
30-12-2025, 10:40 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,555
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثلاثون
صـــ242 الى صـــ 251
(626)
رجل قال : والله أما أنا لا أجلس فما أقوم حتى أقام يعني حتى يقويني الله على ذلك فيقيمني ، فإنه لا يحنث ، وهو صادق في يمينه ; لأن المذهب عند أهل السنة والجماعة أن أفعال العباد مخلوقة الله تعالى ، قال الله تعالى { والله خلقكم وما تعملون } فلا يقوم أحد ما لم يقمه الله تعالى وقيل في قوله عز وجل { يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله } أن المراد هذا ، وهو أن العبد لا يستغني في شيء من أقواله وحركاته عن الله تعالى ، وهو نظير ما قال في كتاب الأيمان في الجامع الصغير إذا حلف ليأتينه غدا إلا أن لا يستطيع ، وهو يعني بذلك القضاء والقدر ، فإنه تعمل نيته ، ولا يكون حانثا في يمينه بحال
ولو قال لأمته : أنت حرة إن ذقت طعاما حتى أضربك فأنفت الأمة فالحيلة أن يهبها لولده الصغير ثم يتناول الطعام فلا يحنث في يمينه ; لأنه صار قابضا لولده بنفس الهبة ، فإنما يوجد الشرط وهي ليست في ملكه فلا يتحقق
قال : وسئل أبو حنيفة رحمه الله عن امرأة قالت لزوجها : اخلعني فقال : أنت طالق ثلاثا إن سألتني الخلع إن لم أخلعك فقالت المرأة : جاريتي حرة إن لم أسألك قبل الليل وجاء إلى أبي حنيفة رحمه الله قال أبو حنيفة رحمه الله : سليه الخلع فقالت لزوجها : أسألك أن تخلعني فقال أبو حنيفة رحمه الله لزوجها : قل قد خلعتك على ألف درهم تعطيها لي فقال لها الزوج ذلك فقال أبو حنيفة رحمه الله لها قولي لا أقبله فقالت ، فقال أبو حنيفة رحمه الله قوما ، فقد بر كل واحد منكما في يمينه ; لأن شرط برها في اليمين أن تسأله الخلع ، وقد سألته وشرط بر الزوج أن يخلعها بعد سؤالها ، وقد فعل ، فإنما عقد يمينه على فعل نفسه خاصة ، وقد وجد ذلك منه فلم يقع عليها شيء حين ردت الخلع وهذه المسألة تصير رواية فيما إذا قالت المرأة لزوجها : اخلعني فقال الزوج خلعتك على كذا أنه لا يقع الفرقة ما لم تقل المرأة قبلت بخلاف ما إذا قالت : اخلعني على كذا فقال : قد فعلت ، فإنه لا تقع الفرقة ; لأنها إذا لم تذكر البدل كان كلامها سؤالا للخلع لا أحد شطري العقد إلا أن في النكاح لا فرق بين أن يذكر البدل وبين أن لا [ ص: 243 ] يذكر ، فإن وجوب المهر يستغني عن التسمية هناك ، ولا يعتمد الرضى ووجوب البدل في الخلع لا يكون إلا باعتبار التسمية وباعتبار تمام الرضا ، فلهذا فرقنا بين ما إذا ذكر البدل وبين ما إذا لم يذكره وذكر الخصاف رحمه الله في كتاب الحيل نظير هذه الحكاية فقال : إن بعض من كان يتأذى منه أبو حنيفة رحمه الله جرى بينه وبين زوجته كلام فامتنعت من جوابه فقال : إن لم تكلميني الليلة فأنت طالق فسكتت وامتنعت من كلامه فخاف أن يقع الطلاق إذا طلع الفجر فطاف على العلماء رحمهم الله في الليل فلم يجد عندهم في ذلك حيلة فجاء إلى أبي حنيفة رحمه الله وذكر له ذلك فقال : هل أتيت أستاذك فجعل يعتذر إليه ويقول لا فرج لي إلا من قبلك فذكر أنه قال له : اذهب فقل للذين حولها من أقاربها ادعوها فماذا أصنع بكلامها ، فإنها أهون علي من التراب وأسمعها من هذا بما تقدر فجاء وقال ذلك حتى ضجرت وقالت بل أنت كذا وكذا فصارت مكلمة له قبل طلوع الفجر وخرج من يمينه وهذه الحكاية أوردها في مناقب أبي حنيفة رحمه الله وقال إنه قال للرجل ارجع إلى بيتك حتى آتيك فأتشفع لك فرجع الرجل إلى بيته وجاء أبو حنيفة رحمه الله في أثره فصعد مئذنة محلته وأذن فظنت المرأة أن الفجر قد طلع فقالت : الحمد لله الذي نجاني منك فجاء أبو حنيفة رحمه الله إلى الباب وقال قد برت يمينك وأنا الذي أذنت أذان بلال رضي الله عنه في نصف الليل
ال وسئل أبو حنيفة رحمه الله عن أخوين تزوجا أختين فزفت امرأة كل واحد منهما إلى زوج أختها فلم يعلموا بذلك حتى أصبحوا فذكر ذلك لأبي حنيفة رحمه الله وقال : ليطلق كل واحد منهما امرأته تطليقة ثم يتزوج كل واحد منهما المرأة التي دخل بها ، وفي مناقب أبي حنيفة رحمه الله ذكر لهذه المسألة حكاية أنها وقعت لبعض الأشراف بالكوفة وكان قد جمع العلماء رحمهم الله لوليمته ، وفيهم أبو حنيفة رحمه الله وكان في عداد الشباب يومئذ فكانوا جالسين على المائدة إذ سمعوا ولولة النساء فقيل : ماذا أصابهن فذكروا أنهم غلطوا فأدخلوا امرأة كل واحد منهما على صاحبه ودخل كل واحد منهما بالتي أدخلت عليه وقالوا : إن العلماء على مائدتكم فسلوهم عن ذلك فسألوا فقال سفيان الثوري رحمه الله فيها قضى علي رضي الله عنه على كل واحد من الزوجين المهر وعلى كل واحدة منهما العدة ، فإذا انقضت عدتها دخل بها زوجها وأبو حنيفة رحمه الله ينكث بأصبعه على طرف المائدة كالمتفكر في شيء فقال له من إلى جانبه أبرز ما عندك هل عندك شيء آخر فغضب سفيان الثوري [ ص: 244 ] رحمه الله فقال هل : يكون عنده بعد قضاء علي رضي الله عنه يعني في الوطء بالشبهة فقال أبو حنيفة رحمه الله : علي بالزوجين فأتى بهما فسار كل واحد منهما إنه هل تعجبك المرأة التي دخلت بها ؟ قال : نعم ثم قال لكل واحد منهما : طلق امرأتك تطليقة فطلقها ثم زوج من كل واحد منهما المرأة التي دخل بها وقال قوما إلى أهلكما على بركة الله تعالى فقال سفيان رحمه الله ما هذا الذي صنعت ؟ فقال : أحسن الوجوه وأقربها إلى الألفة وأبعدها عن العداوة أرأيت لو صبر على كل واحد منهما حتى انقضت العدة أما كان يبقى في قلب كل واحد منهما شيء بدخول أخيه بزوجته ؟ ولكني أمرت كل واحد منهما حتى يطلق زوجته ، ولم يكن بينه وبين زوجته دخول ، ولا خلوة ، ولا عدة عليها من الطلاق ثم تزوجت كل امرأة ممن وطئها وهي معتدة منه وعدته لا تمنع نكاحه وقام كل واحد منهما مع زوجته وليس في قلب كل واحد منهما شيء فعجبوا من فطنة أبي حنيفة وحسن تأمله ، وفي هذه الحكاية بيان فقه هذه المسألة التي ختم بها الكتاب والله أعلم بالصواب
. كتاب الكسب ( قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي رحمه الله ) وإذ قد أجبتكم إلى ما سألتموني من إملاء شرح المختصر على حسب الطاقة ، وقدر الفاقة بالآثار المشهورة والإشارات المذكورة في تصنيفات محمد بن الحسن رحمه الله لإظهار وجه التأثير وبيان طريق التقدير رأيت أن ألحق به إملاء شرح كتاب الكسب الذي يرويهمحمد بن سماعة عن محمد بن الحسن رحمه الله ، وهو من جملة تصنيفاته إلا أنه لم يشتهر ; لأنه لم يسمع منه ذلك أبو حفص ، ولا أبو سليمان رحمهما الله ، ولهذا لم يذكره الحاكم رحمه الله في المختصر ، وفيه من العلوم ما لا يسع جهلها ، ولا التخلف عن عملها ، ولو لم يكن فيها إلا حث المفلسين على مشاركة المكتسبين في الكسب لأنفسهم والتناول من كد يدهم لكان يحق على كل واحد إظهار هذا النوع من العلماء .
وقد كان شيخنا الإمام رحمه الله بين بعض ذلك على طريق الإيثار فيه فنذكر ما ذكره تبركا بالمسموع منه ونلحق به ما تكلم فيه أهل الأصول رحمهم الله ، وما يجود به الخاطر من المعاني والإشارات فنقول الاكتساب في عرف اللسان تحصيل المال بما حل من الأسباب واللفظ في الحقيقة يستعمل [ ص: 245 ] في كل باب ، وقد قال الله تعالى { أنفقوا من طيبات ما كسبتم } وقال تعالى { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم } أي بجنايتكم على أنفسكم ، وقد سمى جناية المرء على نفسه كسبا وقال جل وعلا في آية السرقة { جزاء بما كسبا } أي باشرا بارتكاب المحظور فعرفنا أن اللفظ مستعمل في كل باب ولكن عند الإطلاق يفهم منه اكتساب المال ثم بدأ محمد رحمه الله الكتاب بقوله طلب الكسب فريضة على كل مسلم ، وفي رواية وقال : طلب الكسب بعد الصلاة المكتوبة الفريضة بعد الفريضة وقال عليه السلام { طلب الحلال كمقارعة الأبطال ، ومن مات دائبا في طلب الحلال مات مغفورا } وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقدم درجة الكسب على درجة الجهاد فيقول لأن أموت بين شعبتي رجل أضرب في الأرض ابتغى من فضل الله أحب إلي من أن أقتل مجاهدا في سبيل الله ; لأن الله تعالى قدم الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضله على المجاهدين بقوله { وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله } الآية ، وفي الحديث { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صافح سعد بن معاذ رضي الله عنه ، فإذا يداه قد اكتبتا فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : أضرب بالمر والمسحاة لأنفق على عيالي فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يده وقال كفان يحبهما الله تعالى } .
وفي هذا بيان أن المرء باكتساب ما لا بد له منه ينال من الدرجات أعلاها ، وإنما ينال ذلك بإقامة الفريضة ، ولأنه لا يتوصل إلى إقامة الفرض إلا به فحينئذ كان فرضا بمنزلة الطهارة لأداء الصلاة وبيانه من وجوه : أحدها ، أن يمكنه من أداء الفرائض بقوة بدنه ، وإنما يحصل له ذلك بالقوت عادة ، ولتحصيل القوت طرق الاكتساب أو التغالب بالانتهاب والانتهاب يستوجب العقاب ، وفي التغالب فساد والله تعالى لا يحب الفساد فعين جهة الاكتساب لتحصيل القوت فقال عليه السلام { نفس المؤمن بطنته فليحسن إليها } يعني الإحسان بأن لا يمنعها قدر الكفاية ، وإنما لا يتوصل إلى ذلك إلا بالكسب ، كما لا يتوصل إلى أداء الصلاة إلا بالطهارة ، ولا بد لذلك من كوز يستقي به الماء أو دلو أو رشا ينزح به الماء من البئر ، وكذلك لا يتوصل إلى أداء الصلاة إلا بستر العورة ، وإنما يكون ذلك بثوب ، ولا يحصل له ذلك إلا بالاكتساب عادة وما لا يتأتى إقامة الفرض إلا به يكون فرضا في نفسه ثم الكسب طريق المرسلين صلوات الله عليهم ، وقد أمرنا بالتمسك بهداهم قال الله تعالى { فبهداهم اقتده } وبيانه أن أول من اكتسب أبونا آدم عليه السلام قال الله تعالى { فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى } أي تتعب في طلب الرزق وقال مجاهد في تفسيره لا تأكل خبزا بزيت حتى تعمل عملا إلى الموت [ ص: 246 ] وفي الآثار { أن آدم عليه السلام لما أهبط إلى الأرض أتاه جبريل عليه السلام بالحنطة وأمره أن يزرعها فزرعها وسقاها وحصدها ودرسها وطحنها وخبزها فلما فرغ من هذه الأعمال حان وقت العصر أتاه جبريل عليه السلام وقال : إن ربك يقرئك السلام ويقول : إن صمت بقية اليوم غفرت لك خطيئتك وشفعتك في أولادك فصام وكان حريصا على تناول ذلك الطعام لينظر يجد له من الطعم ما كان يجد لطعام الجنة } فمن ثمة حرص الصائمون بعد العصر على تناول الطعام .
، وكذا نوح عليه السلام كان نجارا يأكل من كسبه وإدريس عليه السلام كان خياطا وإبراهيم عليه السلام كان بزارا على ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { عليكم بالبزر ، فإن أباكم كان بزارا } يعني الخليل عليه السلام { وداود عليه السلام كان يأكل من كسبه } على ما روي { أنه كان يخرج متنكرا فيسأل عن سيرة أهل مملكته حتى استقبله جبريل عليه السلام يوما على صورة شاب فقال له كيف تعرف داود أيها الفتى فقال نعم العبد داود إلا أن فيه خصلة قال : وما هي ؟ قال : إنه يأكل من بيت المال ، وإن خير الناس من يأكل من كسبه فرجع داود عليه السلام إلى محرابه باكيا متضرعا يسأل الله تعالى ويقول : اللهم علمني كسبا تغنيني به عن بيت المال فعلمه الله تعالى صنعة الدرع ولين له الحديد حتى كان الحديد في يده كالعجين في يد غيره قال الله تعالى { وألنا له الحديد } وقال عز وجل { وعلمناه صنعة لبوس لكم } فكان يصنع الدرع ويبيع كل درع باثني عشر ألفا فكان يأكل من ذلك ويتصدق } ، وسليمان صلوات الله عليه يصنع المكاييل من الخوص فيأكل من ذلك ، وزكريا عليه السلام كان نجارا ، وعيسى عليه السلام كان يأكل من غزل أمه وربما كان يلتقط السنبلة فيأكل من ذلك ، وهو نوع اكتساب .
ونبينا صلى الله عليه وسلم كان يرعى في بعض الأوقات على ما روي { أنه عليه السلام قال لأصحابه رضي الله عنهم يوما كنت راعيا لعقبة بن معيط وما بعث الله نبيا إلا وكان راعيا } ، وفي حديث { السائب بن شريك عن أبيه رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم شريكي وكان خير شريك لا يداري ولا يماري } أي : لا يلاحي ، ولا يخاصم فقيل : فبماذا كانت الشركة بينكما فقال : في الأدم وازدرع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة على ما ذكر محمد رحمه الله في كتاب المزارعة ليعلم أن الكسب طريق المرسلين عليهم السلام .
ثم الكسب نوعان : كسب من المرء لنفسه وكسب منه على نفسه فالكاسب لنفسه هو الطالب لما لا بد له من المباح والكاسب على نفسه هو الباغي لما عليه فيه جناح نحو ما يكون من السارق والنوع الثاني منه حرام بالاتفاق [ ص: 247 ] قال الله تعالى { ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه } وقال عز وجل { ومن يكسب خطيئة أو إثما } الآية ، والمذهب عند الفقهاء من السلف والخلف رحمهم الله أن النوع الأول من الكسب مباح على الإطلاق بل هو فرض عند الحاجة وقال قوم من جهال أهل التقشف وحماقى أهل التصوف : إن الكسب حرام لا يحل إلا عند الضرورة بمنزلة تناول الميتة وقالوا : إن الكسب ينفي التوكل على الله تعالى أو ينقص منه ، وقد أمرنا بالتوكل قال الله تعالى { وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين } فما يتضمن نفي ما أمرنا به من التوكل يكون حراما ، والدليل على أنه ينفي التوكل قوله عليه السلام { لو توكلتم على الله حق التوكل لرزقتم ، كما يرزق الطير يغدو خماصا ويروح بطانا } وقال تعالى { وفي السماء رزقكم وما توعدون } ، وفي هذا حث على ترك الاشتغال بالكسب وبيان أن ما قدر له من الموعود يأتيه لا محالة .
وقال عز وجل { وأمر أهلك بالصلاة } الآية ، والخطاب وإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم فالمراد أمته ، فقد أمروا بالصبر والصلاة وترك الاشتغال بالكسب لطلب الرزق لقوله تعالى { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ، وفي الاشتغال بالكسب ترك ما خلق المرء لأجله وأمر به من عبادة ربه وإليه أشار النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { ما أوحي إلي أن أجمع المال وأكون من المتاجرين ، وإنما أوحي إلي { فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين } الآية } وما في القرآن من ذكر البيع والشراء في بعض الآيات ليس المراد به التصرف في المال والكسب بل المراد تجارة العبد مع ربه عز وجل ببذل النفس في طاعته والاشتغال بعبادته فذلك يسمى تجارة وقال الله تعالى { هل أدلكم على تجارة } الآية ، وقال عز وجل { إن الله اشترى من المؤمنين } الآية ، والمراد هذا النوع ، وهو بذل النفس لنيل الثواب بالجهاد وأنواع الطاعة .
وكذا قد سمى الله تعالى آخذ المال لارتكاب ما لا يحل له في الدين بائعا نفسه قال الله تعالى { ولبئس ما شروا به أنفسهم } وقال عز وجل { اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا } وإلى ذلك أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله { الناس غاديان بائع نفسه فموبقها ومشتر نفسه فمعتقها } ، وإن الصحابة رضي الله عنهم لم يشتغلوا بالكسب فالقول مع أصحاب الصفة رضي الله عنهم كانوا يلزمون المسجد فلا يشتغلون بالكسب ومدحوا على ذلك ، وكذلك الخلفاء الراشدون وغيرهم من أعلى الصحابة رضي الله عنهم لم يشتغلوا بالكسب وهم الأئمة السادة والقدوة القادة وحجتنا في ذلك قوله تعالى { وأحل الله البيع } وقال جل وعلا { إذا تداينتم بدين } الآية ، وقال عز وجل { إلا أن تكون تجارة عن تراض } وقال جل وعلا { إلا أن [ ص: 248 ] تكون تجارة حاضرة } الآية ففي بعض هذه الآيات تنصيص على الحل ، وفي بعضها ندب إلى الاشتغال بالتجارة فمن يقول بحرمتها إنما يخاطبنا بما يفهمه ولفظ البيع والشراء حقيقة للتصرف في المال بطريق الاكتساب والكلام محمول على حقيقة لا يجوز تركها إلى نوع من المجاز إلا عند قيام الدليل ، كما فيما استشهدوا به من قوله تعالى { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم } ، فقد قام الدليل على أن المراد به المجاز ، ولما لم يوجد مثل ذلك هنا فكان محمولا على حقيقته وقال الله تعالى { فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض } والمراد التجارة وقال الله تعالى { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } يعني التجارة في طريق الحج ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم { إن أطيب ما أكلتم من كسب أيديكم ، وإن أخي داود كان يأكل من كسب يده } والمراد الإشارة إلى قوله تعالى { كلوا من طيبات ما رزقناكم } .
وأقوى ما تعتمده أن الاكتساب طريق المرسلين صلوات الله عليهم ، وقد قررنا ذلك ، ولا معنى لمعارضتهم إيانا في ذلك بيحيى وعيسى عليهما السلام ، فقد بينا أن عيسى عليه السلام كان يأكل من غزل أمه رضي الله عنها ثم يقول إن الأنبياء عليهم السلام في هذا ليس كغيرهم ، فقد بعثوا لدعوة الناس إلى دين الحق وإظهار ذلك لهم فكانوا مشغولين بما بعثوا لأجله ، ولم يشتغلوا عامة أوقاتهم بالكسب لهذا ، وقد اكتسبوا في بعض الأوقات ليبينوا للناس أن ذلك مما ينبغي أن يشتغل به المرء وأنه لا ينفي التوكل على الله تعالى ، كما ظنه هؤلاء الجهال ، وقد بين هذا عمر رضي الله عنه في حديثه حيث مر بقوم من القراء فرآهم جلوسا قد نكسوا رءوسهم فقال : من هؤلاء ؟ فقال : هم المتوكلون فقال : كلا ، ولكنهم المتآكلون يأكلون أموال الناس ، ألا أنبئكم من المتوكلون ؟ فقيل : نعم ، فقال : هو الذي يلقي الحب في الأرض ثم يتوكل على ربه عز وجل وفي رواية أخرى عنه قال : يا معشر القراء ارفعوا رءوسكم واكتسبوا لأنفسكم .
ودعواهم أن الكبار من الصحابة رضي الله عنهم كانوا لا يكتسبون دعوى باطل ، فقد روي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان بزارا وعمر رضي الله عنه كان يعمل في الأدم وعثمان كان تاجرا يجلب إليه الطعام فيبيعه وعلي رضي الله عنه كان يكسب على ما روي أنه أجر نفسه غير مرة حتى أجر نفسه من يهودي { وقال للوازن : زن وارجح ، فإن معاشر الأنبياء هكذا نزن } ، { وباع رسول الله صلى الله عليه وسلم قعبا وحلسا من يزيد } . { واشترى ناقة من أعرابي وأوفاه ثمنها ثم جحد الأعرابي وقال : هلم شاهد قال عليه السلام : من يشهد لي ؟ فقال خزيمة بن ثابت رضي الله عنه : أنا أشهد لك [ ص: 249 ] بأنك أوفيت الأعرابي ثمن الناقة فقال عليه السلام : كيف تشهد لي ولم تكن حاضرا ؟ فقال يا رسول الله : إنا نصدقك فيما تأتينا به من خبر السماء أفلا نصدقك فيما تخبر به من إيفاء ثمن الناقة ، فقال عليه السلام من شهد له خزيمة فحسبه } ، ولا حجة لهم في قوله تعالى { وفي السماء رزقكم وما توعدون } فالمراد المطر الذي ينزل من السماء فيحصل به النبات ، فإن ذلك يسمى رزقا على ما نقل عن بعض السلف يا ابن آدم إن الله تعالى يرزقك ويرزق رزقك ويرزق رزق رزقك يعني ينزل المطر من السماء رزقا للنبات ثم النبات رزق الأنعام والأنعام رزق لبني آدم ، ولئن حملنا الآية على ظاهرها فنقول : في السماء رزقنا ، كما أخبر الله تعالى ولكن أمر باكتساب السبب ليأتينا ذلك الرزق عند الاكتساب .
بيانه في قوله عليه السلام فيما يؤثر عن ربه عز وجل : { عبدي حرك يدك أنزل عليك الرزق } ، وقد أمر الله تعالى مريم بهز النخلة كما قال الله تعالى { وهزي إليك } الآية ، وهو قادر على أن يرزقها من غير هز منها ، كما كان يرزقها في المحراب فقال عز وجل { كلما دخل عليها زكريا المحراب } الآية ، وإنما أمرها بذلك ليكون بيانا للعباد أنه ينبغي لهم أن لا يدعوا اكتساب السبب ، وإن كانوا يعتقدون أن الله تعالى هو الرزاق ، وهذا نظير الخلق ، فإن الله تعالى هو الخالق لا من سبب ، ولا في سبب كما خلق آدم صلوات الله عليه ، وقد يخلق لا من سبب ، ولا في سبب كما خلق عيسى عليه السلام ، وقد يخلق من سبب في سبب كما قال الله تعالى { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر } الآية ، ثم الاشتغال بالنكاح وطلب الولد لا ينفي يقين العبد بأن الخالق هو الله تعالى فكذا أمر الرزق ليعلم أن من يزعم أن حقيقة التوكل في تركه الكسب ، فهو مخالف للشريعة وإليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم في { قوله للسائل الذي قال : أرسل ناقتي وأتوكل فقال عليه السلام لا بل اعقلها وتوكل } .
ونظير هذا الدعاء ، فقد أمرنا به قال الله تعالى { واسألوا الله من فضله } ومعلوم أن كل ما قدر لأحد ، فهو يأتيه لا محالة ثم أحد لا يتطرق بهذا إلى ترك السؤال والدعاء من الله تعالى والأنبياء عليهم السلام كانوا يسألون الجنة مع علمهم أن الله تعالى يدخلهم الجنة ، وقد وعدهم ذلك ، وهو لا يخلف الميعاد وكانوا يأمنون العاقبة ثم كانوا يسألون الله تعالى ذلك في دعائهم وكذا أمر الشفاء فالشافي هو الله ، وقد أمرنا بالمداواة قال عليه السلام { تداووا عباد الله ، فإن الله ما خلق داء إلا وخلق له دواء إلا السام أو قال الهرم } ، وقد { فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد حين داوى ما أصابه من الجراحة في وجهه } ثم اكتساب السبب بالمداواة لا ينفي التيقن [ ص: 250 ] بأن الله هو الشافي فكذا اكتساب سبب الرزق بالتحرك لا ينفي التيقن بأن الله تعالى هو الرازق والعجب من الصوفية أنهم لا يمتنعون من تناول طعام من أطعمهم من كسب يده وربح تجارته مع علمهم بذلك ، فلو كان الاكتساب حراما لكان المال الحاصل به حرام التناول ; لأن ما يتطرق إليه بارتكاب الحرام يكون حراما .
( ألا ترى ) أن بيع الخمر للمسلم لما كان حراما كان تناول ثمنها حراما وحيث لم يمتنع أحد منهم من التناول عرفنا أن قولهم من نتيجة الجهل والكسل ثم المذهب عند جمهور الفقهاء من أهل السنة والجماعة رحمهم الله أن الكسب بقدر ما لا بد منه فريضة وقالت الكرامية بل هو مباح بطريق الرخصة ; لأنه لا يخلو إما أن يكون فرضا في كل وقت أو في وقت مخصوص والأول باطل ; لأنه يؤدي إلى أن لا يتفرغ أحد عن أداء هذه الفريضة ليشتغل بغيرها من الفرائض والواجبات والثاني باطل ; لأن ما يكون فرضا في وقت مخصوص شرعا يكون مضافا إلى ذلك الوقت كالصلاة والصوم ، ولم يرد الشرع بإضافة الكسب إلى وقت مخصوص ثم لا يخلوا إما أن يكون فرضا لرغبة الناس إليه أو للضرورة والأول باطل ، فإن الرغبة ثابتة في جميع ما في الدنيا من الأموال وأحد لا يقول يفترض على كل واحد تحصيل جميع ذلك والثاني باطل أيضا ، فإن ما يفترض للضرورة إنما يفترض عند تحقق الضرورة وبعد تحقق الضرورة يعجز عن الكسب فكيف تتأخر فريضته إلى حال عجزه ؟
ولا يخلو إما أن يفترض جميع أنواعه أو نوع مخصوص منه والأول باطل ، فإن الأنبياء عليهم السلام ما اشتغلوا بالكسب في عامة أوقاتهم وكذا أعلام الصحابة ، ومن بعدهم من الأخيار ، ولا يظن بهم أنهم اجتمعوا على ترك ما هو فرض عليهم والثاني باطل ; لأنه ليس بعض الناس بتخصيصه بهذا الفريضة بأولى من البعض فتبين أن الكسب ليس بفرض أصلا والدليل عليه أنه لو كان أصله فرضا لكان الاستكثار منه مندوبا إليه وكان بمنزلة العبادات والاستكثار منه مذموم ، كما قال الله تعالى { أنما الحياة الدنيا لعب ولهو } إلى قوله { عذاب شديد } وبهذا الحرف يقع الفرق بينه وبين طلب أهل العلم ، فإن أصله لما كان فرضا كان الاستكثار منه مندوبا إليه وحجتنا في ذلك قوله تعالى { أنفقوا من طيبات ما كسبتم } والأمر حقيقة للوجوب ، ولا يتصور الإنفاق من المكسوب إلا بعد الكسب وما لا يتوصل إلى إقامة الفرض إلا به يكون فرضا وقال تعالى { فإذا قضيت الصلاة فانتشروا } الآية يعني الكسب والأمر حقيقة للوجوب فإن قيل : قد روي عن مجاهد ومكحول رحمهما الله أنهما قالا المراد [ ص: 251 ] طلب العلم قلنا ما ذكرنا من التفسير مروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه قال { طلب الكسب بعد الصلاة المكتوبة هي الفريضة بعد الفريضة وتلا قوله تعالى { فإذا قضيت الصلاة } } فلا يترك ذلك بقول مكحول ومجاهد رحمهما الله والظاهر يؤيد ما ذكرنا بدليل ما ذكر بعده { وإذا رأوا تجارة } الآية وكانوا انفضوا بذلك في حال خطبته فنهوا عن ذلك وأمروا به بعد الفراغ من الصلاة .
فإن قيل : الأمر بعد النهي يفيد الإباحة .
قلنا : الأمر حقيقة للإيجاب ، ولو كان المراد هو الإباحة والرخصة لقال : فلا جناح عليكم أن تبتغوا من فضل الله ، كما قال في باب طريق الحج { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } والدليل عليه أن الله تعالى أمر بالإنفاق على العيال من الزوجات والأولاد والمعتدات ، ولا يتمكن من الإنفاق عليهم إلا بتحصيل المال بالكسب وما يتوصل به إلى أداء الواجب يكون واجبا والمعقول يشهد له ، فإن في الكسب نظام العالم والله تعالى حكم ببقاء العالم إلى حين فنائه وجعل سبب البقاء والنظام كسب العباد ، وفي تركه تخريب نظامه ، وذلك ممنوع منه
فإن قيل : فبقاء هذا النظام يتعلق التسافد بين الحيوان وأحد لا يقول : بفرضية ذلك .
قلنا : نعم إن الله تعالى علق البقاء بتسافد الحيوانات وركب الشهوة في طباعهم وتلك الشهوة تحملهم على مباشرة ذلك الفعل فلا تقع الحاجة إلى أن يجعل ذلك فرضا عليهم لكي لا يمتنعوا من ذلك ، فإن الطبع داع إلى اقتضاء الشهوة .
فأما الاكتساب في الابتداء فكد وتعب ، وقد تعلق به بقاء نظام العالم ، فلو لم يجعل أصله فرضا لاجتمع الناس عن آخرهم على تركه ; لأنه ليس في طبعهم ما يدعوا إلى الكد والتعب فجعل الشرع أصله فرضا لكي لا يجتمعوا على تركه فيحصل ما هو المقصود وجميع ما ذكروا من التقسيمات يبطل بما أشار إليه محمد رحمه الله في قوله طلب الكسب فريضة ، كما أن طلب العلم فريضة .
فإن هذه التقسيمات تأتي في العلم ومع ذلك كان أصله فرضا بالاتفاق فكذلك طلب الكسب وكان معنى الفريضة ما بينا من بقاء نظام العالم به ، ولا يوجد ذلك في الاستكثار منه على قصد التكاثر والتفاخر ، وإنما ذم الله تعالى الاستكثار إذا كان بهذه الصفة فقال عز وجل { وتفاخر بينكم وتكاثر }
ثم ينبني على هذه المسألة مسألة أخرى وهي أنه بعد ما اكتسب ما لا بد منه هل الاشتغال بالاكتساب أفضل أم التفرغ للعبادة ؟ قال بعض الفقهاء رحمهم الله : الاشتغال بالكسب أفضل ، وأكثر مشايخنا رحمهم الله على أن التفرغ للعبادة أفضل ، وجه القول الأول أن منفعة الاكتساب أعم ، فإن ما يكتسبه الزارع تصل منفعته إلى الجماعة عادة ، والذي يشتغل بالعبادة [ ص: 252 ] إنما ينفع نفسه ; لأنه بفعله يحصل النجاة لنفسه ويحصل الثواب لجسمه وما كان أعم نفعا .
، فهو أفضل لقوله عليه السلام { خير الناس من ينفع الناس } ، ولهذا كان الاشتغال بطلب العلم أفضل من التفرغ للعبادة ; لأن منفعة ذلك أعم ، ولهذا كانت الإمارة والسلطنة بالعدل أفضل من التخلي للعبادة ، كما اختاره الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم ; لأن ذلك أعم نفعا وإلى هذا المعنى أشار النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { العبادة عشرة أجزاء } وقوله عليه السلام { الجهاد عشرة أجزاء تسعة منها في طلب الحلال للإنفاق على العيال } والدليل عليه أنه بالكسب يتمكن من أداء أنواع الطاعات من الجهاد والحج والصدقة وبر الوالدين وصلة الرحم والإحسان إلى الأقارب والأجانب ، وفي التفرغ للعبادة لا يتمكن إلا من أداء بعض الأنواع كالصوم والصلاة .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|