
30-12-2025, 10:45 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,533
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثلاثون
صـــ252 الى صـــ 261
(627)
وجه القول الآخر ، وهو الأصح أن الأنبياء والرسل ما اشتغلوا بالكسب في عامة الأوقات ، ولا يخفى على أحد أن اشتغالهم بالعبادة في عمرهم كان أكثر من اشتغالهم بالكسب ومعلوم أنهم كانوا يختارون لأنفسهم أعلى الدرجات ، ولا شك أن أعلى مناهج الدين طريق المرسلين عليهم السلام وكذا الناس في العادة إذا أحرجهم أمر يحتاجون إلى دفعه عن أنفسهم يشتغلون بالعبادات لا بالكسب والناس إنما يتقربون إلى العباد دون المكتسبين والدليل عليه أن الاكتساب يصح من الكافر والمسلم جميعا فكيف يستقيم القول بتقديمه على ما لا يصح إلا من المؤمنين خاصة وهي العبادة ، والدليل عليه أن { النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن أفضل الأعمال قال أحمزها } أي أشقها على البدن ، وإنما أشار بهذا إلى أن المرء ينال أعلى الدرجات بمنع النفس هواها قال الله تعالى { ونهى النفس عن الهوى } الآية
والاشتغال بهذه الصفة في الانتهاء والدوام في العبادات فأما الكسب ففيه بعض التعب في الابتداء ، ولكنه فيه قضاء الشهوة في الانتهاء وتحصيل مراد النفس فلا بد من القول بأن ما يكون بخلاف هوى النفس ابتداء وانتهاء ، فهو أفضل ، ولا يدخل في شيء مما ذكرنا النكاح ، فإن الاشتغال بالنكاح أفضل عندنا من التخلي لعبادة الله تعالى ، وهذا المعنى موجود فيه ; لأنه إنما كان ذلك أفضل لما فيه من تكثير عباد الله تعالى وأمة رسوله عليه السلام وتحقيق مباهاة رسول الله بهم ، وذلك لا يوجد هنا فكان التفرغ للعبادة أفضل من الاشتغال بالكسب بعد ما يحصل ما لا بد منه
، وهذه المسألة تنبني على مسألة أخرى اختلف فيها العلماء رحمهم الله وهي أن صفة الفقر أعلى أم صفة الغنى
والمذهب عندنا أن صفة الفقر أعلى وقال بعض الفقهاء : صفة الغنى أعلى ، وقد أشار محمد رحمه الله في كتاب [ ص: 253 ] الكسب في موضعين إلى ما بينا من مذهبنا فقال في أحد الموضعين ولو أن الناس قنعوا بما يكفيهم وعمدوا إلى الفضول فوجهوها لأمر آخرتهم لكان خيرا لهم وقال في الموضع الآخر وما زاد على ما لا بد منه يحاسب عليه المرء ، ولا يحاسب أحد على الفقر ، ولا شك أن ما لا يحاسب المرء عليه يكون أفضل مما يحاسب المرء عليه ، وأما من فضل الغنى فاحتج وقال : الغنى نعمة والفقر بؤس ونقمة ومحنة ، ولا يخفى على عاقل أن النعمة أفضل من النقمة والمحنة والدليل عليه أن الله تعالى سمى المال فضلا فقال عز وجل { وابتغوا من فضل الله } وقال تعالى { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } وما هو فضل الله ، فهو أعلى الدرجات وسمي المال خيرا فقال عز وجل { إن ترك خيرا الوصية للوالدين } ، وهذا اللفظ يدل على أنه خير من عنده .
وقال تعالى { ولقد آتينا داود منا فضلا } يعني الملك والمال حتى روي أنه كانت له مائة سرية فتمنى من الله تعالى الزيادة على ذلك فقال { رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي } ، ولا يظن بأحد من الرسل عليهم السلام أنه سأل من الله تعالى الدرجة الدنيا دون الدرجة العليا والدليل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { الأيدي ثلاثة يد الله ثم اليد المعطية ثم اليد المعطاة وهي السفلى إلى يوم القيامة } ، وفي حديث آخر قال عليه السلام { اليد العليا خير من اليد السفلى } واليد العليا هي اليد المعطية وقال عليه السلام لسعد بن أبي وقاص { رضي الله عنه إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس } وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لعائشة رضي الله عنها في مرضه إن أحب الناس إلي غنى أنت وأعزهم علي فقرا أنت فهذا يدل على أن صفة الغنى أعلى من صفة الفقر قال عليه السلام { كاد الفقر أن يكون كفرا } وقال عليه السلام { اللهم إني أعوذ بك من الفقر إلا إليك } وقال عليه السلام { اللهم إني أعوذ بك من البؤس والتباؤس } البؤس : الفقر والتباؤس : التمسكن ولا يظن بالنبي صلى الله عليه وسلم أنه يتعوذ بالله من أعلى الدرجات
وحجتنا في ذلك أن الفقر أسلم للعباد وأعلى الدرجات للعبد ما يكون أسلم له وبيان ذلك أنه يسلم بالفقر من طغيان الغنى قال الله تعالى { كلا إن الإنسان ليطغى } الآية ، وقال عز وجل { الذين طغوا في البلاد } الآية ، وإنما حملهم على ذلك الطغيان الأغنياء يعني الذين ادعوا ما لا ينبغي لأحد من البشر ، فإنه لم ينقل أن أحدا من الفقراء وقع في ذلك فدل أن الفقر أسلم ثم صفة الغنى مما تميل إليه النفس ويدعو إليه الطبع ويتوصل به إلى اقتضاء الشهوات ، ولا يتوصل بالفقر إلى شيء من ذلك وأعلى الدرجات ما يكون أبعد من اقتضاء الشهوات [ ص: 254 ] وقال تعالى { واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا } وقال جل وعلا { زين للناس } الآية والدليل عليه قوله عليه السلام { حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات } وقال عليه السلام { الفقر أزين بالمؤمن من العداء الجيد على جيد الفرس } وقال عليه السلام { إن فقراء أمتي يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم ، وهو خمسمائة عام } ، وفي الآثار { إن آخر الأنبياء عليهم السلام دخولا الجنة سليمان عليه السلام لملكه } { وقال عليه السلام يوما لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما ما أبطأك عني يا عبد الرحمن قال : وما ذاك يا رسول الله ؟ قال : إنك آخر أصحابي لحوقا بي يوم القيامة فأقول ما حبسك عني فتقول : المال ، كنت محاسبا محبوسا حتى الآن } وكان هو من العشرة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة ، وقد قاسم الله ماله أربع مرات فتصدق بالنصف وأمسك النصف في المرة الأولى وكان ماله ثمانية آلاف فتصدق بأربعة آلاف ، وفي المرة الثانية كان ثمانية آلاف دينار فتصدق بنصفها ، وفي المرة الثالثة كان ستة عشر ألف دينار فتصدق بنصفها ، وفي المرة الرابعة كان اثنين وثلاثين ألف دينار فتصدق بنصفها ومع ذلك كله قال عليه السلام في حقه ما قال فتبين به أن صفة الفقر أفضل .
وقال عليه السلام { عرض علي مفاتيح خزائن الأرض فاستفتيت أخي جبريل عليه السلام بذلك فأشار إلي بالتواضع فقلت : أكون عبدا أجوع يوما وأشبع يوما ، فإذا جعت صبرت ، وإذا شبعت شكرت } وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول { اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين } ، ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل لنفسه أعلى الدرجات وأن الأفضل لنا ما سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه ، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم { أنا حظكم من الأنبياء وأنتم حظي من الأمم } ففي هذا إشارة إلى أن الواجب علينا التمسك بهذا .
ويتبين بما ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم ما تعوذ من الفقر المطلق ، وإنما تعوذ من الفقر المنسي على ما روي في بعض الروايات أنه عليه السلام قال { اللهم إني أعوذ بك من فقر منس ، ومن غنى يطغي } إلا أنه قيد السؤال في بعض الأحوال ومراده ذلك أيضا ولكن من سمع اللفظ مطلقا نقله ، كما سمع وهذه المسألة تنبني على مسألة أخرى
اختلف فيها العلماء ، وهو أن الشكر على الغنى أفضل أم الصبر على الفقر واختلف العلماء رحمهم الله في هذه المسألة على أربعة أقاويل فمنهم من توقف في جوابها لتعارض الآثار وقال إن أبا حنيفة رحمه الله توقف في أطفال المشركين لتعارض الآثار فيهم وقال إذا فيقتدى به ويتوقف في هذا الفصل لتعارض الآثار [ ص: 255 ] أيضا ، ومنهم من قال هما سواء واستدلوا بقوله عليه السلام { الطاعم الشاكر كالجائع الصابر } ، ولأن الله تعالى أثنى في كتابه على عبدين وأثنى على كل واحد منهما بنعم العبد أحدهما أنعم عليه فشكر ، وهو داود قال الله { ووهبنا لداود } الآية والآخر ابتلي فصبر ، وهو أيوب عليه السلام قال الله تعالى { إنا وجدناه صابرا } الآية فعرفنا أنهما سواء ، ومنهم من قال : الشكر على الغنى أفضل لقوله عليه السلام { الحمد لله على كل نعمة } وقال عليه السلام { لو أن جميع الدنيا صارت لقمة فتناولها عبد وقال الحمد لله رب العالمين كان بما أتى به خيرا مما أوتي } يعني لما في هذه الكلمة من الثناء على الله تعالى .
وتبين بالحديث الأول أن الشكر يكون بالثناء على الله تعالى فكان أفضل من الصبر والدليل عليه قوله تعالى { اعملوا آل داود شكرا } ، وهذا يعم جميع الطاعات ، ولا شك أن ما يعم جميع الطاعات ، فهو أعلى الدرجات ، وذلك لا يوجد في الصبر على الفقر والمذهب عندنا أن الصبر على الفقر أفضل قال عليه السلام { الصبر نصف الإيمان } وقال عليه السلام { الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد } ، ولأن في الفقر معنى الابتلاء والصبر على الابتلاء يكون أفضل من الشكر على النعمة ، يعتبر هذا بسائر أنواع الابتلاء ، فإن الصبر على ألم المرض يكون أعظم في الثواب من الشكر على صحة البدن ، وكذلك الصبر على العمى أفضل من الشكر على البصر { قال عليه السلام فيما يؤثر عن ربه عز وجل من أخذت كريمته وصبر على ذلك فلا جزاء له عندي إلا الجنة أو قال الجنة والرؤية } ، وهذا الفقه ، وهو أن للمؤمن ثوابا في نفس المصيبة قال عليه السلام { يؤجر المؤمن في كل شيء حتى الشوكة تشاكه في رجله }
والدليل عليه { أن ماعزا رضي الله عنه حين أصابه حر الحجارة هرب وكان ذلك منه نوع اضطراب ثم مع ذلك قال فيه رسول الله : لقد تاب توبة لو قسمت توبته على جميع أهل الأرض لوسعتهم } فعرفنا أن نفس المصيبة للمؤمن ثواب ، وفي الصبر عليها ثواب أيضا فأما نفس الغنى فلا ثواب فيه ، وإنما الثواب في الشكر على الغنى وما ينال به الثواب من الوجهين يكون أعلى مما ينال فيه الثواب من وجه واحد ، وكما أن في الشكر على الغنى ثناء على الله تعالى ففي الصبر على المصيبة كذا لقوله تعالى { الذين إذا أصابتهم مصيبة } الآية .
وحكي أن غنيا وفقيرا تناظرا في هذه المسألة فقال الغني الشاكر : أنا أفضل ، فإن الله تعالى استقرض من الأغنياء فقال عز وجل { من ذا الذي يقرض الله } الآية وقال الفقير إن الله تعالى إنما استقرض من الأغنياء للفقراء ، وقد يستقرض من الخبيث وغير الخبيث ، ولا يستقرض إلا الأجل يوضحه أن الغني يحتاج إلى الفقير ، ولا يحتاج الفقير إلى الغني ; لأن الغني يلزمه [ ص: 256 ] أداء حق المال ، فلو اجتمع الفقراء عن آخرهم على أن لا يأخذوا شيئا من ذلك لم يجبروا على الأخذ ويحمدون شرعا على الامتناع من الأخذ فلا يتمكن الأغنياء من إسقاط الواجب عن أنفسهم والله تعالى يوصل الفقراء كفايتهم على حسب ما ضمن لهم فبهذا تبين أن الأغنياء هم الذين يحتاجون إلى الفقراء والفقراء لا يحتاجون إليهم بخلاف ما ظنه من يعتبر الظاهر ولا يتأمل في المعنى ، ويتضح بما قررنا أن الفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر ، وفي كل خير
ثم الكسب على مراتب فمقدار ما لا بد لكل أحد منه يعني ما يقيم به صلبه يفترض على كل أحد اكتسابه غنيا أو فقيرا ; لأنه لا يتوصل إلى إقامة الفرائض إلا به وما يتوصل به إلى إقامة الفرائض يكون فرضا فإن لم يكتسب زيادة على ذلك ، فهو في سعة من ذلك لقوله عليه السلام { من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه ، وعنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها } { وقال عليه السلام لابن خنيس رضي الله عنه فيما يعظه لقمة تسد بها جوعتك وخرقة تواري بها سوأتك فإن كان لك كن يكنك فحسن ، وإن كان لك دابة تركبها بخ بخ }
وهذا إذا لم يكن عليه دين فإن كان عليه دين فالاكتساب بقدر ما يقضي به دينه فرض عليه ; لأن قضاء الدين مستحق عليه إن كان غنيا قال عليه السلام { الدين مقضي وبالاكتساب يتوصل إليه }
وكذا إن كان له عيال من زوجة وأولاد صغار ، فإنه يفترض عليه الكسب بقدر كفايتهم غنيا ; لأن الإنفاق على زوجته مستحق عليه قال الله تعالى { أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم } معناه فأنفقوا عليهن من وجدكم وهكذا في قراءة ابن مسعود رضي الله عنه وقال جل وعلا { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن } الآية ، وقال عز وجل { ومن قدر عليه رزقه فلينفق } الآية .
وإنما يتوصل إلى إيفاء هذا المستحق بالكسب وقال صلى الله عليه وسلم { كفى بالمرء إثما أن يضيع من يمون } فالتحرز عن ارتكاب المآثم فرض ، وقال عليه السلام { إن لنفسك عليك حقا ، وإن لأهلك عليك حقا فأعط كل ذي حق حقه } ، ولكن هذا في الفرضية دون الأول لقوله عليه السلام { ثم من تعول } فإن اكتسب زيادة على ذلك ما يدخره لنفسه وعياله ، فهو في سعة من ذلك لما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم ادخر قوت عياله لسنة بعد ما كان منهيا عن ذلك } على ما روي { أنه صلى الله عليه وسلم قال لبلال رضي الله عنه أنفق بلالا ولا تخش من ذي العرش إقلالا } والمتأخر يكون ناسخا للمتقدم فإن كان له أبوان كبيران معسران ، فإنه يفترض عليه الكسب بقدر كفايتهما ; لأن نفقتهما مستحقة عليه بعد عسرته إذا كان متمكنا من الكسب { قال عليه السلام للرجل الذي أتاه وقال أريد الجهاد معك ألك أبوان قال نعم قال عليه السلام [ ص: 257 ] ارجع ففيهما فجاهد } يعني اكتسب وأنفق عليهما ، وقال تعالى { وصاحبهما في الدنيا معروفا } وليس من المصاحبة بالمعروف تركهما يموتان جوعا مع قدرته على الكسب ، ولكن هذا دون ما سبق في الفرضية لما روي { أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم معي دينار فقال عليه السلام أنفقه على نفسك فقال معي آخر فقال عليه السلام أنفقه على عيالك قال معي آخر قال عليه السلام أنفقه على والديك } الحديث فأما غير الوالدين من ذوي الرحم المحرم فلا يفترض على المرء الكسب للإنفاق عليهم ; لأنه لا تستحق نفقتهم عليه إلا باعتبار صفة اليسار ، ولكنه يندب إلى الكسب والإنفاق عليهم لما فيه من صلة الرحم ، وهو مندوب إليه في الشرع قال عليه السلام لا خير فيمن لا يحب المال فيصل به رحمه ويكرم به ضيفه ويبر به صديقه { وقال عليه السلام لعمرو بن العاص رضي الله عنه وأرغب لك رغبة من المال } . . . الحديث ، إلى أن قال : { نعم المال الصالح للرجل الصالح يصل به رحمه } وقطيعة الرحم حرام لقوله عليه السلام { ثلاث معلقات بالعرش النعمة والأمانة والرحم تقول النعمة : كفرت ولم أشكر ، وتقول الأمانة : ضيعت ولم أؤد ، وتقول الرحم : قطعت ولم أوصل } وقال عليه الصلاة والسلام { صلة الرحم تزيد في العمر وقطيعة الرحم ترفع البركة من العمر } { قال عليه السلام فيما يؤثر عن ربه عز وجل أنا الرحمن وهي الرحم شققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته } ، وفي ترك الإنفاق عليهم ما يؤدي إلى قطيعة الرحم فيندب إلى الاكتساب للإنفاق عليهم وبعد ذلك الأمر موسع عليه فإن شاء اكتسب وجمع المال ، وإن شاء أبى .
; لأن السلف رحمهم الله منهم من جمع المال ومنهم من لم يفعل فعرفنا أن كلا الفريقين مباح أما الجمع فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم { من طلب الدنيا حلالا متعففا لقي الله تعالى ووجهه كالقمر ليلة البدر ، ومن طلبها مفاخرا مكاثرا لقي الله تعالى ، وهو عليه غضبان } فدل أن جمع المال على طريق التعفف مباح وكان عليه السلام يقول في دعائه { اللهم اجعل أوسع رزقي عند كبر سني وانقضاء عمري } وكان كذا ، فقد اجتمع له أربعون شاة حلوبة وفدك وسهم بخيبر في آخر عمره .
وأما الامتناع من جمع المال فطريق مباح أيضا لحديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { لو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمنى إليهما ثالثا ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب } وقيل هذا كان مما يتلى في القرآن في سورة يونس من الركوع الثاني أو الثالث ثم انتسخت تلاوته وبقيت روايته وقال عليه السلام { تبا للمال } ، وفي رواية لصاحب [ ص: 258 ] الذهب والفضة وقال صلى الله عليه وسلم { هلك المكثرون إلا من قال بماله هكذا وهكذا } يعني يتصدق من كل جانب وقال عليه السلام { يقول الشيطان : لن ينجو مني صاحب المال من إحدى ثلاث : إما أن أزينه في عينه فيجمعه من غير حله ، وإما أن أحقره في عينه فيعطي في غير حله ، وإما أن أحببه إليه فيمنع حق الله تعالى منه } ففي هذا بيان أن الامتناع من الجمع أسلم ، ولا عيب على من اختار طريق السلامة ثم بين محمد رحمه الله أن الكسب فيه معنى المعاونة على القرب والطاعات أي كسب كان حتى قال : إن كسب فتال الحبال ومتخذ الكيزان والجرار وكسب الحركة فيه معاونة على الطاعات والقرب ، فإنه لا يتمكن من أداء الصلاة إلا بالطهارة ويحتاج ذلك إلى كوز يستقى به الماء وإلى دلو ورشاء ينزح به الماء ويحتاج إلى ستر العورة لأداء الصلاة ، وإنما يتمكن من ذلك بعمل الحركة فعرفنا أن ذلك كله من أسباب التعاون على إقامة الطاعة وإليه أشار علي رضي الله عنه في قوله لا تسبوا الدنيا فنعم مطية المؤمن الدنيا إلى الآخرة ، وقال أبو ذر رضي الله عنه حين سأله رجل عن أفضل الأعمال بعد الإيمان فقال : الصلاة وأكل الخبز فنظر إليه الرجل كالمتعجب فقال : لولا الخبز ما عبد الله تعالى يعني بأكل الخبز يقيم صلبه فيتمكن من إقامة الطاعة .
ثم المذهب عند جمهور الفقهاء رحمهم الله أن المكاسب كلها في الإباحة سواء ، وقال بعض المتقشفة ما يرجع إلى الدناءة من المكاسب في عرف الناس لا يسع الإقدام عليه إلا عند الضرورة لقوله عليه السلام { ليس للمؤمن أن يذل نفسه } وقال عليه السلام { إن الله تعالى يحب معالي الأمور ويبغض سفسافها } والسفساف ما يدني المرء ويبخسه
وحجتنا في ذلك قوله عليه السلام { إن من الذنوب ذنوبا لا يكفرها الصوم ، ولا الصلاة قيل : فما يكفرها يا رسول الله قال الهموم في طلب المعيشة } وقال عليه السلام { طلب الحلال كمقارعة الأبطال ، ومن بات وانيا من طلب الحلال مات مغفورا له } وقال عليه السلام { أفضل الأعمال الاكتساب للإنفاق على العيال } من غير تفصيل بين أنواع الكسب ، ولو لم يكن فيه سوى التعفف والاستغناء عن السؤال لكان مندوبا إليه ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال { السؤال آخر كسب العبد } أي يبقى في ذله إلى يوم القيامة { وقال عليه السلام لحكيم بن حزام رضي الله عنه أو لغيره مكسبة فيها نقص المرتبة خير لك من أن تسأل الناس أعطوك أو منعوك } ثم المذمة في عرف الناس ليست للكسب بل للخيانة وخلف الوعد واليمين الكاذبة ومعنى البخل
ثم المكاسب أربعة الإجارة والتجارة والزراعة والصناعة وكل ذلك في الإباحة [ ص: 259 ] سواء عند جمهور الفقهاء رحمهم الله وقال بعضهم : الزراعة مذمومة لما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى شيئا من آلات الحرابة في دار قوم فقال ما دخل هذا بيت قوم إلا ذلوا } { ، وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله عز وجل { إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم } أهو التعرب ؟ قال : لا لكنه الزراعة } ، والتعرب سكنى البادية وترك الهجرة وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : إذا تبايعتم بالعين واتبعتم أذناب البقر ذللتم حتى يطمع فيكم
وحجتنا في ذلك ما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم ازدرع بالجرف } وقال عليه السلام { اطلبوا الرزق تحت خبايا الأرض } يعني الزراعة وقال عليه السلام { الزارع يتاجر ربه } ، وقد كان له فدك وسهم بخيبر فكان قوته في آخر العمر من ذلك وعمر رضي الله عنه كان له أرض بخيبر يدعى ثمغ ، وقد كان لابن مسعود والحسن بن علي وأبي هريرة رضي الله عنهم مزارع بالسواد يزرعونها ويؤدون خراجها ، وكان لابن عباس رضي الله عنهما أيضا مزارع بالسواد وغيرهما وتأويل الآثار المروية فيما إذا اشتغل الناس كلهم بالزراعة وأعرضوا عن الجهاد حتى يطمع فيهم عدوهم ، وذلك مروي في حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال وقعدتم عن الجهاد وذللتم حتى يطمع فيكم فيما إذا اشتغل بعضهم بالجهاد وبعضهم بالزراعة ففي عمل المزارع معاونة للمجاهد ، وفي عمل المجاهد دفع عن الزارع ، وقال صلى الله عليه وسلم {المؤمنون كالبنيان يشد بعضه بعضا } ثم اختلف مشايخنا رحمهم الله في التجارة والزراعة فقال بعضهم التجارة أفضل لقوله تعالى { وآخرون يضربون في الأرض } الآية ، والمراد بالضرب في الأرض التجارة فقدمه في الذكر على الجهاد الذي هو سنام الدين وسنة المرسلين ، ولهذا قال عمر رضي الله عنه لأن أموت بين شعبتي رحلي أضرب في الأرض أبتغي من فضل الله أحب إلي من أن أقتل مجاهدا في سبيل الله وقال عليه السلام { التاجر الأمين مع الكرام البررة يوم القيامة } .
وأكثر مشايخنا رحمهم الله على أن الزراعة أفضل من التجارة ; لأنها أعم نفعا فبعمل الزراعة تحصيل ما يقيم به المرء صلبه ويتقوى به على الطاعة وبالتجارة لا يحصل ذلك ولكن ينمو المال وقال عليه السلام { خير الناس من هو أنفع للناس } فالاشتغال بما يكون نفعه أعم يكون أفضل ، ولأن الصدقة في الزراعة أطهر فلا بد أن يتناول مما يكتسبه الزارع الناس والدواب والطيور وكل ذلك صدقة له قال عليه السلام { ما غرس مسلم شجرة فتناول منها إنسان أو دابة أو طير إلا كانت له صدقة } ، وفي رواية { وما أكلت العافية منها فهي له صدقة } والعافية هي الطيور الطالبة لأرزاقها الراجعة إلى أوكارها ، وإذا كان [ ص: 260 ] في عادة الناس ذم الكسب الذي ينعدم فيه التصديق كعمل الحياكة مع أنه من التعاون على إقامة الصلاة عرفنا أن ما يكون التصديق فيه أكثر من الكسب ، فهو أفضل فأما تأويل ما تعلقوا به ، فقد روى مكحول ومجاهد رحمهما الله قالا : المراد الضرب في الأرض لطلب العلم وبه نقول إن ذلك أفضل
فقد أشار محمد رحمه الله إلى ذلك في قوله طلب الكسب فريضة ، كما أن طلب العلم فريضة فتشبيه هذا بذاك دليل على أن طلب العلم أعلى درجة من غيره وبيان فرضية طلب العلم في قوله عليه السلام { طلب العلم فريضة على كل مسلم } والمراد علم الحلال على ما قيل : أفضل العلم علم الحلال وأفضل العمل حفظ الحال وبيان هذا أن ما يحتاج المرء في الحال لأداء ما لزمه يفترض عليه عينا علمه كالطهارة لأداء الصلاة فإن أراد التجارة يفترض عليه تعلم ما يتحرز به عن الربا والعقود الفاسدة ، وإن كان له مال يفترض عليه تعلم زكاة جنس ماله ليتمكن به من الأداء ، وإن لزمه الحج يفترض عليه تعلم ما يؤدي به الحج هذا معنى علم الحال
وهذا علم ; لأن الله تعالى حكم ببقاء الشريعة إلى يوم القيامة والبقاء بين الناس يكون بالتعلم والتعليم فيفترض التعليم والتعلم جميعا ، وقد قررنا هذا المعنى في بيان فريضة الكسب والدليل عليه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن الذين لا يعلمون ، ولا يتعلمون ليرتفع العلم بهم وقال { إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من القلوب ولكن بقبض العلماء } ، فإذا قبض العلماء اتخذ الناس رءوسا جهالا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ، والذي يؤيد هذا كله قوله تعالى { وإن أحد من المشركين استجارك } الآية ، وفي هذا إشارة إلى أنه يفترض تعليم الكافر إذا طلب ذلك فتعليم المؤمن أولى وبيان قولنا أنه من آكد الفرائض أن الإنسان لو شغل جميع عمره بالتعلم والتعليم كان مفترضا في الكل ، ولو شغل جميع عمره بالصوم والصلاة كان مشتغلا في البعض ، ولا شك أن إقامة الفرض أعلى درجة من أداء النفل قال ، وكما أن طلب العلم فريضة فأداء العلم إلى الناس فريضة ; لأن اشتغال صاحب العلم بالعمل معروف والعمل بخلافه منكر فالتعليم يكون أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر ، وهو فرض على هذه الأمة
قال الله تعالى { كنتم خير أمة } الآية ، ويختلفون في فصل وهو أن من يعلم حكما أو حكمين هل يفترض عليه أن يبين ذلك لمن لا يعلمه أم لا ؟ فعلى قول بعض مشايخنا رحمهم الله يلزمه ذلك وأكثرهم على أنه لا يلزمه ذلك ، وإنما يجب ذلك على الذين اشتهروا بالعلم ممن يعتمد الناس قولهم ، وقد أشار في هذا الكتاب إلى القولين واللفظ المذكور هنا [ ص: 261 ] يوجب التعميم وقال بعد هذه فعلى البصراء من العلماء أن يبينوا للناس طريق الفقه فهذا يدل على أن الفرضية على الذين اشتهروا بالعلم خاصة
وجه القول الأول قوله تعالى { إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات } وقوله تعالى { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب } الآية ، فتبين بالآيتين أن الكتمان حرام وأن ضده ، وهو الإظهار لازم فيتناول ذلك كل من بلغه علم ، فإنه يتصور منه الكتمان فيما بلغه فيفترض عليه الإظهار وقال صلى الله عليه وسلم { إذا رأيتم آخر هذه الأمة طعن على أولها فمن كان عنده علم فليظهره ، فإن كاتم العلم يومئذ ككاتم ما أنزل على محمد } ، ولأن تعليم العلم بمنزلة أداء الزكاة وعلى كل أداء الزكاة من نصابه وصاحب النصاب وصاحب المنصب في ذلك سواء وجه القول الآخر أن العلماء في كل زمان خلفاء الرسل عليهم السلام كما قال صلى الله عليه وسلم { العلماء هم ورثة الأنبياء } ومعلوم أن في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم كان هو المبين للناس ما يحتاجون إليه من أمر دينهم ، فإن الله تعالى وصفه بذلك وقال { لتبين للناس ما نزل إليهم } ، ولا يجب على أحد سواه شيء من ذلك بحضرته فكذا في كل حين ومكان إنما يفترض الأداء على المشهورين بالعلم دون غيرهم ; لأن الناس في العادة إنما يعتمدون قول من اشتهر بالعلم وقلما يعتمدون قول غيرهم وربما يستخف بعضهم بما يسمعه ممن لم يشتهر بالعلم ، فلهذا كان البيان على المشهورين خاصة ، وقد نقل عن الحسن رضي الله عنه أدركت سبعين بدريا كلهم قد انزووا ، ولم يشتغلوا بتعليم الناس ; لأنه كان لا يحتاج إليهم ، وكذا علماء التابعين رحمهم الله فمنهم من تصدى للفتوى والتعليم ، ومنهم من امتنع من ذلك وانزوى لعلمه أنه لا يتمكن الخلل بامتناعه وأن المقصود حاصل بغيره ، وهذا ; لأن للعلم ثمرتين العمل به والتعليم ، ومنهم من لا يتمكن منهما جميعا فيكتفي بثمرة العمل به فعرفنا أن ذلك واسع وأن المقصود بالمشهورين من أهل العلم حاصل .
( قال : ولو لم يكن طلب العلم فريضة لم يكن للناس مخرج من الإثم ) يعني أن التحرز عن ارتكاب الإثم فرض قال الله تعالى { قل إنما حرم ربي الفواحش } الآية ، ولا يتوصل إلى هذا التحرز إلا بالعلم قال ، ولو ترك الناس العلم لما تميز الحق من الباطل والصواب من الخطأ والبين من الخفي يعني أن التمييز بين الحق والباطل أصل الدين ، ولا يتوصل إليه إلا بالعلم قال الله تعالى { ويمح الله الباطل ويحق الحق } وقال في آية أخرى { ليحق الحق ويبطل الباطل } ولا شك أنه يفترض على كل مخاطب التمييز بين ما أحقه الله تعالى وبين ما محاه الله من الباطل وكذا يجب على كل أحد التمسك بما هو [ ص: 262 ] صواب والتحرز عن الخطأ بجهده وطريق التوصل إلى ذلك العلم

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|