الزواج بالأجنبيات أسبابه ومشاكله
الزواج آية من آيات الله قال تعالى { ومن آياته إن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} [سورة الروم آية 21] وهو من سنن الأنبياء والمرسلين الذين يجب علينا أن نقتدي بهداهم قال تعالى {( ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية )} [سورة الرعد آية 38] وفي حديث الترمذى عن أبى أيوب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( أربع من سنن المرسلين: الحناء والتعطر والسواك والنكاح ) وهو عبادة يستكمل الإنسان بها نصف دينه فعن أنس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «( من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه فليتق الله في الشطر الباقي )»
ولقد رغب الإسلام في الزواج من أجل أن يسلم المجتمع من الانحلال الخلقي ومن الأمراض السارية الفتاكة التي تنتشر بين أبنائه نتيجة للزنى وشيوع الفاحشة، كما أن الزواج يؤدى إلى ترابط الأسر وتقوية أواصر المحبة بين العائلات وتوكيد الصلات الاجتماعية، وهذا مما يباركه الإسلام ويعضده ويسانده، وبالزواج الذي شرعه الله يفتخر الأبناء بانتسابهم إلى إبائهم ولا يخفي ما في هذا الانتساب من اعتبارهم الذاتي واستقرارهم النفسي، وبالزواج تبنى الأسرة الصغيرة التي هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع قال تعالى {( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا )} [سورة النساء آية 1] والزواج هو الأسلوب الذي اختاره الله عز وجل لإنجاب الأولاد وتكثير النسل واستمرار الحياة مع المحافظة على الأنساب إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها قال عليه الصلاة والسلام «( تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة ) » وواجب على الأب أن ينشأ ابنه على التربية الإيمانية والتعاليم الاسلامية حتى يرتبط الابن بالإسلام عقيدة وعبادة ويتصل به منهاجا ونظاما فلا يتخذ سوى الإسلام دينا وسوى القرآن إماما وسوى الرسول صلوات الله وسلامه عليه قائدا وقدوة وعندما يجتمع في الولد عامل الوراثة الصالحة وعامل التربية الفاضلة يصل الولد إلى القمة في الدين والأخلاق ويكون مضرب المثل في التقوى والفضيلة وحسن المعاملة ومكارم الأخلاق ولذلك لا خير في كثرة ضعيفة غير غيورة على دينها ولا تستطيع الدفاع عنه ولا الذود عن أوطانها ولا خير في أمة تعيش لدنياها تأكل وتنعم كالأنعام.
وحينما رغب الإسلام في الزواج فانه قد وضع أمامنا قواعدا وأحكاما إن اهتدينا بهديها ومشينا على نهجها كان الزواج في غاية التفاهم والمحبة والوفاق ويثمر ثمرته المرجوة ومن أهمها طريقة اختيار الزوجة فالزوجة سكن للزوج وحرث له وهي شريكة حياته وربة بيته وأم أولاده ومهوى فؤاده وموضع سره ونجواه وهي أهم ركن من أركان الأسرة إذ هي المنجبة للأولاد وعنها يرثون كثيرا من المزايا والصفات وفي أحضانها تتكون عواطف الطفل وتتربي ملكاته ويتلقى لغته ويكتسب كثيرا من تقاليده وعاداته ويتعرف دينه ويتعود السلوك الاجتماعي من أجل هذا عنى الإسلام باختيار الزوجة وقد عد الرسول عليه الصلاة والسلام الصفات المرغوبة في الزوجة ثم أبرز واحدة منها فدعا إلى اختيارها والتركيز عليها دون الأخريات قال عليه الصلاة والسلام «( تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك )» [رواه البخاري ومسلم ] ويقصد بالدين الفهم الحقيقي للإسلام والتطبيق العملي السلوكي لكل فضائله السامية وآدابه الرفيعة والالتزام الكامل بمناهج الشريعة ومبادئها الخالدة كما قال محذرا من اختيار الزوجة من أجل جمالها فقط «( إياكم وخضراء الدمن قيل: يا رسول الله وما خضراء الدمن ؟ قال: المرأة الحسناء في المنبت السوء )» ويخبر أن الذي يريد الزواج مبتغيا به غير ما يقصد منه من تكوين الأسرة ورعاية شؤونها فانه يعامل بنقيض مقصودة فيقول (من تزوج امرأة لمالها لم يزده الله إلا فقرا ومن تزوج امرأة لحسبها لم يزده إلا دناءة ومن تزوج امرأة ليغض بها بصره ويحصن فرجه أو يصل رحمه بارك الله له فيها وبارك لها فيه )
كما لم يغفل الإسلام الاختيار على أساس الأصل فيكون الانتقاء لشريكه الحياة من أسرة عريقة عرفت بالصلاح والخلق وأصالة الشرف لكون الناس معادن يتفاوتون فيما بينهم وضاعة وشرفا ويتفاضلون فسادا وصلاحا قال عليه الصلاة والسلام « ( الناس معادن في الخير والشر خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا )» وقال «( تخيروا لنطفكم فان العرق دساس )» كما ينبغي ملاحظة أن يكون هناك ثمة تقارب بين الزوج والزوجة من حيث السن والمركز الاجتماعي والمستوى الثقافي والاقتصادي فان التقارب في هذه النواحي مما يعين على دوام العشرة وبقاء الألفة، غير ذلك فانه يجوز للمسلم من أي قطر أو بلد أن يتزوج بمسلمة من أي قطر أو بلد آخر ففي الإسلام تذوب الجنسيات والطبقات وسائر الفواصل والفوارق التي تفصل بين الأفراد والشعوب.
وإن لم يكن الإسلام هو الحاكم الآمر الناهي في حياة أي زوجين وفي معاملاتهما مع الآخرين أو إذا تأثر أحد الطرفين بالأفكار الوافدة إلينا من الشرق أو الغرب والتي تختلف في بعضها أو كلها عن أحكام ديننا مع عدم وجود اتفاق في الطباع وتقارب في العادات وتآلف في الأفكار فهنا تبدأ المشاكل وتزداد هوة الاختلاف بينهما، وهذا عادة ما يحدث داخل المجتمع الواحد عندما يتزوج حضري بريفية أو العكس أو عندما يتزوج فرد من طبقة أو فئة بأخرى من فئة أو طبقة تختلف عنه في المستوى المعيشي والثقافي، فما بالنا بالمتزوج من أجنبية تتنافر معه في الأفكار والطباع والعادات ومن قبل في العقيدة ونقصد بالأجنبية هنا هي الحرة من نساء أهل الكتاب التي تقيم في غير دار الإسلام ويطلق عليها الفقهاء لفظ حربية أما الحرة منهن وتقيم في دار الإسلام فيطلق عليها ذمية.
فعلى الرغم من إن الإسلامشدد في وجوب اختيار الزوجة على أساس الدين إلا أنه أباح للمسلم أن يتزوج الحرة من نساء أهل الكتاب رغبة في أن تزال الحواجز بين أهل الكتاب وبين الإسلام فان في الزواج المعاشرة والمخالطة وتقارب الأسر بعضها ببعض فتتاح الفرصة لدراسة الإسلام ومعرفة حقائقه ومبادئه فهذا أسلوب من أساليب التقريب العملي بين المسلمين وغيرهم من أهل الكتاب ودعاية للهدى ودين الحق فعلى الزوج المسلم أن يظهر لزوجته الكتابية من معاشرته لها أحقية دينه وحسن شريعته والوقوف على سيرة من جاء بها وما أيده الله تعالى به من الآيات البينات فيكتمل إيمانها ويصح إسلامها وتؤتي أجرها مرتين إن كانت من المحسنات في الحالين قال تعالى
{( اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا أتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ) } [سورة المائدة آية 5] قال ابن المنذر: ولا يصح عن أحد من الأوائل إنه حرم ذلك، وعن ابن عمر انه كان إذا سئل عن زواج الرجل بالنصرانية أو اليهودية قال: حرم الله المشركات على المؤمنين ولا اعرف شيئا من الإشراك أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى أو عبد من عباد الله.
قال القرطبي قال النحاس: وهذا قول خارج عن قول الجماعة الذين تقوم بهم الحجة لأنه قد قال بتحليل نكاح نساء أهل الكتاب من الصحابة والتابعين جماعة منهم عثمان وطلحة وابن عباس وجابر وحذيفة ومن التابعين سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد وطاووس وعكرمة والشعبي والضحاك وفقهاء الأمصار.
وقد كان صحابة الرسول عليه الصلاة والسلام يتورعون عن الزواج بالكتابيات ويتناصحون بعدم الإقبال عليهن وروى عن جابر بن عبد الله إنه سئل عن نكاح المسلم لليهودية أو النصرانية فقال: تزوجناهن زمن الفتح ونحن لا نكاد نجد المسلمات كثيرا فلما رجعنا طلقناهن، ويقول ابن قدامه بعد أن يسوق الأدلة المثبتة لحلية نكاح المسلم للكتابية المحصنة فالأولى أن لا يتزوج كتابية لان عمر قال للذين تزوجوا نساء أهل كتاب طلقوهن ففعلوا.
فالزواج بهن وان كان جائزا إلا أنه مكروه والأولى والأفضل والأحسن كما قال جمهور الفقهاء ألا يتزوج المسلم من الكتابية سواء كانت ذمية أو حربية فان كانت حربية فالكراهية أشد لأنه يكثر سواد أهل الحرب ويرى بعض العلماء حرمة الزواج من الحربية فقد سئل ابن عباس عن ذلك فقال لا تحل وتلا قول الله عز وجل في سورة التوبة آية 29 ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) قال القرطبي: وسمع بذلك إبراهيم النخعي فأعجبه، وقد حرم الإسلام الزواج من المشركة التي ليس لها دين يحرم الخيانة ويوجب عليها الأمانة ويأمرها بالخير وينهاها عن الشر.
وقد انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة الزواج من الأجنبيات وتفشت بدرجة أصبحت ملفتة للنظر وان كانت ليست بذات خطورة تذكر على مجتمعنا الإسلامي ككل في الوقت الحاضر وعلى المدى القصير إلا أنها ذات ضرر بالغ وخطورة واضحة تكاد تشمل كل من يتزوج بأجنبية أو الغالبية العظمي منهم و باتت لها تأثير اجتماعي ملحوظ على أوساط هؤلاء المتزوجين والمحيطين بهم ويأتي ارتفاع تكاليف الزواج من بنت البلد المسلمة العفيفة والأوضاع المادية الضعيفة للشباب وقسوة الظروف الحياتية وندرة فرص العمل والبعثات الدراسية والهجرة والاستثمار والبحث عن عمل أو مصدر للرزق من ضمن بل وأهم الأسباب التي تجعل باب الزواج بالأجنبيات مفتوحا على مصراعيه بل ميسرا ومرغوبا فيه من قبل الشباب.
وقد كره علماء الإسلام الزواج من نساء أهل الكتاب لأنه لا يؤمن إن يميل الزوج إليها فتفتنه عن الدين أو يتولى أهل دينها فيكون الزواج بهن منزلقا للضياع والذوبان والبعد عن الحق والانغماس في الباطل كما هو شأن الكثيرين من أبنائنا في هذا العصر.
فالزوجة الأجنبية غير المسلمة والتي تنتمي بالأخص إلى الحضارة الغربية تتصرف مع زوجها وعائلته من منطلق الاستعلاء وشعورها بالتفوق الحضاري والمادي والرقي الذي يفوق رقي المسلمين ومن منطلق إحساس عام في العديد من الدول الغربية أن المسلم عدو ومتخلف ثقافيا وحضاريا مما يدفع الزوج في أحيان كثيرة إلى أن يتخلى عن جنسيته متحليا وفخورا ومعتزا بالجنسية التي نسبتها إليه الزوجة بل قد يكون ولاؤه وانتماؤه الأول والأخير لبلد زوجته وهذا هو الغالب.يتبع