
05-01-2026, 02:54 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,200
الدولة :
|
|
رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله
«عون الرحمن في تفسير القرآن»
الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم
تفسير قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا... ﴾
قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 116، 117].
قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾.
كما قال تعالى في أول السورة: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ ﴾ [آل عمران: 10].
ذكر الله - عز وجل - في الآيات السابقة أن من أهل الكتاب أمة قائمة بأمر الله وأثنى عليهم، ووعدهم بالثواب، ثم أتبع ذلك بالوعيد للذين كفروا في هذه الآية.
قوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ «إنَّ» للتوكيد، أي: إن الذين جحدوا وأنكروا وجود الله وربوبيته وألوهيته، وأسماءه وصفاته وشرعه، أو شيئًا من ذلك؛ كما قال تعالى في المنافقين: ﴿ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [المجادلة: 17].
﴿ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ﴾؛ أي: لن تدفع ولن تجزي عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئًا، بدفع ومنع شيء من عذاب الله وبأسه عنهم قبل وقوعه، أو رفعه بعد وقوعه، لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ﴾ [الرعد: 11].
﴿ شَيْئًا ﴾: نكرة في سياق النفي، فتعم أيَّ شيء، فلا تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله أيَّ شيء، أيًّا كان ومهما قل.
﴿ أَمْوَالُهُمْ ﴾ الأموال: جمع مال، وهي كل ما يتحول ويُملَك من نقد أو عينٍ، وغير ذلك، أي: لن تغني عنهم أموالهم من الله شيئًا، بأن يقدِّموها فديةً للخلاص من عذاب الله؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [المائدة: 36]، وقال تعالى: ﴿ فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ [الحديد: 15].
﴿ وَلَا أَوْلَادُهُمْ ﴾: الواو عاطفة، وكرِّر حرف النفي «لا» لتأكيد عدم غناء أولادهم عنهم شيئًا، بدفع ومنع عذاب الله عنهم أو رفعه.
وخصَّ الأموال والأولاد؛ لأنهم يفتخرون بذلك، ولأن الناس في الدنيا يفتدون بالمال ويدفعون به عن أنفسهم، ويتقوون بالأولاد، وينتصرون بهم، كما ينتصر الأقارب بعضهم ببعض، كما قال الشاعر:
أخاك أخاك إن مَن لا أخا له 
كساع إلى الهيجاء بدون سلاح [1]
لكن ذلك لا يدفع بأس الله تعالى عنهم وعقابه إذا أراده بهم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ﴾ [الرعد: 11]، وقال تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴾ [الأحزاب: 17]، وأما في الآخرة، فكما قال تعالى: ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: 88، 89]، وقال تعالى: ﴿ لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [الممتحنة: 3]، وقال تعالى: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾ [عبس: 34 - 37]، وقال تعالى: ﴿ وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا * يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ * وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ ﴾ [المعارج: 10 - 14].
﴿ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ﴾: أشار إليهم بإشارة البعيد تحقيرًا لهم، أي: أولئك الذين كفروا ﴿ أَصْحَابُ النَّارِ ﴾؛ أي: أهلها وساكنوها وملازموها.
﴿ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾: تأكيد للجملة قبلها، وبيان أن مصاحبتهم للنار مصاحبة خلود فيها، لا انقطاع لها؛ أي: هم فيها ماكثون مقيمون إقامة أبدية؛ لأن النار لا تفنى ولا يَفنى عذابها ولا أهلها، وقد أكد هذا باختيار الجملة الاسمية الدالة على الاستمرار والدوام.
قوله تعالى: ﴿ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾.
ذكر الله - عز وجل - في الآية السابقة أن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئًا، ثم أتبع ذلك ببيان السبب في ذلك، وهو بُطلان نفقاتهم بسبب كفرهم وظلمهم.
قوله: ﴿ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ ﴿ مَثَلُ ﴾؛ أي: شبه وصفة، ﴿ مَا يُنْفِقُونَ ﴾﴿ ما ﴾: موصولة تفيد العموم؛ أي: مثل الذي ينفقون في هذه الحياة الدنيا في بطلانه واضمحلاله، وهو عام لكل ما ينفقونه من أموالهم في وجوه البر والخير، أو في وجوه الكفر والشر؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ﴾ [الأنفال: 36].
﴿ كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ ﴾: الكاف للتشبيه، كشبه وصفة ﴿ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ ﴾؛ أي: ريح عاصفة شديدة الهبوب، شديدة البرد، شديدة الصوت؛ كما قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ﴾ [الحاقة: 6].
﴿ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ﴾؛ أي: زرع قوم، ﴿ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾: الظلم: النقص؛ كما قال تعالى: ﴿ كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا ﴾ [الكهف: 33]؛ أي: ولم تنقص منه شيئًا، وهو وضع الشيء في غير موضعه على سبيل التعدي.
ويشمل في الشرع تركَ الواجب وفعل المحرم، أي: ظلموا أنفسهم بالمعاصي، وأعظم ذلك الشرك؛ كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الأنعام: 82] ؛أي: بشركٍ، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13].
﴿ فَأَهْلَكَتْهُ ﴾؛ أي: أيبسته وأحرقته، بسبب ظلمهم لأنفسهم بالكفر والمعاصي؛ قال تعالى: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [الروم: 41]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ [الشورى: 30]، فشبه عز وجل نفقات الكفار في اضمحلالها وعدم انتفاعهم بها بسبب كفرهم - وهم أحوج ما يكونون إليها - بزرع قومٍ ظلموا أنفسهم بالكفر والشرك والمعاصي، فسلَّط الله عليه ريحًا شديدة البرودة فأهلكته، وهم أحوج ما يكونون إليه، فلم تُقبل نفقات هؤلاء بسبب كفرهم، ولم يَسلم لهؤلاء حرثُهم بسبب ظلمهم لأنفسهم بالكفر والمعاصي.
﴿ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ﴾: الواو: استئنافية، و«ما»: نافية، أي: وما ظلمهم الله فيما أوقع بهم، بل هذا مقتضى عدله، والجزاء من جنس العمل.
والضمائر في قوله: ﴿ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ تعود إلى الذين كفروا، أي: وما ظلمهم الله في إبطال نفقاتهم وعدم قبولها؛ لأنهم هم الذين تسبَّبوا في ذلك بظلمهم لأنفسهم بالكفر المحبط للأعمال.
ويحتمل أيضًا عود الضمائر على أصحاب الحرث؛ أي: وما ظلمهم الله في إهلاك حرثهم بالريح والبرد؛ لأن سبب ذلك ظلمهم لأنفسهم بالكفر والمعاصي.
ولا مانع من حمل الضمائر على الجميع، فكل من الفريقين هلك وضاع نتاجُ عمله بسبب ظلمه لنفسه بالكفر والمعاصي.
وقدَّم المفعول ﴿ أَنْفُسَهُمْ ﴾؛ لإفادة الحصر، أي: لا يظلمون إلا أنفسهم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [البقرة: 57].
[1] البيت لمسكين الدارمي؛ انظر: «ديوانه»، (ص29).
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|