
01-01-2026, 02:44 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,319
الدولة :
|
|
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة
عدد الأجزاء: ٧
الجزء الأول
من صــ 101الى صــ 115
الحلقة (8)
عنهما -توضّأ ثلاثًا ثلاثًا؛ يُسنِد ذلك إِلى النّبيّ - ﷺ -«(١).
وقد ثبتَ عن رسول الله - ﷺ -:»أنَّه توضّأ مرّتين مرّتين:
لحديث عبد الله بن زيد -رضي الله عنه-: «»أنَّ النّبيّ - ﷺ - توضّأ مرّتين مرتين (٢) «(٣).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-:»أنَّ النّبيّ - ﷺ - توضّأ مرّتين مرتين«(٤).
وثبت عنه - ﷺ - الوضوء مرّة مرّة:
كما في حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال:»توضّأ النّبيّ - ﷺ - مرة مرة«(٥).
كما صحّ عنه - ﷺ - غَسل بعض أعضائه مرتين وبعضهما ثلاثًا:
كما في حديث عمرو بن يحيى المازنيّ عن أبيه:»أنَّ رجلًا قال لعبد الله ابن زيد -وهو جدُّ عمرو بن يحيى-: أتستطيع أن تُريني كيف كان رسول الله - ﷺ - يتوضّأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بماء، فأفرغَ على يديه، فغسل مرّتين، ثمَّ مضمضَ واستنثر ثلاثًا، ثمَّ غسل وجهه ثلاثًا، ثمَّ
----------------
(١) أخرجه النسائي «صحيح سنن النسائي» (٧٩)، وابن ماجه «سنن ابن ماجه» (٣٣٤)، وتقدّم.
(٢) لكلّ عضو.
(٣) أخرجه البخاري: ١٥٨
(٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٢٤)، والترمذي وصححه ابن حبان.
(٥) أخرجه البخاري: ١٥٧
غسل يديه مرّتين مرّتين إِلى المرفقين، ثمَّ مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر؛ بدأ بمقدَّم رأسه حتى ذهب بهما إِلى قفاه، ثمَّ ردَّهما إِلى المكان الذي بدأ منه، ثمَّ غسل رجليه» (١).
٤ - الدّعاء بعده.
وفي ذلك أحاديث، منها:
«ما منكم من أحد يتوضّأ فيُبلغ (أو فيُسبغ) الوضوء، ثمَّ يقول:»أشهد أنَّ لا إِله إلا الله وأنَّ محمّدًا عبده ورسوله؛ إلاَّ فُتحت له أبواب الجنَّة الثمانية، يدخل من أيِّها شاء«(٢).
٥ - صلاة ركعتين بعده.
لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه-:»أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال لبلال عند صلاة الفجر: «يا بلال! حدّثني بأرجى (٣) عملٍ عملتَه في الإِسلام؛ فإِنّي سمْعت دَفَّ (٤) نعليك بين يديَّ في الجنَّة». قال: "ما عمِلْتُ عملًا أرجى عندي أنِّي لم أتطهَّر طُهورًا في ساعةِ ليلٍ أو نهارٍ؛ إلا صلّيت بذلك الطُّهور ما كُتب لي أن
-------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٨٥، ومسلم: ٢٣٥، وتقدّم.
(٢) أخرجه مسلم: ٢٣٤، وغيره، وسأذكره بتمامه إِنْ شاء الله في موضعه.
(٣) بلفظ أفعل التفضيل المبني من المفعول، وِإضافة العمل إِلى الرّجاء؛ لأنَه السبب الداعي إِليه. (فتح).
(٤) قال الخليل: دفَّ الطائر: إِذا حرّك جناحيه وهو قائم على رجليه. =
أصلّي» (١).
ما يجب له الوضوء
١ - الصلاة، سواء كانت فرضًا أو نافلة.
لقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٢).
ولقوله - ﷺ -: «لا تُقبل صلاة من أحدث حتى يتوضّأ» (٣).
٢ - الطّواف بالبيت.
لقوله - ﷺ -: «الطّواف بالبيت صلاة؛ إلا أنَّ الله أباح فيه الكلام» (٤).
------------------
= وقال الحميدي: الدّف: الحركة الخفيفة والسّير اللين. ووقع في رواية مسلم: «خَشْف»؛ قال أبو عبيد وغيره: الخَشف: الحركة الخفيفة. ووقع في حديث بريدة عند أحمد والترمذي وغيرهما: «خشخشة»، وهو بمعنى الحركة أيضًا. كذا في «الفتح» بحذف يسير.
(١) أخرجه البخاري: ١١٤٩، ومسلم: ٢٤٥٨، وغيرهما.
(٢) المائدة: ٦
(٣) تقدّم في (باب الوضوء شرط من شروط الصلاة).
(٤) أخرجه الترمذي، والدارمي، وابن خزيمة، وغيرهم، وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في «الإِرواء» (١٢١).
الأمور التي يستحبُّ لها الوضوء
١ - عند ذكر الله عز وجل.
عن المهاجر بن قنفذ -رضي الله عنه-: أنَّه أتى النّبيّ - ﷺ - وهو يبول، فسلَّم عليه، فلم يردَّ عليه حتى توضّأ، ثمَّ اعتذرَ إِليه فقال: «إِنِّي كرهْتُ أن أذكر الله إلا على طُهر (أو قال: على طهارة)» (١).
وعن أبي الجهيْم -رضي الله عنه- قال: «أقبل النّبيّ - ﷺ - من نحو بئر جمل، فلقيه رجل، فسلَّم عليه، فلم يردَّ عليه النّبيّ - ﷺ - حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثمَّ ردَّ عليه السلام» (٢).
ويندرج الدعاء تحت الذِّكْر، لا سيّما وقد ورد فيه نصٌّ خاصٌّ:
ففي حديث أبي موسى -رضي الله عنه- قال: «لمّا فرغ النّبيّ - ﷺ - من حنين؛ بعث أبا عامرٍ على جيش إِلى أوطاس، فلقي دريد بن الصِّمَّة، فقُتل دريد، وهزم الله أصحابه.
قال أبو موسى: وبعثَني مع أبي عامر، فرُميَ أبو عامر في ركبته، رماه جُشَميٌّ بسهم فأثبته في ركبته، فانتهيت إِليه، فقلت: يا عمِّ! من رماك؟ فأشار إِلى أبي موسى فقال: ذاك قاتلي الذي رماني، فقصدت له، فلحقْتُهُ، فلمَّا رآني؛ ولّى، فاتَّبعْتُه وجعلْت أقول له: ألا تستحي؟! ألا تثبت؟! فكفَّ، فاختلفنا ضربتين بالسيف، فقتلتُه، ثمَّ قلت لأبي عامر: قتَل الله صاحبك.
--------------------
(١) أخرجه أبو داود وغيره، وهو في»الصحيحة" (٨٣٤) وتقدم.
(٢) أخرجه البخاري: ٣٣٧، ومسلم: ٣٦٩، وغيرهما.
قال: فانزع هذا السهم. فنزعته، فنزا منه الماء (١).
قال: يا ابن أخي! أقرِئ النّبيّ - ﷺ - السلام، وقل له: استغفِر لي. واستخلفني أبو عامر على الناس، فمكث يسيرًا ثمَّ مات.
فرجعتُ، فدخلتُ على النّبيّ - ﷺ - في بيته على سرير مُرمَل (٢)، وعليه فراش قد أثّر رِمال السرير بظهره وجَنْبَيْه، فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر، وقال: قل له: استغفِر لي. فدعا بماء فتوضّأ، ثمَّ رفع يديه فقال: «اللهمّ اغفر لعبيدٍ أبي عامر».
ورأيت بياض إِبطيه، ثمَّ قال: «اللهمّ اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس». فقلت: ولي فاستغفر. فقال: «اللهمّ اغفر لعبد الله بن قيس ذنبَه، وأدخلْه يوم القيامة مُدْخَلًا كريمًا».
قال أبو بردة: إِحداهما لأبي عامر، والأخرى لأبي موسى«(٣).
قال الحافظ:»يُستفاد منه استحباب التّطهير لإِرادة الدعاء، ورفْع اليدين في الدعاء؛ خلافًا لمن خصَّ ذلك بالاستسقاء«.
٢ - عند كلِّ صلاة.
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -:»لولا أن أشقّ
------------------
(١) أي: انصبَّ من موضع السَّهم.
(٢) أي: معمول بالرِّمال، وهي حبال الحصر التي تضفر بها الأسرة «فتح».
(٣) أخرجه البخاري: ٤٣٢٣ واللفظ له، ومسلم: ٢٤٩٨. وأبو بردة هو ابن موسى راوي الحديث عنه.
على أمّتي؛ لأمَرْتهم عند كلِّ صلاة بوُضوء، ومع كلِّ وُضوء بسواك» (١).
وعن عبد الله بن عبد الله بن عمر؛ قال: «قلت: أرأيت توضؤ ابن عمر لكلّ صلاة طاهرًا وغير طاهر؟ عمَّ ذاك؟ فقال: حدَّثَتنيه أسماء بنت زيد بن الخطَّاب: أنَّ عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر حدّثها: أنَّ رسول الله - ﷺ - أمر بالوضوء لكلّ صلاة طاهرًا وغير طاهر، فلمّا شقَّ ذلك عليه؛ أمَر بالسواك لكل صلاة، فكان ابن عمر يرى أنَّ به قوَّة، فكان لا يدَع الوضوء لكلّ صلاة» (٢).
٣ - الوضوء عند كلّ حدث.
لحديث بريدة بن الحصيب؛ قال: «أصبح رسول الله - ﷺ - يومًا، فدعا بلالًا، فقال:»يا بلال! بما سبقْتني إِلى الجنّة؟! إِنِّي دخلْتُ البارحة الجنّة، فسمعت خشخشتك أمامي«.
فقال بلال: يا رسول الله! ما أذّنْتُ قطّ إلاّ صلّيت ركعتين، ولا أصابني حدث قطّ إلا توضّأت عنده، فقال رسول الله - ﷺ -:»لهذا«(٣).
٤ - الوضوء (٤) مِن حَمْل الميت:
--------------------
(١) أخرجه أحمد بإِسناد حسن؛ وانظر»صحيح الترغيب والترهيب«(١٩٣).
(٢) أخرجه أحمد وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٨)، وحسّن شيخنا إِسناده في»المشكاة«(٤٢٦).
(٣) أخرجه الترمذي، والحاكم، وابن خزيمة في»صحيحه«، وِإسناده على شرط مسلم؛ كما ذكر شيخنا في»تمام المنة«(ص١١١)، وتقدّم في (باب سنن الوضوء) بغير هذا اللفظ.
(٤) استفدته من»تمام المنة" هو والذى قبله.
لقوله - ﷺ -: «من غسَّلَ ميتًا؛ فليغتسل، ومن حمله؛ فليتوضّأ» (١).
٥ - الوضوء للجُنب إِذا نام دون اغتسال (٢):
وفيه أحاديث منها:
عن أبي سلمة؛ قال: سألْتُ عائشة: أكان النّبيّ - ﷺ - يرقد وهو جُنب؟ قالت: «نعم، ويتوضّأ» (٣).
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما-: أنَّ عمر سألَ رسول الله - ﷺ -: أيرقد أحدُنا وهو جُنُب؟ قال: «نعم؛ إِذا توضّأ أحدُكم؛ فليرقد وهو جُنُب» (٤).
٦ - الوضوء للجُنب إِذا أراد الأكل.
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله - ﷺ - إِذا كان جُنُبًا، فأراد أن يأكل أو ينام؛ توضّأ وضوءه للصّلاة» (٥).
----------------
(١) أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وغيرهم، وانظر «تمام المنة» (ص ١١٢)، و«الإِرواء» (١٤٤).
(٢) وكان من هدي النَبي - ﷺ - الاغتسال قبل النوم والنوم قبل الاغتسال؛ كما في حديث عبد الله بن أبي قيس؛ قال: «سألت عائشة عن وتر رسول الله - ﷺ -؟ (فذكر الحديث) وفيه: قلت: كيف كان يصنع في الجنابة؟ أكان يغتسل قبل أن ينام أم ينام قبل أن يغتسل؟ قالت:»كلّ ذلك قد كان يفعل، ربما اغتسل فنام، وربما توضّأ فنام«. قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سَِعة». [بفتح السين وكسرها، وانظر «الوسيط»]. أخرجه مسلم: ٣٠٧
(٣) أخرجه البخاري: ٢٨٦، ومسلم: ٣٠٥
(٤) أخرجه البخاري: ٢٨٧، ومسلم: ٣٠٦ نحوه، وغيرهما.
(٥) أخرجه مسلم: ٣٠٥
٧ - المعاودة للجماع.
عن أبي سعيد الخدريّ -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا أتى أحدُكم أهله، ثمَّ أراد أن يعود؛ فليتوضّأ» (١).
٨ - الوضوء من القيء.
لحديث مَعدان بن أبي طلحة عن أبي الدّرداء: «أنَّ رسول الله - ﷺ - قاء، فأفطر، فتوضّأ»، فلقيتُ (٢) ثوبان في مسجد دمشق، فذكرْتُ له، فقال (٣): صدق (٤)، أنا صببتُ له وضوءه (٥).
٩ - الوضوء من أكل ما مسّته النار.
وقد دلَّ على وجوب الوضوء:
ما روته عائشة -رضي الله عنها- عن رسول الله - ﷺ -: «توضؤوا ممّا مسّت النَّار» (٦).
وأيضًا حديث عبد الله بن إِبراهيم بن قارظ: «أنَّه وجد أبا هريرة يتوضّأ على المسجد، فقال: إِنَّما أتوضّأ من أثوار أقط أكلتها؛ لأنّي سمعتُ رسول الله
-----------------
(١) أخرجه مسلم: ٣٠٨، وأبو داود نحوه»صحيح سنن أبي داود«(٢٠٤).
(٢) قائله معدان بن أبي طلحة.
(٣) أي: ثوبان.
(٤) أى: أبو الدرداء.
(٥) أخرجه الترمذي»صحيح سنن الترمذي" (٧٦) وغيره، وسيأتي في (أمور تُظنُّ أنها تنقض الوضوء).
(٦) أخرجه مسلم: ٣٥٣
- ﷺ - يقول: «توضّؤوا ممّا مسَّت النَّار» (١). ثمَّ أورد أهل العلم ما ينسخ هذا (٢)؛ كما فى حديث عمر بن أميّة: أنَّ أباه عمرو بن أميّة أخبره: «أنَّه رأى النّبيّ - ﷺ - يحتزُّ (٣) من كتف شاة في يده، فدُعي إِلى الصلاة، فألقاها والسكّين التي يحتزّ بها، ثمَّ قام فصلّى ولم يتوضّأ» (٤).
وعن جابر قال: «كان آخر الأمرين من رسول الله - ﷺ -: ترْك الوضوء ممّا غيّرت النّار» (٥).
١٠ - عند النوم.
لحديث البراء بن عازب -رحمه الله- قال: قال النّبيّ - ﷺ -: «إِذا أتيت مضجعك؛ فتوضّأ وضُوءك للصّلاة، ثمَّ اضطجعْ على شقِّكَ الأيمن، ثمَّ قُلْ: اللهمَّ أسلمتُ وجهي إِليك، وفوَّضْت أمري إِليك، وألجأتُ ظهري إِليك؛ رغبةً ورهبةً إِليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إِليك، اللهمّ آمنت بكتابك الذي أنزَلْتَ، وبنبيِّك الذي أرسلتَ، فإِنْ مُتَّ من ليلتك؛ فأنت على الفطرة، واجعلهُنّ آخر ما تتكلّمُ به» قال: فردَّدْتها على النّبيّ - ﷺ -، فلمَّا بَلَغْتُ: «اللهمَّ آمنتُ بكتابك الذي أنزلْتَ»، قلتُ: «ورسولك» قال: «لا؛ ونبيِّكَ
---------------------
(١) أخرجه مسلم: ٣٥٢، وغيره، وهناك من حمله على غسل اليد والفم. انظر»الروضة الندية«(١/ ١٥٥).
(٢) فقد بوّب النووي لهذا بقوله:»باب نسْخ الوضوء مّما مسّت النار«، وأبو داود بقوله:»في ترْك الوضوء مما مسّت النار«.
(٣) أي: يقطع.
(٤) أخرجه البخاري: ٥٤٠٨، ومسلم: ٣٥٥
(٥) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود" (١٧٧).
الذي أرسلتَ» (١)، وقال النووي في «شرحه» (١٧/ ٣٢) باستحبابه.
مسألة في الوضوء لمسِّ المصحف:
اختلف العلماء في مسِّ المصحف من قِبل المحْدث والجُنُب، وذهبَ الجمهور إِلى منْع ذلك (٢)، واستدلُّوا بحديث: «لا يمسُّ القرآن إلا طاهر» (٣).
جاء في «نيل الأوطار» (١/ ٢٥٩): «والحديث يدلُّ على أنَّه لا يجوز مسُّ المصحف إلا لمن كان طاهرًا، ولكنَّ الطَّاهر يُطلق بالاشتراك على المؤمن والطاهر من الحدث الأكبر والأصغر ومن ليس على بدنه نجاسة.
ويدلُّ لإِطلاقه على الأوَّل: قول الله تعالى: ﴿إِنَّما المُشْرِكونَ نَجَسٌ﴾ (٤).
وقوله - ﷺ - لأبي هريرة -رحمه الله-:»المؤمن لا ينجُس«(٥).
وعلى الثاني: ﴿وإِنْ كنْتمْ جُنُبًا فاطهَّروا﴾ (٦).
---------------------
(١) أخرجه البخاري: ٢٤٧، ومسلم: ٢٧١٠، وغيرهما. قال الحافظ:»النُّكتة في ختم البخاريِّ كتاب الوضوء بهذا الحديث من جهة: أنَّه آخر وضوء أُمِرَ به المكلَّف في اليقَظة، ولقوله في نفس الحديث: «واجعلهنَّ آخر ما تقول»، فأشعر ذلك بختم الكتاب، والله الهادي للصواب«.
(٢) وقال الشوكاني في»نيل الأوطار«(١/ ٢٦٠):»وقد وقع الإِجماع على أنّه لا يجوز للمحدث حدثًا أكبر أن يمسَّ المصحف، وخالف في ذلك داود" انتهى، وسيأتي هذا القول إِن شاء الله تعالى.
(٣) سيأتي الكلام حول هذا الحديث إِن شاء الله.
(٤) التوبة: ٢٨
(٥) تقدّم تخريجه.
(٦) المائدة: ٦
وعلى الثالث: قوله - ﷺ - في المسح على الخفَّين: «دعْهما؛ فإِنّي أدخلتُهما طاهرتين».
وعلى الرابع: الإجماع على الشيء الذى ليس عليه نجاسة حسِّيَّة ولا حُكميَّة يسمى طاهرًا، وقد ورَد إِطلاق ذلك في كثير.
فمن أجاز حَمْل المشرك على جميع معانيه؛ حمَله عليه هنا، والمسألة مدونة في الأصول، وفيها مذاهب.
والذي يترجَّح أن المشترك مُجملٌ فيها، فلا يُعْمَل به حتى يُبيَّن ...
وقال: «استدلَّ المانعون للجُنُب بقوله تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ المُطَهَّرُون﴾ (١)، وهو لا يتمُّ إلا بعْد جعْل الضمير راجعًا إِلى القرآن، والظاهر رجوعُه إِلى الكتاب، وهو اللوح المحفوظ؛ لأنَّه الأقرب، والمطهَّرون الملائكة، ولو سَلِمَ عدم الظُّهور؛ فلا أقلَّ من الاحتمال، فيمتنع العمل بأحد الأمرين، ويتوجَّه الرجوع إِلى البراءة الأصليَّة، ولو سَلِم رجوعه إِلى القرآن على التَّعيين؛ لكانت دلالته على المطلوب -وهو منع الجُنُب من مسِّه- غير مسلَّمة؛ لأنَّ الطاهر من ليس بنجس، والمؤمن ليس بنجس دائمًا؛ لحديث»المؤمن لا ينجس"، وهو متَّفق عليه (٢)؛ فلا يصحُّ حمل المطهَّر على من ليس بجُنب أو حائض أو محدَث أو متنجِّس بنجاسة عينيَّة، بل حمْلُه على من ليس بمشرك؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّما المُشْرِكونَ نَجَسٌ﴾ (٣)، لهذا الحديث، والحديث للنهي عن السفر بالقرآن إِلى أرض العدو، ولو سلِم
---------------------
(١) الواقعة: ٧٩
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) التوبة: ٢٨
صِدْق اسم الطَّاهر على من ليس بمحدث حدثًا أكبر أو أصغر؛ فقد عَرَفْتَ أنَّ الراجح كون المشترك مجملًا في معانيه، فلا يعيَّن حتى يبيَّن، وقد دلَّ الدليل ها هنا أنَّ المراد به غيره لحديث: «المؤمن لا ينجس»، ولو سَلِم عدم وجود دليل يمنع من إِرادته؛ لكان تعيينه لمحلِّ النِّزاع ترجيحًا بلا مرجِّح، وتعيينه لجميعها استعمالًا للمشترك في جميع معانيه، وفيه الخلاف، ولو سَلِم رجحان القول بجواز الاستعمال للمشترك في جميع معانيه؛ لما صحَّ؛ لوجود المانع، وهو حديث: «المؤمن لا ينجس».
واستدلُّوا بحديث الباب (١)، وأُجيب بأنَّه غير صالح للاحتجاج؛ لأنَّه من صحيفة غير مسموعة، وفي رجال إِسناده خلاف شديد، ولو سَلِم صلاحيته للاحتجاج لعاد البحث السابق في لفظ طاهر، وقد عرفْتَه.
قال السيد العلامة محمد بن إِبراهيم الوزير: إِنَّ إِطلاق اسم النجس على المؤمن الذي ليس بطاهر من الجنابة أو الحيض أو الحدث الأصغر؛ لا يصحُّ لا حقيقةً ولا مجازًا ولا لغةً، صرَّح بذلك في جواب سؤال، وردَّ عليه، فإِن ثبت هذا؛ فالمؤمن طاهر دائمًا؛ فلا يتناوله الحديث، سواء كان جُنُبًا أو حائضًا أو محدثًا أو على بدنه نجاسة.
فإِن قلت: إِذا تمَّ ما تريد من حمْل الطاهر على من ليس بمشرك؛ فما جوابك فيما ثبت في المتَّفق عليه من حديث ابن عباس أنَّه - صلى الله عليه وآله وسلم - كتب الى هرقل عظيم الروم: أسلِم تسلم، وأسلِم يؤتك الله
----------------------
(١) أي: حديث: «لا يمس القرآن إلاَّ طاهر».
أجرك مرَّتين، فإِنْ تولَّيت فإِنَّ عليك إِثم الأريسيين، و﴿يا أَهْلَ الكتابِ تعالوْا إِلى كَلِمَةٍ﴾ إِلى قوله: ﴿مُسْلِمونَ﴾، مع كونهم جامعين بين نجاستي الشرك والاجتناب، ووقوع اللمس منهم له معلوم.
قلت: اجعله خاصًّا بمثل الآية والآيتين؛ فإِنَّه يجوز تمكين المشرك من مسِّ المقدار لمصلحة؛ كدعائه إِلى الإِسلام، ويمكن أن يُجاب عن ذلك بأنَّه قد صدر باختلاطه بغيره لا يحرم لمسه؛ ككُتُب التفسير؛ فلا تخصَّص به الآية والحديث.
إِذا تقرَّر لك هذا؛ عرفتَ انتهاض الدَّليل على منع من عدا المشرك.
وقد عرفت الخلاف في الجُنُب.
وأما المحدث حدثًا أصغر؛ فذهب ابن عباس والشعبي والضَّحَّاك؛ وزيد ابن علي والمؤيَّد بالله والهادوية وقاضي القضاة وداود إِلى أنَّه يجوز له مسُّ المصحف، وقال القاسم وأكثر الفقهاء والإِمام يحيى: لا يجوز، واستدلُّوا بما سَلَف، وقد سَلَف ما فيه» اهـ.
وأمَّا القراءة له بدون مسٍّ؛ فهي جائزة اتِّفاقًا، وقد ذَكر ابن أبي شيبة -رحمه الله- في «مصنّفه» آثارًا كثيرة في ذلك (١).
قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلَّى» (١/ ١٠٧): «وأمَّا مسُّ المصحف؛ فإِنَّ الآثار التي احتج بها من لم يُجزْ للجنب مسَّه، فإِنَّه لا يصحُّ
--------------------
(١) انظر (١/ ٩٨) (في الرجل الذى يقرأ القرآن وهو غير طاهر) وكذا عبد الرزاق في»مصنفه" (١/ ٣٤٠).
منها شيء (١)؛ لأنَّها مُرسلة، وإمَّا صحيفة لا تُسْنَد، وإِمَّا عن مجهول، وإمَّا عن ضعيف، وقد تقصَّيناها في غير هذا المكان».
ثمَّ ذكر رسالة النّبيّ - ﷺ - إِلى هِرَقل عظيم الروم (٢) وما حَوَتْه من الذِّكر ولفظ الجلالة، وتضمُّنها لآية من القرآن الكريم.
ثمَّ قال: «فإِن قالوا: إِنِّما بعَث رسول الله - ﷺ - إِلى هِرَقل آية واحدة! قيل لهم: ولم يمنع رسول الله - ﷺ - من غيرها، وأنتم أهل قياس، فإِن لم تقيسوا على الآية ما هو أكثر منها؛ فلا تقيسوا على هذه الآية غيرها».
ثمَّ ذكر ردّه على من يحتجُّ بقوله تعالى: ﴿لا يَمَسّه إِلاَّ المُطَهَّرونَ﴾ (٣)؛ بأنَّه خبر وليس أمرًا، وأنَّنا رأينا المصحف يمسُّه الطَّاهر وغير الطَّاهر، فنعلم أنَّ الله -عز وجل- لم يعْنِ المصحف، وإنما عنى كتابًا آخر، وأورد بعض أقوال السَّلف أنَّهم الملائكة الذين في السَّماء.
قلت: ومحور الخلاف وأقواه -فيما رأيت- منصبٌّ على فهم حديث: «لا يمسّ القرآن إِلاَّ طاهر»، وقد جاء من طُرق عدَّة ضعيفة، لكن ضعْفها يسير، وبذلك يثبت الحديث بمجموع الطُّرق؛ كما ذعر شيخنا في «الإِرواء» (١٢٢).
-----------------------
(١) هذا في كل طريق على حدة، بيد أنَّ الحديث ثابت بمجموع الطُّرق كما سيأتي -إِن شاء الله تعالى-.
(٢) أخرجه البخاري: ٧، ومسلم: ١٧٧٣، وغيرهما.
(٣) الواقعة: ٧٩
بَيْد أنَّ الحديث جاء بلفظ: «وأنت طاهر»، من طريق عثمان بن أبي العاص؛ كما في «الكبير» للطبراني، وفيه من لا يُعْرَف، وابن أبي داود في «المصاحف»، وفيه انقطاع، بل في إِسنادهما كليهما إِسماعيل بن رافع، وهو ضعيف الحفظ؛ كما قال الحافظ -رحمه الله- وبيَّنه شيخنا -حفظه الله- في «الإِرواء».
أمَّا رواية عمرو بن حزم؛ فقد جاءت بلفظ: «ألاَّ تمسَّ القرآن إِلاَّ على طُهر»؛ كما في «سنن الدارقطنيّ» (١/ ١٢١) (رقم ١١٠) و(رقم ٤) أيضًا من طريق عبد الرزاق بيْدَ أنَّها وردت فْي «المصنَّف» بلفظ: «لا يمسّ»، فيخشى التصحيف بما جاء في الدَّارقطني والبيهقيّ برقم (١/ ٨٧).
قلتُ: فالمسألة تحتاج إِلى تتبُّع واستقصاء، فإِن ثبت لفظ: «وأنت طاهر ...» وما في معناه (١)؛ كان تحريم مسِّ القرآن واضحًا بيِّنًا للمحدث والجُنُب والحائض.
وجاء في «الإِرواء»: «قال إسحاق المروزي في»مسائل الإِمام أحمد«(ص٥): قلت (يعني: لأحمد): هل يقرأ الرجل على غير وضوء؟ قال: نعم، ولكن لا يقرأ في المُصحف ما لم يتوضّأ. قال إِسحاق: كما قال؛ لما صحَّ قول النّبيّ - ﷺ -:»لا يمسّ القرآن إلا طاهر«، وكذلك فعَل أصحاب النّبيّ - ﷺ - والتابعون».
ثمَّ قال -حفظه الله-: "وممَّا صحَّ في ذلك عن الصحابة ما رواه مصعب
-----------------
(١) ولم أتمكّن من المتابعة؛ لنقص عدد من المراجع، بها قد يتحقّق المطلوب، وأسأل الله أن ييسّر لي ذلك.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|