
30-12-2025, 10:52 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,533
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثلاثون
صـــ262 الى صـــ 271
(628)
( قال فعلى العلماء إذا ما وصل إليهم ممن قبلهم فيه منفعة للناس ) يعني أن بيان المسموع من الآثار واجب على العلماء ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال { نضر الله امرأ سمع منا مقالة فوعاها ، كما سمعها ثم أداها إلى من سمعها فرب حامل فقه إلى غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه } وقال صلى الله عليه وسلم { تسمعون ويسمع منكم ويسمع من لم يسمع منكم } وقال صلى الله عليه وسلم { ألا فليبلغ الشاهد الغائب } ثم إنما يفترض بيان ما فيه منفعة الناس ، وهو الناسخ من الآثار الصحيحة المشهورة فأما المنسوخ فيجب روايته وكذا الشاذ فيما تعم به البلوى ، فإنه ليس في روايته للناس وربما يؤدي إلى الفتنة والتحرز عن الفتنة أولى والأصل فيه ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه لو حدثتكم بكل ما سمعت لرميتموني بالحجارة وأن معاذا رضي الله عنه كان عنده حديث في الشهادة وكان لا يرويه إلى أن احتضر ثم قال لأصحابه سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لولا ما حضرني من أمر الله ما رويته لكم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { ، من شهد أن لا إله إلا الله مخلصا من قلبه دخل الجنة } فكان يمتنع من روايته في صحته لكي لا يتكل الناس ثم لما خاف الفوت بموته رواه لأصحابه فهذا أصل لما بينا .
( قال : ألا ترى أنه لو لم يفترض الأداء علينا لم يفترض على من قبلنا ؟ حتى ينتهي ذلك إلى الصحابة والتابعين رضي الله عنهم ) يعني أن الناس في نقل العلم سواء قال صلى الله عليه وسلم { ينقل هذا الدين عن كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف المبطلين وتأويل الجاهلين } فلو جوزنا للمتأخرين ترك النقل لجوزنا مثل ذلك للمتقدمين فيؤدي هذا إلى القول بما ذهب إليه الروافض أن الله تعالى أنزل آيات في شأن علي رضي الله عنه وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث في فضله والتنصيص على إمامته غير أن الصحابة رضي الله عنهم كتموا ذلك حسدا منهم له ، وعند أهل السنة رحمهم الله هذا كذب وزور لا يجوز أن يظن بأحد من الصحابة رضي الله عنهم فكيف بجماعتهم ولو كان شيئا من ذلك لاشتهر ولكن ما يذهب إليه الروافض مبني على الكذب والبهتان فمحمد رضي الله عنه بهذا الاستشهاد أشار إلى أن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين ما تركوا نقل شيء من أمور الدين فعلى من بعدهم الاقتداء بهم في ذلك ثم الفرض نوعان فرض عين وفرض كفاية ففرض العين على كل أحد إقامته نحو أركان الدين وفرض الكفاية ما إذا قام به البعض سقط عن الباقين لحصول المقصود وإن اجتمع الناس على تركه [ ص: 263 ] كانوا مشتركين في المأثم كالجهاد ، فإن المقصود به إعلاء كلمة الله تعالى وإعزاز الدين ، فإذا حصل هذا المقصود من بعض المسلمين سقط عن الباقين ، وإذا قعد الكل عن الجهاد حتى استولى الكفار على بعض الثغور اشترك المسلمون في المأثم بذلك وكذا غسل الميت والصلاة عليه والدفن كل ذلك فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين ، وإن امتنعوا من ذلك حتى ضاع ميت بين قوم مع علمهم بحاله كانوا مشتركين في المأثمفأداء العلم إلى الناس فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين لحصول المقصود ، وهو إحياء الشريعة وكون العلم محفوظا بين الناس بأداء البعض ، وإن امتنعوا من ذلك حتى اندرس شيء بسبب ذلك كانوا مشتركين في المأثم
( قال وما رغب فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفضائل فأداؤه إلى الناس فريضة ) ومعنى هذا الكلام أن مباشرة فعل التطوعات وما ندب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بفرض ، ولا إثم على من امتنع من ذلك ، ولكن أداء ذلك إلى الناس فريضة حتى إذا اجتمع أهل زمان على ترك نفل كانوا تاركين لفريضة مشتركين في المأثم ; لأن بترك النفل يندرس شيء من الشريعة وليس في ترك الأداء معنى الاندراس ونظير هذا أن من امتنع من صلاة التطوع فلا إثم عليه في ذلك ، ولو صلى التطوع بغير طهارة كان آثما معاتبا ; لأن في الأداء بغير طهارة تغيير حكم الشرع وليس في ترك الأداء تغيير حكم الشرع ، فإن المقصود بالتطوعات أحد شيئين قطع طمع الشيطان عن وسوسته بأن يقول إذا كان هذا العبد يؤدي ما ليس عليه كيف يترك أداء ما هو عليه فينقطع طمعه عن وسوسته بهذا ، وهو جبر لنقصان الفرائض على ما قال صلى الله عليه وسلم { إذا تمكن في فريضة العبد نقصان يقول الله تعالى لملائكته اجعلوا نوافل عبدي جبرا لنقصان فريضته } ، وإذا كان في التطوع هذا المقصود فلا يجوز ترك البيان فيه حتى يندرس فيفوت هذا المقصود أصلا فعرفنا أن أداءه إلى الناس فريضة ، وإن لم يكن مباشرة فعله فريضة
( قال وليس يجب على الفقيه أن يحدث بكل ما سمع إلا لغائب حضر خروجه ممن يعلم أنه لم يشتهر في أهل مصره ) يعني بهذا أن أصل البيان واجب ، ولكن الوقت موسع ، وإنما يتضيق عند خوف الفوت كما بينا في حديث معاذ رضي الله عنه والذي أتاه كان قصده أن يتعلم منه ما لم يشتهر في مصره مما فيه منفعة للناس حتى يفتيهم بذلك إذا رجع إليهم قال الله تعالى { فلولا نفر من كل فرقة } الآية فما لم يعزم على الرجوع كان الوقت في التعليم واسعا على المعلم ، وإذا عزم على الخروج ، فقد [ ص: 264 ] تضيق الوقت فلا يسعه تأخير البيان بعد ذلك بمنزلة الصلاة بعد دخول الوقت فرض ، ولكن الوقت واسع ، فإذا بلغ آخر الوقت تضيق فلا يسعه التأخير بعد ذلك ، وهذا فيما لم يشتهر في أهل مصر فأما فيما اشتهر فيهم فلا حاجة ولا ضرورة ; لأن الراجع يتمكن من تحصيل ذلك لنفسه من علماء أهل مصر ، وأهل مصر يتوصلون إلى ذلك من جهة علمائهم دون هذا الراجع إليهم والمؤمنون كنفس واحدة يعني إذا تألم بعض الجسد تألم الكل ، وإذا نال الراحة بعض الجسد اشترك في ذلك الأعضاء ، فإذا كان مشهورا في أهل مصر لا يندرس بامتناع هذا العالم من البيان له ، وإذا لم يكن مشهورا فيهم فترك البيان يؤدي إلى الاندراس في حقهم فكما لا يحل له أن يترك البيان لأهل مصر حتى يندرس فكذا لا يحل ترك البيان للذي ارتحل إليه من موضع آخر لهذا المقصود ، وهو غير مشهور في أهل مصر ثم إن الله تعالى خلق أولاد آدم عليه السلام خلقا لا تقوم أبدانهم إلا بأربعة أشياء الطعام والشراب واللباس والكن ، أما الطعام فقال الله تعالى { وما جعلناهم جسدا } الآية وقال عز وجل { كلوا من طيبات ما رزقناكم } ، وأما الشراب فقال الله تعالى { وجعلنا من الماء كل شيء حي } وقال جل وعلا { وكلوا واشربوا } ، وأما اللباس فقال الله تعالى { يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا } وقال الله تعالى { خذوا زينتكم عند كل مسجد } الآية ، وأما الكن فلأنهم خلقوا خلقا لا تطيق أبدانهم معه أذى الحر والبرد ، ولا تبقى على شدتهما قال الله تعالى { وخلق الإنسان ضعيفا } فيحتاج إلى دفع أذى الحر والبرد عن نفسه لتبقى نفسه فيؤدي بها ما تحمل من أمانة الله تعالى ، ولا يتمكن من ذلك إلا بكن فصار الكن لهذا بمعنى الطعام والشراب
( قال : وقد دلهم المعاش بأسباب فيها حكمة بالغة ) يعني أن كل أحد لا يتمكن من تعلم جميع ما يحتاج إليه في عمره ، فلو اشتغل بذلك فني عمره قبل أن يتعلم وما لم يتعلم لا يمكنه أنه يحصل لنفسه ، وقد تعلقت به مصالح المعيشة فيسر الله تعالى على كل واحد منهم تعلم نوع من ذلك حتى يتوصل إلى ما يحتاج إليه من ذلك النوع بعلمه فيتوصل غيره إلى ما يحتاج إليه من ذلك بعلمه أيضا وإليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله { المؤمنون كالبنيان يشد بعضه بعضا }
وبيان هذا في قوله تعالى { ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات } الآية ، يعني أن الفقير محتاج إلى مال الغني والغني يحتاج إلى عمل الفقير فهنا أيضا الزارع يحتاج إلى عمل النساج ليحصل اللباس لنفسه والنساج يحتاج إلى عمل الزارع ليحصل الطعام والقطن الذي يكون منه اللباس لنفسه ثم [ ص: 265 ] كل واحد منهما فيما يقيم من العمل يكون معينا لغيره فيما هو قربة وطاعة ، فإن التمكن من إقامة القربة بهذا يحصل فيدخل تحت قوله تعالى { وتعاونوا على البر والتقوى } وقال صلى الله عليه وسلم { إن الله تعالى في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه المسلم } وسواء أقام ذلك العمل بعوض شرطه عليه أو بغير عوض ، فإذا كان قصده ما بينا كان في عمله معنى الطاعة لقوله صلى الله عليه وسلم { إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى } ، فإذا نوى العامل بعمله التمكن من إقامة الطاعة أو تمكين أخيه من ذلك كان مثابا على عمله باعتبار نيته بمنزلة المتناكحين إذا قصدا بفعلهما ابتغاء الولد وتكثير عباد الله تعالى وأمة الرسول صلى الله عليه وسلم كان لهما الثواب على عملهما ، وإن كان ذلك الفعل لقضاء الشهوة في الأصل ولكن بالنية يصير معنى القربة أصلا ويصير قضاء الشهوة تبعا فهذا مثله
( قال : فإن تركوا الأكل والشرب ، فقد عصوا ; لأن فيه تلفا ) يعني أن النفس لما كانت لا تبقى عادة بدون الأكل والشرب فالممتنع من ذلك قاتل نفسه قال الله تعالى { ولا تقتلوا أنفسكم } ، وهو معرض نفسه للهلاك وقال الله تعالى { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } وبعد التناول ، فقدر ما يسد به رمقه يندب إلى أن يتناول مقدار ما يتقوى به على الطاعة ; لأنه إن لم يتناول يضعف وربما يعجز عن الطاعة وقال صلى الله عليه وسلم { المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف ، وفي كل خير } ، ولأن اكتساب ما يتقوى به على الطاعة يكون طاعة ، وهو مندوب إلى الإتيان بما هو طاعة وإليه أشار أبو ذر رضي الله عنه حين سئل عن أفضل الأعمال فقال : الصلوات وأكل الخبز قال : وقد نقل عن مسروق رضي الله عنه وغيره أن من اضطر فلم يأكل فمات دخل النار والمراد تناول الميتة ; لأن عند الضرورة الحرمة تنكشف فيلحق بالمباح ، وإذا كان الحكم في الميتة هذا مع حرمتها في غير حالة الضرورة فما ظنك في الطعام الحلال
( قال وستر العورة فريضة لقوله تعالى { خذوا زينتكم } الآية ) والمراد ستر العورة لأجل الصلاة ، ألا ترى أنه خص المساجد بالذكر والناس في الأسواق أكثر منهم في المساجد ؟ فلا فائدة لتخصيص المساجد بالذكر سوى أن يكون المراد ستر العورة لأجل الصلاة فهذا يدل على أنه من شرائط الصلاة فيكون فرضا ، ولئن كان المراد ستر العورة لأجل الصلاة فالأمر حقيقة للوجوب فإن كان خاليا في بيته ، فهو مندوب إلى الستر لما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكروا عنده كشف العورة قيل له : أرأيت لو كان أحدنا خاليا فقال صلى الله عليه وسلم الله أحق أن يستحى منه }
( قال وعلى الناس اتخاذ [ ص: 266 ] الأوعية لنقل الماء إلى النساء ) ; لأن المرأة تحتاج إلى الماء للوضوء والشرب ، وإن تيممت للوضوء احتاجت إلى الماء لتشرب ، ولا يمكنها أن تخرج تستقي الماء من الأنهار والآبار والحياض ، فإنها أمرت بالقرار في بيتها قال الله تعالى { وقرن في بيوتكن } فعلى الرجل أن يأتيها بذلك ; لأن الشرع ألزمه حاجتها كالنفقة ، ولا يمكنه أن يأتيها بكفه فلا بد أن يتخذ وعاء لذلك ; لأن ما لا يتأتى إقامة المستحق إلا به يكون مستحقا
( قال ومن فعل شيئا مما ذكرنا ، فهو مأمور بإتمامه لقوله تعالى { ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها } الآية ) وهذا مثل ذكره الله تعالى لمن ابتدأ طاعة ثم لم يتمها فيكون كالمرأة التي تغزل ثم تنقض فلا تكون ذات غزل ، ولا ذات قطن ، ومن امتنع من الأكل والشرب والاستكنان حتى مات أوجب على نفسه دخول النار ; لأنه قتل نفسه قصدا فكأنه قتلها بحديدة وقال صلى الله عليه وسلم { من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجيء بها نفسه في نار جهنم } ثم تأويل اللفظ الذي ذكره من وجهين : أحدهما ، أنه ذكره على سبيل التهديد وأضمر في كلامه معنى صحيحا ، وهو أنه أراد الدخول الذي هو تحلة القسم قال الله تعالى { وإن منكم إلا واردها } الآية ، والمراد داخلها عند أهل السنة والجماعة ، والثاني : أن المراد بيان جزاء فعله يعني أن جزاء فعله دخول النار ، ولكنه في مشيئة الله تعالى إن شاء عفا عنه بفضله ، وإن شاء أدخله النار بعدله ، وهذا نظير ما قيل في بيان قول الله تعالى { فجزاؤه جهنم خالدا فيها } أن هذا جزاؤه إن جازاه الله به ، ولكنه عفو كريم يتفضل بالعفو ، ولا يخلد أحدا من المؤمنين في نار جهنم
قال وكل أحد منهي عن إفساد الطعام ، ومن الإفساد الإسراف ) وهذا لما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن القيل والقال وعن كثرة السؤال وعن إضاعة المال } ، وفي الإفساد إضاعة المال ثم الحاصل أنه يحرم على المرء فيما اكتسبه من الحلال الإفساد والسرف والخيلاء والتفاخر والتكاثر ، أما الإفساد فحرام لقوله تعالى { وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة } الآية ، وأما السرف فحرام لقوله تعالى { ولا تسرفوا } الآية وقال جل وعلا { والذين إذا أنفقوا } الآية فذلك دليل على أن الإسراف والتقتير حرام وأن المندوب إليه ما بينهما ، وفي الإسراف تبذير وقال الله تعالى { ولا تبذر تبذيرا } ثم السرف في الطعام أنواع فمن ذلك الأكل فوق الشبع لقوله صلى الله عليه وسلم { ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه فإن كان لا بد فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس } وقال صلى الله عليه وسلم { يكفي ابن آدم لقيمات يقمن صلبه ولا يلام على كفاف } ، ولأنه إنما يأكل لمنفعة نفسه ، ولا منفعة في الأكل فوق الشبع بل [ ص: 267 ] فيه مضرة فيكون ذلك بمنزلة إلقاء الطعام في مزبلة أو شر منها ، ولأن ما يزيد على مقدار حاجته من الطعام فيه حق غيره ، فإنه يسد به جوعته إذا أوصله إليه بعوض أو بغير عوض ، فهو في تناوله جان على حق الغير ، وذلك حرام ، ولأن الأكل فوق الشبع ربما يمرضه فيكون ذلك كجراحته نفسه .
والأصل فيه ما روي { أن رجلا تجشأ في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال نح عنا جشاءك أما علمت أن أطول الناس عذابا يوم القيامة أكثرهم شبعا في الدنيا } { ، ولما مرض ابن عمر رضي الله عنهما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن سبب مرضه فقيل : إنه أتخم ، قال : ومم ذاك ؟ فقيل : من كثرة الأكل فقال صلى الله عليه وسلم أما إنه لو مات لم أشهد جنازته ولم أصل عليه } ، ولما قيل لعمر رضي الله عنه : ألا تتخذ لك جوارشا ؟ قال : وما يكون الجوارش ؟ قيل : هو صنف يهضم الطعام ، فقال : سبحان الله أو يأكل المسلم فوق الشبع ؟ إلا أن بعض المتأخرين رحمهم الله استثنى من ذلك حالة ، وهو أنه إذا كان له غرض صحيح في الأكل فوق الشبع فحينئذ لا بأس بذلك بأن يأتيه ضيف بعد تناوله مقدار حاجته فيأكل مع ضيفه لئلا يخجل وكذا إذا أراد أن يصوم في الغد فلا بأس بأن يتناول بالليل فوق الشبع ليقوى على الصوم بالنهار ، ومن الإسراف في الطعام الاستكثار من المباحات والألوان ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم عد ذلك من أشراط الساعة فقال { تدار القصاع على موائدهم واللعنة تنزل عليهم } { وعن عائشة رضي الله عنها أنها كانت في ضيافة فأتيت بقصعة بعد قصعة فقامت وجعلت تقول : ألم تكن الأولى مأكولة ، وإن كانت فما هذه الثانية ؟ وفي الأولى ما يكفينا قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن مثل هذا } إلا أن يكون ذلك عند الحاجة بأن يمل من ناحية واحدة فيستكثر من المباحات ليستوفي من كل نوع شيئا فيجتمع له مقدار ما يتقوى به على الطاعة على ما حكي أن الحجاج كتب إلى عبد الملك بن مروان يشكو إليه ثلاثا : العجز عن الأكل وعن الاستمتاع والعي في الكلام ، فكتب إليه أن استكثر من ألوان الطعام وجدد السراري في كل وقت وانظر إلى أخريات الناس في خطبتك ، ومن الإسراف أن تضع على المائدة من ألوان الطعام فوق ما يحتاج إليه الآكل .
وقد بينا أن الزيادة على مقدار حاجته فيه كان حق غيره إلا أن يكون من قصده أن يدعو الأضياف قوما بعد قوم إلى أن يأتوا على آخر الطعام فحينئذ لا بأس بذلك ; لأنه غير مفسد ، ومن الإسراف أن يأكل وسط الخبز ويدع حواشيه أو يأكل ما انتفخ من الخبز كما يفعله بعض [ ص: 268 ] الجهال يزعمون أن ذلك ألذ ، ولكن هذا إذا كان غيره لا يتناول ما ترك هو من حواشيه ، أما إذا كان غيره يتناول ذلك فلا بأس كأن يختار لتناوله رغيفا دون رغيف ، ومن الإسراف التمسح بالخبز عند الفراغ من الطعام من غير أن يأكل ما يمسح به ; لأن غيره يتقذر ذلك فلا يأكله فأما إذا كان هو يأكل ما يمسح به فلا بأس بذلك ، ومن الإسراف إذا سقط من يده لقمة أن يتركها بل ينبغي له أن يبدأ بتلك اللقمة فيأكلها ; لأن في ترك ذلك استخفافا بالطعام ، وفي التناول إكراما ، وقد أمرنا بإكرام الخبز قال صلى الله عليه وسلم { أكرموا الخبز ، فإنه من بركات السماء والأرض } ، ومن إكرام الخبز أن لا ينتظر الإدام إذا حضر الخبز ولكن يأخذ في الأكل قبل أن يؤتى بالإدام ، وهذا ; لأن الإنسان مندوب إلى شكر النعمة والتحرز عن كفران النعمة ، وفي ترك اللقمة التي سقطت معنى كفران النعمة ، وفي المبادرة إلى تناول الخبز قبل أن يؤتى بالإدام إظهار شكر النعمة ، وإذا كان جائعا ففي الامتناع إلى أن يؤتى بالإدام نوع مماطلة فينبغي أن يتحرز عن ذلك وفيه حكاية ، فإن أبا حنيفة رحمة الله عليه لقي بهلولا المجنون يوما ، وهو جالس على الطريق يأكل الطعام فقال : أما تستحي من نفسك أن تأكل بالطريق ، قال : يا أبا حنيفة أنت تقول في هذا ونفسي غريمي والخبز في حجري ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم { مطل الغني ظلم } فكيف أمنعها حقها إلى أن أدخل البيت والمخيلة حرام لما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمقداد رضي الله عنه في ثوب لبسه إياك والمخيلة ولا تلام على كفاف } ، والتفاخر والتكاثر حرام لقوله تعالى { اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو } الآية ، وإنما ذكر هذا على وجه الإلزام لذلك قال الله تعالى { ولا تمنن تستكثر } الآية وقال عز وجل { أن كان ذا مال وبنين } وقال جل وعلا { ألهاكم التكاثر } فعرفنا أن التفاخر والتكاثر حرام
( قال وأمر اللباس نظير الأكل في جميع ما ذكرنا ) يعني أنه كما نهى عن الإسراف والتكثير من الطعام فكذلك نهى عن ذلك في اللباس والأصل فيه ما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الثوبين } والمراد أن لا يلبس نهاية ما يكون من الحسن والجودة في الثياب على وجه يشار إليه بالأصابع أو يلبس نهاية ما يكون من الثياب الخلق على وجه يشار إليه بالأصابع ، فإن أحدهما يرجع إلى الإسراف والآخر يرجع إلى التقتير وخير الأمور أوسطها فينبغي أن يلبس في عامة الأوقات الغسيل من الثياب ، ولا يكلف الجديد الحسن عملا بقوله صلى الله عليه وسلم { البذاذة من الإيمان } إلا أنه لا بأس بأن يلبس أحسن ما يجد من الثياب في بعض الأعياد [ ص: 269 ] والأوقات والجمع لما روي { عن النبي صلى الله عليه وسلم أن كان له جبة أهداها إليه المقوقس فكان يلبسها في الأعياد والجمع وللوفود ينزلون إليه } وروي أنه { كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم قباء مكفوف بالحرير وكان يلبس ذلك في الأعياد والجمع } ، ولأن في لبس ذلك في بعض الأوقات إظهار النعمة قال صلى الله عليه وسلم { إذا أنعم الله على عبد أحب أن يرى أثرها عليه } ، وفي التكلف لذلك في جميع الأوقات معنى الصلف وربما يغيظ ذلك المحتاجين والتحرز عن ذلك أولى وكذا في زمان الشتاء لا ينبغي أن يظاهر بين جبتين أو ثلاثة إذا كان يكفيه لدفع البرد جبة واحدة ، فإن ذلك يغيظ المحتاجين ، وهو منهي عن اكتساب سبب يؤذي غيره ومقصوده يحصل بما دون ذلك والأولى له أن يختار الخشن من الثياب للبس على ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان لا يلبس إلا الخشن من الثياب فإن لبس الخشن في زمان الشتاء واللين في زمان الصيف فلا بأس بذلك ، الخشن يدفع من البرد ما لا يدفعه اللين ، فهو محتاج إلى ذلك في زمان الشتاء واللين منشف من العرق ما لا ينشفه الخشن ، فهو محتاج إلى ذلك في زمان الصيف ، وإن لبس اللين في الشتاء والصيف فذلك واسع له أيضا إذا كان اكتسبه من حله لقوله تعالى { قل من حرم زينة الله } الآية .
وكما يندب إلى ما بينا في طعام نفسه وكسوته فكذلك في طعام عياله وكسوتهم ; لأنه مأمور بالإنفاق عليهم بالمعروف والمعروف ما يكون دون السرف وفوق التقتير حتى قالوا لا ينبغي أن يكلف تحصيل جميع شهوات عياله ، ولا أن يمنعها جميع شهواتها ، ولكن إنفاقه بين ذلك فإن خير الأمور أوساطها ، وكذلك لا ينبغي أن يستديم الشبع من الطعام ، فإن الأول ما اختاره رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينه في قوله { أجوع يوما وأشبع يوما } { وكانت عائشة رضي الله عنها تبكي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قبض وتقول يا من لم يلبس الحرير ، ولم يشبع من خبز الشعير } { وكانت عائشة رضي الله عنها تقول ربما يأتي علينا الشهر أو أكثر لا نوقد في بيوتنا نارا ، وإنما هو الأسودان الماء والتمر } ، وقد روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { أطول الناس جوعا يوم القيامة أكثرهم شبعا في الدنيا } ، فلهذا كان التحرز عن استدامة الشبع في جميع الأوقات أولى
( قال وليس على الرجل أن يدع الأكل حتى يصير بحيث لا ينتفع بنفسه ) يعني حتى ينتهي به الجوع إلى حال تضره وتفسد معدته بأن تحترق فلا ينتفع بالأكل بعد ذلك ; لأن التهاون عند الحاجة حق قبله قال صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه { نفسك مطيتك فارفق بها ، ولا تجعها } وقال صلى الله عليه وسلم [ ص: 270 ] لآخر { إن لنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا ولله عليك حقا فأعط كل ذي حق حقه } { وقال صلى الله عليه وسلم للمقدام بن معدي كرب كل واشرب والبس عن غير مخيلة } والأمر للإيجاب حقيقة ، ولأن في الامتناع من الأكل إلى هذه الغاية تعريض النفس للهلاك ، وهو حرام ، وفيه اكتساب سبب تفويت العبادات ، ولا يتوصل إلى أداء العبادات إلا بنفسه ، وكما أن تفويت العبادات المستحقة حرام فاكتساب سبب التفويت حرام فأما تجويع النفس على وجه لا يعجز معه عن أداء العبادات وينتفع بالأكل بعده ، فهو مباح ; لأنه إنما يمنع من الأكل لإتمام العبادة إذا كان صائما أو ليكون الطعام ألذ عنده إذا تناوله فكلما كان المتناول أجوع كانت لذته في التناول من الأكل فوق الشبع ، وهو حرام عليه إلا عند غرض صحيح له في ذلك فليس له بالامتناع إلى أن يصير بحيث لا ينتفع بالأكل غرض صحيح بل فيه إتلاف النفس وحرمة نفسه عليه فوق حرمة نفس أخرى ، فإذا كان يحق عليه إحياء نفس أخرى بما يقدر عليه ، ولا يحل له اكتساب سبب إتلافها ففي نفسه أولى ، وقد قال بعض المتقشفة لو امتنع من الأكل حتى مات لم يكن آثما ; لأن النفس أمارة بالسوء ، كما وصفها الله تعالى به وهي عدو المرء قال صلى الله عليه وسلم ما معناه { أعدى عدو المرء بين جنبيه } يعني نفسه وللمرء أن لا يرى عدوه فكيف يصير آثما بالامتناع من تربيته وقال صلى الله عليه وسلم { أفضل الجهاد جهاد النفس } وتجويع النفس مجاهدة لها فلا يجوز أن نجهل ذلك ولكن نقول : إن مجاهدة النفس في حملها على الطاعات ، وفي التجويع إلى هذه الحالة تفويت العبادة لا حمل النفس على أداء العبادة .
وقد بينا أن النفس محتملة لأمانات الله تعالى ، فإن الله تعالى خلقها معصومة لتؤدي الأمانة التي تحملتها ، ولا تتوصل لذلك إلا بالأكل عند الحاجة وما لا يتوصل إلى إقامة المستحق إلا به يكون مستحقا فأما الشاب الذي يخاف على نفسه من الشبق والوقوع في العيب فلا بأس أن يمتنع من الأكل ويكسر شهوته فتجويع النفس على وجه لا يعجز عن أداء العبادات مندوب إليه لقوله صلى الله عليه وسلم { يا معشر الشباب عليكم بالنكاح فمن لم يستطع فعليه بالصوم ، فإنه له وجاء } ، ولأنه منتفع بالامتناع من الأكل هنا من حيث إنه يمنع به نفسه عن ارتكاب المعاصي على ما يحكى عن أبي بكر الوراق رحمه الله قال : في تجويع النفس إشباعها ، وفي إشباعها تجويعها ثم فسر ذلك فقال : إذا جاعت واحتاجت إلى الطعام شبعت عن جميع المعاصي ، وإذا شبعت عن الطعام جاعت ورغبت في جميع المعاصي ، وإذا كان التحرز عن ارتكاب المعصية فرضا ، وإنما [ ص: 271 ] يتوصل إليه بهذا النوع من التجويع كان ذلك فرضا
( قال ويفترض على الناس إطعام المحتاج في الوقت الذي يعجز فيه عن الخروج والطلب ) وهذه المسألة تشتمل على فصول :
أحدها : أن المحتاج إذا عجز عن الخروج يفترض على من يعلم أنه يطعمه مقدار ما يتقوى به على الخروج وأداء العبادات إذا كان قادرا على ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم من بات شبعان وجاره إلى جنبه طاو حتى إذا مات ، ولم يطعمه أحد ممن يعلم بحاله اشتركوا جميعا في المأثم لقوله صلى الله عليه وسلم { أيما رجل مات جوعا بين قوم أغنياء ، فقد برئت منهم ذمة الله وذمة رسوله } ، فإذا لم يكن عند من يعلم بحاله ما يعطيه ، ولكنه قادر على الخروج إلى الناس فيخبر بحاله ليواسوه ويفترض عليه ذلك ; لأن عليه أن يدفع ما يزيل ضعفه بحسب الإمكان والطاعة بحسب الطاقة فإن امتنعوا من ذلك حتى مات اشتركوا في المأثم ، وإذا قام به البعض سقط عن الباقين ، وهو نظير الأسير ، فإن من وقع أسيرا في يد أهل الحرب من المؤمنين وقصدوا قتله يفترض على كل مسلم يعلم بحاله أن يفديه بماله إن قدر على ذلك وإلا أخبر به غيره ممن يقدر عليه ، وإذا قام به البعض سقط عن الباقين بحصول المقصود ، ولا فرق بينهما في المعنى ، فإن الجوع الذي هاج من طبعه عدو يخاف الهلاك منه بمنزلة العدو من المشركين .
فأما إذا كان المحتاج يتمكن من الخروج ولكن لا يقدر على الكسب فعليه أن يخرج ليعلم بحاله ، ومن علم بحاله إذا كان عليه شيء من الواجبات فليؤده إليه ; لأنه قد وجد لما استحق عليه مصرفا ومستحقا فينبغي له أن يسقط الفرض عن نفسه بالصرف إليه حتما ; لأنه أدنى إليه من غيره ، وهو يندب إلى الإحسان إليه إن كان قد أدى ما عليه من الفرائض لقوله تعالى { وأحسنوا إن الله يحب المحسنين } وقال الله تعالى { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } ولما { ، سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أفضل الأعمال قال إفشاء السلام وإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام } فإن كان المحتاج بحيث يقدر على الكسب فعليه أن يكتسب ، ولا يحل له أن يسأل لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { من سأل الناس وهو غني عما يسأل كانت مسألته يوم القيامة خدوشا أو خموشا أو كدوحا في وجهه } وروي { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفرق الصدقات فأتاه رجلان يسألانه من ذلك فرفع بصره إليهما فرآهما جلدين قال : أما أنه لا حق لكما فيه ، وإن شئتما أعطيتكما } معناه لا حق لهما في السؤال وقال صلى الله عليه وسلم { لا تحل الصدقة لغني ، ولا لذي مرة سوي } يعني لا يحل السؤال للقوي القادر على التكسب وقال [ ص: 272 ] صلى الله عليه وسلم { السؤال آخر كسب العبد } ، ولكنه لو سأل فأعطي حل له أن يتناول لقوله صلى الله عليه وسلم { ، وإن شئتما أعطيتكما } ، فلو كان لا يحل التناول لما قال صلى الله عليه وسلم لهما ذلك ، وقد قال الله تعالى { إنما الصدقات للفقراء } الآية والقادر على الكسب فقير ، وإذا كان عاجزا عن الكسب ، ولكنه قادر على أن يخرج فيطوف على الأبواب ويسأل ، فإنه يفترض عليه ذلك ، وإذا لم يفعل ذلك حتى هلك كان آثما عند أهل الفقه رحمهم الله وقال بعض المتقشفة : السؤال مباح له بطريق الرخصة فإن تركه حتى مات لم يكن آثما بل هو متمسك بالعزيمة ، وهذا قريب مما نقل عن الحسن بن زياد رضي الله عنه أن من كان في السفر ومع رفيق له ماء وليس عنده ثمنه أنه لا يلزمه أن يسأل رفيقه ، ولو تيمم وصلى من غير أن يسأله الماء جازت صلاته عنده ، ولم تجز عندنا .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|