عرض مشاركة واحدة
  #631  
قديم 31-12-2025, 01:13 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,505
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثلاثون

صـــ292 الى صـــ 301
(631)






( ألا ترى ) أن الإنسان قد يكون في بيته امرأة لها ولد يعولها وينفق عليها ثم يتزوج الابنة إذا كبرت فيجوز ذلك ; لأن أمها لم تكن في نكاحه ، وإن كانت هي في حجره فعرفنا أنه لا تأثير للحجر وأنه مذكور على طريق العادة بمنزلة قوله تعالى { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد } والمباشرة حرام على المعتكف في المسجد كان أو في غير المسجد ، وذكر المساجد للعادة إذ الاعتكاف في العادة يكون في المساجد .

وحليلة الابن من النسب حرام بالنص وزعم بعض أهل العلم أن حليلة الابن من الرضاعة لا تكون حراما للقيد المذكور في قوله تعالى { وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم } ولكن نقول حليلة الابن من الرضاعة كحليلة الابن من النسب ثبت بقوله صلى الله عليه وسلم { يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب } والمراد بقوله عز وجل من أصلابكم يعني حرمة حليلة الابن من التبني ، فقد كان التبني معروفا فيما بين أهل الجاهلية وكان مشروعا في الابتداء ثم نسخه الله تعالى بقوله { ادعوهم لآبائهم } ، { وتبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 293 ] زيد بن حارثة ثم تزوج زينب امرأة زيد بعد ما فارقها } ، وفيه نزل قوله تعالى { ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله } فالمراد بالتقييد نفي حرمة حليلة الابن من التبني ثم تحريم حليلة ابن الابن ، وإن سفل بالسنة والإجماع

فإن قيل : كيف ثبت ذلك مع قوله عز وجل { الذين من أصلابكم } ، فإن ابن ابنه ليس من صلبه ؟

قلنا لا كذلك بل يتناوله هذا الاسم باعتبار أن أصله من صلبه قال الله تعالى { هو الذي خلقكم من تراب } والمخلوق من التراب هو الأصل والله أعلم

وما سوى هذا من المسائل المذكورة إلى تفسير لبن الفحل قد تقدم بيانه في كتاب النكاح وبعض هذه الفصول قد تقدم بيانه هناك أيضا ، فلهذا لم تستقص هنا والله أعلم بالصواب

. باب تفسير لبن الفحل ( قال رحمه الله ) ذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الرجل يكون له امرأتان أو أمتان قد ولدتا منه فترضع إحداهما صبيا والأخرى صبية قال ابن عباس رضي الله عنهما اللقاح واحد وبه نأخذ فنقول تحرم المناكحة بين هذين الصبيين بسبب الأخوة لأب من الرضاع ، ومن العلماء من يقول لا تثبت فقالوا حرمة الرضاع إنما تثبت من جانب الآباء فما لم يجتمع صغيران على ثدي واحد لا تثبت بينهما الأخوة من الرضاعة ، وهذا ; لأن السبب هو الإرضاع ، وإنما يتحقق ذلك من جهة النساء دون الرجال وثبوت الحرمة بسبب البعضية تشبه حرمة اللبن لقرب بعضها إلى بعض

ولو باشر الرجل الإرضاع بأن نزل اللبن في ثندوته فأرضع صبيين لا تثبت الأخوة بينهما فبإرضاع غيره كيف تثبت الأخوة في جانبه

وحجتنا في ذلك حديث عروة { عن عائشة رضي الله عنها أن أفلح بن أبي قعيس استأذن عليها فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال ليلج أفلح ، فإنه عمك من الرضاعة فقالت إنما أرضعتني المرأة دون الرجل فقال ليلج عليك أفلح فإنه عمك من الرضاعة } ، وفي حديث آخر { عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بيتها فسمعت صوت رجل يستأذن على حفصة رضي الله عنها فقالت يا رسول الله هذا رجل يستأذن على حفصة فقال ما أحسبه إلا بداح عمها من الرضاعة فقالت : أرأيت لو كان فلان عمي من الرضاعة حيا أكان يدخل علي فقال نعم } ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم شبه الرضاعة بالنسب والحرمة بالنسب تثبت من الجانبين [ ص: 294 ] فكذلك سبب الإرضاع ; لأن وطء الزوج ، كما كان سببا لولادتها كان سببا لنزول اللبن لها وما ينزل من ثندوة الرجل ليس بلبن على الحقيقة ; لأن اللبن إنما يتصور ممن تتصور منه الولادة وعلى هذا نقول في الأخوين إذا أرضعت امرأة أحدهما صبية فليس للأخ الآخر أن يتزوجها ; لأنها ابنة أخيه والأصل فيه ما روي { أن عليا رضي الله عنه لما عرض ابنة حمزة على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إنها ابنة أخي من الرضاعة }
ولو أرضعت امرأتا أخوين كل واحدة منهما رضيعا أحدهما صبي والأخرى صبية تجوز المناكحة بينهما ; لأن الصغيرة ابنة عم الصغير من الرضاعة وابنة العم من النسب حلال فكذلك من الرضاعة

ولو أرضعت امرأة صغيرتين فكبرا ثم إن أحدهما تزوج ابنة صاحبه لم يجز ; لأنها ابنة أخيه من الرضاعة والأصل فيه أنه { لما عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت أبي سلمة قال لو لم تكن ربيبتي في حجري كانت تحل لي أرضعتني وإياها ثويبة }
قال : ولو أن رجلا له ابن وابنة فجاءت امرأة أخيه فأرضعت الابن والابنة جميعا لم يكن للابن الذي أرضعته المرأة أن يتزوج أحدا من ولد تلك المرأة قبل الرضاع أو بعده من بنات العم كن أو من غيره وامرأة الأخ والأجنبية في هذا سواء ، فإنهما لما اجتمعا على ثدي واحد ثبتت الأخوة بين هذا الابن والابنة وبين جميع أولاد الرجل ما كان من هذه المرأة أو من غيرها من النساء أو السراري كان قبل الرضاع أو بعده بخلاف ما وقع عند الجهال أن الحرمة إنما تثبت بينهما وبين الأولاد الذين يحدثون بعد ذلك دون ما انفصلوا قبل الإرضاع ، وهذا ; لأن ثبوت هذه الحرمة تثبت الأخوة وهو يجمع الكل ، ولم يكن لأحد من ولد الرجل ، ولا من ولد المرأة من يتزوج تلك الجارية ، ولا ولد ولدها ، ولا لولد ولد العم أن يتزوجوا تلك الجارية ، فإنهم أخوة أولاد أخوة وأخوات فإن كان للجارية المرضعة ولد وللغلام المرضع ولد ولأولاد المرضعة التي أرضعتها أولاد ولأولاد زوجها أولاد جازت المناكحة فيما بينهم ; لأن الأنثى منهم ابنة عم للذكر من الرضاعة
قال : ولو أن رجلا له ابن فأرضعت امرأة ذلك الولد لم يكن للولد أن يتزوج أحدا من ولد تلك المرأة ولا من ولد خاله ما كان قبل الرضاع أو بعده إذا كان اللبن من الخال فإن كان من غيره حرم ولد المرأة عليه ، ولم يحرم ولد الخال من غيرها لانعدام سبب الحرمة بينه وبينها

ولو أن رجلا له امرأتان فأرضعت إحداهما صبية والأخرى صبيا لم يكن لأخي ذلك الرجل لأب وأم أو لأب أو لأم أن يتزوج [ ص: 295 ] تلك الصبية ; لأنها ابنة أخيه ، ولا لعمه أن يتزوجها ; لأنها ابنة ابن أخيه ، ولا لابن ذلك الرجل ، ولا لابن ابنه ، وإن سفل أن يتزوجها ; لأنها عمته من الرضاعة ، وكذلك لا يجوز لخال ذلك الرجل أن يتزوجها ; لأنها بنت ابن أخته ، ولا يجوز لهذا الصبي المرضع أن يتزوج أم المرضعة ولا جدتها ولا أختها ولا خالتها ولا عمتها اعتبارا للرضاع بالنسب
وإذا أرضعت امرأة صبية لم يكن لابنها ولا لابن ابنها ولا لابن ابنتها أن يتزوجها ; لأنها أخته وعمته
ولو أن امرأة أرضعت صبيا فكبر ذلك الصبي وتزوج امرأة ثم فارقها قبل الدخول أو بعده لم يكن لزوج المرضعة أن يتزوج تلك المرأة ; لأنها حليلة ابنه من الرضاعة ، وقد بينا أنه يحرم حليلة الابن من الرضاعة كما يحرم من النسب ، وقد قال بعض أهل العلم : إنها لم تحرم ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال { يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب } قال وليس بينه وبين امرأة ابنه نسب ، وإنما حرمت على الأب بسبب النسب وليس في الحديث يحرم من الرضاع ما يحرم بسبب النسب ولكن نقول معنى الحديث أن الحرمة بسبب الرضاع تعتبر بحرمة النسب وهذه الحرمة تثبت بالنسب فكذلك بالرضاع قال وأكثر أهل العلم على هذا والتنزه عنها أفضل وبمثل هذا الكلام يستدل على أن الكتاب ليس من تصنيف محمد رضي الله عنه

قال : وإذا نزل للبكر لبن فأرضعت صبيا ، فإنها تكون أمه من الرضاعة ; لأن السبب وهو الإرضاع قد تحقق ، فإن قيل : كيف يتصور أن تكون أما وهي بكر ؟ وكما لا تتصور الأمية من حيث النسب مع بقاء صفة البكارة فكذلك لا تتصور الأمية من الرضاعة مع بقاء صفة البكارة قلنا هذا تلبيس ، فإن الحكم مبني على السبب والأمية من النسب سببية الولادة ، ولا تتصور الولادة مع بقاء صفة البكارة وتتصور الأمية من الرضاع مع بقاء صفة البكارة وثبوت الحكم يتقرر بسببه
ولو أن امرأة طلقها زوجها أو مات عنها فأرضعت صبيا بعد انقضاء عدتها ، فإنها تثبت حرمة الرضاع بين هذا الصبي وبين زوجها بمنزلة ما لو كان الإرضاع في حال قيام النكاح بينهما ; لأن سبب نزول اللبن لها كان وطء ذلك الزوج فما بقي ذلك اللبن يكون مضافا إلى ذلك السبب فإن تزوجت بعد ذلك ثم أرضعت صبيا فكذلك الجواب ما لم تحبل من الثاني ; لأن التزوج ليس سببا لنزول اللبن لها فوجوده كعدمه فإن حبلت من الثاني ثم أرضعت صبيا فكذلك الجواب عند أبي حنيفة رضي الله عنه أنه تثبت الحرمة بين الصبي والزوج الأول ما لم تلد من الثاني فإن ولدت من الثاني ثم أرضعت فحينئذ يكون حكم الرضاع للثاني ، وعند أبي يوسف رضي الله عنه [ ص: 296 ] إذا ازداد لبنها بسبب الحبل ، فهو وما لو ولدت سواء في أنه تثبت الحرمة من الثاني وينقطع حكم الأول ، وعند محمد رضي الله عنه تثبت الحرمة منهما جميعا استحسانا ; لأن الاحتياط في باب الحرمة واجب ، وقد علمنا أن أصل الابن من الأول وازداد سبب الحبل من الثاني فيجعل بمنزلة ما لو خلط امرأتان اللبن بأن حلبتا لبنهما وأوجرتا صبيا وأبو يوسف رحمه الله يقول : لما حبلت من الثاني ونزل لها اللبن كان هذا ناسخا للسبب الذي كان من الزوج الأول ; لأنه اعترض عليه ما هو مثله أو أقوى منه وأبو حنيفة رحمه الله يقول : نزول اللبن في العادة إنما يكون بعد الولادة فما لم تلد من الثاني لا ينسخ السبب الأول ، وهذا ; لأن كون اللبن من الأول متيقن به وهذه الزيادة يحتمل أن تكون بسبب الحبل من الثاني ويحتمل أن تكون بقوة طبعها واليقين لا يزول بالشك
ولو أخذ لبن امرأة في قارورة ثم ماتت المرأة فأوجر بعد موتها صبيا تثبت الحرمة بين هذا الصبي وبينها عندنا ، وللشافعي قول : أن حرمة الرضاع لا تثبت بالإيجار أصلا ، وهذا باطل فإن ثبوت الحرمة بشبهة البعضية ، وفي هذا لا فرق بين الإيجار وبين الارتضاع من الثدي وعلى القول الظاهر إذا حلب لبنها وهي حية في قارورة ثبت حرمة الرضاع بإيجار هذا اللبن صبيا سواء أوجر قبل موتها أو بعد موتها ، فأما إذا ماتت المرأة وفي ثديها لبن فارتضع صبي منها أو حلب اللبن بعد موتها فأوجر به صبي عندنا ثبتت الحرمة أيضا ، وعنده لا تثبت لأصلين له : أحدهما : أن اللبن يتنجس بالموت عنده ; لأن فيه حياة فيحيله الموت والثاني : أن الحرام عنده لا يحرم الحلال وعندنا لا حياة في اللبن .

( ألا ترى ) أنه يحلب من الحي فلا يتنجس به وما فيه حياة إذا بان من الحي ، فهو ميت والثاني أن الحرمة لا تمنع حكم الرضاع بمنزلة لبن وقع فيه قطرة خمر فأوجره صبي ، وهذا ; لأن الحرمة باعتبار شبهة البعضية وبالموت لا تنعدم ; لأن اللبن وإن تنجس بالموت ، فهو غذاء يحصل به إنبات اللحم وانتشار العظم ، كما أن اللحم بالموت لا يخرج من أن يكون غذاء ، وإن تنجس والسعوط والوجور موجب للحرمة بمنزلة الارتضاع من الثدي عندنا خلافا للشافعي ، وهذا بناء على الأصل الذي بينا في كتاب النكاح أن عنده يعتبر العدد في الرضعات ليحصل به إنبات اللحم وانتشار العظم ، وهذا بالسعوط والوجور لا يحصل ، وعندنا لا يعتبر العدد وإنما يعتبر وصول اللبن إلى باطنه على وجه تحصل به التربية ، وذلك بالسعوط والوجور يحصل ، فإنه يصل إلى الدماغ والدماغ أحد الجوفين

ولو صب اللبن في أذن صبي أو صبية ، فإنه لا تثبت به الحرمة [ ص: 297 ] وكذلك لو احتقن صبي بلبن امرأة عند محمد رحمه الله أنه تثبت الحرمة في الموضعين جميعا ; لأنه يصل اللبن إلى أحد الجوفين .

( ألا ترى ) أن الصوم يفسد بهذا ، وفي ظاهر الرواية يقول : معنى إنبات اللحم إنما يصل بما يصل إلى جوفه من الجانب الأعلى لا من الجانب الأسفل وثبوت الحرمة باعتبار هذا المعنى ثم ذكر ما إذا جعل لبن امرأة في دواء أو طعام وما يكون من الإرضاع بعد مضي الحولين ، وقد بينا هذه الفصول في كتاب النكاح

ولو أن صبيين شربا من لبن شاة أو بقرة لم تثبت به حرمة الرضاع ; لأن الرضاع معتبر بالنسب ، وكما لا يتحقق النسب بين آدمي وبين البهائم فكذلك لا تثبت حرمة الرضاع بشرب لبن البهائم وكان محمد بن إسماعيل البخاري صاحب التاريخ رضي الله عنه يقول تثبت الحرمة وهذه المسألة كانت سبب إخراجه من بخارى ، فإنه قدم بخارى في زمن أبي حفص الكبير رحمه الله وجعل يفتي فنهاه أبو حفص رحمه الله وقال لست بأهل له فلم ينته حتى سئل عن هذه المسألة فأفتى بالحرمة فاجتمع الناس وأخرجوه
( قال : والرضاع في دار الإسلام ودار الحرب سواء في ثبوت الحرمة على قياس النسب ، فإن الأنساب تثبت في دار الحرب فكذلك حكم الرضاع )
ولو أن رجلا تزوج صبية فأرضعت الصبية أم الرجل من النسب أو من الرضاع أو أخته فهذه المسألة تشتمل على أحكام أربعة : حكم الحرمة وحكم وجوب الصداق وثبوت الرجوع على المرضعة ، وحرمة التزوج ، أما حرمة الفرقة فنقول : وقعت الفرقة بينهما بسبب الرضاع ; لأنها صارت أخت الزوج ، وإذا ثبتت له أختيته يغرم لها نصف الصداق " ; لأن فعل الصبي غير معتبر شرعا في بناء الحكم عليه ، وإنما وقعت الفرقة من جهتها قبل الدخول فيكون لها نصف الصداق ويرجع به على التي أرضعتها إن كانت تعمدت الفساد ، وإن لم تتعمد الفساد فلا شيء عليها إلا في رواية عند محمد أنه يرجع عليها على كل حال ; لأنها تسببت في تقرير نصف الصداق عليه وكان بعرض السقوط فكأنها ألزمته ذلك ومجرد التسبب عند محمد سبب لوجوب الضمان ، كما قال فيمن فتح باب القفص فطار الطير ، وعندنا التسبب إنما يكون موجبا للضمان إذا كان المسبب متعديا في التسبب ، ولم يطرأ عليه مباشرة فأما إذا لم يكن متعديا أو طرأ عليه مباشرة من مختار لم يكن موجبا للضمان وهنا إذا تعمدت الفساد فهي غير متعدية في التسبب ; لأنه إذا كان يخاف الهلاك على الرضيع فإرضاعه مندوب إليه أو مأمور فلا يكون تعديا ، ولا طريق لمعرفة تعمدها الفساد إلا بالرجوع إليها فيقبل قولها في ذلك ; لأن ما يكون في باطن المرء لا يوقف عليه إلا من جهته فيقبل قوله [ ص: 298 ] في ذلك فإن قالت تعمدت الفساد ضمنت وإلا فلا شيء عليها ثم لا يحل له أن يتزوجها أبدا ; لأنها صارت أخته أو ابنة أخته ، ولو كانت أرضعت هذه الصبية خالة الرجل أو عمته لم يحرم عليها ; لأنها صارت ابنة خالته أو ابنة عمته وابتداء المناكحة بينهما يجوز فالبقاء أولى ، وإن أرضعتها امرأة أبيه فإن كان لبنها من أبيه حرمت عليه ; لأنها صارت أخته لأبيه ، وإن كان لبنها من غير أبيه لم تحرم عليه ، وكذلك لو أرضعتها امرأة أخيه أو امرأة ابنه
( قال ، ولو أن رجلا له امرأتان صغيرة وكبيرة فأرضعت أم الكبيرة الصغيرة بانتا جميعا ; لأنهما صارتا أختين من الرضاعة ثم يكون للكبيرة جميع الصداق إن كان دخل بها ، وإن كان لم يدخل بها فلها نصف الصداق ) ; لأن الفرقة وقعت لا بسبب من جهتها وللصغيرة أيضا نصف الصداق لما بينا ويرجع بما غرم لها قبل الدخول على المرضعة إن تعمدت الفساد ، وإن لم تتعمد لم يرجع عليها بشيء كما في الفصل الأول ، وإن كان قد دخل بالكبيرة لم يرجع عليها بشيء من مهرها على كل حال ، ثم إن كان لم يدخل بالكبيرة فله أن يتزوج من ساعته أيتهما شاء ولا يجمع بينهما وليس له أن يتزوج المرضعة ; لأنها أم امرأته ، وإن كان قد دخل بالكبيرة فليس له أن يتزوج الصغيرة ما لم تنقض عدة الكبيرة ; لأنها أخت معتدته وله أن يتزوج الكبيرة ; لأن الصغيرة ليست في عدته والكبيرة تعتد منه وعدته لا تمنع نكاحه وبعد انقضاء عدة الكبيرة له أن يتزوج أيتهما شاء وليس له أن يتزوج أم الكبيرة ولا واحدة من حذائها من قبل الأم أو من قبل الأب ، وإن كانت ابنة الكبيرة أرضعت الصغيرة فإن كان قد دخل بالكبيرة ، فقد حرمتا عليه ; لأن الصغيرة صارت ابنة بنت الكبيرة والجمع بين الجدة والنافلة في النكاح حرام ثم بمجرد العقد على الصغيرة تحرم جدتها عليه على التأبيد ، كما تحرم أمها والدخول بالجدة يحرم ابنة الابنة عليه على التأبيد فليس له أن يتزوج واحدة منهما قط ، ولا للمرضعة أيضا ; لأنها من وجه أم امرأته ، ومن وجه ابنة المرأة التي دخل بها ، ولو لم يكن دخل بالكبيرة ، فإن المرضعة لا تحل له قط ; لأنها أم امرأته ، ولا تحل له الكبيرة قط ; لأنها أم أم امرأته وتحل له الصغيرة ; لأنها ابنة ابنة امرأته ، ولم يدخل بها ، وكما أن ابنة المرأة لا تحرم إلا بالدخول فكذلك ابنة الابنة فإن كانت أرضعتها أخت الكبيرة بانتا أيضا ; لأن الكبيرة صارت خالة للصغيرة والجمع بين الخالة وابنة الأخت حرام كالجمع بين الأختين فإن كان لم يدخل بالكبيرة فله أن يتزوج أيتهما شاء والحكم في هذا كالحكم في الأختين ، ولو أرضعتها خالة الكبيرة أو عمتها لم تحرم [ ص: 299 ] عليه ; لأن الجمع بين المرأة وابنة عمتها وابنة خالتها حلال
ولو كان له امرأتان صغيرتان فجاءت أم إحداهما فأرضعت الأخرى بانتا جميعا ; لأنهما صارتا أختين ولكل واحدة منهما نصف الصداق وحكم الرجوع كما بينا ، ولو جاءت أختيه فأرضعتهما معا أو إحداهما بعد الأخرى بانتا جميعا ; لأن الأختية إنما تثبت بينهما بعد إرضاعهما فلا فرق بين أن ترضعهما معا أو على التعاقب وحكم الصداق والرجوع والحرمة كما بينا ، وكذلك لو جاءت الصبيتان إلى امرأة وهي نائمة فشربتا من لبنها ; لأن فعل الصغيرة لا يعتبر في بناء الحكم عليه فيكون لكل واحدة منهما نصف الصداق ولكن لا رجوع على المرأة بشيء هنا ; لأنه لم يوجد منها جناية تسبيبا ولا مباشرة
ولو كانت امرأتان صغيرة وكبيرة فأرضعت الكبيرة الصغيرة بانتا جميعا ; لأنهما صارتا أما وبنتا ، وللصغيرة نصف الصداق ولا شيء للكبيرة إن لم يدخل بها تعمدت الفساد أو لم تتعمد ; لأن الفرقة جاءت من قبلها والفرقة من جهتها قبل الدخول تسقط جميع الصداق على كل حال سواء كانت متعدية في التسبيب أو لم تكن متعدية كالمعتقة إذا اختارت نفسها إلا أن الزوج يرجع عليها بما غرم للصغيرة إن كانت تعمدت الفساد لكونها متعدية في التسبيب وله أن يتزوج الصغيرة إذا لم يدخل بالكبيرة وليس له أن يتزوج الكبيرة ; لأن بمجرد العقد على الابنة تحرم الأم على التأبيد والعقد على الأم لا يحرم الابنة قبل الدخول ، وإن كان قد دخل بالكبيرة لم يتزوج واحدة منهما قط لوجود العقد الصحيح على الابنة والدخول بالأم
ولو كان تحته صغيرتان وكبيرة فأرضعت الكبيرة الصغيرتين واحدة بعد أخرى ، ولم يكن دخل بالكبيرة ، فإنما تبين الكبيرة والصغيرة التي أرضعتها أولا ; لأنهما صارتا أما وابنتين ، ولا تبين التي أرضعتها أخيرا ; لأنه حين أرضعتها لم يكن في نكاحه غيرها ، وإنما وجد مجرد العقد على أمها ، ولو كانت أرضعتهما معا بن جميعا منه ; لأنها صارت أما وبنتين له أن يتزوج الكبيرة وله أن يتزوج إحدى الصغيرتين شاء .

ومن العلماء من يقول في هذه الفصول له أن يتزوج الكبيرة أيضا إن شاء ; لأنه حين عقد على الصغيرتين لم تكن الكبيرة أما لها والنص إنما أوجب حرمة أمهات النساء وبعد ثبوت الأمية بالرضاع لم يبق النكاح على واحدة من الصغيرتين ، ولكنا نقول هذه الحرمة تثبت بسببين النكاح والأمية ، ولا فرق بين أن تثبت الأمية أولا ثم النكاح أو النكاح ثم الأمية ; لأن الحكم الثابت بعلة ذات وصفين إنما ثبتت عند ثبوت الوصفين جميعا ، وقد وجدا سواء تقدم النكاح أو الأمية [ ص: 300 ] ولو كان دخل بالكبيرة والمسألة بحالها بن جميعا منه سواء أرضعتهما معا أو على التعاقب ، أما إذا أرضعتهما معا فغير مشكل ، وكذلك إن أرضعتهما على التعاقب ; لأنه حين أرضعت الثانية ، فقد صارت ابنة للمرضعة ، وقد دخل هو بها

ولو كان تحته ثلاث نسوة صغيرتان وكبيرة لم يدخل بها فأرضعت الكبيرة الصغيرتين على التعاقب ، فإنما تقع الفرقة بينه وبين الكبيرة والصغيرة الأولى والتي أرضعتها آخرا لا تبين منه ; لأنه ليس في نكاحه أختها ، فإن الصغيرة الأخرى لم ترضعها الكبيرة أولا والأولى قد بانت ، فلهذا لا تقع الفرقة بينه وبين التي أرضعت آخرا ، وإن كانت أرضعتهما معا بن جميعا ، ولا تبين التي لم ترضع ; لأنه لم يوجد في حقها سبب يوجب الفرقة .

وحكم الصداق والرجوع والحرمة على قياس ما بينا فيما سبق من الفرق بينهما إذا كان دخل بالكبيرة أو لم يدخل ، وإن كانت أرضعت الثلاث على التعاقب ، ولم يدخل بالكبيرة بن جميعا ; لأنها حين أرضعت الأولى ، فقد صارتا أما وبنتا ثم بإرضاع الثانية لا تقع الفرقة بينه وبينها ولكن حين أرضعت الثالثة صارتا أختين فتقع الفرقة بينه وبينها أيضا وحكم الصداق والرجوع ، كما بينا ، ولو كانت أرضعت اثنتين معا ثم الثالثة بانت الكبيرة والتي أرضعتها معا ، ولا تبين الثالثة ; لأنه حين أرضعتها لم يكن في نكاحه غيرها ومجرد العقد على الأم لا يحرمها قبل الدخول ، ولو أرضعت إحدى الصغار على الانفراد ثم الأخرتين معا ، فقد صارتا أختين

ولو كان تحته صغيرة وثلاث نسوة كبار ، ولم يدخل بهن فأرضعت إحدى الكبار الصغيرة بانتا ; لأنهما صارتا أما وبنتا والباقيتان تحته على حالهما فإن أرضعتهما إحدى الباقيتين أيضا بانت هي منه ; لأنها صارت أم الصغيرة ، وقد كانت الصغيرة في نكاحه ومجرد العقد على الابنة يحرم الأم على التأبيد فإن أرضعتها الكبيرة الثالثة بانت هي أيضا لما بينا وله أن يتزوج الصغيرة وليس له أن يتزوج واحدة من المرضعات بحال ، ولو كان دخل بالكبار لم يكن له أن يتزوج الصغيرة أيضا لوجود الدخول بالأم
ولو كان تحته صغيرة وكبيرة وطلق الكبيرة قبل الدخول ثم جاءت فأرضعت الصغيرة فنكاح الصغيرة على حاله ; لأنهما حين صارتا أما وبنتا فليست الأم في نكاحه ومجرد العقد عليها لا يوجب حرمة الابنة ، ولو كان دخل بالكبيرة حرمت الصغيرة سواء أرضعتها قبل انقضاء العدة أو بعده لوجود الدخول بالأم ، ولو كان طلق الصغيرة دون الكبيرة ثم أرضعت الكبيرة الصغيرة بانت الكبيرة دخل بها أو لم يدخل بها ; لأن الصغيرة قد كانت في نكاحه والعقد على الابنة يحرم الأم ، ولو كان طلقهما جميعا ثم [ ص: 301 ] أرضعت الكبيرة الصغيرة فإن كان دخل بالكبيرة فليس له أن يتزوج واحدة منها بحال ، وإن كان لم يدخل بها فله أن يتزوج الصغيرة وليس له أن يتزوج الكبيرة ; لأن مجرد العقد على الأم لا يحرم الابنة
ولو أن امرأة جاءت إلى رجل فأرضعت ولده الصغير كان له أن يتزوجها ; لأنها أم ولده وأم ولده ليست من المحرمات عليه ، وكذلك لو أرضعت خالته الصغيرة أو عمته الصغيرة أو ابنة ابنه وهي صغيرة فالجواب في الكل سواء لما بينا

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 38.20 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 37.57 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.64%)]