عرض مشاركة واحدة
  #16  
قديم 01-01-2026, 05:41 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,915
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الأول
من صــ 221الى صــ 235
الحلقة (16)





وأمَّا في السنَّة؛ ففيه أحاديث كثيرة، منها: ما رواه جابر بن عبد الله عن النّبيّ - ﷺ - قال: «أُعطيتُ خمسًا لم يُعطهنَّ أحدٌ قبلي: نُصرتُ بالرُّعب مسيرة شهر، وجُعِلت ليَ الأرض مسجدًا وطهورًا (١)؛ فأيُّما رجلٍ من أمَّتي أدركتْه الصَّلاة فليصلِّ، وأُحلَّت لي المغانم (٢) ولم تحلّ لأحدٍ قبلي، وأُعطيت الشفاعة وكان النّبيّ يُبعث إِلى قومه خاصَّة، وبُعِثْتُ إِلى النَّاسِ عامَّة» (٣).
أمّا الإِجماع، فقد ذكَره ابن قدامة -رحمه الله- في «المُغني» (١/ ٢٣٣) فقال: «وأمَّا الإِجماع؛ فأجمعت الأمَّة على جواز التيمُّم في الجملة».
قال البخاري: «باب التيمُّم في الحضر إِذا لم يجد الماء وخاف فوت الصّلاة، وبه قال عطاء» (٤).

اختصاص أمَّة محمّد - ﷺ - به
لحديث جابر السابق: «أُعطيتُ خمسًا لم يعطهنَّ أحد قبلي» منها:

----------------
(١) وجُعلت ليَ الأرضُ مسجدًا؛ أي: موضع السجود؛ لا يختص السجود منها بموضع دون غيره، ويمكن أن يكون مجازًا عن المكان المبنيّ للصلاة، وهو من مجاز التشبيه؛ لأنَّه لمّا جازت الصلاة في جميعها؛ كانت كالمسجد في ذلك. «فتح».
جاء في «الفتح»: «ويستفاد من قوله - ﷺ -:»وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا«؛ أنّ الأصل في الأرض الطهارة، وأنَّ صحة الصلاة لا تختصّ بالمسجد المبنيّ لذلك».
(٢) وفي بعض الروايات الغنائم، ومعناهما واحد.
(٣) أخرجه البخاري: ٣٣٥، ٤٣٨، ٣١٢٢، وهذا لفظه، ومسلم: ٥٢١، وغيرهما.
(٤) «الفتح» (١/ ٤٤١)، وقال الحافظ: «وقد وصله عبد الرزاق من وجه صحيح، وابن أبي شيبة من وجه آخر ...».


«وجُعلَت لي الأرضُ مسجدًا وطهورًا».
قال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «الفتاوى» (٢١/ ٣٤٧): «وهذا التيمُّم المأمور به في الآية؛ هو من خصائص المسلمين، وممَّا فضَّلهم الله به على غيرهم من الأمم، ففي»الصحيحين«؛ عن جابر بن عبد الله أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال:»أُعطيتُ خمسًا ... «وذكر الحديث.

سبب مشروعيَّته
عن عائشة -رضي الله عنها- أنَّها استعارت من أسماءَ قِلادةً فهلكت، فبعث رسول الله - ﷺ - رجلًا فوجدها، فأدركتهم الصّلاة وليس معهم ماء، فصلَّوا، فشكَوا ذلك إِلى رسول الله - ﷺ -، فأنزلَ الله آية التيمُّم، فقال أسيد بن حُضَير لعائشة جزاكِ الله خيرًا؛ فوالله ما نَزل بك أمر تكرهينه؛ إلاَّ جعل الله ذلك لكِ وللمسلمين فيه خيرًا» (١).

كيفيَّة التيمُّم
١ - النيَّة: ومحلّها القلب؛ كما تقدَّم في الوضوء والغُسل.
٢ - التسمية.
٣ - ضرب الكفَّين بالصعيد الطاهر، ثمَّ ينفخ فيهما، أو ينفضهما لتخفيف التُّراب -إِن وُجد- ثمَّ يمسح بهما الوجه والكفَّين؛ كما في حديث عمَّار بن ياسر -رضي الله عنه-: "... إِنَّما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض،

-------------------
(١) أخرجه البخاري: ٣٣٤ و٣٣٦ ومواضع أُخرى، ومسلم: ٣٦٧، وغيرهما.


ثمَّ تنفُخ (١)، ثمَّ تمسح بهما وجهك وكفَّيك» (٢).
وموضع المسح هو الموضع الذي يُقطع منه السارق.
قال ابن قدامة -رحمه الله- في «المغني» (١/ ٢٥٨): «ويجب مسْح اليدين إِلى الموضع الذي يُقطع منه السارق، أومأ أحمد إِلى هذا لما سُئل عن التيمُّم؛ فأومأ إِلى كفَّيه ولم يجاوز، وقال: قال الله تعالى: ﴿والسَّارقُ والسَّارِقةُ فَاقْطَعوا أَيْديَهُمَا﴾ (٣)، من أين تقطع يد السارق؟ أليس من هاهنا، وأشار إِلى الرسغ، وقد روينا عن ابن عبَّاس نحو هذا».
٤ - ملاحظة الاكتفاء بضربة واحدة لقوله - ﷺ -: «التيمُّم ضربة للوجه والكفَّين» (٤).

--------------------
(١) وفي بعض الروايات عند البخاري (٣٤٧) وغيره: «ثمَّ نفضهما».
وسألْت شيخنا -حفظه الله- إِن كان المراد من النفخ أو النفض الإقلال من التراب فيعمل بأيِّهما، فقال: «هو كذلك»، ثمَّ قال: «وقد لا يلزم أيٌّ منهما لعدم وجود التراب».
(٢) أخرجه البخاري: ٣٣٨، ومسلم: ٣٦٨، وغيرهما.
(٣) المائدة: ٣٨
(٤) أخرجه أحمد، وابن خزيمة في «صحيحه»، وأبو داود، والترمذي، وقال: «حديث حسن صحيح»، وغيرهم، ومعناه في «الصحيحين»؛ كما في حديث عمّار السابق. وانظر «الإِرواء» (١٦١)، و«الصحيحة» (٦٩٤).



نواقض التيمُّم
١ - ينقض التيمُّم كلَّ ما ينقض الوضوء، لأنَّه يقوم مقامه (١).
قال الحسن: «يُجزئه التيمُّم ما لم يُحدِث» (٢).
قال ابن حزم في «المحلّى» (مسألة ٣٣٣): «كلُّ حدث ينقض الوضوء؛ فإِنه ينقض التيمُّم، هذا ما لا خلاف فيه من أحد من أهل الإِسلام».
٢ - وجود الماء لقوله - ﷺ -: «إِنَّ الصعيد الطيِّب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإِذا وجد الماء فليمِسَّه بشرته؛ فإِنَّ ذلك هو خير» (٣).
(وفي رواية: طهور المسلم).
قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (مسألة ٢٣٤): «وينقض التيمّم أيضًا وجود الماء، سواء وَجَده في صلاة (٤) أو بعد أن صلّى، أو قبل أن

-------------------
(١) انظر (باب: هل التيمُّم يقوم مقام الماء؟)
(٢) ذكره البخاري معلَّقًا، وذكر الحافظ في»الفتح«(١/ ٤٤٦) وَصْل عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، وحمّاد بن سلمة له، وصحّح شيخنا إِسناده في»مختصر البخارى«(١/ ٩٦).
(٣) أخرجه أحمد في»مسنده«، والترمذي وقال:»حديث حسن صحيح«، وهو في»صحيح سنن الترمذي«(١٠٧)، و»صحيح سنن أبي داود«(٣٢١)، وغيرهم، وصححه ابن حبان، والدارقطني، وأبو حاتم، والحاكم، والذهبي، والنووي، وشيخنا في»الإرواء«(١٥٣).
(٤) قال شيخنا -حفظه الله-:»فإِذا وجد الماء فليُمسَّه بشرته، تشمل من كان في الصلاة أيضًا".



يصلي ...».
قال في «المغني» (١/ ٢٧٠): وإِذا وجد المتيمّم الماء وهو في الصلاة؛ خرج فتوضّأ أو اغتسل إِن كانْ جُنُبًا واستقبل الصلاة.
قال: وبهذا قال الثوري وأبو حنيفة وقال مالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر ... وقال أيضًا: «ولنا قوله عليه السلام:»الصعيد الطيّب وضوء المسلم، وإنْ لم يجد الماء عشر سنين، فإِذا وجدت الماء فأمسَّه جلدك«. أخرجه أبو داود والنسائي؛ دلَّ بمفهومه على أنَّه لا يكون طهورًا عند وجود الماء، وبمنطوقه على وجوب إِمساسه جلده عند وجوده، لأنَّه قدِرَ على استعمال الماء؛ فبطل تيمُّمه كالخارج من الصلاة، ولأنَّ التيمُّم طهارة ضرورة، فبطلت بزوال الضرورة ...».

ما يُتيمَّم به وعدم اشتراط التراب:
قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ (١).
قال شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى-: وقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، نكرة في سياق الإِثبات، كقوله: ﴿إِنَّ الله يأمُرُكمْ أن تذْبَحوا بقَرَةً﴾ (٢)، وقوله: ﴿فَتحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٣)، وقوله: ﴿فصِيَامُ ثلاثَة أيَّامٍ في

--------------------
(١) النساء: ٤٣
(٢) البقرة: ٦٧
(٣) النساء: ٩٢



الحَجِّ وسَبْعَةٍ إِذا رَجعْتُم﴾ (١)، وقوله: ﴿فَمَنْ لم يجِدْ فَصيامُ ثلاثَةِ أيامٍ﴾ (٢)، وهذه تسمّى مطلقة، وهي تفيد العموم على سبيل البدل لا على سبيل الجمع، فيدلّ ذلك على أنّه يتيمّم أيّ صعيد طيّب اتفق، والطيِّب هو الطاهر، والتُّراب الذي ينبعث مراد من النصّ بالإِجماع، وفيما سواه نزاع سنذكره إِن شاء الله تعالى (٣).
قال يحيى بن سعيد: «لا بأس بالصلاة على السَّبْخة (٤) والتيمّم بها» (٥).
وفي حديث عائشة الطويل: «... قد أُريت دار هجرتكم رأيت سَبْخةً ذات نخْل بين لابتين وهما الحرَّتان» (٦).
قال ابن خزيمة عقب الحديث السابق في «صحيحه» (١/ ١٣٤): «ففي قول النّبيّ - ﷺ - أُريت سبْخة ذات نخل بين لابتين؛ وإعلامه إِيَّاهم أنها دار هجرتهم -وجميع المدينة، كانت هجرتهم- دلالة على أنَّ جميع المدينة سبخة، ولو كان التيمُّم غير جائز بالسّبخة وكانت السَّبخة على ما توهَّم بعض أهل عصرنا، أنَّه من البلد الخبيث، بقوله: ﴿والذي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا﴾، لكان قول هذه المقالة أنَّ أرض المدينة خبيثة لا طيِّبة، وهذا قول بعض أهل العناد لمَّا ذمَّ أهل المدينة، فقال: إِنها خبيثة فاعلم أنَّ النّبيّ - ﷺ -

---------------
(١) البقرة: ١٩٦
(٢) المائدة: ٨٩
(٣)»الفتاوى" (٢١/ ٣٤٨).
(٤) بتسكين الباء، وفي بعض النسخ بفتحها. هي الأرض المالحة لا تكاد تُنبت.
(٥) أخرجه البخاري معلّقًا بصيغة الجزم ولم يخرجه الحافظ.
(٦) أخرجه البخاري: ٢٢٩٧، والحرّة: الأرض ذات الحجارة السُّود.



سمّاها طيبة -أو طابة- فالأرض: السبخة هي طيبة على ما أخبر النّبيّ - ﷺ - أن المدينة طيبة، وإِذا كانت طيبة وهي سبخة؛ فالله عز وجل قد أمر بالتيمّم بالصعيد الطيب في نصِّ كتابه، والنّبيّ - ﷺ - قد أعلم أن المدينة طيبة -أو طابة- مع إِعلامهم إِياهم أنها سبخة، وفي هذا ما بان وثبت أنَّ التيمُّم بالسباخ جائز».
أمَّا تسمية طابة؛ فقد وردت في البخاري (١٨٧٢) كما في حديث أبي حُميد -رضي الله عنه- قال: «أقبَلنْا مع النّبيّ - ﷺ - من تبوك؛ حتى أشرَفْنا على المدينة فقال: هذه طابة».
وروى مسلم (١٣٨٥) وغيره عن جابر بن سمرة وقد قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «إِنَّ الله تعالى سمّى المدينة طابة».
وأما تسمية طَيْبَة؛ فقد ثبتت في «صحيح مسلم» (١٣٨٤) أيضًا عن زيد بن ثابت -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إِنها طَيْبَة (يعني: المدينة) وإِنِّها تنفي الخبث كما تنفي النّار خَبث الفضة».
قال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «الفتاوى» (٢١/ ٣٦٤): «وأمّا الصعيد ففيه أقوال؛ فقيل: يجوز التيمُّم بكلِّ ما كان من جنس الأرض، وإِن لم يعلَق بيده، كالزرنيخ (١)، والنُّورة (٢)، والجصّ (٣)، وكالصخرة الملساء، فأمّا ما لم يكن من جنسها كالمعادن فلا يجوز التيمُّم به، وهو قول أبي حنيفة،

----------------
(١) في»المحيط«: حَجَر معروف، منه أبيض وأحمر وأصفر.
(٢) في»الوسيط«: حجر الكلس.
(٣) الجَصّ: ما يُبنى به وهو معرّب.»مختار الصحاح".



ومحمّد يوافقه، لكن بشرط أن يكون مُغبرًا؛ لقوله: (منه) (١).
وقيل: يجوز بالأرض، وبما اتّصل بها حتى بالشَّجر، كما يجوز عنده وعند أبي حنيفة بالحجر والمدر (٢)، وهو قول مالك، ...
وقيل: لا يجوز إلاَّ بتراب طاهر، له غبار يعلق باليد، وهو قول أبي يوسف والشافعي وأحمد في الرواية الأخرى.
واحتج هؤلاء بقوله: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيدِيكم منه﴾، وهذا لا يكون إلاَّ فيما يعلق بالوجه واليد، والصَّخر لا يعلق لا بالوجه ولا باليد، واحتجُّوا بقول النّبيّ - ﷺ -: «جُعلت لي الأرض مسجدًا، وجُعلت تربتها طَهورًا». قالوا: فعمَّ الأرض بحُكم المسجد، وخصّ تربتها -وهو ترابها- بحُكم الطهارة.
واحتجّ الأولون بقوله تعالى: ﴿صعيدًا﴾، قالوا: والصَّعيد هو الصَّاعد على وجه الأرضِ، وهذا يعمُّ كلَّ صاعد؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وإِنَّما لجاعِلُون ما عليها صعِيداَ جُرُزًا﴾ (٣)، وقوله: ﴿فَتُصبحَ صعيدًا زلقًا﴾ (٤).
واحتجّ من لم يخصّ الحكم بالتراب بأنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: «جُعلت لي

-------------------
(١) قال شيخنا -حفظه الله-:»... وهذه الآية ينبغي أن تُفهم من خلال السُّنَّة كما قال تعالى: ﴿وأَنْزَلْنا إِليك الذِّكرَ لِتُبيِّنَ للنَّاسِ ما نزَلَ إِليهم﴾ النحل: ٤٤، فالدّم حرام في كتاب الله وكذلك الميتة، وبيّن النّبيّ - ﷺ - ما لم يحرم من ذلك، فلا بدَّ من ضمّ السُّنّة للقرآن؛ لتكون النتيجة صحيحة وكاملة«.
(٢) أي: الطين المتماسك.»النهاية".
(٣) الكهف: ٨
(٤) الكهف: ٤٠



الأرض مسجدًا وطَهورًا؛ فأيّما رجل من أمّتي أدركتْهُ الصلاة فليصلِّ»، وفي رواية: «فعنده مسجده وطَهوره». فهذا يُبيِّن أنّ المسلم في أيّ موضع كان عنده مسجده وطهوره.
ومعلوم أنَّ كثيرًا من الأرض ليس فيها تراب حرث، فإِن لم يجُز التيمُّم بالرّمل؛ كان مخالفًا لهذا الحديث، وهذه حجة من جوَّز التيمُّم بالرمل دون غيره، أو قرن بذلك السّبخة؛ فإِنَّ من الأرض ما يكون سبخة، واختلاف التُّراب بذلك كاختلافه بالألوان؛ بدليل قول النّبيّ - ﷺ -:
«إِنَّ الله خلق آدم من قبضة قبَضَها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض؛ جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود، وبين ذلك، والسّهل والحزَن، والخبيث والطيب» (١).
وآدم إِنّما خُلق من تراب، والتُّراب الطيب والخبيث، الذي يخرج بإِذن ربّه، والذي خبُث لا يخرج إلاَّ نكدا، لا يجوز التيمُّم به فعُلم أنَّ المراد بالطيِّب الطاهر، وهذا بخلاف الأحجار والأشجار؛ فإِنها ليست من جنس التراب، ولا تعلق باليد، بخلاف الزرنيخ والنورة، فإِنها معادن في الأرض، لكنها لا تنطبع كما ينطبع الذهب والفضة والرصاص والنحاس«. اهـ.
قال ابن القيم -رحمه الله- في»زاد المعاد«(١/ ٢٠٠) في هديه في التيمُّم:»وكذلك كان يتيمّم بالأرض التي يصلَّي عليها؛ ترابًا كانت أو سبخة أو رملًا، وصحَّ عنه أنه قال: «حيثما أدْركَتْ رجلًا من أمتي الصلاة فعنده

-------------------
(١) أخرجه ابن سعد في»الطبقات«، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، وغيرهم كما في»الصحيحة" (١٦٣٠) والنص الذي ذكره شيخ الاِسلام -رحمه الله- نحوه.


مسجدُه وطَهوره«(١).
وهذا نصٌّ صريح في أنّ من أدركته الصلاة في الرّمل؛ فالرمل لى طهور، ولمّا سافر هو وأصحابه في غزوة تبوك، قطعوا تلك الرّمال في طريقهم وماؤهم في غاية القلَّة، ولم يُروَ عنه أنَّه حملَ معه التراب، ولا أمر به، ولا فعله أحد من أصحابه، مع القطع بأنَّ في المفاوز الرمال أكثر من التراب، وكذلك أرض الحجاز وغيره، ومن تدبَّر هذا؛ قطع بأنَّه يتيمّم بالرمل، والله أعلم، وهذا قول الجمهور».
قال في «نيل الأوطار» (١/ ٣٢٨): «ويؤيد حمْل الصعيد على العموم تيمّمه - ﷺ - من الحائط ...».
وقال أيضًا: «قال ابن دقيق العيد:»ومن خصّص التيمُّم بالتراب، يحتاج إِلى أن يقيم دليلًا يخص به هذا العموم (٢) ... «(٣).
وسألتُ شيخنا -حفظه الله- عن اشتراط بعض العلماء الغبار والتراب في التيمُّم فقال:
»إِنَّ الغبار ليس من شروط الصعيد، والصعيد هو وجه الأرض، فيشمل الصخرة والرمل والتراب.
والصخرة التي هطلت عليها الأمطار فلا غبار عليها، فهل حين التيمُّم بها

----------------------
(١) أخرجه أحمد وإسناده حسن، وله شواهد عديدة ذكرها شيخنا في «الإرواء» (٢٨٥).
(٢) أي: عموم حديث: «فأينما أدركَت رجلًا من أمّتي الصلاة ...»
(٣) «نيل الأوطار» (١/ ٣٢٩).



حقَّق قوله تعالى: ﴿فتيمَّموا صَعِيدًا طيِّبًا﴾ (١) أم لا؟
وكذلك الأرض الرملية سواء مُطرت أم لم تُمطر؛ عند الضرب فلا غبار عليها، فهذا تكليف بما لا يُطاق.
ثمَّ ذكر سفر النّبيّ - ﷺ - من المدينة إِلى تبوك وأكثرها رملية، ولم يصطحب عليه الصلاة السلام معه ترابًا عند سفره.
ومن اشترط التراب فقد أوجب على المسافرين الذين يجتازون تلك المناطق؛ أن يصطحبوا معهم التراب.
وهذا يتناسب مع قاعدة: «يسِّروا ولا تعسِّروا»؛ وهو المُطابق لمزيَّة ما خَصَّه الله تعالى للنّبيّ - ﷺ - في قوله: «أعطيت خمسًا لم يعطهنَّ أحد قبلي: نُصرت بالرُّعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجلٍ من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ ...» (٢). فإِذا أدركته في الرِّمال فهل يبحث عن الغُبار؟ واشتراط خروج شيء من الممسوح غير وارد" (٣). وخلاصة القول: يجوز التيمُّم بالصعيد الطيّب سواء كان له غبار أم لا، وسواء كان ترابًا أم لا، كما يجوز التيمُّم بالسبخة والرمال والجدار والصخرة الملساء ونحو ذلك، والله أعلم.

من يستباح له التيمُّم:
يُستباح التيمُّم لمن أحدث حدثًا أصغر أو أكبر، سواء كان في سفر أو

--------------------
(١) النساء: ٤٣
(٢) تقدّم.
(٣) كذا قاله شيخنا -حفظه الله تعالى- بمعناه.



حضر، للأسباب الآتية:
١ - إِذا لم يجد الماء، لقوله تعالى: ﴿... فَلَمْ تَجِدوا مَاءً فَتَيَمَّموا صَعِيدًا طيبًا﴾ (١).
ولحديث عمران بن حصين «أنَّ رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا معتزلًا لم يُصلِّ في القوم، فقال: يا فلان! ما منَعك أن تصلي في القوم، فقال: يا رسول الله! أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد فإِنَّه يكفيك» (٢).
ولحديث أبي ذر -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إِنَّ الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإِن لم يجد الماء عشر سنين، فإِذا وجد الماء فليُمسّه بشره (٣) فإِنَّ ذلك خير» (٤).
ويدخل في معنى عدم وجود الماء؛ بُعده أو وجوده في بئر عميقة، أو صعوبة استخراجه لفقد الحبل أو الدلو، أو وجود حيوان مفترس عنده أو عدوّ آدمي؛ بحيث يتعذَّر الانتفاع به أو إِذا احتاجه لشُرب (٥) أو لعجن، أو طبخ«أو

---------------------
(١) النساء: ٤٣
(٢) أخرجه البخاري: ٣٤٨، ومسلم: ٦٨٢ نحوه.
(٣) في بعض كتب الحديث بشرته، والمعنى واحد، قال في»مختار الصحاح«: البشرة، والبشر: ظاهر جلد الإنسان.
(٤) أخرجه أحمد، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(١٠٧)، وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٢١)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٣١١)، وانظر»المشكاة«(٥٣٠)، و»الإِرواء«(١٥٣)، وتقدّم.
(٥) قال ابن حزم في»المحلى" (مسألة ٢٤٢): ومن كان معه ماءٌ يسير يكفيه =



إِزالة نجاسة.
قال الحسن في المريض عنده الماء ولا يجد من يُناوله: «يتيمّم» (١).
جاء في «المغني» (١/ ٢٣٨): «ومن حال بينه وبين الماء سبع أو عدو أو حريق أو لص فهو كالعادم، ولو كان الماء بمجمع الفساق، تخاف المرأة على نفسها منهم فهي عادمة ...».
وفيه أيضًا (١/ ٢٣٩): «ومن كان مريضًا لا يقدر على الحركة ولا يجد من يناوله الماء، فهو كالعادم ...».
قال في «الدراري» (١/ ٨٥): «فإِنَّ من تعذّر عليه استعمال الماء فهو عادم للماء، إِذ ليس المراد الوجود الذي لا ينفع؛ فمن كان يشاهد ماءً في قعر بئر يتعذّر عليه الوصول إِليه بوجه من الوجوه؛ فهو عادم.
٢ - إِذا خشي الضرر من استعمال الماء؛ لمرض أو جرح أو شدَّة برودة، وكان عاجزًا عن تسخينه؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم إنَّ اللهَ كان بكم رحيمًا﴾ (٢).
وعن جابر قال:»خرجنا في سفر؛ فأصاب رجلًا منّا حجر، فشجّه في رأسه، ثمَّ احتلم، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمُّم؟

------------------
= لشربه فقط؛ ففرْضه التيمُّم، لقوله الله تعالى: ﴿ولا تقتُلُوا أَنْفسكُم﴾ [النساء: ٢٩]
(١) أورده البخاري معلّقًا بصيغة الجزم، ووصَله إِسماعيل القاضي في «الأحكام» من وجه صحيح كما ذكر الحافظ في «الفتح» (١/ ٤٤١).
(٢) النساء: ٢٩



فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلمّا قدِمنا على النّبيّ - ﷺ - أُخبر بذلك فقال: قتلوه قتَلهم الله، ألا سألوا إِذ لم يعلموا؛ فإِنّما شفاء العِيّ السؤال» (١).
وعن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- قال: احتلمتُ في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفَقتُ إِن اغتسلتُ أن أهلِك، فتيمَّمْتُ، ثمَّ صلّيت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنّبيّ - ﷺ - فقال: «يا عمرو! صلّيت بأصحابك وأنت جُنُب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إِني سمعت الله يقول: ﴿ولا تقتلوا أنْفُسَكم إِنَّ اللهَ كان بكم رحيمًا﴾.
فضحك رسول الله - ﷺ - ولم يقل شيئًا» (٢).
وفي رواية: «فغسَل مغابنه وتوضّأ وضوءه للصلاة، ثمَّ صلّى بهم، فذكر نحوه ...» (٣).

-------------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٢٥)، وابن ماجه، والدارقطنيّ، وصححه ابن السكن كما في «الدراري المضية» (١/ ٨٢١)، و«المشكاة» (٥٣١).
وقال شيخنا في «تمام المنة» (١٣١): «هذا الحديث ضعَّفه البيهقي والعسقلاني وغيرهما، لكن له شاهد من حديث ابن عباس يرتقي به إِلى درجة الحسن ...».
(٢) أخرجه أحمد، وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٢٣)، والدارقطنيّ، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وصححه النووي أيضًا وغيرهم، وعلّقه البخاري (١/ ٩٥)، وقواه الحافظ ابن حجر كما في «الفتح» (١/ ٤٥٤)، وصححه شيخنا وذكر أنه على شرط مسلم، وانظر «الإِرواء» (١٥٤).
(٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٢٤)، والدارقطني وغيرهما، وانظر «الإِرواء» (١٥٤).



وقال البخاري: (باب إِذا خاف الجُنُب على نفسه المرض أو الموت أو خاف العطش يتيمّم). وأورد حديث عمرو بن العاص مُعلّقًا بصيغة التمريض.

هل يتيمّم من خاف فوت الرفقة؟
أجاز ذلك ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (٢/ ١٦٥) (المسألة ٢٢٩) وغيره.
وسألت شيخنا -حفظه الله تعالى- عن ذلك فقال: «إِنَّ خوف فَوْت الرفقة مسألة مطاطة، فربما فوت الرفقة عرَّض للهلاك، فله أن يتيمّم، وربما لم يؤدِّ ذلك إِلى ضرر، وإِنّما هو مجرّد فقْد الصحبة، فقد يكون خوف فوت الصحبة عذرًا وقد لا يكون، والشخص نفسه هو الذي يقدّر ذلك لا المفتي».

التيمُّم لردِّ السلام في الحضر أو السفر بوجود الماء:
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: أقبلتُ أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النّبيّ - ﷺ - حتى دخَلنا على أبي جُهيم بن الحارث بن الصِّمّة الأنصاري، فقال أبو الجُهيم: «أقبَل النّبيّ - ﷺ - من نحو بئر جَمَل (١) فلقيه رجل فسلَّم عليه، فلم يردّ عليه النّبيّ - ﷺ - حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثمَّ ردَّ عليه السلام» (٢).
قال ابن خزيمة (١/ ١٣٩) في «صحيحه» -عقب الحديث السابق-:

-------------------
(١) موضع معروف في المدينة.
(٢) أخرجه البخاري: ٣٣٧، ومسلم: ٣٦٩، وغيرهما.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 36.11 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 35.48 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.74%)]