ففتح له كعب خشية تلك الكلمة، فقال له حُيَيّ: ويحك يا كعب! جئتك بعز الدهر وببحر طام! جئتك بقريش وبغَطَفان قد حاصروا المدينة، وقد عاهدونى وعاقدونى على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه. فقال له كعب: جئتنى والله بذُلِّ الدهر، ما مثلك إلا كسحاب قد أراقَ ماءَه فهو يَرعُد ويَبرُق وليس فيه شىء، ويحك يا حيى فدعنى وما أنا عليه فإنى لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء. فلم يزل حُيَىّ بكعب حتى استماله، وذلك بعد أن أعطاه عهدا من الله وميثاقا لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك فى حصنك حتى يصيبنى ما أصابك.
وانتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه أن زعيم بني قريظة كعب بن أسد قد نقض عهده، وبرىء مما كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث رسول الله سيدا الأوس والخزرج سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، ومعهما عبد الله بن رواحة وخوات بن جبير فقال: انطلقوا حتى تنظروا أحقٌ ما بلغنا عن هؤلاء القوم؟ فإن كان حقا فالحَنوا لي لحنا أعرفه، ولا تفتوا فى أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس.
فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم، نالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: مَن رسول الله؟! لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد! فشاتمهم سعد ابن معاذ وشاتموه، وكان رجلا فيه حِدّة، فقال له سعد بن عبادة: دع عنك مشاتمتهم فما بيننا أربى من المشاتمة.
ثم أقبلا ومن معهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه، ثم قالوا: عَضَلٌ والقَارَة. أى كغدر عضل والقارة بخُبيب بن الأرت وأصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين.
وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم، ومن أسفل منهم، وكان ذلك كما وصفه الله تعالى في سورة الأحزاب: ?إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا?، وقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: قلنا يوم الخندق يا رسول الله: هل من شيء نقوله؟ فقد بلغت القلوب الحناجر. قال: نعم، اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا. وكان من دعائه كذلك يوم الخندق: اللهم مُنْزِل الكتاب، سريع الحساب، مُجرِيَ السحاب، اهزمهم وزلزلهم.
ونَجَمَ النفاق من بعض المنافقين، حتى قال قائل منهم: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط! وصار المنافقون يتركون الجيش المرابط وراء الخندق بحجة انكشاف بيوتهم، واجتمعت بنو حارثة من الأنصار فبعثوا أوس بن قَيْظِيّ من بني النّبِيتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله إن بيوتنا عورة؛ وليس دار من دور الأنصار مثل دارنا، ليس بيننا وبين غطفان أحد يردهم عنا، فأْذَن لنا فلنرجع إلى دورنا فنمنع ذرارينا ونساءنا. فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجعوا بذلك وتهيئوا للانصراف، فبلغ ذلك سعد بن معاذ، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، لا تأذن لهم، إنا والله ما أصابنا وإياهم شدة قط إلا صنعوا هكذا! ثم أقبل عليهم فقال لبني حارثة: هذا لنا منكم أبدا، ما أصابنا وإياكم شدة إلا صنعتم هكذا. فردهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله تعالى في ذلك قوله في سورة الأحزاب: ?يَقُولُونَ إِنّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلّا فِرَارًا?.
وكان التهديد من طرف بني قريظة أخوف على المسلمين من طرف قريش والخندق، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: لقد خفنا على الذراري بالمدينة من بني قريظة أشد من خوفنا من قريش وغطفان، ولقد كنت أُوفي على سَلْع فأنظرُ إلى بيوت المدينة، فإذا رأيتهم هادين حمِدت الله عز وجل، فكان مما رد الله به قريظة عما أرادوا أن المدينة كانت تُحرس.
وفي البداية لم يرد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يوزع قواته بين الخندق وبين جهة بني قريظة، فكان يرسل طليعة يستطلع حصونهم ويرى إن كانوا يستعدون للتحرك أو الهجوم، ولخطورة هذه المهمة كان الرسول ينتدب المسلمين إليها انتداباً لا أمراً، فقال: مَنْ رجلٌ يأتينا بخبر بني قريظة؟ قال الزبير بن العوام رضي الله عنه: أنا. فذهب على فرسه فجاء بخبرهم، ثم قال الرسول بعدها في يوم آخر فقال الزبير: أنا. فذهب ثم عاد بخبرهم، وندب الرسول ثالثة فقال الزبير: أنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لكل نبي حَواريٌّ، وحواريَّ الزبير. وجمع له رسول الله صلى الله عليه وسلم أبواه، فقال له: فداك أبي وأمي.
وكانت صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أُطم يدعى فارع وعليهم حسان بن ثابت، فأقبل عشرة من بني قريظة يطوفون بالحصن، وصعد واحد منهم الحصن، فقالت لحسان: قم إليه فاقتله، فقال: والله ما كان ذلك فيّ، ولو كان ذلك في لكنتُ مع النبي صلى الله عليه وسلم. فقالت له: اربط هذا السيف على ذراعي. فربطه فقامت إليه فضربت رأسه حتى قطعته، وقالت لحسان: ارم به عليهم، فقال: والله ما ذلك في. فرمت به عليهم، فتضعضعوا وهم يقولون: قد علمنا أن محمدا لم يكن ليترك أهله خُلُوفا ليس معهن أحد.
وهمت بنو قريظة أن يغيروا على بيضة المدينة ليلا، فأرسلوا حيي بن أخطب إلى قريش أن يأتيهم منهم ألف رجل ومن غطفان ألف فيغيروا بهم، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر بذلك فعظم البلاء، فشكل رسول الله صلى الله عليه وسلم قوة تقوم بحراسة المدينة ليلاً من جهة بني قريظة، وعهد بها إلى سلمة بن أسلم بن حريش الأشهلي في مئتي رجل، وزيد بن حارثة في ثلاثمئة، ومعهم خيل المسلمين، وأمرهم بأن يظهروا التكبير حتى يعرف العدو أن هجومه لن يكون مباغتاً ولن يكون سهلاً.
وخرجت مجموعة صغيرة من بني قريظة بقيادة نباش بن قيس في عشرة من أشدائهم للإغارة على المدينةعلى حين غرة، فلما انتهوا إلى بقيع الغرقد، كشفتهم قوة سلمة بن أسلم بن حريش، وتصدت لهم بالنبل فانهزموا، وبلغ خبر الغارة سلمةَ بن أسلم فأقبل في أصحابه حتى انتهوا إلى حصون بني قريظة، فطافوا حولها في تحدي لبني قريظة، وردموا بئرين لهم خارجها، ولم يخرج إليهم أحد من بني قريظة وخافوا خوفا شديدا.
وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم خَوَّات بن جبير في مهمة خاصة يستطلع بها أخبار بني قريظة، فقال: انطلق إلى بني قريظة فانظر هل ترى لهم غرة أو خللا من موضع فتخبرني. وذهب خوات فكمن على مقربة من الحصون يراقبها، ولكن النوم غلبه فلم يشعر إلا وهو أسير لطليعة من بني قريظة، ولكنه استطاع قتله والعودة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي ما أن رآه قد قال: أفلح وجهك. فقال: ووجهك يا رسول الله. قال: أخبرني خبرك. فأخبره أنه لم يرى لهم تحركاً خطيراً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هكذا أخبرني جبريل.
ورابط المسلمون رباطاً كان متصلاً في بعض الأحيان لا تتخلله راحة أو هدوء، بسبب خوفهم من هجمات مباغتة لقريش أو محالفيها من القبائل العربية أو من يهود بني قريظة، وفي مرة من المرات رابط الرسول الكريم على فرضة من فرض الخندق وقت أربع صلوات في أوقاتها، فقال: شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس، ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا. ولما اطمأنوا في الليل نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بطحان ودعا بلالا فأمره فأقام الظهر، فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها، ثم أقام العصر فصلاها كذلك، ثم أقام المغرب فصلاها كذلك، ثم أقام العشاء فصلاها كذلك أيضا، ولم تكن صلاة الخوف قد شرعت بعد.
وإلى جانب تجاوز عقبة الخندق ومحاولة اختراق دفاعات المسلمين من بعده، واجهت قريش مشكلة تعبوية تتعلق بقلة العلف المتوفر لإطعام خيلها في منطقة معسكرها، فقد كانت المدينة في جدب في تلك الأيام، ولم يكن فيها زرع لأن الناس حصدوا قبل الهجوم بشهر فأدخلوا حصادهم وأتبانهم إلى المدينة، وكانت قريش تسرِّح رِكابها في وادي العقيق، وكان شجره عِضاهٌ شوكي، فلم يكن ثمة علف للخيل إلا ما حملوه معهم من الذرة، وسرحت غطفان إبلها إلى الغابة في أثلها وطرفائها في عِضاهِ الجرف، وكانت غطفان ترسل خيلها في أثر الحصاد بالعرض فيصيبها ذلك بالإمساك، وكادت إبلهم تهلك من الهزال.
وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نُعيم بن مسعود الأشجعي الغطفاني فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمُرني بما شئت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما أنت فينا رجل واحد، فخذِّل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة. فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة، وكان لهم نديما في الجاهلية، فقال لهم: إن قريشا وغَطَفان ليسوا كأنتم؛ وإنهم قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فإن رأوا نهزة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين محمد، فليسوا كأنتم: البلد بلدكم فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم لا تقدرون على أن تحولوا منه إلى غيره، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم يكونون بأيديكم، ضمانا لكم. فقالوا له: لقد أشرت بالرأي. ثم خرج حتى أتى قريشا، فقال لهم: إنه قد بلغني أمر قد رأيت عليَّ حقا أن أبلغكموه نصحا لكم، فاكتموا عني. فقالوا: نفعل قال: إن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه إنا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من بقي منهم حتى نستأصلهم؟ فأرسلَ إليهم أن نعم. قال نعيم لقريش: فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا. ثم خرج نعيم حتى أتى غطفان، فقال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم ما حذرهم.
وأرسلت قريش إلى بني قريظة فقالوا لهم: إنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخف والحافر، فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا، ونفرغ مما بيننا وبينه. فأرسلت بنو قريظة إليهم: لسنا بالذين نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمدا، فإنا نخشى إن ضرستكم الحرب واشتد عليكم القتال أن تنشمروا إلى بلادكم وتتركونا، والرجل في بلدنا، ولا طاقة لنا بذلك منه. فقالت قريش وغطفان: والله إن الذي حدثكم نعيم بن مسعود لحقّ! فأرسَلوا إلى بني قريظة: إنا والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا. فقالت بنو قريظة: إن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحقّ، ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا إن رأوا فرصة انتهزوها، وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم، وخلوا بينكم وبين الرجل في بلدكم. فأرسلوا إلى قريش وغطفان: إنا والله لا نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا. فأبوا عليهم وخذَّل الله بينهم.
وبعد حصار قارب الشهر، جاءت ريح شديدة باردة هزم الله بها الأحزاب، وردهم عن المدينة خائبين، وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم استطلاع خبر قريش وحلفائها في الليل مع هذه الريح، فقال: مَنْ رجلٌ يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع، أسأل الله تعالى أن يكون رفيقي في الجنة؟ فما قام رجل من القوم، من شدة الخوف والجوع والبرد، فلما لم يقم أحد، ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان فتردد وقال: والله ما بي أن أقتل، ولكني أخشى أن أؤسر. فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: إنك لن تؤسر. فقال حذيفة: مٌرني يا رسول الله بما شئت. فقال صلى الله عليه وسلم: اذهب فادخل في القوم، فانظر ماذا يصنعون، ولا تحدثن شيئا حتى تأتينا. ودعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم احفظه من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، حتى ترده إليّ.
قال حذيفة رضي الله عنه: فانتهيت إليهم وإذا نيرانهم تتقد، فأقبلت ريح شديدة فيها حصباء، فما تركت لهم نارا إلا أطفأتها، ولا بناء إلا طرحته، وجعلوا يتترسون من الحصبا. وتنادى القوم بالرحيل، وسرعان ما قوضوا خيامهم وسارعوا في العودة إلى مكة، فعاد حذيفة وأخبر الرسول صلى الله عليه سلم بما رأى، فركع وسجد، وانسحبت قريش ثم تلتها غطفان، وزال الخطر عن المدينة، وانصرف رسول الله في صباح ذلك اليوم عن الخندق إلى المدينة ووضع المسلمون السلاح، ولما انصرف الأحزاب عن المدينة بعد الخندق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا، ولكنكم تغزونهم.
قال ابن هشام: فلما كان الظهر أتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم، معتجرا بعمامة من إستبرق، فقال: أو قد وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال: نعم. فقال جبريل: فما وضعت الملائكةُ السلاح بعد، إن الله عز وجل يأمرك بالمسير إلى بني قريظة، فإني عامد إليهم فمزلزل بهم.
واستشهد من المسلمين في غزوة الخندق ستة من الأنصار، وممن قتل بسببها سعد بن معاذ رضي الله عنه، وكان من أعظم الناس وأطولهم، رماه بسهم حِبَّان بن عبد مناف خال خديجة بنت خويلد، ويقال له ابن العَرِقِة نسبة لكنية كُنيت يها أمه لطيب ريحها، فلما رماه قال: خذها وأنا ابن العرقة، فأصابه في عرق الأكحل وسط الذراع، ودعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: عرَّق الله وجهك في النار! وانتقض جرح سعد، وكان لرُفيدة الأسلمية خيمة في المسجد النبوي تداوي فيها الجرحى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعلوه في خيمة رفيدة لأزوره من قريب. ثم مات بعد قرابة شهر فحزن عليه الرسول حزناً شديداً، وقال لسعد وهو يكيد بنفسه: جزاك الله خيراً من سيد قوم، فقد صدقت الله ما وعدته، وهو صادق ما وعدك.
وقُتِلَ من المشركين 3 أشخاص منهم عمرو بن ود، وقد سبق ذكره، وقتل منهم نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي؛ وثب بفرسه ليقتحم الخندق فوقع فيه وقُتِل، فكبُر ذلك على المشركين وأعطوا بجسده الدية؛ عشرة آلاف درهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا حاجة لنا في جسده ولا ديته، إنه خبيث الدية خبيث الجيفة. وخلى بينهم وبينه.
وقال شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك رضي الله عنه في غزوة الخندق عدة قصائد، منها واحدة رد بها على ضرار بن الخطاب:
وسائلةٍ تُسائل ما لقينا... ولو شهدت رأتنا صابرينا
صبرنا لا نرى لله عَدلا... على ما نابنا متوكلينا
وكان لنا النبي وزيرَ صدق... به نعلو البريةَ أجمعينا
نقاتل معشرا ظلموا وعقوا... وكانوا بالعداوة مُرصِدينا
نعاجلهم إذا نهضوا إلينا... بضرب يُعجل الـمُتسرعينا
وفي أيماننا بيض خفاف... بها نشفي مِراح الشاغبينا
بباب الخندقين كأن أُسدا... شَوابكهن يحمين العرينا
فوارسُنا إذا بَكَروا وراحوا... على الأعداء شُوسا مُعْلَمينا
لننصر أحمدا واللهَ حتى... نكون عباد صدق مُخلِصينا
ويعلم أهلُ مكة حين ساروا... وأحزابٌ أتوا متحزبينا
بأن الله ليس له شريك... وأن الله مولى المؤمنينا
فإما تقتلوا سعدا سِفاها... فإن الله خير القادرينا
سيدخله جنانا طيبات... تكون مُقامةً للصالحينا
كما قد ردكم فَلاًّ شريدا... بغيظكم خزايا خائبينا
خزايا لم تنالوا ثَمَّ خيرا... وكدتم أن تكونوا دامرينا
بريح عاصف هبت عليكم... فكنتم تحتها مُتَكَمّهِينَا
قال الله تعالى في سورة الأحزاب:
?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا * وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا * وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا?