
01-01-2026, 05:14 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,370
الدولة :
|
|
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة
عدد الأجزاء: ٧
الجزء الأول
من صــ 161الى صــ 175
الحلقة (12)
كما يكره أن تُؤتى معصيتُه» (١)!
وقال شيخ الإِسلام -رحمه الله-: «ومعلومٌ أنَّ الخفاف في العادة لا يخلو كثير منها عن فتقٍ أو خرقٍ، لا سيما مع تقادُم عهدها، وكان كثير من الصحابة فقراء، لم يكن يمكنهم تجديد ذلك.
ولما سُئِل النّبيُّ - ﷺ - عن الصَّلاة في الثَّوب الواحد، فقال:»أوَ لكلِّكم ثوبان«(٢)؟! وهذا كما أنَّ ثيابهم كان يكثر فيها الفتق والخرق حتى يحتاج لترقيع؛ فكذلك الخفاف» (٣).
وقال -رحمه الله-: «وكان مقتضى لفْظه أنَّ كلَّ خفٍّ يلبسه النَّاس ويمشون فيه؛ فلهم أن يمسحوا عليه، وإن كان مفتوحًا أو مخروقًا؛ من غير تحديد لمقدار ذلك؛ فإِنَّ التحديد لا بدَّ له من دليل» (٤).
وقال -رحمه الله- أيضًا: «وأيضًا؛ فأصحاب النّبيّ - ﷺ - الذين بلَّغوا سنَّته
وعملوا بها؛ لم يُنْقَل عن أحدٍ منهم تقييد الخفِّ بشيء من القيود، بل أطلقوا المسح على الخفّين، مع علمهم بالخفاف وأحوالها، فعُلم أنَّهم كانوا قد فهموا عن نبيِّهم جواز المسح على الخفّين مطلقًا.
وأيضًا؛ فكثير من خفاف النّاس لا يخلو من فتق أو خرق يظهر منه بعض القدم، فلو لم يجز المسح عليها؛ بطل مقصود الرخصة، لا سيِّما والذين
-----------------
(١) أخرجه أحمد وغيره، وسنده صحيح على شرط مسلم، وانظر»الإِرواء«(٥٦٤).
(٢) أخرجه البخاري: ٣٥٨، ومسلم: ٥١٥، وغيرهما.
(٣)»الفتاوى«(٢١/ ١٧٤).
(٤)»الفتاوى" (٢١/ ١٧٤).
يحتاجون إِلى لُبس ذلك هم المحتاجون» (١).
وقال (ص١٨٣) (٢): «وإنْ قالوا بأنَّ المسح إِنَّما يكون على مستور أو مغطَّى ونحو ذلك؛ كانت هذه كلّها عبارات عن معنى واحد، وهو دعوى رأس المسألة بلا حُجَّة أصلًا، والشارع أمرَنا بالمسح على الخفّين مطلقًا، ولم يقيِّدْه، والقياس يقتضي أنَّه لا يقيَّد».
وقال (ص٢١٢ و٢١٣) (٣): «... ولفظ الخفِّ يتناول ما فيه من الخرق وما لا خرق فيه، لا سيَّما والصحابة كان فيهم فقراء كثيرون، وكانوا يسافرون، وإذا كان كذلك؛ فلا بدَّ أن يكون في بعض خفافهم خروق، والمسافرون قد يتخرَّق خفُّ أحدهم، ولا يمكنه إِصلاحه في السَّفر، فإِن لم يجز المسح عليه؛ لم يحصل مقصود الرخصة» اهـ.
ولو كان هناك استثناء أو منع؛ -لبيَّنه الشرع؛ كما هو شأن الأضحية-، فلمَّا لم يبلُغْنا شيء من هذا؛ دلَّ على أنَّ المسح يظلُّ على إِطلاقه، والمخرَّق جزء من هذا المطلق.
خامسًا: المسح على اللفائف.
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «... فإِنْ قيل: فيلزم من ذلك جواز المسح على اللفائف، وهو أن يلفَّ الرجل لفائف من البرد أو خوف الحفاء أو من جراح بهما ونحو ذلك.
قيل: في هذا وجهان، وذكَرهما الحلواني، والصواب أنَّه يمسح على
---------------------
(١)»الفتاوى«(٢١/ ١٧٥).
(٢)»الفتاوى«المجلد (٢١).
(٣)»الفتاوى" المجلد (٢١).
اللفائف، وهي بالمسح أولى من الخفّ والجورب؛ فإِنَّ تلك اللفائف تستعمل للحاجة في العادة، وفي نزْعها ضرر: إِمَّا إِصابة البرد، وإمّا التأذِّي بالحفاء، وإِمّا التأذي بالجراح، فإِذا جاز المسح على الخفّين والجوربين؛ فعلى اللفائف بطريق الأولى«(١).
سادسًا: أحكام تتعلَّق بالمسح على الخفَّين.
١ - خلْع الممسوح عليه هل ينقض الوضوء؛
قال شيخنا -حفظه الله تعالى-:»اختلف العلماء فيمن خلَع الخفَّ ونحوه بعد أن توضّأ ومسح عليه على ثلاث أقوال:
الأوَّل: أنَّ وضوءه صحيح ولا شيء عليه.
الثاني: أنَّ عليه غسل رجليه فقط.
الثالث: أنَّ عليه إِعادة الوضوء.
وبكلٍّ من هذه الأقوال قد قال به طائفة من السَّلف، وقد أخرج الآثار عنهم بذلك: عبد الرزاق في «المصنَّف» (١/ ٢١٠/٨٠٩ - ٨١٣)، وابن أبي شيبة (١/ ١٨٧ - ١٨٨)، والبيهقيّ (١/ ٢٨٩ - ٢٩٠).
ولا شكَّ أنَّ القول الأول هو الأرجح؛ لأنَّه المناسب لكون المسح رخصة وتيسيرًا من الله، والقول بغيره ينافي ذلك؛ كما قال الرافعي في المسألة التي قبلها؛ كما تقدّم، ويترجّح على القولين الآخرين بمرجِّح آخر، بل مرجِّحين:
------------------------
(١) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٨٤ - ١٨٥).
الأوَّل: أنَّه موافق لعمل الخليفة الراشد علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- فقد قدَّمْنا بالسند الصحيح عنه: «أنَّه أحدث، ثمَّ توضّأ ومسَح على نعليه، ثمَّ خلعَهما، ثمَّ صلى».
والآخر: موافقته للنَّظر الصحيح؛ فإِنَّه لو مسَح على رأسه، ثمَّ حلق؛ لم يجب عليه أن يُعيد المسح بله الوضوء.
وهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال في «اختياراته» (ص ١٥): «ولا ينتقض وضوء الماسح على الخفِّ والعمامة بنزعهما، ولا بانقضاء المدَّة، ولا يجب عليه مسح رأسه، ولا غسل قدميه، وهو مذهب الحسن البصريِّ؛ كإِزالة الشعر الممسوح على الصحيح من مذهب أحمد، وقول الجمهور».
وهو مذهب ابن حزم أيضًا، فراجِع كلامه في ذلك ومناقشته لمن خالف؛ فإِنَّه نفيس. «المحلّى» (٢/ ١٠٥ - ١٠٩) (١) «اهـ.
قال البخاري في»صحيحه«(٢):»وقال الحسن: إنْ أخذَ من شعره وأظفاره أو خلَعَ خفَّيه، فلا وضوء عليه«.
----------------------
(١)»إِتمام النصح في أحكام المسح«(٨٦ - ٨٨).
(٢) (كتاب الوضوء) (١/ ٥٥).
قال الحافظ في»الفتح«(١/ ٢٨١):»التعليق عنه -أي؛ الحسن- للمسألة الأولى: وصَله سعيد بن منصور وابن المنذر بإِسناد صحيح"، وتقدّم في (باب ما يظن أنَّه ينقض الوضوء).
ونقَل ابن المنذر الإِجماع على ذلك (١).
٢ - انتهاء مدَّة المسح هل ينقض الوضوء؟
قال شيخنا -حفظه الله تعالى-:»للعلماء في ذلك أقوال، أشهرها قولان في مذهب الشافعي:
الأوَّل: يجب استئناف الوضوء.
الثاني: يكفيه غَسل القدمين.
والثالث: لا شيء عليه، بل طهارته صحيحة، يصلّي بها ما لم يُحْدث. قاله النَّووي -رحمه الله-.
قلت: وهذا القول الثالث أقواها، وهو الذي اختاره النَّووىِ، خلافًا لمذهبه، فقال -رحمه الله- (١/ ٥٢٧): وهذا المذهب حكاه ابن المنذر عن الحسن البصريِّ وقَتادة وسليمان بن حرب، واختاره ابن المنذر، وهو المختار الأقوى، وحكاه أصحابنا عن داود.
قلت: وحكاه الشعراني في «الميزان» (١/ ١٥٠) عن الإِمام مالك، وحكى النَّووي عنه غيره؛ فليحقَّق، وهو الذي ذهب إِليه شيخ الإِسلام ابن تيمية كما تراه في كلامه السابق في المسألة الثالثة (ص٩٢) تبعًا لابن حزم، وذكر هذا في القائلين به إِبراهيم النخعي وابن أبي ليلى.
ثمَّ قال (٢/ ٩٤): وهذا هو القول الذي لا يجوز غيره؛ لأنَّه ليس في شيء
----------------
(١) انظر «الفتح» (كتاب الوضوء، تحت باب ٣٤)، وتقدّم أيضًا في نفس الباب السابق.
من كتب الأخبار أنَّ الطَّهارة تنتقض عن أعضاء الوضوء، ولا عن بعضها، بانقضاء وقت المسح، وإِنَّما نهى -عليه السلام- عن أن يمسح أحدٌ أكثر من ثلاث للمسافر أو يوم وليلة للمقيم، فمن قال غير هذا؛ فقد أقحم في الخبر ما ليس فيه، وقوَّل رسول الله - ﷺ - ما لم يقل، فمن فعل ذلك واهمًا؛ فلا شيء عليه، ومن فعَل ذلك عامدًا بعد قيام الحجة عليه؛ فقد أتى كبيرة من الكبائر، والطهارة لا ينقضها إلاَّ الحدث، وهذا قد صحّت طهارته ولم يُحْدِث، فهو طاهر، والطاهر يصلّي ما لم يُحْدِث أو ما لم يأت نصٌّ جليٌّ فيِ أنَّ طهارته انتقضت وإِنْ لم يُحدِث، وهذا الذي انقضى وقت مسْحه لم يُحْدِث ولا جاء نصٌّ في أنَّ طهارته انتقضت؛ لا عن بعض أعضائه، ولا عن جميعها؛ فهو طاهرٌ يصلِّي حتى يُحْدِث، فيخلع خفَّيه حينئذ، وما على قدميه، ويتوضّأ، ثمَّ يستأنف المسح توقيتًا آخر، وهكذا أبدًا. وبالله تعالى التوفيق» (١).
٣ - هل تنْزَع الخفاف من جنابة؛
نعم؛ تُنْزَع؛ لحديث صفوان بن عسَّال، قال: «كان رسول الله - ﷺ - يأمُرُنا إِذا كنَّا سَفْرًا أن لا ننزِعَ خفافنا ثلاثة أيام ولياليهنَّ؛ إلاَّ من جنابة، ولكنْ من غائط وبول ونوم» (٢).
٤ - اللبس على طهارة شرطٌ للمسح.
لحديث المغيرة -رضي الله عنه- قال: «كنتُ مع النّبيّ - ﷺ - في سفرٍ،
---------------------
(١)»تمام النصح في أحكام المسح" (ص٩٢ و٩٣).
(٢) أخرجه مسلم: ٢٧٦، وغيره، وتقدم.
فأهويْتُ لأنزعَ خفَّيه، فقال:»دعْهُما؛ فإِنِّي أدخلتُهما طاهرتين«، فمسح عليهما» (١).
٥ - محلُّ المسح.
يمسح على ظهر الخفَّين أو النعلين أو الجوربين، ويجوز مسح أيِّ جزء تُغْسَل فيه القدم خلا أسفلها (٢).
عن المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه-: «أنَّ رسول الله - ﷺ -: كان يمسح على الخُفَّين»، وقال: «على ظهر الخُفَّين» (٣).
وعن علي -رضي الله عنه- قال: «لو كان الدِّين بالرَّأي لكان أسفل الخُفِّ أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت النّبيّ - ﷺ - يمسح على ظاهر خُفَّيْه» (٤).
٦ - مدَّة المسح، ومتى تبدأ؟
مدّة المسح ثلاثة أيام ولياليهنَّ للمسافر، ويوم وليلة للمقيم.
عن شُريح بن هانئ؛ قال: أتيتُ عائشة أسألها عن المسح على الخفَّين؟
فقالت: عليك بابن أبي طالب؛ فسَلهُ؛ فإِنَّه كان يسافر مع رسول الله - ﷺ -.
فسألناه؛ فقال: «جَعَلَ رسول الله - ﷺ - ثلاثة أيَّام ولياليهنَّ للمسافر، ويومًا
---------------------
(١) أخرجه البخاري: ٢٠٦، ومسلم: ٢٧٤ نحوه، وغيرهما، وتقدّم.
(٢) العبارة الأخيرة استفدتها من شيخنا الألباني -حفظه الله تعالى-.
(٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٤٦) وغيره وانظر»الإرواء«(١٠١).
(٤) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٤٧)، والدارقطنيّ، والبيهقيّ، وغيرهم. وصحّح الحافظ إِسناده في»التلخيص«. وانظر»الإِرواء" (١٠٣).
وليلةً للمقيم» (١).
وعن خُزيمة بن ثابت عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: «المسح على الخُفَّين للمسافر ثلاثة أيَّام، وللمقيم يوم وليلة» (٢).
وعن صفوان بن عسَّال؛ قال: «كان رسول الله - ﷺ - يأمرُنا إِذا كُنَّا سَفْرًا أن لا ننزعَ خفافنا ثلاثة أيَّام ولياليهنَّ؛ إلاَّ من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم» (٣).
قال أبو عيسى التِّرمذي: «وهو قول أكثر العلماء من أصحاب النّبيّ - ﷺ - والتابعين ومَن بعدهم من الفقهاء؛ مثل: سفيان الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإِسحاق؛ قالوا: يمسح المقيم يومًا وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليهنَّ».
ويبدأ التوقيت من المسح بعد الحدث على القول الراجح.
قال شيخنا -حفظه الله تعالى-: «... فالأحاديث الصحيحه التي رواها جمع من الصحابة في»صحيح مسلم«والسنن الأربعة والمسانيد وغيرها؛ ففيها أنَّ النّبيّ - ﷺ -: أمر بالمسح، وفي بعضها: رخَّص في المسح، وفي غيرها: جَعَل المسح للمقيم يومًا وليلة، وللمسافر ثلاثةٌ أيام ولياليهن، ومن
-------------------------
(١) أخرجه مسلم: ٢٧٦
(٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٤٢)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٨٣)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٤٤٨)، وانظر»المسح على الجوربين«(ص ٨٨).
(٣) أخرجه أحمد، وهو في»صحيح سنن الترمذي«(٨٤)، و»صحيح سنن النسائي«(١٢٢)، و»الإِرواء" (١٠٤)، وتقدم.
الواضح جدًّا أنَّ الحديث كالنَّصِّ على ابتداء مدة المسح من مباشرة المسح، وهو كالنصٍّ أيضًا على ردِّ القول الأوَّل؛ لأنَّ مقتضاه -كما نصُّوا عليه في الفروع- أنَّ من صلَّى الفجر قبيل طلوع الشمس، ثمَّ أحدث عند الفجر من اليوم الثاني، فتوضّأ ومسح لأوَّل مرة لصلاة الفجر؛ فليس له المسح بعدها! فهل يصدق على مثل هذا أنَّه مسح يومًا وليلة؟!
أمَّا على القول الثاني الرَّاجح؛ فله أن يمسح إِلى قبيل الفجر من اليوم الثالث، بل لقد قالوا أغرب ممَّا ذكرنا: فلو أحدث ولم يمسح حتى مضى من بعد الحدث يوم وليلة أو ثلاثة إِن كان مسافرًا؛ انقضت المدَّة، ولم يجُز المسح بعد ذلك حتّى يستأنف لبسًا على طهارة، فحرموه من الانتفاع بهذه الرخصة؛ بناء على هذا الرأي المخالف للسنَّة!
ولذلك لم يسَع الإِمام النَّوويّ إلاَّ أن يخالف مذهبه -وهو الحريص على أنْ لا يخالفه ما وجد إِلى ذلك سبيلًا- لقوَّة الدَّليل، فقال -رحمه الله تعالى- بعد أن حكى القول الأوَّل ومن قال به (١/ ٤٨٧)؛ قال: وقال الأوزاعي وأبو ثور: ابتداء المدَّة من حين يمسح بعد الحدث، وهو رواية عن أحمد وداود، وهو المختار الراجح دليلًا، واختاره ابن المنذر، وحكى نحوه عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وحكى الماورديُّ والشاشيُّ عن الحسن البصريِّ أنَّ ابتداءها من اللبس«(١).
وقال شيخنا -حفظه الله تعالى-:».. روى عبد الرزاق في «المصنَّف» (١/ ٢٠٩/٨٠٧) عن أبي عثمان النَّهدي؛ قال: «حضرتُ سعدًا وابن عمر يختصمان إِلى عمر في المسح على الخفَّين، فقال عمر: يمسح عليهما إِلى
------------------------
(١)»تمام النصح" (٨٩ و٩٠).
مِثل ساعته من يومه وليلته.
قلت: وإسناده صحيح على شرط الشيخين، وهو صريح في أنَّ المسح يبتدئ من ساعة إِجرائه على الخفِّ إِلى مثلها من اليوم والليلة، وهو ظاهر كلِّ الآثار المرويَّة عن الصحابة في مدَّة المسح فيما عَلِمنا» (١).
هل يشرع المسْح على الجبيرة ونحوها؟
قال البيهقي: لا يثبت عن النّبيّ - ﷺ - في هذا الباب شيء يعني باب المسح على العصائب والجبائر.
قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلى» (٢/ ١٠٣) (مسألة ٢٠٩): «ومن كان على ذراعيه أو أصابعه أو رجليه جبائر أو دواء ملصق لضرورة؛ فليس عليه أن يمسح على شيء من ذلك؛ وقد سقط حُكم ذلك المكان؛ فإِن سقط شيء من ذلك بعد تمام الوضوء؛ فليس عليه إِمساس ذلك المكان بالماء؛ وهو على طهارته ما لم يحدث -: برهان ذلك-: قول الله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إِلاَّ وسعها﴾ (٢) وقول رسول الله - ﷺ -:»إِذا أمرتكم بأمر فأْتوا منه ما استطعتم؟ «(٣).
فسقط بالقرآن والسنّة كل ما عجز عنه المرء، وكان التعويض منه شرعًا، والشرع لا يلزم إلاَّ بقرآن أو سنّة، ولم يأت قرآن ولا سنّة بتعويض المسح على الجبائر والدواء من غسل ما لا يقدر على غسله، فسقط القول بذلك».
----------------------
(١) «تمام النصح» (٩١ و٩٢).
(٢) البقرة: ٢٨٦
(٣) أخرجه البخاري: ٧٢٨٨، ومسلم: ١٣٣٧
ثمَّ بيَّن ضعف بعض الأحاديث التي ذُكرت في الموضوع، وأجاب عن أثر ابن عمر المتقدّم بأنّه فِعْل منه لا إِيجابًا بالمسح، وقد صحّ عنه أنّه كان يُدخل الماء في باطن عينيه في الوضوء والغُسل ولا يشرع ذلك، فضلًا عن أن يكون فرضًا (١).
وسألتُ شيخنا -حفظه الله- عن هذا فقال: «نعم، ونزيد أنّه قد ثبت المسح على الجبيرة عن بعض الصحابة، وإنْ كنّا لا نتبنّى ذلك لِما سبق؛ فلا نحجّر على الناس أن يفعلوا ذلك».
قلت: «من باب احترام الرأي!، فقال -حفظه الله-: نعم».
--------------------
(١) انظر «تمام المنة» (ص١٣٤)، و«الإرواء» (١/ ١٤٢).
الغُسل
الغُسل -بضم الغين المعجمة-: اسم للاغتسال، وهو تعميم البدن بالماء.
وقال الحافظ في «الفتح»: «وحقيقة الاغتسال غَسْل جميع الأعضاء، مع تمييز ما للعبادة عمَّا للعادة بالنيَّة».
قال الله تعالى: ﴿وإِنْ كُنْتمْ جُنُبًا (١) فاطَهَّروا﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿يا أَيّها الذين آمنوا لا تقربوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكَارى حتَّى تَعْلَموا ما تقولونَ ولا جُنبًا إِلاَّ عابري سبيلٍ حتَّى تغْتَسلوا﴾ (٣).
------------------
(١) قال في «النهاية»: «الجُنُب: الذي يجب عليه الغُسل بالجماع وخروج المنيّ ...».
(٢) المائدة: بعض الآية: ٦
(٣) النساء: ٤٣، قال الحافظ في «الفتح»: «قال الكرماني: غرضُه [أي: البخارى -رحمه الله-] بيان أن وجوب الغسل على الجُنُب مستفاد من القرآن.
قلت: وقدَّم الآية [أي: ﴿وإِن كنتم جُنُبًا فاطهروا﴾] التي من سورة المائدة على الآية [أي: [يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة ...﴾ الآية] التي من سورة النساء لدقيقة، وهي أنَّ لفظ التي في المائدة: ﴿فاطَّهَّروا﴾؛ ففيها إِجمال، ولفظ التي فى النساء: ﴿حتى تغتسلوا﴾؛ ففيها تصريح بالاغتسال، وبيان للتّطهير المذكور، ودلَّ على أنَّ المراد بقوله تعالى: ﴿فاطهروا﴾: فاغتسلوا، قوله تعالى في الحائض: ﴿ولا تقربوهنّ حتى يَطْهُرْن فإِذا تَطَهَّرْن﴾؛ أي: اغتسلن اتفاقًا».
موجبات الغُسْل
أولًا: خروج المنيِّ بدفق -سواء كان في النَّوم أو اليقظة- من ذكر أو أنثى:
لِما ثَبَتَ عن أمِّ سلمة أمِّ المؤمنين -رضي الله عنها-: أنها قالت: جاءت أمّ سُليم امرأة أبي طلحة إِلى رسول الله - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله! إِنَّ الله لا يستحيي من الحقِّ (١)؛ هل على المرأة من غُسل إِذا هي احتلمتْ؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «نعم؛ إِذا رأت الماء» (٢).
ولحديث عليّ -رضي الله عنه-: «إِذا رأيتَ المذي؛ فاغسل ذكَرك وتوضأ وضوءك للصّلاة، فإِذا فَضَخْتَ (٣) الماء؛ فاغتسل» (٤).
قال ابن قُدامة -رحمه الله-: «فخروج المنيِّ الدافق بشهوة يوجب الغسل من الرجل والمرأة في يقظة أو في نوم، وهو قول عامَّة الفقهاء، قال التِّرمذي، ولا نعلم فيه خلافًا» (٥).
ومنيُّ الرجل غليظ أبيض، أمَّا منيُّ المرأة؛ فرقيق أصفر؛ لقوله - ﷺ -: «إِنَّ
--------------------
(١) قال في»الفتح«:»قدَّمت هذا القول، تمهيدًا لعُذرها في ذِكر ما يستحيى منه«.
(٢) أخرجه البخاري: ٢٨٢، ومسلم: ٣١٣، وغيرهما.
(٣) فضْخ الماء: دفْقه وخروجه على وجه الشدّة.
(٤) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٩٠)، وغيره، وانظر»الإِرواء«(١٢٥).
(٥)»المغني" (١/ ١٩٧/ باب ما يوجب الغُسل).
ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر ...» (١).
ويستفاد من الحديثين المتقدِّمين: عدم وجوب الغُسل على من احتلَمَ ولم يجد منيًّا؛ من ذكر أو أنثى.
فقد سألتْ زوجُ أبي طلحة رسولَ الله - ﷺ -: «هل على المرأة من غُسل إِذا هي احتلمتْ؟». فقال رسول الله - ﷺ -: «نعم؛ إِذا رأتِ الماء».
فقيَّد - ﷺ - الاغتسال برؤيتها الماء، فإِنْ لم ترَ؛ فلا اغتسال عليها.
وفي حديث عليّ -رضي الله عنه-: «إِذا فَضَخْتَ الماء؛ فاغْتَسلْ». فإِذا لم تفضخ الماء؛ فلا اغتسال إِذن.
كما يُستفاد من ذلك وجوب الاغتسال، ولو لم يذكر الاحتلام؛ لأنَّ تعليق الاغتسال في الحديثين السابقين كان برؤية الماء وفضْخه؛ كما هو بيِّن.
وقد جاء هذا صريحًا في حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: سُئل رسول الله - ﷺ - عن الرجل يجد البَلَل ولا يذكر احتلامًا؟ قال: «يغتسل».
وعن الرجل يرى أنَّه قد احتلم ولا يجد البلل؟ قال: «لا غُسل عليه».
فقالت أمُّ سُليم: المرأة ترى ذلك؛ أعليها غُسل؟ قال: «نعم: إِنَّما النِّساء شقائق الرِّجال» (٢).
------------------
(١) أخرجه مسلم: ٣١٢
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢١٦) التحقيق الثاني، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٤٩٦)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٩٨)، وانظر «المشكاة» (٤٤١).
خُلاصة لما سبق:
١ - إِذا احتلم ولم يجد منيًّا؛ فلا غُسل عليه.
٢ - إِذا استيقظ من نومه، ووجد بللًا، ولم يذكر احتلامًا؛ فعليه، الغُسل.
٣ - إِذا جامع فعليه الاغتسال؛ أنزَل أو لم يُنْزِل.
٤ - الرجل والمرأة في كل ذلك سواء.
ثانيًا: التقاء الختانين:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إِذا جلسَ بين شُعَبِها (١) الأربع، ثمَّ جَهَدَها (٢)؛ فقد وجب الغُسل» (٣).
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا جَلَسَ بين
-----------------
(١) قاله في»النهاية«:»هي اليدان والرّجلان، وقيل: الرجلان والشُّفران، فكنى بذلك عن الإِيلاج«. والشُّفران: طرف الناحيتين.
وجاء في»الفتح«:»والشُّعَب: جمع شُعبة، وهي القطعة من الشيء. قيل: المراد هنا يداها ورجلاها، وقيل: رجلاها وفخذاها وقيل: ساقاها وفخذاها، وقيل: فخذاها واسكتاها، وقيل: فخذاها وشُفراها، وقيل: نواحي فرجها الأربع".
والاسكتان: ناحيتا الفرج.
(٢) أي: بلغ المشقَّة، قيل: معناها كدّها بحركته، أو بلَغ جهده في العمل بها.
(٣) أخرجه البخاري: ٢٩١، ومسلم: ٣٤٨

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|