
30-12-2025, 08:15 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,690
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثلاثون
صـــ192 الى صـــ 201
(621)
وإن استأجره ليحمل له طعاما إلى مكان كذا فيدفعه إلى فلان فوجد فلانا قد مات فرجع بالطعام إلى الذي استأجره فلا أجر له عندنا وقال زفر رحمه الله له الأجر ، وهو غاصب في رد الطعام الذي استأجره ضامن إن هلك في يده ; لأنه لما حمل الطعام إلى ذلك المكان فقد أوفى العمل المشروط ، وما كان البدل بمقابلته فتقرر حقه في الأجر وانتهى العقد نهايته ثم هو في الرجوع بالطعام غاصب كأجنبي آخر فيكون ضامنا له إن هلك وبغصبه لا يبطل حقه فيما تقرر من الأجر ولكنا نقول : البدل بمقابلة حمل الطعام إلى ذلك المكان ، وقد فسخ ذلك حين رجع بالطعام ، وفوت المعقود عليه قبل التسليم إلى المشتري .
وإن استودع الطعام رجلا في تلك البلاد فهلك الطعام فهو ضامن له ; لأنه مخالف في الدفع إلى الأجنبي ، وهو بمنزلة الأمين في ذلك الطعام ما لم يدفعه إلى فلان والمودع إذا أودع الوديعة رجلا آخر كان ضامنا إذا هلك في يد المودع الثاني ، وإذا صار ضامنا كان هذا ، وما لو استهلك الطعام سواء ولصاحبه الخيار إن شاء ضمنه قيمته في المكان الذي حمله منه ولا أجر له أو في المكان الذي استودعه وله الأجر ، وهذا نظير مسألة الدن إذا تعمد كسره ، وإنما الشبهة هنا في أنه اعتبر القيمة والطعام من ذوات الأمثال ، وإنما ينبغي أن يقال يضمنه مثله في المكان الذي حمله منه ولا أجر له أو في المكان الذي استودعه ، وله الأجر إلا أن يكون عدديا متقاربا من الطعام كالبطيخ وغير ذلك ، فحينئذ يكون مضمونا بالقيمة [ ص: 203 ] غير أنه إن انتهى إلى ذلك البلد فوجد صاحبه قد مات فرفع الأمر إلى القاضي فأمر ببيعه أو يدفعه إلى رجل آخر ففعل ذلك بأمره فلا ضمان عليه وله الأجر ; لأن للقاضي ولاية النظر في مال الغائب ، وفعله بأمر القاضي ، وفعله بأمر صاحب الطعام سواء ، ولو فعل شيئا من ذلك بأمر صاحب الطعام لم يكن ضامنا وله الأجر فكذلك إذا فعل بأمر القاضي قال : ولا ينبغي للقاضي أن يدخل في ذلك ; لأنه لا يعرف صدقه فيما يقول : ولأنه قد التزم حفظه فيوليه القاضي ما تولى ; لأنه إنما نصب القاضي لفصل الخصومة لا لإنشائها ، وليس هنا خصم لمن في يده الطعام ; فلهذا لا ينظر القاضي في ذلك ، وهو أولى الوجهين له .
وإذا قال الرجل : من جاءني بمتاعي من مكان كذا فله درهم فذهب رجل فلم يجد المتاع ثم جاء فلا أجر له أما إذا ذهب فجاء بالمتاع فله أجر مثله لا يجاوز به المسمى عندنا وعلى قول الشافعي له المسمى لقوله تعالى { ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم } وما أخبر الله - تعالى - من الأمم السالفة فهو ثابت في حقنا حتى يقوم دليل النسخ ولكنا نقول : هذا استئجار المجهول ، واستئجار المجهول باطل إلا أنه إذا حمله إنسان بعد ما سمع كلامه ، فإنما جاء به على جهة تلك الإجارة ، وقد رضي القائل بذلك فيستوجب أجر المثل باعتبار أن جهة الشيء بمنزلة حقيقته فأما إذا ذهب فلم يجد المتاع فرجع لم يكن له الأجر بخلاف ما إذا خاطب به إنسانا بعينه فهناك يستحق أجر الذهاب ; لأن العقد انعقد بينهما حين خاطبه بعينه فكان هو في الذهاب عاملا للمستأجر ساعيا في تحصيل مقصوده فيستحق أجر الذهاب ، وهنا العقد ما انعقد بين المستأجر وبين الذاهب ; لأنه لم يخاطبه بعينه ، وإنما يكون انعقاد العقد باعتبار مجيئه بالمتاع ، وإذا لم يجئ بالمتاع لم يكن عاملا له في الذهاب والمجيء بحكم العقد فلهذا لا يستوجب شيئا من الأجر .
ولو استأجر دابة ليحمل عليها عشرين ثوبا ربطيا فحمل عليها هرويا فعطبت الدابة لم يضمن استحسانا ; لأن في الضرر على الدابة لا فرق بين الربطي والهروي ، وإنما يعتبر من القيمة ما يكون مقيدا دون ما لا يقيد كما أنه يعتبر من التعيين ما يكون مقيدا دون ما لا يقيد ولو استأجرها ليحمل عليها هذه الأثواب الربطية فحمل عليها مثلها من الثياب الربطية فعطبت لم يضمن شيئا فكذلك هنا .
وإذا تكارى الرجل من الرجل دابة ، ونقده الكراء ثم أخذ منه كفيلا بالكراء ثم أفلس المكاري ، ولم يركب الرجل فعلى الكفيل أن يرد الكراء ; لأنه كفيل للمستكري عن المكاري ما وجب رده من الكراء المقبوض وحين أفلس المكاري ، ولم يجد المستكري الدابة ليركبها فقد وجب على المكاري رد جميع الكراء ، وقد كفل الكفيل [ ص: 204 ] بذلك فكان مطالبا به ; لأن إضافة الكفالة إلى سبب الوجوب صحيح ، فإن رضي من الكفيل أن يحمله إلى المكان الذي تكارا إليه فحمله وأنفق أكثر من الكراء لم يرجع الكفيل على المكاري إلا بالكراء الذي قبض من المستكري ; لأنه ما ضمن عنه إلا ذلك القدر فهو في الزيادة متبرع ، فإن قيل : كان ينبغي أن لا يرجع عليه بالكراء المقبوض أيضا ; لأنه ما نقد عنه الكراء ، وإنما أوفى عنه ما التزم من الحمل بعقد الإجارة والمكاري ما أمره أن يكفل عنه ذلك فكان هو في إيفاء ذلك بمنزلة متبرع أو كفيل بغير الأمر قلنا : لا كذلك فإنه بما أوفى من الحمل أسقط عن نفسه ضمان الكراء كما أنه بأداء المقبوض يسقط عن نفسه ضمان الكراء ، ولا يكون متبرعا بل هو محتاج إليه ليسقط به الضمان عن نفسه ، ولما أمره بالكفالة بالكراء عنه فقد أقامه مقام نفسه في إيفاء ما التزمه فلا فرق بين أن يوفي عنه الكراء ، وبين أن يوفي بما التزمه من الحمل فإنه يسقط به مطالبة المستكري إياه في ذلك ، وإن مات المكاري ، ولم يحمله فعلى الكفيل أن يرد الكراء ; لأن بموت المكاري قد انفسخ العقد ، ولزمه رد المقبوض من الكراء فإنه كفل الكفيل بذلك .
وإذا استأجر الرجل الرجل أشهرا معلومة يؤدب ابنه ، ويقوم عليه في ذلك فهو جائز ; لأنه استأجره مدة معلومة لعمل معلوم بطريق العرف ، وهو عمل غير مستحق على المؤدب إقامته عرفا ولا دينا والاستئجار على مثله صحيح ببدل معلوم بخلاف تعليم القرآن فإنه يستحق عليه دينا ; لأنه في المعنى خلافة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل مسلم مأمور به دينا .
ولو استأجر رجلا ليجصص له حائطا أو ليطين له سطحا ، ولم يبين طينا ولا جصا معلوما فهو فاسد ; لأن جهالة ذلك تفضي إلى المنازعة المانعة من التسليم والتسلم ، فإن عمل الناس في ذلك مختلف ، وكل نوع منه متعارف فكان العمل المعقود عليه مجهولا ; فلهذا فسد العقد ، وله أجر مثله إن عمل ; لأنه أوفى العمل بحكم عقد فاسد فلا يلزمه جميع المسمى ; لأن المستأجر يقول : أنا ما رضيت بجميع المسمى بهذا القدر من العمل ، فإن كان اشترط عليه أن يجعل غلظة من الجص أو الطين كذا فهو جائز ; لأن المعقود عليه صار معلوما ببيان الغلظة على وجه لا يفضي إلى تمكن المنازعة بينهما .
ولو استأجر رجلا ينقد له الدراهم كل ألف بكذا أو استأجره على كل شهر بكذا ينقد له فهو جائز ; لأن في الفصل الأول استأجره على عمل معلوم ببدل معلوم والاستئجار على ذلك متعارف بين الناس ، وهو الأصل في عقد الإجارة ، وفي الفصل الثاني عقد على منافع في مدة معلومة ببدل معلوم ليقيم بتلك المنافع عملا مقصودا [ ص: 205 ] في الناس .
وإذا كانت الورثة كبارا غيبا وليس على الميت دين ولا وصية فللوصي أن يبيع الرقيق والمتاع استحسانا ; لأن له ولاية الحفظ إلى أن يحضر الغائب ، وبيع المنقول من الحفظ فإن حفظ الثمن ربما يكون أيسر من حفظ العين ، وإنما تثبت هذه الولاية نظرا للغائب ، ولو أنهم نهوه عن البيع فباعه بعد ذلك لم يجز بيعه ; لأنه إنما ثبتت له الولاية لأجل النظر لهم إذا لم يوجد منهم النهي عن ذلك نصا بخلاف ما إذا كان على الميت دين فهناك إنما يثبت له حق التصرف نظرا للذي أقامه مقام الميت فنهي الورثة إياه عن البيع لا يصح .
وإذا كان الوارث صغيرا ، وللميت دين على رجل بصك فقال المطلوب للوصي : حط عني النصف لأعطيك النصف وادفع إلي الصك ، وكان فيه شهود لا يشهدون إلا أن يروا الصك ويعلموا أنه حط لليتيم في الحال فإنه لا يسع الوصي أن يفعل ذلك ; لأن فيه إتواء ما بقي من ماله يعني في رد الصك عليه ; لأن حط الدين عنه باطل ، وإذا لم يكن الدين واجبا بعقده فلا يتوى به حق اليتيم ، ولكن إذا كان الشهود لا يشهدون ما لم يروا الصك ففي دفع الصك إليه إتواء مال اليتيم حتى إذا كانت الشهود يشهدون بغير صك فلا بأس بأن يفعل ذلك ; لأنه ليس فيه إتواء ماله بل فيه نظر له من حيث إنه يستوفي نصف حقه في الحال ثم يقيم البينة على ما بقي فيستوفيه ، وحطه باطل إذا أثبت المديون ذلك بالحجة .
وإذا ادعى رجل في داره دعوى فرأى الوصي أن يصالحه ; لأنه يخاف إن لم يصالحه أن يأتي ببينة فإنه لا يسعه أن يصالحه ; لأن بمجرد الدعوى ما استوجب المدعي شيئا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم { لو أعطي الناس بدعواهم } ، وما يخافه الوصي موهوم فليس كل مدع يكون له بينة على دعواه ، ولا كل شاهد يرغب في حضور مجلس القاضي لأداء الشهادة وبعد الأداء ربما تظهر عدالته ، وربما لا تظهر ، ولو أدى شيئا من مال اليتيم باعتبار هذا الموهوم كان مخرجا ماله عن ملكه من غير عوض يحصل بمقابلته ، ولا منفعة تحصل له حقيقة وليس للوصي هذه الولاية ، وإن جاء المدعي ببينة عدول يعرفهم الوصي ، وكان الصلح خيرا لليتيم في رأي الوصي وسعه أن يصالحه ; لأن باعتبار الظاهر حق المدعي قد ثبت ظهوره بشهادة العدول ، وقد تحقق ذلك ففي هذا تحصيل المال من الوصي لليتيم أو توفير المنفعة ، وإنما نصب الوصي لذلك قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد رحمه الله كان شيخنا الإمام الأجل رضي الله عنه يقول : هذا إذا علم الوصي قبل إقامة البينة من المدعي أنه لو لم يجب إلى الصلح حتى يقيم البينة رغب فيه المدعي بعد ذلك فأما إذا علم أنه بعد إقامة البينة لا يرغب في الصلح فلا بأس بأن يصالحه قبل إقامة [ ص: 206 ] البينة إذا علم أن له شهودا يشهدون على ذلك ; لأن بهذا التأخير ينعدم تمكنه من توفير المنفعة عليه وعلى الوصي أنه لا يؤخر ذلك إلى وقت يفوته .
وإذا كاتب الرجل عبده على نفسه وماله دخل فيه رقيقه ودوره وكل عين ودين هو من كسبه ; لأن ذلك ماله فالمال يصير مضافا إلى العبد باعتبار أنه كسبه قال عليه السلام { : من باع عبدا وماله } الحديث والإضافة إليه تبقى ما بقي المال في يده فأما بعد أخذ المولى المال منه لا يبقى مضافا إليه شرعا وعرفا فلا يكون المقبوض منه فيما سمى من ماله ، وإن كانت له أمة قد زوجها إياه مولاه لم يدخل في كتابته ; لأن المولى بتصرفه صار قابضا الأمة منه فالتحقت بغيرها مما قبضه منه .
( فإن قيل ) أليس إن المشتري إذا زوج الأمة المبيعة قبل القبض لا يصير قابضا لها بتصرفه فكيف يصير المولى هنا قابضا ، وفي الاستحسان إنما لم يجعله قابضا هناك ; لأن اليد للبائع فيها يد مستحقة ، والمشتري ممنوع من قبضها ما لم يؤد الثمن ، وإن تعيبت بالنكاح ، ولكن لما لم يؤثر هذا العيب في عينها لم يجعل قابضا به ، وهنا ما كان للعبد في هذه الأمة يد مستحقة ولا كان المولى ممنوعا من قبضها والتصرف فيها فجعلناه قابضا لها بالتزويج ; لأن بالتزويج التزم تسليمها إلى الزوج فلا يتمكن من ذلك إلا بيده فيها ، وإذا أنفق المفاوض على نفسه أفضل من نفقة صاحبه ، وكانت تطيب نفس صاحبه بذلك ، وكان لصاحبه دين على الذي أنفق لم تفسد المفاوضة استحسانا حتى يؤدي إليه ، وهذا بناء على الأصل الذي بينا في كتاب الشركة أنه متى فضل أحدهما بمال يصلح أن يكون رأس المال في الشركة تفسد بها المفاوضة ، وإن فضل بمال لا يصلح أن يكون رأس المال في الشركة لا تصلح بها المفاوضة استحسانا ، والدين الذي وجب لأحدهما لا يصلح أن يكون رأس المال في الشركة ، فإذا قبضه فقد صار نقدا صالحا أن يكون رأس مال في الشركة ، وعلى هذا لو ورث أحد المتفاوضين دارا أو رقيقا في القياس تفسد المفاوضة ، وفي الاستحسان لا تفسد حتى يبيع شيئا من ذلك فيصير مالا يعني حتى يقبض الثمن نقدا ، وقد بينا هذه المسألة في اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى رحمهما الله فإن ما ورث أحدهما يكون مشتركا بينهما عنده وعندنا لا يكون مشتركا ، ولكن الدار والرقيق لا يصلح أن يكون رأس مال في الشركة فلا تفسد المفاوضة حتى يصير ثمنه نقدا في يده فحينئذ تفسد المفاوضة لانعدام شرط الصحة ، وهو المساواة بينهما في المال الذي يصلح أن يكون رأس مال في الشركة .
وإذا خلع امرأته التي لم تبلغ وقبل خلعها ضمن أبوها بالمهر وضمن للزوج ما أدركه فيه جاز ذلك على الأب ، وتؤاخذ الابنة الزوج بنصف الصداق [ ص: 207 ] فيرجع به الزوج على الأب ; لأن وقوع الطلاق بالخلع يفيد وجود القبول من الضامن للدرك ، وقد وجد ذلك ، وقد وقع الطلاق قبل الدخول فيقرر نصف مالها على الزوج ; لأنه ليس للأب ولاية على إسقاط حقها من غير عوض يقابله فترجع على الزوج بنصف المهر ويرجع به الزوج على الأب ; لأنه ضمن له ما أدركه فيه من الدرك في حقها ، وإضافة الكفالة إلى سبب الوجوب بهذا الطريق صحيح وبعض المتأخرين من أصحابنا رحمهم الله يقول : الخلع لا يقع إلا بالمهر ; لأن ذلك حقها ، وليس للأب أن يخلعها من زوجها على مالها بل هو في ذلك كأجنبي آخر ، فإنما يجعلها على مال يلزمه في ذمته فكأنه خلعها على مثل ذلك المهر دينا في ذمته ، وجعل ذلك قصاصا بالمهر ففيما لم يحصل مقصود الزوج ، وهو النصف الذي رجعت الابنة به على الزوج كان له أن يرجع على الأب فيطالبه بذلك بسبب الخلع مع الضمان ; لأن المقاصة لم تقع في ذلك القدر ، ولم يستفد الزوج البراءة إلا بأداء المال فيرجع به على الأب بهذا الطريق .
وإذا قال الرجل لامرأته : قد بارأتك بما لك علي من المهر فقبلت فهو جائز ; لأن الخلع والمبارأة يستعملان استعمالا واحدا وبينهما تفاوت في المعنى والحكم ولو قال خالعتك بما لك علي من المهر فقبلت جاز فكذلك إذا قال : بارأتك ، ولو خلعها على حكمه ثم حكم بشيء لم ترض به المرأة فله الأقل من حكمه ، ومن المهر الذي أعطاها ; لأن المسمى مجهول ، وهو ما يحكم به فإنه مجهول الجنس والقدر ، والخلع على بدل مجهول يوجب عليها رد المقبوض من المهر كما لو خلعها على ثوب بغير عينه إلا أن يحكم بأقل من ذلك ، فإنما حكم على نفسه بإسقاط بعض حقه ، وذلك نافذ منه ، فإن حكم بأكثر من ذلك ، فإنما حكم عليها بالزيادة ، وليس له عليها هذه الولاية ; فلهذا كان له الأقل ، ولو خلعها على أن له عليها أقل مهر يتزوج عليه فالخلع جائز ، وله عليها المهر الذي أخذت منه ; لأنه سمى في الخلع مالا مجهول الجنس والقدر فلم تصح التسمية ، ولكن ثبت حكم الغرور به ، وذلك يوجب عليها رد المقبوض ، والدليل على فساد هذه التسمية أن المهر لا يجب ما لم تزوج نفسها ولا يلزمها بهذه التسمية أن تزوج نفسها ، وربما لا يرغب أو لا يبقى إلى أوانه بعد انقضاء العدة .
وإذا أقام رجل البينة في حق له على رجل في بلد آخر فسأل القاضي أن يكتب بشهادة الشهود وعدالتهم وبتوكيله وكيلا بالقيام مقامه بالمطالبة والقبض إلى قاضي ذلك البلد فله فعله بعد ما يستحلف بالله ما أخذ من ماله هذا شيئا ولا يعلم وكيلا ، ولا رسولا له أخذ منه شيئا ; لأنه إنما يكتب له بذلك نظرا منه للمدعي ، والقاضي مأمور بالنظر من الجانبين ففي الاستحلاف [ ص: 208 ] بهذه الصفة نظر منه للغائب ، وهو عاجز عن المطالبة بهذا النظر لغيبته فعليه أن ينظر له ، وفيه نظر للمدعي أيضا فربما يدعي الخصم عند القاضي المكتوب إليه أنه قد أوفاه المال ويطلب يمينه ، ومن رأي ذلك القاضي أن لا يقضي بالمال ما لم يحلف على قياس مسألة الغيب فيتعذر على وكيله استيفاء حقه ; فلهذا يستحلفه على ذلك ويكتب ذلك الاستحلاف في كتابه ; لأن تمام النظر فيه ، ولا يستحلف الطالب لقد شهدت شهودك بحق ; لأن الخصم لو كان حاضرا وطلب استحلافه على ذلك لم يجبه إلى ذلك بخلاف الأول فإن الخصم لو كان حاضرا وطلب يمينه ما أخذ من ماله شيئا أجابه القاضي إلى ذلك ، فإن كان قاضيا لا يجيز الكتاب إلا على ذلك يعني إن كان يرى رأي ابن أبي ليلى في استحلاف الطالب لقد شهدت شهودك بحق فقال الطالب : استحلفني واكتب لي بيميني استحلفه بالله لقد شهدت شهودك بحق فإن المال له على فلان ثم يكتب له ، وإنما يريد بهذا إذا كان القاضي المكتوب إليه يرى ذلك ، فإن في هذا الاستحلاف نظرا للطالب ; لأن الطالب يريد أن يبعث وكيلا ولا يحضر مجلس ذلك القاضي ليستحلفه فلا يحصل مقصوده إلا بهذا ، والقاضي مأمور بالنظر له ، فإذا طلب منه ما فيه نظر له أجابه القاضي إلى ذلك ، ولو أقام شاهدا واحدا وسأله أن يكتب شهادته وحاله فعل ذلك ; لأن فيه نظرا للطالب فربما يكون شاهده الآخر في البلد الذي فيه القاضي المكتوب إليه فلا يتمكن من الجمع بين شهادة الشاهدين في مجلسه إلا بهذا الطريق فيجيبه القاضي إلى ذلك حتى إذا ثبت الكتاب عنده وجاء بشاهده الآخر فشهد له قضى بحقه لتمام الحجة .
وإذا أسلمت مدبرة الذمي فاستسعت في قيمتها فعجزت عن السعاية ، فإن كان القاضي هو الذي قومها ، واستسعاها لم يردها وأجبرها على السعاية ; لأن السبب الموجب للقضاء قائم ، وهو إسلامها مع كفر المولى فلا يعتبر عجزها بمنزلة معتق البعض إذا استسعاه القاضي فيما بقي من قيمة الشريك الساكت فعجز عن ذلك ، وكذلك إن كان المولى هو الذي صالحها على ذلك إلا أن يكون فيه فضل على القيمة فيبطل القاضي الفضل ويجبرها على السعاية في القيمة ، والحاصل : أن القاضي لا يشتغل بما لا يفيد ، ولا ينقض شيئا ليعيد مثله في الحال ، وإذا كان الصلح على مقدار القيمة فليس في نفس هذا الصلح فائدة لها فلا يشتغل القاضي به ، وإن كان فيه فضل على القيمة ففي نقضه فائدة لها ، وهو سقوط الزيادة عنها وعجزها يسقط عنها ما التزمت لمولاها باختيارها لعجز المكاتبة عن أداء بدل الكتابة ; فلهذا [ ص: 209 ] يبطل هذا الصلح عند عجزها ، ويجبرها على السعاية في القيمة لإسلامها مع إصرار مولاها على الكفر ، والله أعلم بالصواب .
كتاب الحيل
قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي رحمه الله إملاء اختلف الناس في كتاب الحيل أنه من تصنيف محمد رحمه الله أم لا كان أبو سليمان الجوزجاني ينكر ذلك ، ويقول : من قال : إن محمدا رحمه الله صنف كتابا سماه الحيل فلا تصدقه ، وما في أيدي الناس ، فإنما جمعه وراقو بغداد .
وقال : إن الجهال ينسبون علماءنا رحمهم الله إلى ذلك على سبيل التعيير ، فكيف يظن بمحمد رحمه الله أنه سمى شيئا من تصانيفه بهذا الاسم ليكون ذلك عونا للجهال على ما يتقولون وأما أبو حفص رحمه الله كان يقول : هو من تصنيف محمد رحمه الله ، وكان يروي عنه ذلك ، وهو الأصح فإن الحيل في الأحكام المخرجة عن الإمام جائزة عند جمهور العلماء ، وإنما كره ذلك بعض المتعسفين لجهلهم وقلة تأملهم في الكتاب والسنة .
والدليل على جوازه من الكتاب - قوله تعالى - { : وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث } هذا تعليم المخرج لأيوب عليه السلام عن يمينه التي حلف ليضربن زوجته مائة ، فإنه حين قالت : له لو ذبحت عناقا باسم الشيطان في قصة طويلة أوردها أهل التفسير رحمهم الله وقال - تعالى - : { فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه } إلى قوله { ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف } وذلك منه حيلة ، وكان هذا حيلة لإمساك أخيه عنده حينئذ ليوقف إخوته على مقصوده .
وقال جل جلاله حكاية عن موسى عليه السلام { ستجدني إن شاء الله صابرا } ، ولم يقل على ذلك ; لأنه قيد سلامته بالاستثناء ، وهو مخرج صحيح قال الله - تعالى - { ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله } وأما السنة فما روي { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب لعروة بن مسعود في شأن بني قريظة فلعلنا أمرناهم بذلك ، فلما قال له عمر رضي الله عنه في ذلك قال عليه السلام الحرب خدعة } ، وكان ذلك منه اكتساب حيلة ومخرج من الإثم بتقييد الكلام بلعل { ولما أتاه رجل وأخبره أنه حلف بطلاق امرأته ثلاثا أن لا يكلم أخاه قال له : طلقها واحدة ، فإذا انقضت عدتها فكلم أخاك ثم تزوجها }
. وهذا تعليم الحيلة والآثار فيه كثيرة ، من تأمل أحكام الشرع وجد المعاملات كلها [ ص: 210 ] بهذه الصفة فإن من أحب امرأة إذا سأل فقال : ما الحيلة لي حتى أصل إليها ؟ يقال له تزوجها ، وإذا هوي جارية فقال : ما الحيلة لي حتى أصل إليها ؟ يقال له : اشترها ، وإذا كره صحبة امرأته فقال : ما الحيلة لي في التخلص منها قيل له طلقها .
وبعد ما طلقها إذا ندم وسأل الحيلة في ذلك قيل له راجعها ؟ وبعد ما طلقها ثلاثا إذا تابت من سوء خلقها وطلبا حيلة قيل لهما الحيلة في ذلك أن تتزوج بزوج آخر ، ويدخل بها فمن كره الحيل في الأحكام ، فإنما يكره في الحقيقة أحكام الشرع ، وإنما يقع مثل هذه الأشياء من قلة التأمل .
فالحاصل : أن ما يتخلص به الرجل من الحرام أو يتوصل به إلى الحلال من الحيل فهو حسن ، وإنما يكره ذلك أن يحتال في حق لرجل حتى يبطله أو في باطل حتى يموهه أو في حق حتى يدخل فيه شبهة فما كان على هذا السبيل فهو مكروه ، وما كان على السبيل الذي قلنا أولا فلا بأس به ; لأن الله - تعالى - قال { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } ففي النوع الأول معنى التعاون على البر والتقوى ، وفي النوع الثاني معنى التعاون على الإثم والعدوان إذا عرفنا هذا فنقول : بدأ الكتاب بحديث عبد الله بن بريدة رضي الله عنه قال { سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آية من كتاب الله - تعالى - فقال عليه السلام للسائل لا أخرج من المسجد حتى أخبرك بها فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أخرج إحدى رجليه من المسجد أخبره بالآية قبل أن يخرج الرجل الأخرى } فأهل الحديث رحمهم الله يروون هذا الحديث على وجه آخر فإنهم يروون { عن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه كان يصلي في المسجد إذ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاه فلما فرغ من صلاته جاء فقال عليه السلام ما منعك أن تجيبني إذ دعوتك أما تدري قول الله - تعالى - { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم } قال : كنت في الصلاة يا رسول الله عليك السلام ، فقال عليه السلام ألا أنبئك بسورة أنزلت علي ليس في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور مثلها فقلت نعم فقال عليه السلام لا أخرج من المسجد حتى أخبرك بها ثم شغله وفد عني فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم ليخرج جعلت أمشي معه ، وأقول في نفسي : لعله نسي يمينه فلما أخرج إحدى رجليه فقلت : السورة التي وعدتني يا رسول الله فقال عليه السلام ماذا تقرأ في صلاتك قلت : أم القرآن قال عليه السلام نعم إنها هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيت ليس في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور مثلها } .
وفائدة الحديث أنه عليه السلام أخبره بعد إخراج إحدى الرجلين للتحرز عن خلف الوعد فإن الوعد من الأنبياء عليهم السلام [ ص: 211 ] كالعهد من غيرهم ، وللتحرز عن الحنث على ما أشار إليه في حديث أبي رضي الله عنه من قوله لعله نسي يمينه ففيه إشارة إلى أنه كان حلف له ، وفيه دليل على أنه لا يصير خارجا بإخراج إحدى الرجلين ، ولا داخلا بإدخال إحدى الرجلين ; ولهذا قال علماؤنا رحمهم الله : من حلف على زوجته أن لا تخرج من الدار فأخرجت إحدى رجليها لم يحنث في يمينه ، وهذا لأن الخروج انتقال من الداخل إلى الخارج ولا يحصل ذلك إلا بإخراج القدمين ، وقد بينا وجوه هذه المسألة في كتاب الأيمان ثم مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم من تفضيل آية أو سورة على غيرها هو الثواب عند التلاوة فإن القرآن كله كلام الله - تعالى - غير محدث ولا مخلوق ، ولا تفاوت بين السور والآي في هذا ولكن يجوز أن يقال : إن القارئ ينال الثواب على قراءة سورة ما لا يناله على قراءة سورة أخرى بيانه أنه بقراءة سورة الإخلاص يستحق من الثواب ما لا يستحق بقراءة تبت من حيث إنه في قراءة سورة الإخلاص قراءة القرآن والإقرار بوحدانية الله - تعالى - والثناء على الله - تعالى - بما هو أهله ، وفي قراءة سورة تبت قراءة القرآن ولكن ليس فيها ما بينا من المعاني الأخرى ، وما نقل في هذا الباب من الآثار من نحو ما روي أن { من قرأ سورة الإخلاص ثلاث مرات فكأنما ختم القرآن ، ومن قرأ سورة الكافرون فكأنما قرأ ربع القرآن } تأويله ما بينا وأيد ما قلنا : اتفاق العلماء رحمهم الله على تعيين الفاتحة للقراءة في كل صلاة عند بعضهم واجبا وعند بعضهم فرضا .
وذكر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : من معاريض الكلام ما يغني المسلم عن الكذب ، وفيه دليل على أنه لا بأس باستعمال المعاريض للتحرز عن الكذب فإن الكذب حرام لا رخصة فيه ، والذي يروي حديث عقبة بن أبي معيط رضي الله عنه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في الكذب في ثلاثة مواضع في الرجل يصلح بين الناس ، والرجل يكذب لامرأته والكذب في الحرب } تأويله في استعمال معاريض الرجال الكلام فإن صريح الكذب لا يحل هنا كما لا يحل في غيره من المواضع .
والذي يروى أن الخليل عليه السلام كذب ثلاث كذبات إن صح ، فتأويل هذا : أنه ذكر كلاما عرض فيه ما خفي عن السامع مراده ، وأضمر في قلبه خلاف ما أظهره فأما الكذب المحض من جملة الكبائر ، والأنبياء عليهم السلام كانوا معصومين عن ذلك ومن جوز عليهم الكذب فقد أبطل الشرائع ; لأنه جعل ذلك باختيارهم ، وإذا جاز عليهم الكذب في خبر واحد جاز في جميع ما أخبروا به .
وبطلان هذا القول لا يخفى على ذي لب ، فعرفنا أن المراد استعمال المعاريض ، وقال [ ص: 212 ] ابن عباس ما يسرني بمعاريض الكلام حمر النعم ، فإنما يريد به أن بمعاريض الكلام يتخلص المرء من الإثم ، ويحصل مقصوده فهو خير من حمر النعم والأصل في جواز المعاريض قوله تعالى { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء } الآية فقد جوز الله - تعالى - المعاريض ، ونهى عن التصريح بالخطبة بقوله عز وجل { ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا } .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|