عرض مشاركة واحدة
  #11  
قديم 01-01-2026, 05:08 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,275
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الأول
من صــ 146الى صــ 160
الحلقة (11)





٢٣ - إِسباغ الوضوء على المكاره.
عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «ألا أدلّكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟». قالوا: بلى يا رسول الله! قال: «إِسباغ الوُضوء على المكاره (١)، وكثرة الخُطا إِلى المساجد، وانتظار الصّلاة بعد الصّلاة؛ فذلكم الرّباط (٢)» (٣).
وتقدَّم حديث لَقيط بن صَبِرة: «أسبِغ الوضوء، وخلِّل بين الأصابع، وبالِغ في الاستنشاق؛ إلاَّ أن تكون صائمًا».

٢٤ - عدم ترتيب الوضوء لا يفسده.
الأصل في الوضوء الترتيب، ولكن ليس هناك ما يدلّ على أنَّ عدم ترتيب الوضوء يفسده، فقد ثبت عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه توضّأ من غير ترتيب؛ كما في حديث المقدام بن معديكرب -رضي الله عنه- قال: «أُتي رسول الله - ﷺ - بوَضوء، فتوضّأ، فغسل كفّيه ثلاثًا، ثمَّ غسل وجهه ثلاثًا، ثمَّ غسل ذراعيه ثلاثًا، ثمَّ مضمض واستنشق ثلاثًا، ومسح برأسه وأُذنيه ظاهرهما وباطنهما، وغسل رجليه ثلاثًا» (٤).

--------------------
(١) جمع مَكْرَه، وهو ما يكرهه الإِنسان ويشقُّ عليه، والكُره: المشقَّة، والمعنى: أن يتوضّأ مع البرد الشديد والعِلل التي يتأذَّى معها بمسِّ الماء. «النهاية».
(٢) الرباط في الأصل: الإِقامة على جهاد العدو بالحرب؛ أي: أنَّ المواظبة على الطهارة والصلاة والعبادة كالجهاد في سبيل الله. «النهاية» بحذف.
(٣) أخرجه مسلم: ٢٥١، وغيره.
(٤) أخرجه أحمد، وأبو داود، وقال الشوكاني: «إِسناده صالح»، وحسّن إِسناده النووي والحافظ ابن حجر. وانظر «تمام المنّة» (ص٨٨).


٢٥ - النّهي عن الاعتداء في الوُضوء.
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه؛ قال: جاء أعرابيٌّ إِلى النّبيّ - ﷺ - يسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثًا ثلاثًا، ثمَّ قال: «هكذا الوضوء؛ فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدّى وظلم» (١).
وفي الحديث: «إِنّه سيكون في هذه الأمَّة قومٌ يعتدون في الطُهور (٢) والدُّعاء» (٣).

٢٦ - الرجل يُوضِّئ صاحبه.
عن أسامة بن زيد: أنَّ رسول الله - ﷺ - لمّا أفاض من عرفة؛ عدل إِلى الشِّعْب، فقضى حاجته. قال أسامةُ بن زيد: فجعلْت أصُبُّ عليه ويتوضّأ، فقلت: يا رسول الله! أتصلّي؟ فقال: «المُصلَّى أمامك» (٤).
وعن المغيرة بن شعبة: «أنَّه كان مع رسول الله - ﷺ - في سفر، وأنَّه ذهب لحاجةٍ له، وأنَّ مغيرةَ جعل يصبُّ الماء عليه وهو يتوضّأ، فغسل وجهه ويديه ومسح على الخُفّين» (٥).

----------------------
(١) أخرجه النسائى «صحيح سنن النسائي» (١٣٦)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٣٣٩)، وانظر «المشكاة» (٤١٧).
(٢) الطهور: بالضم ويُفتح. «مرقاة» (٢/ ١٢٥).
(٣) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٨٧)، وابن ماجه، وانظر «المشكاة» (٤١٨).
(٤) أخرجه البخاري: ١٨١
(٥) أخرجه البخارى: ١٨٢، ومسلم: ٢٧٤، وغيرهما.



٢٧ - التخفيف في الوضوء.
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «بتُّ عند خالتي ميمونة ليلة، فقام النّبيّ - ﷺ - من الليل، فلمّا كان في بعض الليل؛ قام النّبيّ - ﷺ -، فتوضّأ من شنٍّ (١) مُعلَّق وضوءًا خفيفًا -يخفّفه عمرو ويقلّله (٢) - وقام يُصلِّي ...» (٣).
وعن أنس -رضي الله عنه- قال: «كان النّبيّ - ﷺ - يغسل (٤) (أو كان يغتسل) (٥) بالصّاع (٦) إِلى خمسة أمداد (٧)، ويتوضّأ بالمُدّ» (٨).

--------------------
(١) الشَّنُّ: القربة العتيقة.
(٢) أي: يصِفه بالتخفيف والتقليل. وقال ابن المنيِّر: يخفِّفه؛ أى: لا يُكثر الدَّلك، ويقلِّله؛ أي: لا يزيد على مرة مرة. وقيل: الاقتصار على سيلان الماء على العضو أخفُّ من قليل الدَّلك، والله أعلم. عن «الفتح» بشيء من الاختصار.
(٣) أخرجه البخاري: ١٣٨
(٤) أي: جسده.
(٥) قال الحافظ: «الشَّكُّ فيه من البخاري أو من أبي نُعيم لما حدَّثه به».
(٦) الصَّاع: إناء يتسع خمسة أرطال وثُلُثًا بالبغدادي، وقال بعض الحنفيَّة: ثمانية.
«الفتح». وهو أربعة أمداد. «النهاية». و«الفتح». وقال أبو داود في «سننه»: «وسمعْتُ أحمد بن حنبل يقول: الصَّاع خمسة أرطال، وهو صاع ابن أبي ذئب، وهو صاع النّبيّ - ﷺ -».
(٧) جاء في «النهاية»: «المُدُّ في الأصل: رُبع الصاع، وِإنّما قُدِّر به لأنَّه أقل ما كانوا يتصدقون به في العادة». وفيه أيضًا: «وهو رطل وثُلُث بالعراقي، عند الشافعي وأهل الحجاز، وهو رطلان عند أبي حنيفة وأهل العراق».
(٨) أخرجه البخارى: ٢٠١، ومسلم: تحت ٣٢٥، وغيرهما.



وعن أنس -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله - ﷺ - يغتسل بخمس مكاكيك (١)، ويتوضّأ بمكّوك» (٢).
وعن عُمارة: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - توضّأ، فأُتي بإِناء فيه ماء؛ قدر ثُلُثي المدّ» (٣).
وعن عبد الله بن زيد: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - أُتيَ بثُلُثي مُدّ، فجعل يدلك ذراعه» (٤).

٢٨ - استعمال فضل وضوء النّاس.
عن أبي جُحيفَة -رضي الله عنه- قال: «خرج علينا رسول الله - ﷺ - بالهاجرة (٥)، فأُتي بوَضوء فتوضّأ، فجعل النّاسُ يأخذون من فضل وَضوئه فيتمسّحون به، فصلّى النّبيّ - ﷺ - الظهر ركعتين والعصر ركعتين وبين يديه

--------------------
(١) جاء في»النهاية«:»أراد بالمكُّوك: المُدّ، وقيل: الصَّاع، والأول أشبه؛ لأنّه جاء في حديث آخر مفسرًا بالمُدِّ، والمكوك: اسم للمكيال«.
وقوله:»والأول أشبه«؛ هو الصواب إِن شاء الله؛ فقد ورَدت فيه النصوص كما تقدّم، أمّا الصَّاع إِلى خمسة أمداد فهو مقدار ما كان يغتسل به عليه السلام.
(٢) أخرجه مسلم: ٣٢٥، وغيره.
(٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٨٥).
(٤) عن»صحيح سنن ابن خزيمة" (١١٨)، وعند الحاكم مِثله، وصحَّحه شيخنا -حفظه الله-.
(٥) نصف النهار، عند اشتداد الحرّ؛ لأنَّ الناس يستكنُّون في بيوتهم، كأنّهم قد تهاجروا.



عَنَزَة (١) «» (٢).

فوائد يحتاج المتوضِّىء إِليها (٣).
* الكلام المباح أثناء الوضوء مُباح، ولم يَرِدْ في السنّة ما يدلّ على منعه.
* الدّعاء عند غسل الأعضاء باطل لا أصل له.
* لو شكَّ المتوضئ في عدد الغسلات؛ يبني على اليقين، وهو الأقل.
* وجود الحائل -مثل الشَّمع (٤) - على أيّ عضو من أعضاء الوضوء يُبطله، أمّا اللون وحده -كالخضاب بالحنّاء مثلًا-، فإِنَّه لا يؤثر في صحة الوضوء؛ لأنَّه لا يَحُولُ بين البشرة وبين وصول الماء إِليها.
* المستحاضة ومن به سلس بول أو انفلات ريح أو غير ذلك من الأعذار يتوضؤون لكلّ صلاة إِذا كان العذر يستغرق جميع الوقت، أو كان لا يمكن ضبطه، وتعدّ صلاتهم صحيحة مع قيام العُذر.
* يجوز الاستعانة بالغير في الوضوء.
* يباح للمتوضّئ أن يُنشّف أعضاءه بمنديل أو نحوه؛ صيفًا وشتاءً.

------------------------
(١) العَنَزة: رُميْح بين العصا والرُّمح، فيه زُجٌّ. «المحيط». والزُّج: الحديدة في أسفل الرمح. «الوسيط».
(٢) أخرجه البخاري: ١٨٧
(٣) عن كتاب «فقه السنّة» للسيد سابق -حفظه الله تعالى- بحذف يسير.
(٤) [أو ما يُعْرَف بـ (المنيكير)].



خُلاصة مُيسَّرة لأعمال الوضوء (١).
- النيّة: لحديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: «إِنَّما الأعمال بالنّيات، وِإنَّما لكلّ امرئ ما نوى ...» (٢).
ومحل النيّة القلب، وأما التلفّظ بها؛ فبدعة.
- التسوّك (٣).
- غسل الكفّين، ويخلّل الأصابع فيها؛ إِن لم يُرِد تخليلهما عند غسل اليدين إِلى المرفقين.
- المضمضة والاستنشاق والاستنثار، والمبالغة في ذلك إلاَّ من صيام.
والأصل هو المضمضة والاستنشاق من ماء واحد، والفصل جائز، ويكون ذلك باليمين، وأمّا النّثر؛ فباليد اليُسرى.
- غَسل الوجه.
- تخليل اللحية.
- غَسل اليدين إِلى المرفقين، ويخلِّل أصابع اليدين إن لم يخلِّلْهما عند غَسل الكفّين.

----------------------
(١) ذَكرتُ هذه الأمور والمسائل من غير دليل؛ لتقدُّم ذلك في مواطن متفرقة؛ إلاَّ ما لزم.
(٢) أخرجه البخاري: ٥٤، ومسلم: ١٩٠٧، وغيرهما، وهو في البخاري أيضًا في مواطن متفرّقة، وتقدّم.
(٣) ولم يرِد نصٌّ في تحديد موضعه. وجاء في «تمام المنّة» (٨٩): «ويستحبُّ السِّواك للصّائم أوّل النهار وآخره؛ للبراءة الأصلية».



- مسح الرأس كلّه إِقبالًا وإِدبارًا.
- مسح الأذنين باطنهما وظاهرهما.
- غَسل الرجلين إِلى الكعبين، مع تخليل أصابع الرجلين.

الذكر المستحب عقب الوضوء
عن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- قال: كانت علينا رعايه الإِبل، فجاءت نوبتي، فروّحتُها بعَشِيّ (١)، فأدْركْت رسول الله - ﷺ - قائمًا يحدّث النّاس، فأدركت من قوله: «ما من مسلم يتوضّأ فيحسن وضوءَه، ثمَّ يقوم فيصلّي ركعتين، مُقبِلٌ عليهما بقلبه ووجهه؛ إلاَّ وَجَبَت له الجنَّة».
قال: فقلت: ما أجود هذه! فإِذا قائل بين يديَّ يقول: التي قبلها أجود، فنظرْتُ فإِذا عمر، قال: إِنّي قد رأيتُك جئتَ آنِفًا. قال: «ما منكم من أحدٍ يتوضّأ فيُبلغ (أو فيُسبغ) (٢) الوُضوء، ثمَّ يقول: أشهد أن لا إِله إِلا الله، وأن محمدًا عبد الله ورسوله؛ إلاَّ فُتحت له أبواب الجنَّة الثمانيةُ يدخُل من أيّها شاء» (٣).
وفي رواية أُخرى لعقبة -رضي الله عنه-: "من توضّأ فقال: أشهد أن لا

------------------
(١) أي: ردَدْتُها إِلى مراحها في آخر النهار، وتفرغت من أمرها، ثمَّ جئت إِلى مجلس رسول الله - ﷺ -.
(٢) فيبلِغ أو فيُسبغُ؛ بمعنى واحد، والإسباغ: الإِتمام والإِكمال.
(٣) أخرجه مسلم: ٢٣٤، وغيره، وتقدم مختصرًا (ص ١٢).



إِله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله» (١).
زاد الترمذي: «اللهم اجعلني من التَّوَّابين، واجعلني من المتطهِّرين» (٢).
وفي حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ -: «... ومن توضّأ فقال: سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إِله إلاَّ أنت، أستغفرك وأتوب إِليك؛ كُتب له في رَِقٍّ (٣)، ثمَّ جُعلَ في طابع، فلم يُكسر إِلى يوم القيامة» (٤).

----------------
(١) أخرجه مسلم: ٢٣٤، وفي الحديث زيادة: «وحده لا شريك له»؛ كما هو بيِّن، وقد خالف فيها زيد بن الحُباب عبد الرحمن بن مهدي.
بَيْد أنَّ ابن وهب تابع ابن الحُباب؛ كما في «سنن أبي داود» (١٦٩). فصحَّت هذه الزيادة، والحمد لله، وقد استفدت هذا من مراجعة شيخنا -حفظه الله-.
(٢) قال المنذري في «الترغيب والترهيب»: «وتُكُلِّم فيه».
وقال شيخنا -حفظه الله تعالى- في «الإرواء» (٩٦): «وأعلّه الترمذي بالاضطراب، وليس بشيء؛ فإِنّه اضطراب مرجوح؛ كما بينَّته في»صحيح سنن أبي داود«(١٦٢).
ولهذه الزيادة شاهد من حديث ثوبان، رواه الطبراني في»الكبير«(١/ ٧٢/‏١)، وابن السنِّي في»اليوم والليلة«(رقم ٣٠)، وفيه أبو سعد البقَّال الأعور، وهو ضعيف».
(٣) بفتح الراء وكسْرها وهو جلد رقيق يكتب فيه، وانظر «المحيط».
(٤) أخرجه الطبراني في «الأوسط»، ورواته رواة «الصحيح»، واللفظ له.
ورواه النسائي، وقال في آخره: «خُتم عليها بخاتم، فوضعت تحت العرش، فلم تُكسر إِلى يوم القيامة»، وصوّب وقفه على أبي سعيد.
وقال شيخنا: «ولكنه في حُكم المرفوع؛ لأنَّه لا يُقال بمجرَّد الرأي كما لا يخفى». وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٢١٨).



المسح على الخفين
أولًا: المسح على الخفين.
وفيه أدلَّة عديدة؛ منها:
ما رواه عروة بن المغيرة عن أبيه؛ قال: كنتُ مع النّبيّ - ﷺ - في سفر، فأهويت لأنزع خفَّيه، فقال: «دعْهُما؛ فإِني أدخلتُهما طاهرتين»، فمسح عليهما (١).
وعن عبد الله بن عمر عن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنهما- عن النّبيّ - ﷺ -: «أنَّه مسح على الخفَّين» (٢).
وعن همَّام بن الحارث؛ قال: «رأيت جرير بن عبد الله بال، ثمَّ توضّأ ومسح على خفَّيه، ثمَّ قام فصلَّى، فسُئل؟ فقال:»رأيتُ النّبيّ - ﷺ - صنَع مثل هذا«.
قال إِبراهيم: فكان يعْجِبُهم؛ لأنَّ جريرًا كان مِن آخر من أسلم (٣).
وعن ثوبان -رضي الله عنه- قال:»بعثَ رسول الله - ﷺ - سريَّة، فأصابهم

-------------------
(١) أخرجه البخاري: ٢٠٦، ومسلم: ٢٧٤، وتقدّم.
(٢) أخرجه البخاري: ٢٠٢
(٣) أخرجه البخاري: ٣٨٧، ومسلم: ٢٧٢، وغيرهما.
وفي «صحيح مسلم»: «قال الأعمش: قال إِبراهيم: كان يعجبهم هذا الحديث؛ لأن إِسلام جرير كان بعد نزول المائدة، وفيها آية الوضوء التي تفيد وجوب غسل الرجلين».
وفي «صحيح سنن النسائي» (١١٤): «وكان إِسلام جرير قبل موت النّبي - ﷺ - بيسير».



البرد، فلمَّا قَدمِوا على رسول الله - ﷺ -؛ أمرهم أن يمسحوا على العصائب (١) والتساخين (٢)» (٣).
وقال الحافظ في «الفتح» (٢٠٢) تعليقًا على حديث عبد الله بن عمر السابق: «نقَل ابن المنذر عن ابن المبارك؛ قال: ليس في المسح على الخُفَّين عن الصحابة اختلاف؛ لأنَّ كلَّ من رُوِيَ عنه منهم إِنكاره؛ فقد رُوِيَ عنه إِثباتُه.
وقال ابن عبد البرِّ: لا أعلم رُوي عن أحد من فقهاء السلف إِنكاره إِلا عن مالك، مع أن الروايات الصحيحة عنه مصرِّحة بإِثباته.
... وقال ابن المنذر: اختلف العلماء؛ أيّهما أفضل: المسح على الخفَّين أو نزْعهما وغسل القدمين؟ قال: والذي أختاره أنَّ المسح أفضل؛ لأجل من طعن فيه من أهل البدع من الخوارج والروافض. قال: وإحياء ما طعن فيه المخالفون من السُّنن أفضل من ترْكه» اهـ.

ثانيًا: المسح على الجوربين.
عن المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- قال: «توضّأ النّبي - ﷺ - ومسح

--------------------
(١) كل ما عَصَبْتَ به رأسك من عمامة أو منديل أو خرقة.»النهاية«، وتقدّم.
(٢) جاء في»النهاية«:»الخفاف، ولا واحد لها من لفظها، وقيل: واحدها: تسَخْان وتَسخين وتَسخن«. وانظر: (باب التاء مع السين) و(السين مع الخاء). وقيل: التساخين ما يُسخَّن به القدم من خُفٍّ وجورب ونحوهما. وتقدم.
(٣) أخرجه أحمد، وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٣٣)، وانظر»المسح على الجوربين" (ص ٢٣)، وتقدّم.



على الجوربين والنَّعلين» (١).
قال أبو داود: «ومسح على الجوربين: عليُّ بن أبي طالب، وأبو مسعود، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك، وأبو أمامة، وسهل بن سعد، وعمرو بن حريث، ورُوي ذلك عن عمر بن الخطَّاب، وابن عبّاس» (٢).
وذكر ابن حزم عددًا كبيرًا من السلف قالوا بالمسح على الجوربين؛ منهم: ابن عمر، وعطاء، وِإبراهيم النخعي، وغيرهم، وأورد عددًا من الآثار المتعلَّقة بذلك (٣).
وعن يحيى البكَّاء؛ قال: «سمعْت ابن عمر يقول: المسح على الجوربين كالمسح على الخفَّين، وتلقَّى نافع ذلك عنه، فقال: هما بمنزلة الخفَّين» (٤).

---------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٤٣)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٨٦)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (١٢١)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٤٥٣)، وانظر «الإِرواء» (١٠١).
(٢) انظر «المحلَّى» (٢/ ١١٥) (مسألة ٢١٢).
(٣) قال شيخنا -حفظه الله تعالى- تعليقًا على رسالة القاسمي -رحمه الله تعالى- حول هذا الموضوع (ص٥٤): «قلت: هذه الآثار أخرجها: عبد الرزاق في»المصنف«(٧٤٥ و٧٧٣ و٧٧٩ و٧٨١ و٧٨٢)، وابن أبي شيبة أيضًا في»المصنف«، والبيهقيّ: (١/ ٢٨٥)، وكثير من أسانيدها صحيح عنهم، وبعضهم له أكثر من طريق واحد، ومن ذلك طريق قتادة عن أنس أنه كان يمسح على الجوربين مثل الخفين، وسنده صحيح، رواه عبد الرزاق (٧٧٩)، وهو عند ابن أبي شيبة (١/ ١٨٨) مختصرًا».
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن عنه، وكذلك قال إِبراهيم النَّخعي، أخرجه بسند صحيح عنه. كذا في تحقيق «المسح على الجوربين» لشيخنا -حفظه الله تعالى-.



قال شيخنا الألبانيّ -حفظه الله تعالى-:»فبعْد ثبوت المسح على الجوربين عن الصحابة -رضي الله عنهم- أفلا يجوز لنا أن نقول فيمن رغبَ عنه ما قاله إِبراهيم هذا في مسحهم على الخفَّين: فمن ترك رغبةً عنه؛ فإِنَّما هو من الشيطان (١)؟!
قال أبو عيسى: «سمعتُ صالح بن محمد التِّرمذي؛ قال: سمعتُ أبا مقاتل السَّمرقندي يقول: دخَلْتُ على أبي حنيفة في مرضه الذي مات فيه، فدعا بماء فتوضّأ، وعليه جوربان، فمسح عليهما، ثمَّ قال: فعلتُ اليوم شيئًا لم أكنْ أفعله: مسحْتُ على الجوربين وهما غير منعَّلين».
وعن عطاء؛ قال: «المسح على الجوربين بمنزلة المسح على الخفَّين» (٢).

ثالثًا: المسح على النَّعلين.
عن أوس بن أبي أوس الثَّقفي: «أن رسول الله - ﷺ - توضّأ ومسح على نعليه وقدميه، وقال عبَّاد: رأيت رسول الله - ﷺ - أتى كِظامة قوم -يعني: الميضأة- (ولم يذكر مسدَّد الميضأة والكِظامة، ثمَّ اتفقا): فتوضّأ ومسح على نعليه وقدميه» (٣).

------------------
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٨٠) بإِسناد صحيح عنه؛ كما في تحقيق «المسح على الجوربين» (ص ٥٤).
(٢) صحَّح شيخنا إِسناده في تحقيق «المسح على الجوربين» (ص ٦٣).
(٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٤٥)، وانظر «المسح على الجوربين» (ص ٤٣).



وعن ابن عمر، قال: «رأيت رسول الله - ﷺ - يلبسها (يعني: النِّعال السِّبتيَّة (١» ويتوضّأ فيها ويمسح عليها» (٢).
وثبت عن أبي ظبيان: «أنَّه رأى عليًّا -رضي الله عنه- بال قائمًا، ثمَّ دعا بماء، فتوضّأ، ومسح على نعليه، ثمَّ دخل المسجد فخلعَ نعليه (٣) ثمَّ صلَّى» (٤).

رابعًا: المسح على الخفِّ أو الجورَب المخرَّق.
قال شيخنا -حفظه الله تعالى-: «وأمَّا المسح على الخفِّ أو الجورب

------------------
(١) قال في»النهاية«: السِّبت بالكسر: جُلود البقر المدبوغة بالقَرَظ يُتخذ منها النّعال، سُمِّيت بذلك؛ لأنَّ شعرها قد سُبِتَ عنها أي: خُلق وأُزيل، وقيل: لأنها انسَبَتت بالدِّباع: أي لانت.
(٢) أخرجه البيهقي في»السنن الكبرى«من طريق ابن خزيمة، وسنده صحيح؛ وانظر كتاب»المسح على الجوربين«(ص ٤٥). وزاد على ذلك فقال:»له طريق أخرى عن ابن عمر نحو رواية البزَّار، أخرجه الطحاوي في «شرح المعاني» (١/ ٩٧)، ورجاله ثقات معروفون، غير أحمد بن الحسين اللهبي، وله شاهد من حديث ابن عبَّاس: «أنَّ رسول الله - ﷺ - توضّأ مرّة مرّة، ومسح على نعليه»، أخرجه عبد الرزاق في «المصنَّف» (٧٨٣)، والبيهقي (١/ ٢٨٦)؛ من طريقين عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عنه. وهذا إِسناد صحيح غاية، وهو على شرط الشيخين«.
(٣) يُستفاد من هذا أنَّ خلع النعال والجوارب ونحو ذلك بعد المسح لا ينقض الوضوء.
(٤) أخرجه الطحاوي في»شرح المعاني«بسند صحيح. وانظر تحقيق»المسح على الجوربين«(ص ٤٧) لشيخنا -حفضها الله تعالى-. وجاء في»تمام المنِّة«(١١٥):»زاد البيهقيّ: «فأمّ الناس»، وِإسناده صحيح على شرط الشيخين".



المخرَّق؛ فقد اختلفوا فيه اختلافًا كثيرًا؛ فأكثرهم يمنع منه، على خلاف طويل بينهم، تراه في مبسوطات الكتب الفقهيَّة و«المحلَّى»، وذهبَ غيرُهم إِلى الجواز، وهو الذي نختاره.
وحجَّتنا في ذلك أنَّ الأصل الإِباحة، فمن منع واشترط السَّلامة من الخرق أو وضع له حدًّا؛ فهو مردود؛ لقوله - ﷺ -: «كلُّ شرط ليس في كتاب الله؛ فهو باطل»، متفق عليه (١).
وأيضًا؛ فقد صحَّ عن الثَّوريِّ: أنَّه قال: امسحْ عليها ما تعلَّقت به رجلك، وهل كانت خفاف المهاجرين والأنصار إلاَّ مخرَّقة، مشقَّقة، مرقَّعة؟! أخرجه عبد الرزاق في «المصنَّف» (٧٥٣)، ومن طريقه البيهقيُّ (١/ ٢٨٣).
وقال ابن حزم (٢/ ١٠٠): فإِن كان في الخفَّين أو فيما لبس على الرجلين خرقٌ صغيرٌ أو كبيرٌ طولًا أو عرضًا، فظهر منه شيء من القدم -أقلّ القدم أو أكثرها أو كلاهما- فكل ذلك سواء، والمسح على كلِّ ذلك جائز، ما دام يتعلَّق بالرجلين منهما شيء، وهو قول سفيان الثوريِّ وداود وأبي ثور وإسحاق ابن راهويه ويزيد بن هارون.
ثمَّ حكى أقوال العلماء المانعين منه على ما بيّنها من اختلاف وتعارُض، ثمَّ ردَّ عليها، وبين أنَّها ممّا لا دليل عليها سوى الرأي، وختم ذلك بقوله:
لكنَّ الحقَّ في ذلك ما جاءت به السنَّة المبيِّنة للقرآن؛ من أنَّ حُكم القدمين اللَّتين ليس عليهما شيء ملبوسٌ يمسح عليه أن يُغسلا، وحُكمهما إِذا كان عليهما شيء ملبوس أن يُمسح على ذلك الشيء، بهذا جاءت السنَّة،

--------------------
(١) أخرجه البخاري: ٢٧٣٥، ومسلم: ١٥٠٤


﴿وما كان ربّكَ نَسِيًّا﴾ (١)، وقد عَلِم رسول الله - ﷺ - إِذ أمرَ بالمسح على الخفَّين وما يُلبس في الرجلين، ومُسِحَ على الجوربين: أنَّ من الخفاف والجوارب وغير ذلك ممَّا يُلبس على الرجلين المخرَّق خرقًا فاحشًا أو غير فاحش وغير المخرَّق، والأحمر والأسود والأبيض، والجديد والبالي، فما خصَّ -عليه السلام- بعض ذلك دون بعض، ولو كان حكمُ ذلك في الدين يختلف؛ لما أغفله الله تعالى أن يوحي به، ولا أهمَله رسول الله - ﷺ - المفترض عليه البيان، حاشا له من ذلك، فصحَّ أنَّ حُكم المسمح على كلِّ حال، والمسح لا يقتضي الاستيعاب في اللغة التي بها خوطِبْنا.
وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية في «اختياراته» (ص ١٣): ويجوز المسح على اللَّفائف في أحد الوجهين، حكاه ابن تميم وغيره، وعلى الخفِّ المخرَّق ما دام اسمه باقيًا والمشي فيه ممكنًا، وهو قديم قولَي الشافعي واختيار أبي البركات وغيره من العلماء.
قلت: ونسبه الرَّافعي في «شرح الوجيز» (٢/ ٣٧٠) للأكثريَّة، واحتجَّ له بأنَّ القول بامتناع المسح يُضيِّق باب الرخصة، فوجب أن يمسح، ولقد أصاب -رحمه الله-«(٢) اهـ.
وأخيرًا أقول: إِنَّ إِيراد هذه الاشتراطات التي ليست من الدين في شيء تجعلنا نردُّ رخصة الله علينا، وقد قال - ﷺ -:»إنَّ الله يحبُّ أن تؤتى رخصُه

--------------
(١) مريم: ٦٤
(٢) «إِتمام النصح في أحكام المسح» (٨٤ - ٨٦).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 35.93 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 35.30 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.75%)]