْلَافِ الْكَرِيمَاتِ [٩]
--------------------------
[()]
شربنا فِي بغادين ... على تِلْكَ الميادين
والّذي عِنْد غَزَّة هُوَ هَاشم بن عبد منَاف.
[١] وَرِوَايَة هَذَا الْبَيْت فِي مُعْجم الْبلدَانِ فِي الْكَلَام على ردمان:
وميت مَاتَ قَرِيبا من ... الْحجُون من شَرق البنيات
قَالَ ياقوت: «... والّذي بِقرب الْحجُون عبد شمس بن عبد منَاف» .
والحجون: جبل بِأَعْلَى مَكَّة عِنْد مدافن أَهلهَا.
[٢] البنيات: الْكَعْبَة.
[٣] الْمُغيرَات: بَنو الْمُغيرَة.
[٤] السِّرّ: الْخَالِص النّسَب.
[٥] اسحنفرى: أديمى. واحتفلى: أَي اجمعيه، من احتفال الضَّرع، وَهُوَ اجْتِمَاع اللَّبن فِيهِ.
[٦] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. والخبيئة: الشَّيْء المخبوء. يُرِيد أَنه كَانَ ذخيرته عِنْد نزُول الشدائد.
وَفِي أ: «خبيئات» .
[٧] الْفَيَّاض: الْكثير الْمَعْرُوف. وضخم الدسيعة: كثير الْعَطاء. والجزيلات الكثيرات.
[٨] الضريبة: الطبيعة. والمختلق: التَّام الْخلق. والنحيزة: الطبيعة أَيْضا. وناء: ناهض.
[٩] النكس: الدنىء من الرِّجَال. والوكل: الضَّعِيف الّذي يتكل على غَيره.
صَقْرٍ تَوَسَّطَ مِنْ كَعْبٍ إذَا نُسِبُوا ... بُحْبُوحَةَ الْمَجْدِ وَالشُّمِّ الرَّفِيعَاتِ [١]
ثُمَّ اُنْدُبِي الْفَيْضَ وَالْفَيَّاضَ مُطَّلِبًا ... وَاسْتَخْرِطِي بَعْدَ فَيْضَاتٍ بِجُمَّاتِ [٢]
أَمْسَى بِرَدْمَانَ عَنَّا الْيَوْمَ مُغْتَرِبًا ... يَا لَهْفَ نَفْسِي عَلَيْهِ بَيْنَ أَمْوَاتِ [٣]
وَابْكِي، لَكَ الْوَيْلُ، إمَّا كُنْتِ بَاكِيَةً ... لِعَبْدِ شَمْسٍ بِشَرْقِيِّ الْبُنَيَّاتِ
وَهَاشِمٍ فِي ضَرِيحٍ وَسْطَ بَلْقَعَةٍ ... تَسْفَى الرِّيَاحُ عَلَيْهِ بَيْنَ غَزَّاتِ
وَنَوْفَلٌ كَانَ دُونَ الْقَوْمِ خَالِصَتِي ... أَمْسَى بِسَلْمَانَ فِي رَمْسٍ بِمَوْمَاةِ [٤]
لَمْ أَلْقَ مِثْلَهُمْ عُجْمًا وَلَا عَرَبًا ... إذَا اسْتَقَلَّتْ بِهِمْ أُدْمُ الْمَطِيَّاتِ [٥]
أَمْسَتْ دِيَارُهُمْ مِنْهُمْ مُعَطَّلَةً ... وَقَدْ يَكُونُونَ زَيْنًا فِي السَّرِيَّاتِ [٦]
أَفْنَاهُمْ الدَّهْرُ أَمْ كَلَّتْ سُيُوفُهُمْ ... أَمْ كُلُّ مَنْ عَاشٍ أَزْوَادُ الْمَنِيَّاتِ [٧]
أَصْبَحْتُ أَرْضَى مِنْ الْأَقْوَامِ بَعْدَهُمْ ... بَسْطَ الْوُجُوهِ وَإِلْقَاءَ التَّحِيَّاتِ
يَا عَيْنُ فَابْكِي أَبَا الشُّعْثِ الشَّجِيَّاتِ [٨] ... يَبْكِينَهُ حُسَّرًا مِثْلَ الْبَلِيَّاتِ [٩]
--------------------------
[١] البحبوحة: وسط الشَّيْء. والشم: الْعَالِيَة.
[٢] استخرطى: استكثرى. والجمات: الْمُجْتَمع من المَاء، فاستعاره هُنَا الدمع.
[٣] رَاجع الْحَاشِيَة (رقم ١ ص ١٣٨ من هَذَا الْجُزْء)
[٤] الموماة: القفر.
[٥] الْأدم من الْإِبِل: الْبيض الْكِرَام.
[٦] السريات: جمع سَرِيَّة، وَهِي الْقطعَة من الْجَيْش أقصاها أَربع مائَة، تبْعَث إِلَى الْعَدو. سموا بذلك لأَنهم يكونُونَ خُلَاصَة الْعَسْكَر وخيارهم.
[٧] ويروى: «أوراد» . يُرِيد الْقَوْم الَّذين يُرِيدُونَ الْمَوْت، شبههم بالذين يردون المَاء.
[٨] الشجيات: الحزينات. وينكر بعض أهل اللُّغَة تَشْدِيد يَاء الشجى وَيَقُولُونَ بِأَن يَاء الشجى مُخَفّفَة وياء الخلي مُشَدّدَة، وَقد اعْترض ابْن قُتَيْبَة على أَبى تَمام الطَّائِي فِي قَوْله:
أيا وَيْح الشجى من الخلي فَإِنَّهُ ... وويح الدمع من إِحْدَى بلَى
وَاحْتج بقول يَعْقُوب فِي ذَلِك. فَقَالَ لَهُ الطَّائِي: وَمن أفْصح عنْدك: ابْن الجرمقانية يَعْقُوب، أم أَبُو الْأسود الدؤَلِي حَيْثُ يَقُول:
ويل الشجى من الخلي فَإِنَّهُ ... وصب الْفُؤَاد بشجوه مغموم؟
وَالْقِيَاس لَا يمْنَع من أَن يكون هُنَاكَ شج وشجى، لِأَنَّهُ فِي معنى حزن وحزين.
[٩] البليات: جمع بلية، وَهِي النَّاقة الَّتِي كَانَت تعقل عِنْد قبر صَاحبهَا إِذا مَاتَ حَتَّى تَمُوت جوعا وعطشا، وَيَقُولُونَ: إِن صَاحبهَا يحْشر رَاكِبًا عَلَيْهَا، وَمن لم يفعل مَعَه هَذَا حشر رَاجِلا. وَهَذَا على مَذْهَب من كَانَ يَقُول مِنْهُم بِالْبَعْثِ.
يَبْكِينَ أَكْرَمَ مَنْ يَمْشِي عَلَى قَدَمٍ ... يُعْوِلْنَهُ بِدُمُوعٍ بَعْدَ عَبَرَاتِ [١]
يَبْكِينَ شَخْصًا طَوِيلَ الْبَاعِ ذَا فَجَرٍ ... آبِي الْهَضِيمَةِ فَرَّاجِ الْجَلِيلَاتِ [٢]
يَبْكِينَ عَمْرَو الْعُلَا إذْ حَانَ مَصْرَعُهُ ... سَمْحَ السَّجِيَّةِ بَسَّامَ الْعَشِيَّاتِ [٣]
يَبْكِينَهُ مُسْتَكِينَاتٍ عَلَى حَزَنٍ ... يَا طُولَ ذَلِكَ مِنْ حُزْنٍ وَعَوْلَاتٍ
يَبْكِينَ لَمَّا جَلَّاهُنَّ الزَّمَانُ لَهُ ... خُضْرُ الْخُدُودِ كَأَمْثَالِ الْحَمِيَّاتِ [٤]
مُحْتَزِمَاتٍ عَلَى أَوْسَاطِهِنَّ لِمَا ... جَرَّ الزَّمَانُ مِنْ أَحْدَاثِ الْمُصِيبَاتِ
أَبِيتُ لَيْلِي أُرَاعِي النَّجْمَ مِنْ أَلَمٍ ... أَبْكِي وَتَبْكِي مَعِي شَجْوِي بُنَيَّاتِي
مَا فِي الْقُرُومِ لَهُمْ عِدْلٌ وَلَا خَطَرٌ ... وَلَا لِمَنْ تركُوا شروى بقبّات [٥]
أَبْنَاؤُهُمْ خَيْرُ أَبْنَاءٍ وَأَنْفُسُهُمْ ... خَيْرُ النّفوس لَدَى جِهَاد الْأَلِيَّاتِ [٦]
كَمْ وَهَبُوا مِنْ طِمِرٍّ سَابِحٍ أَرِنٍ ... وَمِنْ طِمِرَّةٍ نَهْبٍ فِي طِمِرَّاتِ [٧]
وَمِنْ سُيُوفٍ مِنْ الْهِنْدِيِّ مُخْلَصَةٍ ... وَمِنْ رِمَاحٍ كَأَشْطَانِ الرَّكِيَّاتِ [٨]
وَمِنْ تَوَابِعِ مِمَّا يُفْضِلُونَ بِهَا ... عِنْدَ الْمَسَائِلِ مِنْ بَذْلِ الْعَطِيَّاتِ
فَلَوْ حَسَبْتُ وَأَحْصَى الْحَاسِبُونَ مَعِي ... لَمْ أَقْضِ أَفَعَالَهُمْ تَلِكَ الْهَنِيَّاتِ
هُمْ الْمُدِلُّونَ إمَّا مَعْشَرٌ فَخَرُّوا ... عِنْدَ الْفَخَّارِ بِأَنْسَابٍ نَقِيَّاتٍ
زَيْنُ الْبُيُوتِ الَّتِي خَلَّوْا [٩] مَسَاكِنَهَا ... فَأَصْبَحَتْ مِنْهُمْ وَحْشًا خَلِيَّاتٍ
---------------------------
[١] كَانَ الْوَجْه أَن يَقُول «عبرات» بِالتَّحْرِيكِ: إِلَّا أَنه أسكن للتَّخْفِيف ضَرُورَة.
[٢] الهضيمة: الذل وَالنَّقْص. والجليلات: الْأُمُور الْعِظَام.
[٣] السجية: الطبيعة. وبسام العشيات: يُرِيد أَنه يتبسم عِنْد لِقَاء الأضياف، لِأَن الأضياف أَكثر مَا يردون عَشِيَّة.
[٤] الحميات: الْإِبِل الَّتِي حميت المَاء: أَي منعت.
[٥] القروم سَادَات النَّاس، وَأَصله الفحول من الْإِبِل. وَالْعدْل: الْمثل. والخطر: الْقدر والرفعة.
وشروى: مثل، يُقَال: هَذَا شروى هَذَا، أَي مثله.
[٦] الأليات: الشدائد الَّتِي يقصر الْإِنْسَان بِسَبَبِهَا، وَهِي أَيْضا جمع ألية، وَهِي الْيَمين.
[٧] الطمر: الْفرس الْخَفِيف. وسابح: كَأَنَّهُ يسبح فِي جريه، أَي يعوم. وأرن: نشط. والنهب:
مَا انتهب من الْغَنَائِم.
[٨] الأشطان: جمع شطن، وَهُوَ الْحَبل. والركيات: جمع ركية، وَهِي الْبِئْر.
[٩] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «حلوا» بِالْحَاء الْمُهْملَة.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|