
01-01-2026, 02:22 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,340
الدولة :
|
|
رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة
عدد الأجزاء: ٧
الجزء الأول
من صــ 41الى صــ 55
الحلقة (4)
»فإِنها رجس«(١)؛ فالخنزير بهذا الوصف أولى.
وكلُّ شيء ثبتت نجاسة لحمه؛ يُحْكَم بنجاسة سؤره.
وكلّ شيء لا يؤكل لحمه -سوى الهِرّ-؛ يُحْكم بنجاسة سؤره» (٢).
٤ - سؤر السباع (٣):
ومن أدلَّة ذلك ما يرويه عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: سُئل
رسول الله - ﷺ - عن الماء وما ينوبه من الدوابِّ والسباع؟ فقال - ﷺ -: «إِذا كان الماء قُلَّتين؛ لم يَحْمِل الخَبَث» (٤).
وفي لفظ: «لم يُنَجِّسْهُ شيء» (٥).
قال شيخنا الألباني -حفظه الله- في «تمام المنَّة» (٦): «... قال ابن التُّركماني في»الجوهر النقي«(١/ ٢٥٠): وظاهر هذا يدلُّ على نجاسة سؤر السباع، إذ لولا ذلك؛ لم يكن لهذا الشرط فائدة، ولكان التقييد به ضائعًا.
وذكَر النووي نحوه في»المجموع«(١/ ١٧٣)» ... اهـ
----------------------
(١) تقدَّم تخريجه.
(٢) انظر «نيل الأوطار» (باب نجاسة لحم الحيوان الذي لا يُؤكل إِذا ذبح).
(٣) في «اللسان»: «السَّبُع: يقع على ما له ناب من السباع ويعدو على الناس والدواب فيفترسها؛ مثل: الأسد والذئب والنمر والفهد وما أشبهها ...».
وقيل: «السَّبُع من البهائم العادية: ما كان ذات مخلب».
(٤) تقدم.
(٥) تقدم.
(٦) (ص ٤٧) (... ومن السؤر).
قلتُ: والذي جاء في «المجموع»: «واحتجَّ مَن منَع الطهارة بسؤر السباع بحديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: أنَّ النّبيَّ سئل عن الماء يكون بالفلاة وما ينوبه من السباع والدوابِّ؟ فقال:»إِذا كان الماء قُلَّتين؛ لم ينجس«. قالوا: فدلَّ على أنَّ لورود السباع تأثيرًا في تنجيس الماء ...».
ما يُظنّ أنَّه نجس وليس كذلك
أولًا: المَنِيّ (١):
ومن الأدلَّة على طهارته ما يأتي:
ما يرويه علقمة والأسود؛ أنَّ رجلًا نزل بعائشة -رضي الله عنها- فأصبح يغسل ثوبه، فقالت عائشة: «إِنَّما كان يجزئك إِنْ رأيته أن تغسل مكانه، فإِن لم ترَ؛ نضَحْتَ حوله، ولقد رأيتُني أفركه من ثوب رسول الله - ﷺ - فرْكًا فيصلي فيه» (٢).
وفي رواية: «لقد رأيتُني وإِنِّي لأحكُّه من ثوب رسول الله - ﷺ - يابسًا بظُفُري» (٣).
ولو كان المنيُّ نجسًا؛ لما صلَّى النّبيُّ - ﷺ - في ثوبه ذلك.
قال أبو عيسى الترمذي -رحمه الله- عن الفرك: «وهو قول غير واحد من
---------------------
(١) وقد قال بعض أهل العلم بنجاسته، ولكن المتأمّل في النصوص وفقهها وأقوال أهل العلم يطمئنّ -إِن شاء الله تعالى- لطهارته.
(٢) أخرجه مسلم: ٢٨٨، وغيره.
(٣) عن»صحيح مسلم": ٢٩٠
أصحاب رسول الله - ﷺ - والتابعين ومن بعدهم من الفقهاء؛ مِثل: سفيان، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإِسحاق؛ قالوا في المنِيِّ يصيب الثوب: يجزئه الفَرْك، وإِن لم يُغْسَل».
جاء في «السيل الجرَّار»: «وقد ثبت من حديث عائشة -رضي الله عنها- عند مسلم وغيره أنها كانت تفرك المنيَّ من ثوب رسول الله - ﷺ - وهو يصلي (١)، ولو كان نجسًا؛ لنزَلَ عليه الوحي بذلك؛ كما نزل عليه الوحي بنجاسة النعال الذي صلَّى فيه» (٢).
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كنت أفرك المنيَّ من ثوب رسول الله - ﷺ - إِذا كان يابسا، ً وأمسحه أو أغسله -شكَّ الحُميدي- إذا كان رطبًا» (٣).
وتردُّد الحميدي بين المسح والغسل لا يضرُّ؛ فإِنَّ كلَّ واحد منهما
---------------------
(١) ليس في «صحيح مسلم» كما نبَّه أحد الأخوة، وِإنما هو في: «صحيح ابن خزيمة» (٢٩٠)، وصحّحه شيخنا.
(٢) يشير بذلك اٍلى حديث أبي سعيد -رحمه الله- قال: «بينما رسول الله - ﷺ - يصلّي بأصحابه؛ إِذ خلَع نعليه، فوضعَهما عن يساره، فخَلَعَ الناس نعالَهم، فلمّا قضى رسول الله - ﷺ - صلاته؛ قال: ما حمَلكم على إِلقائكم نعالكم؟». قالوا: رأيناك ألقيت نعلك فألقينا نعالنا. قال: «إِنَّ جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرًا». أخرجه أبو داود وغيره، وانظر «الإرواء» (٢٨٤)، وتقدّم.
(٣) أخرجه أبو عوانة، والطحاوي، والدارقطني؛ كما في «الإِرواء» (١٨٠)، وقال شيخنا -حفظه الله-: «وإسناده صحيح على شرط الشيخين».
ثابتٌ (١).
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله - ﷺ - يسلت (٢) المنيَّ من ثوبه بعِرْق الإِذخِر (٣)، ثم يصلِّي فيه، ويحتُّه من ثوبه يابسًا، ثم يصلِّي فيه» (٤).
وعن عطاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أنَّه قال في المنيِّ يصيب الثوب: «أمِطْه عنك -قال أحدهم- بعودٍ أو إِذخِرة؛ فإِنَّما هو بمنزلة البصاق والمخاط» (٥).
قال ابن حزم في «المحلَّى» المسألة (١٣١): «والمنيُّ طاهر في الماء كان أو في الجسد أو في الثوب، ولا تجب إِزالته، والبصاق مثله، لا فرق».
وجاء في «سبل السلام» (١/ ٥٥): «وقالت الشافعيَّة: المنيُّ طاهر، واستدلُوا على طهارته بهذه الأحاديث (٦).
-------------------
(١) من قول شيخنا -حفظه الله- في»الإِرواء«(١٨٠).
(٢) أي: يميطه. وفي»المحيط«:»أخرجه بيده«.
والسلت: يأتي بمعنى المسح أيضًا.
(٣) هو حشيش طيب الريح.
(٤) أخرجه أحمد وغيره، وإسناده حسن؛ كما في»الإِرواء«(١٨٠). ورواه ابن خزيمة في»صحيحه«.
(٥) سنده صحيح على شرط الشيخين، وهو منكر مرفوعًا؛ كما في»الضعيفة" (٩٤٨).
(٦) يريد أحاديث الفرك والحتّ ونحوها.
قالوا: وأحاديث غَسله محمولة على النَّدب وليس الغَسْل دليل النجاسة؛ فقد يكون لأجل النظافة وإِزالة الدَّرن ونحوه، قالوا: وتشبيهه بالبُزاق والمخاط دليل على طهارته أيضًا، والأمر بمسحه بخرقة أو إِذخِرة لأجل إِزالة الدَّرن المستكره بقاؤه في ثوب المصلي، ولوكان نجسًا؛ لما أجزأ مسْحه».
وقد ورد غَسْل المنيّ؛ كما في بعض النصوص:
كما في حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كنت أغسل الجنابة من ثوب النّبيّ - ﷺ -، فيخرُجُ إِلى الصلاة، وإِنَّ بُقَعَ الماء في ثوبه» (١).
وعنها -رضي الله عنها- أيضًا: أنَّ رسول الله - ﷺ -: «كان يغسل المنيَّ ثمَّ يخرج إِلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا أنظر إلى أثر الغَسْل فيه» (٢).
وقال أبو عيسى -رحمه الله-: «وحديث عائشة -رضي الله عنها- أنَّها غسلت منيًَّا من ثوب رسول الله - ﷺ -؛ ليس بمخالف لحديث الفَرْك؛ لأنَّه وإن كان الفرك يجزئ؛ فقد يستحبُّ للرَّجل أن لا يرى على ثوبه أثره».
وقال ابن حزم في «المحلَّى» (مسألة ١٣١): «وأمّا حديث سليمان بن
يسار (٣)؛ فليس فيه أمْر من رسول الله - ﷺ - بغَسْله، ولا بإِزالته، ولا بأنَّه نجس،
-----------------
(١) أخرجه البخاري: ٢٢٩
(٢) أخرجه مسلم: ٢٨٩
(٣) وقد تقدَّم بلفظ:»كان يغسل المنيَّ ثمَّ يخرج إِلى الصلاة في ذلك الثوب ... ".
وإِنَّما فيه أنَّه - ﷺ - كان يغسله، وأنَّ عائشة -رضي الله عنها- كانت تغسله وأفعاله - ﷺ - ليست على الوجوب».
ثمَّ ذكر -رحمه الله- حديث أنس بن مالك -رحمه الله- في حكِّ البزاق باليد من المسجد.
ولفْظه -كما في البخاري (٤٠٥) -: عن أنس: «أنَّ النّبيَّ - ﷺ - رأى نخامة في القِبْلة، فشقَّ ذلك عليه، حتى رُئي في وجهه، فقام، فحكَّه بيده ..».
قال ابن حزم -رحمه الله-: «فلم يكن هذا دليلًا عند خصومنا على نجاسة النخامة، وقد يغسل المرء ثوبه ممّا ليس نجسًا».
وقال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «الفتاوى» (٢١/ ٦٠٥): «وبالجملة؛ فخروج اللبن من بين الفرث والدم: أشبه شيء بخروج المنيِّ من مخرج البول» (١).
وقال -رحمه الله-: ومن المعلوم أنَّه لم ينقُل أحد أنَّ النّبيّ - ﷺ - أمر أحدًا من الصحابة بغَسْل المنيّ من بدنه وثوبه، فعُلم يقينًا أنَّ هذا لم يكن واجبًا عليهم، وهذا قاطع لمن تدبَّره«(٢).
وقال الحافظ في»الفتح«:»... لا معارضة بين حديثي الغَسْل والفَرْك؛
-------------------
(١) «الفتاوى» (٢١/ ٦٠٣)، وله بحث نفيس في طهارة المني والردّ على من يقول بنجاسته (ص ٥٨٩ وما بعدها) من مجلد (٢١).
(٢) «الفتاوى» (٢١/ ٦٠٥).
لأنَّ الجمع بينهما واضح على القول بطهارة المنيِّ؛ بأن يُحْمل الغَسل على الاستحباب للتنظيف لا على الوجوب».
قال: «وهذه طريقة الشافعيِّ وأحمد وأصحاب الحديث» (١).
ثانيًا: الخمر:
وذلك لأنَّ الأصل في الأعيان الطهارة، وليس هناك من دليل على نجاستها.
أمَّا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢).
فإِن كلمة «رجْس» تعني النجاسة الحُكمية لا الحسِّيَّة، وإلاَّ لَزمنا من ذلك أن نحكم بنجاسة الأنصاب والأزلام.
وكذلك التحريم لا يقتضي النجاسة، وإلا لزِمنا الحكم بنجاسة الأمهات والبنات والأخوات والعمَّات ... لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ ...﴾ (٣) الآية.
والطعام المسروق يحرُم أكْله، ولا يُقال بنجاسته.
جاء في «سُبُل السلام» (١/ ٥٢): «والحقّ أنَّ الأصل في الأعيان الطهارة، وأنَّ التحريم لا يلازم النجاسة؛ فإِنَّ الحشيشة محرَّمة طاهرة، وكذا المخدِّرات والسموم القاتلة لا دليل على نجاستها، وأمَّا النجاسة؛ فيلازمها
---------------------
(١) انظر»الفتح«(١/ ٣٣٢). وذكره الشوكاني في»نيل الأوطار" (١/ ٦٧).
(٢) المائدة: ٩٠
(٣) النساء: بعض الآية ٢٣
التحريم، فكلُّ نجس محرَّم، ولا عَكْس، وذلك لأنَّ الحكم في النجاسة هو المنع عن ملابستها على كل حال، فالحكم بنجاسة العين حكمٌ بتحريمها؛ بخلاف الحكم بالتحريم؛ فإِنَّه يحرُم لُبْس الحرير والذهب، وهما طاهران ضرورة شرعية وِإجماعًا».
وجاء في «الدراري المضيَّة» (١) (١/ ٢٨): «ولو كان مجرَّد تحريم الشيء مستلزمًا لنجاسته لكان مِثل قوله تعالى: ﴿حُرِّمتْ عَليكُمْ أمَّهاتُكُم ...﴾ إِلى آخره دليلًا على نجاسة النساء المذكورات في الآية، وهكذا يلزم نجاسة أعيان وقع التصريح بتحريمها، وهي طاهرة بالاتِّفاق كالأنصاب (٢) والأزلام (٣) وما يُسكر من النباتات والثمرات بأصل الخِلقة.
فإِن قلتَ: إِذا كان التصريح بنجاسة شيء أو رجسيَّته يدلُّ على أنَّه نجس كما قلتَ في نجاسة الروثة ولحم الخنزير؛ فكيف لم تحكم بنجاسة الخمر لقوله تعالى: ﴿إِنَّما الخَمْرُ والميْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ﴾ (٤)؟!
قلتُ: لمَّا وقع الخمر هنا مقترنًا بالأنصاب والأزلام؛ كان ذلك قرينة صارفة لمعنى الرجسية إِلى غير النجاسة الشرعية.
وهكذا قوله تعالى: ﴿إِنَّما المُشْركونَ نَجَسٌ﴾ (٥)؛ لمّا جاءت الأدلَّة
--------------------
(١) باختصار يسير.
(٢) هي حجارة كانوا يذبحون قرابينهم عندها.»تفسير ابن كثير«.
(٣) هي قداح كانوا يستقسمون بها.»تفسير ابن كثير".
(٤) المائدة: ٩٠
(٥) التوبة: ٢٨
الصحيحة المقتضية لعدم نجاسة ذوات المشركين؛ كما ورد في أكل ذبائحهم وأطعمتهم والتوضُّؤ في آنيتهم والأكل فيها؛ كان ذلك دليلًا على أنَّ المراد بالنجاسة المذكورة في الآية غير النجاسة الشرعية».
وجاء في «السيل الجرَّار» (١/ ٣٥): «وليس في نجاسة المسكر دليل يصلح للتمسُّك به ...».
ثمَّ ذكر أن الرِّجْس في آية المائدة إِنَّما هو الحرام وليس النجس؛ بدلالة السياق.
ثالثًا: روث وبول ما يؤكل لحمه:
عن أنس -رحمه الله- قال: «قدِم أناس من عُكْل أو عُرَيْنة، فاجْتَوَوا (١) المدينة، فأمرهم النّبيُّ - ﷺ - بلقاح (٢)، وأن يشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا، فلمَّا صحُّوا، قَتَلوا راعيَ النبي - ﷺ - واستاقوا النَّعم، فجاء الخبر في أوَّل النهار، فبعَثَ في آثارهم، فلما ارتفع النهار؛ جيء بهم، فأَمَر، فقَطَع أيدِيَهم وأرجُلَهم، وسُمِّرت (٣) أعينُهم، وأُلقوا في الحَرَّة (٤) يَستسْقون فلا
-----------------------
(١) أي: كرهوا المقام فيها لتضرّرهم بالإِقامة. قال ابن العربي: الجوى: داء يأخذ من الوباء، وهي بمعنى: استوخموا، وقد جاءت في رواية أخرى للبخاري: ٤١٩٢، بهذا اللفظ.
(٢) أى: فأمرهم أن يلحقوا بها. واللِّقاح: النُّوق ذوات الألبان، واحدها لِقْحة بكسر اللام وِإسكان القاف، وقال أبو عمرو: يقال لها ذلك إِلى ثلاثة أشهر، ثمَّ هي لَبون.»فتح«.
(٣) سُمّرت: لغة في السَّمل، وهو فقء العين بأي شيء كان، وقد يكون من المسمار، يريد أنَّهم كُحلوا بأميال قد أُحميت.»فتح".
(٤) الحرَّة: أرض ذات حجارة سود معروفة بالمدينة.
يُسقون».
قال أبو قِلابة: «فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد أيمانِهم وحاربوا الله ورسولَه» (١).
قال الإِمام أبو البركات ابن تيمية -رحمه الله-: «... فإِذا أُطْلِق الإِذن في ذلك (٢)، ولم يشترط حائلًا يقي من الأبوال، وأُطلق الإِذن في الشرب لقوم حديثي العهد بالإِسلام، جاهلين بأحكامه، ولم يأمر بغَسْل أفواههم وما يصيبهم منها؛ لأجل صلاة ولا غيرها، مع اعتيادهم شربها؛ دلَّ ذلك على مذهب القائلين بالطهارة» (٣).
وقال -رحمه الله-: «فتحليل التداوي بها دليل على طهارتها، فأبوال الإِبل وما يلحق بها طاهرة» (٤).
وقال: «والظاهر طهارة الأبوال والأزبال من كل حيوان يؤكل لحمه؛ تمسُّكًا بالأصل، واستصحابًا للبراءة الأصلية، والنجاسة حُكم شرعيٌّ ناقل عن الحُكم الذي يقتضيه الأصل والبراءة، فلا يُقبل قول مدَّعيها إلا بدليل يصلُح للنقل عنهما، ولم نجد للقائلين بالنجاسة دليلًا كذلك ...» (٥).
--------------------
(١) أخرجه البخاري: ٢٣٣، ومسلم: ١٦٧١
(٢) أي: الشرب من هذه الأبوال.
(٣) «نيل الأوطار» (١/ ٦٢).
(٤) «نيل الأوطار» (١/ ٦٠).
(٥) «نيل الأوطار» (١/ ٦١).
واستدلَّ بهذا الحديث من قال بطهارة بول ما يُؤكل لحمه (١).
واستدلوا معه أيضًا بقول ابن مسعود -رحمه الله-: «إِنَّ الله لم يجعل شفاءكم فيما حرَّم عليكم» (٢)، وذلك أنَّ التحليل يستلزم الطهارة (٣).
وفي الحديث: «صلّوا في مرابض الغنم (٤)، ولا تصلُّوا في أعطان الإِبل (٥)» (٦).
وفي بعض الروايات: «فإِنَّها خُلقت من الشياطين» (٧).
وعن جابر بن سَمُرة -رضي الله عنهما-: أنَّ رجلًا سأل رسول الله - ﷺ -:
أأتوضَّأ من لحوم الغنم؟ قال: «إِن شئت؛ فتوضأ، وإن شئت؛ فلا توضَّأ».
-----------------------
(١) انظر «نيل الأوطار» (١/ ٦٠).
(٢) إِسناده صحيح موقوفًا على ابن مسعود -رضي الله عنه- وعلَّقه البخاري بصيغة الجزم (كتاب الأشربة، باب شراب الحلواء والعسل، «الفتح» (٧٨)، وقال شيخنا الألباني في «الصحيحة» تحت رقم (١٦٣٣): «إِسناده صحيح».
(٣) ولكنَّ التحريم لا يستلزم النجاسة؛ كما تقدَّم.
(٤) جمع مَربِض -بفتح الميم وكسر الباء- وهو المأوى والمقرّ.
(٥) جمع عَطن؛ قيل: موضع إِقامتها عند الماء خاصّة، وقيل: هو مأواها المطلق، وسواء كان هذا أو ذاك؛ فالأبوال والأرواث حاصلة.
(٦) أخرجه الترمذي، وقال «حديث حسن صحيح» وانظر «الإرواء» (١٧٦). و«المشكاة» (٧٣٩)، والنهي عن الصلاة في أعطان الإبِل لا يقتَضي القولَ بنجاستِها؛ كما لا يخفى.
(٧) أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٦٢٣)، وانظر «الإِرواء» (١٧٦).
قال: أتوضَّأ من لحوم الإِبل؟ قال: «نعم؛ فتوضَّأ من لحوم الإِبل». قال: أصلِّي في مرابض الغنم؟ قال: «نعم». قال: أصلِّي في مبارك الإِبل؟ قال: «لا» (١).
جاء في «الفتاوى»: «وسُئل عن بول ما يؤكل لحمه؛ هل هو نجس؟
فأجاب: أمّا بول ما يؤكل لحمه وروث ذلك، فإِنَّ أكثر السلف على أنَّ ذلك ليس بنجس وهو مذهب مالك وأحمد وغيرهما، ويُقال: إِنَّه لم يذهب أحد من الصحابة إِلى تنجيس ذلك، بل القول بنجاسة ذلك قول مُحْدَث، لا سَلَف له من الصحابة، وقد بَسَطنا القول في هذه المسألة في كتاب مفرد، وبيَّنَّا فيه بضعة عشر دليلًا شرعيًّا، وأنَّ ذلك ليس بنجس، والقائل بتنجيس ذلك ليس معه دليل شرعيٌّ على نجاسته أصلًا» (٢).
وجاء فيه أيضًا: «... أنَّ هذه الأعيان لو كانت نجسة؛ لبيَّنه النّبيّ - ﷺ -، ولم يبيِّنْه؛ فليست نجسة، وذلك لأنَّ هذه الأعيان تكثر ملابسة الناس لها، ومباشرتهم لكثير منها، خصوصًا الأمَّة التي بُعِث فيها رسول الله - ﷺ -؛ فإِنَّ الإِبِل والغنم غالب أموالهم، ولا يزالون يُباشرونها ويباشرون أماكنها في مقامهم وسفرهم، مع كثرة الاحتفاء فيهم.
فلو كانت نجسة يجب غسل الثياب والأبدان والأواني منها، وعدم مخالطته، ويمنع من الصلاة مع ذلك، ويجب تطهير الأرض ممَّا فيه ذلك إِذا صُلّي فيها، ويحرُم شرب اللبن الذي يقع فيه بعْرها، وتُغسل اليد إِذا أصابها البول أو رطوبة البعر، إِلى غير ذلك من أحكام النجاسة؛ لوجب أن يبيِّن النّبيّ
-------------------------
(١) أخرجه مسلم: ٣٦٠
(٢) انظر»الفتاوى" (٢١/ ٦١٣) وما بعدها.
- ﷺ - بيانًا تحصل به معرفة الحكم، ولو بيَّن ذلك؛ لنُقِل جميعه أو بعضه؛ فإِنَّ الشريعة وعادة القوم توجب مِثل ذلك، فلمَّا لم ينقل ذلك؛ عُلِم أنَّه لم يبيِّن لهم نجاستها.
وعدم ذِكْر نجاستها دليل على طهارتها من جهة تقريره لهم على مباشرتها وعدم النَّهي عنه، والتقرير دليل الإِباحة، ومِن وجْه أنّ مِثل هذا يجب بيانه بالخطاب، ولا تُحال الأمّة فيه على الرَّأي؛ لأنَّه من الأصول، لا من الفروع ...» (١).
وجاء فيه أيضًا: «ومتى قام المقتضي للتحريم أو الوجوب ولم يذكُروا وجوبًا ولا تحريمًا؛ كان إِجماعًا منهم على عدم اعتقاد الوجوب والتحريم، وهو المطلوب، وهذه الطريقة معتمدة في كثير من الأحكام» (٢).
وفيه أيضًا: «... وهو إِجماع الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم في كل عصر ومصر على دياس الحبوب من الحنطة وغيرها بالبقر ونحوها، مع القطع ببولها وروثها على الحنطة، ولم ينكر ذلك منكر، ولم يغسل الحنطة لأجل هذا أحدٌ، ولا احترز عن شيء ممَّا في البيادر؛ لوصول البول إِليه، ولا أعلم لمن يخالف هذا شبهة» (٣).
وفيه أيضًا: «ما ثبت واستفاض من أنّ رسول الله - ﷺ - طاف على راحلته، وأدخَلها المسجد الحرام الذي فضَّله الله على جميع بقاع الأرض، ومعلوم أنَّه
-----------------------
(١) انظر»الفتاوى«(٢١/ ٥٧٨ وما بعدها) بحذف يسير.
(٢) انظر»الفتاوى«(٢١/ ٥٨١).
(٣)»الفتاوى" (٢١/ ٥٨٣ و٥٨٤)؛ بحذف يسير.
ليس على الدواب من العقل ما تمنع به من تلويث المسجد المأمور بتطهيره؛ للطائفين والعاكفين والرُّكَّع السجود، فلو كانت أبوالها نجسة؛ لكان فيه تعريض المسجد الحرام للتنجيس ...» (١).
قال ابن عباس: «طاف النّبيّ - ﷺ - على بعيره» (٢).
وعن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: «شكوت إِلى رسول الله - ﷺ - أني أشتكي، فقال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة، فطفتُ، ورسول الله - ﷺ - حينئذ يصلّي إِلى جنب البيت، وهو يقرأ: ﴿والطُّور وكِتابٍ مَسْطورٍ﴾ (٣)» (٤).
قال ابن بطال: «في هذا الحديث جواز دخول الدواب التي يؤكل لحْمها المسجد إِذا احتيج إِلى ذلك؛ لأنَّ بولها لا ينجسه؛ بخلاف غيرها من الدواب» (٥).
قال البخاري -رحمه الله-: «وصلّى أبو موسى في دار البريد والسِّرْقين
-----------------------
(١)»الفتاوى«(٢١/ ٥٧٣ و٥٧٤)؛ بحذف يسير.
(٢) أخرجه البخاري معلقًا بصيغة الجزم في»كتاب الصلاة«ووصله في»كتاب الحج«برقم (١٦٠٧) من حديث ابن عبّاس -رضي الله عنهما- قال:»طاف النّبيّ - ﷺ - في حجّة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن«ورواه مسلم: ١٢٧٢
والمحجن: عصا محنيَّة الرأس، والحجن: الاعوجاج.
(٣) الطور: ١ - ٢
(٤) أخرجه البخاري: ١٦١٩
(٥)»الفتح" تحت الحديث (٤٦٤).
والبَرِّيَّة إِلى جنبه، فقال: ها هنا وثمَّ سواء» (١).
رابعًا: الدماء سوى دم الحيض والنفاس:
كنت قد تكلّمتُ في (باب النجاسات) عن نجاسة دم الحيض، وأما سائر الدِّماء؛ فطاهرة، سواء كان دم إِنسان أو دم مأكول اللحم من الحيوان؛ لأنَّ الأصل في الأعيان الطهارة، والبراءة الأصلية مستصحبة، فلا يُترك هذا الأصل إلا بنصٍّ صحيح.
ومن الأدلة على ذلك:
قصّة ذلك الصحابي الأنصاري الذي رماه المشرك بثلاثة أسهم وهو قائم يصلّي، فاستمرَّ في صلاته والدماء تسيل منه، وذلك في غزوة ذات الرقاع (٢).
-------------------------
(١) أخرجه البخاري معلقًا بصيغة الجزم (كتاب الوضوء، باب أبوال الإِبِل والدواب والغنم ومرابضها).
قال الحافظ: «وهذا الأثر وصله أبو نعيم شيخ البخاري في كتاب الصلاة له».
والسِّرقين: هو الزّبل، ويُقال له: السِّرجين بالجيم. والبرية: الصحراء، منسوبة إِلى البر.
ودار البريد المذكورة: موضع بالكوفة، كانت الرسل تنزل فيه إِذا حضرت من الخلفاء إِلى الأمراء، وكان أبو موسى أميرًا على الكوفة في زمن عمر وفي زمن عثمان، وكانت الدار في طرف البلد، ولهذا كانت البرِّيَّة إِلى جنبها.
وقال المطرزي: البريد في الأصل: الدابَّة المرتبة في الرباط، ثمَّ سمّي به الرسول المحمول عليها، ثمَّ سُمّيت به المسافة المشهورة. «الفتح».
ومعنى سواء: يريد أنَّهما متساويان في صحة الصلاة. «الفتح» أيضًا.
(٢) أخرجه أبو داود وغيره من حديث جابر بسند حسن؛ كما في «الصحيحة» (٣٠٠).

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|