
30-12-2025, 07:48 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,535
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثلاثون
صـــ182 الى صـــ 191
(620)
وإذا اشترى بيتا لم يره كان له الخيار ، وإن كان قد رأى ما سواه من البيوت فكذلك إذا رأى المستثنى بيتا لم يره كان له الخيار في الباقي
وإن اشترى منزلا في دار ونصف ساحة تلك الدار ونصف مخرجها والطريق كتب : أشتري منه منزلا في الدار التي في بني فلان وأشتري منه أيضا نصف ساحة هذه الدار ونصف مخرج فيها سوى هذا المنزل ثم يحدد هذا الدار ثم يكتب ، وهذا المنزل من هذه الدار في موضع كذا ويذكر حدود المنزل ثم يكتب ، وهذا المخرج من هذه الدار في موضع كذا ويذكر حدوده ثم يذكر حدود ساحة الدار ; لأن العقد يتناول كل ذلك إما كله أو بعضه فلا بد من أن يحدد جميع ذلك ثم يكتب اشترى منه هذا المنزل الذي حددنا ونصف هذا المخرج ونصف ساحة هذه الدار بحدودها كلها وأرضها وبنائها وطريقها إلى باب الدار ، وإلى المخرج مسلما ثم يجريه على ما وصفنا .
وإن اشترى دارا بناؤها للمشتري يكتب على رسم ما لو اشتراها كلها إلا أنه لا يكتب وبناءها ; لأن البناء مملوكا له وشراؤه إنما يتناول ملك البائع لا ملك نفسه ، ومن أهل الشروط من يقول : الأحسن أن يكتب اشترى أرض دار بناؤه للمشتري ; لأن اسم الدار مطلقا في العرف يتناول المسمى والأولى أن يستعمل أخص الألفاظ فيما يرجع إلى إعلام المشتري .
وإن اشترى نصف دار ونصفها الآخر للمشتري وأراد أن يبينه كتب أشتري منه نصف الدار التي في بني فلان وهذه الدار التي نصفها لفلان أحد حدودها والرابع ، وإنما يذكر حدود جميع الدار ، وإن كان المشترى نصفها ; لأن تحديد نصف الدار غير ممكن .
وإن اشترى دارا لغيره وأراد أن يكتب اسمه في الشراء كتب اشترى فلان لفلان من فلان وأكثر أهل الشروط رحمهم الله يكتبون اشترى لفلان بأمره وماله وذلك غير مستحسن عندنا ; لأن الثمن بالشراء يجب في ذمة المشتري فلا يتصور أن يكون مشتريا بمال الغير ; لأن ما يجب في ذمته بعقد لا يتصور أن يكون مالا للغير ثم في هذا ضرر على البائع ; لأن الموكل إذا حضر وأنكر الوكالة كان له أن يسترد المال من البائع لإقرار البائع أن المال له ثم هو يحتاج إلى الرجوع على المشترى بالثمن وربما لا يقدر على ذلك قال الطحاوي رحمه الله ، وفيه إفساد آخر أيضا ، وهو على أن قول زفر والشافعي النفوذ يتعين في العقد ، فإذا أنكر الموكل الأمر ورجع [ ص: 183 ] بدراهمه انفسخ العقد فلهذا لم يذكر محمد رحمه الله هذه الرواية ، وإنما ذكر اشترى فلان لفلان من فلان ويجري الكتاب على رسمه إلى أن يكتب في آخره فما أدرك فلان بن فلان من درك فيما اشترى له فلان فعلى فلان خلاصه حتى يسلمه له فقد ذكر ضمان الدرك للوكيل ; لأن الوكيل بالعقد فيما هو من حقوق العقد ينزل منزلة العاقد لنفسه ولكن إنما ذكر هذا ; لأن الوكيل بالتسليم يخرج من الوسط فالاستحقاق بعد ذلك يكون للموكل والدرك إنما يلحق الموكل .
( ألا ترى ) أنه ليس للمستحق الخصومة مع الوكيل بعد التسليم وذكر الخصاف أن محمد بن الحسن رحمه الله حين كان بالرقة كتب للرشيد كتابا بهذه الصفة وكتب فما أدرك أمير المؤمنين من درك فعلى فلان خلاصه حتى يسلمه له أو يرد الثمن على المشتري ، وهو فلان فقال له بعض من حضر المجلس من أصحابه لماذا كتبت الدرك للمشترى له فقال هكذا كتب أبو حنيفة رحمه الله فقال إذا كتب الدرك له فلماذا لم تكتب رد الثمن عليه قال لأن رد الثمن عند الاستحقاق إنما يكون على من وجب عليه الثمن بالعقد والثمن بالعقد وجب على الوكيل دون الموكل فكذلك الرد يكون عليه عند الاستحقاق قيل فإن كتب كاتب أو يرد الثمن على المشترى له قال أكره ذلك ولا أفسد به العقد وكأنه سلك في هذا طريقة الاستحسان على قياس الوكيل بالبيع إذا قبض الموكل الثمن بنفسه ، فإن كتب كاتب فما أدرك فلان المشتري قال أكره ذلك أيضا ولا أفسد به العقد ; لأن الدرك قد يلحق الوكيل قبل أن يسلمه إلى الموكل ولكن لو كتب في ضمان قيمة البناء أنه ضامن لقيمة ما يبني المشتري كان ذلك يفسد العقد ; لأن الوكيل في البناء في هذه الدار كأجنبي آخر فإنه ليس له أن يبني بدون رضا الموكل فاشتراط ضمان بنائه في العقد كاشتراط ضمان أجنبي آخر وذلك مفسد للعقد .
وإن اشترى دارا فيها حمام كتب على نحو ما وصفنا في شراء الدار والدارين قال ويسمي فيها قدر الحمام ، وهذا تنصيص على أن قدر الحمام لا تدخل في العقد من غير شرط بخلاف الأبواب والسرر المركبة في شراء الدار ; لأن القدر لا يركب في موضعه ليكون على البناء ولكنه يوضع على الأبواب ويطين ما حوله لكي لا يخرج النار والدخان من جوانبه ، وهو بمنزلة المتاع الموضوع لا يدخل إلا بالتسمية وأكثر أصحاب الشروط رحمهم الله يكتبون بعد ذكر الحمام بحدودها وقدرها وآنيتها وملقى رمادها وشرفاتها وبئرها والبكرة والدلو والرشاء التي فيها ومستنقع ما فيها من حقوقها وبعض هذا دخل في العقد من غير ذكر ولكنهم يذكرونه للمبالغة في [ ص: 184 ] ذكر ما يختص به الحمام من سائر المحدودات .
وإن اشترى دارا من ثلاثة نفر لأحدهم نصفها وللآخرين النصف كتب بعد ذكر الحدود أشتري منهم هذه الدار المحدودة في كتابنا هذا ، ومن فلان كذا ، ومن فلان كذا ; لأن الأنصباء قد تفاوتت ، والحكم يختلف باختلاف ذلك يعني فيما يستوجب كل واحد منهم الثمن فيما يكون للمشتري فيما يستوجب كل واحد منهم من الثمن ، وفيما يكون للمشتري من حق الرجوع على كل واحد منهم عند لحوق الدرك فلا بد من ذكر نصيب كل واحد منهم نفسه ثم يكتب وقد نقدهم الثمن كله وبرئ إليهم منه فقبض فلان من ذلك كذا وفلان كذا ; لأن عند الاستحقاق إنما يرجع على كل واحد منهم بما نقده من الثمن ; لأنه لو لم يفسره بكذا ربما يدعي صاحب النصف أنه لم يصل إليه إلا ثلث الثمن ويحتج بمطلق إقراره فإنه نقدهم الثمن ثم قال فما أدرك فلان من ذلك في هذه الدار فعلى فلان وفلان خلاص ذلك على قدر أنصبائهم التي اشترى منهم حتى يسلموه له على قدر ما اشترى منهم .
وإن اشترى ثلاثة نفر من واحد كتب اشتروا منه هذه الدار المحدودة في كتابنا هذا اشترى منه فلان كذا وفلان كذا ، وهذا على ما عليه العادة من إعادة الخبر إذا تخلل بينه وبين المخبر عنه كلام آخر فيكتب اشترى منه فلان كذا وفلان كذا ويكتب وقد نقده الثمن كله وافيا من أموالهم على قدر أنصبائهم التي اشتروا منه نقد فلان من ذلك كذا وفلان كذا وفلان كذا وبرئوا إليه منه فصار لفلان من هذه الدار كذا ولفلان كذا ولفلان كذا فما أدركهم من ذلك في ذلك فعلى فلان خلاص ذلك إلى آخره .
وإن اشترى دارا لابنه الصغير كتب اشترى فلان لابنه فلان وأهل الشروط رحمهم الله يكتبون اشترى لابنه الصغير بماله وبولايته عليه مميزا لماله ، وقد بينا في الشراء للغير أن الأحسن أن لا يذكر المال فكذلك في الشراء لابنه واتفق أهل الشروط هنا على أنه يكتب اسم الأب قبل اسم الابن ، وفي الشراء للغير منهم من يقدم اسم الموكل فيكتب اشترى لفلان فلان ، ومنهم من يقدم اسم المشتري فيكتب اشترى فلان لفلان الوكيل ولكن يكتب اشترى لفلان الآمر بأمره فلان بن فلان وأهل الشروط يزيدون في هذا الكتاب عند ذكر الثمن ، وهو ثمن مثل هذه الدار ، ولم يذكر محمد رحمه الله هذه الزيادة ; لأن أهل الشروط بنوا على أنه اشترى بمال الصغير فذكروا هذه الزيادة ; لأن الشراء بماله بغبن فاحش لا ينفذ عليه ، ومحمد رحمه الله لم يذكر ماله أصلا فلهذا لم يتعرض لهذه [ ص: 185 ] الزيادة في الابتداء إلا أنه ذكر في آخره ، وقد نقد فلان الثمن كله وافيا ، ومن مال ابنه فلان ، وإنما ذكر هذا ليكون فيه نظر للولد فربما يدعي الأب أنه نقد الثمن من مال نفسه فيرجع به عليه أو يدعي ذلك سائر الورثة بعد موته ، ويكون القول قولهم فلهذا ذكر هذه الزيادة ، ويكتب وهو يومئذ صغير في عيال أبيه ; لأن من العلماء رحمهم الله من يقول : إذا لم يكن الولد في عياله فليس له ولاية التصرف في ماله ، وإن كان الولد صغيرا فللتحرز عن ذلك يكتب هذه الزيادة ثم يكتب فما أدرك فلانا من درك فيما اشترى له فلان فعلى فلان خلاصه ; لأن بعد بلوغ الولد إنما يلحق الابن دون الأب ، وقد استحسن بعضهم أن يكتب هنا ، وفي الشراء للغير أيضا ، وقد وكل فلان يعني المشتري فلانا بالخصومة فيما يلحقه من العهدة في هذه الدار إما وكالة مطلقة في الدار في الحال أو مضافة إلى ما بعد البلوغ في حق الولد ويزيدون أيضا على أنه كلمة عز له فهو وكيل من جهته توكيلا جديدا ، وفي هذا النوع احتياط للموكل وللابن فإنه إذا دفعت الحاجة إلى الخصومة بالعيب لا يتمكن الموكل ولا الابن من خصومة البائع وربما يكون المشتري غائبا أو حاضرا ويمتنع من مباشرة الخصومة بنفسه قد ذكر هذا التوكيل لكي لا يتعذر على المشتري له الوصول إلى حقه .
إذا باع رجل داره من ابنه ، وهو صغير في عياله كتب هذا كتاب من فلان بن فلان لفلان بن فلان ابنه إني بعتك الدار التي في بني فلان ويحددها ويجري الكتاب على الرسم بكذا درهما وقبضت الثمن كله منك وبرئت إلي منه وأنت يومئذ صغير في عيالي فما أدركك من ذلك في هذه الدار فعلي خلاصه ، وفي هذا تنصيص على أن الأب لا يحتاج إلى لفظين في البيع من ولده لنفسه .
ويحكى عن أبي علي الشاشي رحمه الله أنه كان يقول : يحتاج إلى ذلك ; لأنه في جانب الولد فيما يعامل نفسه فيكون نائبا ولا يكون كالمباشر للعقد حتى إن العهدة بعد البلوغ فيه تكون على الولد بخلاف ما يعامل غيره فإن الأب فيه مباشر للعقد والعهدة عليه بعد بلوغ الولد ، وهو في لفظ واحد لا يصلح أن يكون مباشرا للعقد وسفيرا فلا بد من لفظ هو يكون مباشرا فيه من جانب نفسه ، ومن لفظ آخر يكون هو سفيرا فيه عن الابن بخلاف المولى يزوج وليته ممن هو وليه فالعاقد في النكاح يكون بمنزلة السفير من الجانبين ، وهو باللفظ الواحد يستقيم أن يكون سفيرا عن جماعة ولكن الأصح ما ذكره محمد رحمه الله ، وقد أشار إليه في الزيادات أيضا أنه في البيع يتم بقوله بعت منه بكذا ، وفي الشراء يتم بقوله اشتريت منه بكذا ; لأن اللفظ الذي به يلتزم العهدة ، ويكون مباشرا [ ص: 186 ] يكون أقوى من اللفظ الذي يكون سفيرا والقوي ينتظم الضعيف ولا يظهر في مقابلته ففي حق من يكون مباشرا يسقط اعتبار اللفظ الذي يكون به معبرا عن غيره في العقد حتى قالوا لو ذكر اللفظ الذي هو سفير فيه فقال اشتريت مني هذه الدار بكذا ، وفي الشراء قال بعت هذه الدار لابني من نفسي لا يتم ; لأن الضعيف لا ينتظم القوي فلا بد من التصريح باللفظ الذي به يلتزم العهدة وذلك في البيع بالإيجاب ، وفي الشراء بالقبول قال وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله إذا كان في الرسم لفلان فكل شيء أضفته إليه فاجعله بالكاف ولا تجعله بالياء ، وإذا كان الكتاب من رجل فكل شيء أضفته إليه فاجعله بالياء ولا تجعله بالكاف والصواب فاجعله بالهاء ومعنى هذا الكلام أنه إذا كتب : هذا الكتاب من فلان بن فلان ، يكتب : إني قد بعتك ، وكذلك ما بعده كله بالكاف ، وإذا كتب : هذا الكتاب من رجل لابنه فلان بن فلان أنه باع منه فيذكر هذا ، وما بعده بالهاء .
وإذا اشترى رجل دارا بدين له على البائع كتب هذا كتاب لفلان بن فلان أنه كان لك على هذا كذا درهما ، وهو جميع ما كان لك علي وإني بعتك بذلك كله الدار التي في بني فلان ويجريه على الرسم حتى يقول : بجميع الدين الذي لك علي ، وهو كذا درهما ولا يكتب ، وقد قبضته منك ولكن يكتب ، وقد برئت إلي من الثمن كله ، ولم يستحسن بعض أهل الشروط هذا اللفظ أيضا وقالوا هذا إقرار بالقبض ، وفي الشراء بالدين يسقط الدين إذا تم الشراء إلا أن يصير المديون قابضا له ; لأنه لا يجوز أن يكون قابضا دين الغير من نفسه ولكنا نقول لا يجوز أن يكون قابضا دين الغير من نفسه للغير ولكن يجوز أن يكون قابضا لنفسه فيجعله قابضا الثمن لنفسه ولكن قبض حكمي لا حسي فيكتب : وقد برئت إلي من الثمن كله ولا يكتب ، وقد قبضته منك ; لأن ذلك عبارة عن القبض الحسي ثم يكتب ، وقد قبضت هذه الدار مني ، وقد برئت إليك منها وبرئت أنا مما كان لك علي من الدين وهذه زيادة لا يحتاج إليها ولكن من الألفاظ ما جرى الرسم بذكره للتأكيد فيذكر محمد رحمه الله بعض تلك الألفاظ كما هو عادة أهل الشروط ، فإن أراد الذي عليه الدين أن يكتب براءة من الدين كتب هذا كتاب من فلان أنه كان لي عليك كذا ، وهو جميع ما كان لي عليك وأنك بعتني به دار كذا وقبضتها منك وبرئت إلي منه فما ادعيت قبلك من دعوى في هذا الدين أو غيره بعد هذه البراءة فإني فيما ادعيت من ذلك مبطل وأنت مما ادعيت من ذلك كله بريء وهذه زيادة زيادات لا يحتاج إليها ، ولم يستحسن بعض أهل الشروط قوله أو [ ص: 187 ] غيره ; لأنه إن كان المراد غير هذا الدين مما كان واجبا له عليه فهو ما برئ من ذلك بهذا الشراء ، وإن كان المراد به غيره مما يجب له عليه بعد هذا الشراء فهو لا يبرأ من ذلك بهذا الشراء ، وإن كان المراد غيره مما ليس بواجب فهو مبطل في دعوى ذلك كتب هذا أو لم يكتب فلا فائدة في هذه الزيادة ولكن جرى الرسم بكتب هذه الزيادة لطمأنينة القلوب .
وإذا كان الشراء من وكيل كتب كتاب الوكالة وشهادة الشهود عليها على حدة وكتب كتاب الشراء من الوكيل باسمه مجردا وجعل تاريخه بعد تاريخ كتاب الوكالة فإن كتاب الوكالة حجة الوكيل من وجه وكتاب الشراء وثيقة للمشتري فينبغي أن يفصل أحدهما عن الآخر ، وإن كتب الكل في بياض واحد وبدأ بكتاب الوكالة ثم بكتاب الشراء فهو مستقيم أيضا ; لأن مقصودهما بذلك يحصل ، وإنما يجعل تاريخ كتاب الشراء بعد تاريخ كتاب الوكالة ; لأن صحة البيع تنبني على صحة الوكالة ، وإنما يكتب كتاب الشراء من الوكيل باسمه ; لأن الوكيل بالبيع بمنزلة البائع لنفسه فيما هو من حقوق العقد .
( ألا ترى ) أن عند لحوق العهدة إنما يخاصم المشتري الوكيل خاصة ولا حاجة إلى حضرة الموكل ، وكذلك إن كان وكيلا من قبل القاضي في بيع مال الميت أو كان وصيا لميت فهو بمنزلة ما تقدم ; لأن وكيل القاضي تلحقه العهدة وينزل منزلة العاقد لنفسه والوصي كذلك فإن القاضي نائب عن الميت في هذا التوكيل فيكون بمنزلة توكيل الميت إياه في حياته ، وفي هذه المواضع يكتب اشترى منه الدار التي في بني فلان ولا ينسب الدار إلى أحد ; لأن نسبتها إلى العاقد تكون كذبا في الحقيقة وإلى غيره لا يكون مستقيما ; لأنه لم يجز ذكر غيره في كتاب الشراء .
وإذا هلك صك الشراء فطلب المشتري من البائع أن يكتب له كتابا آخر فإنه ينبغي له أن يكتب كتاب الشراء كما وصفنا ويكتب في آخره وقد كنت كتبت لك هذه الدار شراء مني في صك فهلك ذلك وسألتني أن أشهد لك على شرائك هذه الدار مني فكتبت لك هذا الكتاب وأشهدت لك عليه الشهود المسمين في هذا الكتاب .
وإذا ضمن رجل للمشتري ما أدركه في الدار من درك ثم استحقت فعلى الضامن رد الثمن الذي أخذه البائع وليس عليه ضمان قيمة البناء ; لأنه سمى له في الضمان الدرك وقيمة البناء ليس بضمان في شيء ، فإن صرح به في الضمان كان له أن يطالبه به ، وإن ذكر الدرك خاصة لم يكن له أن يطالبه بضمان قيمة البناء ; لأن رجوع المشتري على البائع بقيمة البناء إنما يكون بسبب الغرور ، وضمان الغرور بمنزلة ضمان العيب والكفيل بالدرك لا يلحقه شيء بسبب العيب فكذلك لا يضمن قيمة البناء ولأن [ ص: 188 ] البائع إنما يضمن قيمة البناء باعتبار أن المشتري يملكه النقض إذا رجع عليه ، وهذا لا يوجد في حق الكفيل فإنه لا يملك شيئا من النقض فلا يكون عليه شيء من قيمة البناء ، وإن استحق من الدار سدسها للمشتري أن يرد ما بقي ; لأن التبعيض في الأملاك المجتمعة عيب ولكنه لا يرجع على الكفيل إلا بسدس الثمن ، وهو حصة ما استحق ; لأن لحوق الدرك كان في ذلك الجزء ، وإنما رد الباقي بسبب العيب ولو رد الكفيل بالعيب لم يرجع على الكفيل بشيء من الثمن ولو استحق الكل رجع على الكفيل بجميع الثمن ، فإذا استحق البعض ورد البعض يجب اعتبار كل جزء بجملته .
وإذا قال الرجل للرجل بعتك هذه الدار كل ذراع بدرهم على أنها ألف ذراع فهو جائز ; لأن ببيان جملة الذرعان يصير جملة الثمن معلوما ولأنه سمى بمقابلة كل ذراع درهما ، وإنما يذرع بذراع وسط ، وهو الذي يسمى الذراع المكسرة ; لأن الذراع الأطول ذراع الملك ولكن الناس ما اعتادوا الذرع به غالبا ومطلق التسمية في العقد تنصرف إلى المتعارف ، وهو الذراع الوسط ، فإن ذرعها ووجدها ألف ذراع فهي له بألف درهم ولا خيار له في ذلك ; لأنه وجد المعقود عليه كما شرط له ، وإن وجدها أقل أو أكثر فله الخيار : إن شاء أخذها كل ذراع بدرهم ، وإن شاء ترك ; لأنه إن وجدها أقل فقد وجدها أضيق مما شرط له في الدار ، والسعة في الدار مقصودة فبتغير ما هو المقصود يثبت الخيار للمشتري ، وإن وجدها أكثر فلأنه يلزمه زيادة في الثمن ، وهو لم يرض بالتزام هذه الزيادة فربما لا يجد من المال أكثر من ألف درهم فهو يرغب في شراء الدار بها ولا يرغب في شرائها بأكثر من ألف فلهذا يثبت له الخيار في الوجهين ، فإن اشتراها على أنها ألف ذراع بمائتي درهم فكانت ألفا أو أكثر فهي لازمة للمشتري ; لأنها لا تلزمه في الثمن زيادة باعتبار زيادة الذرع فإنه سمى الثمن جملة بمقابلة الدار والذرع فيها صفة وليس بمقدار ، وإنما يقابل الثمن العين دون الوصف فلا يزداد الثمن بزيادة الوصف بخلاف الأول فقد جعل الذراع هناك مقصودا حتى سمى بإزاء كل ذراع درهما ، وهذا ; لأن هناك إذا وجدها ألفي ذراع فلو جعلنا الثمن ألفا كان بإزاء كل ذراع نصف درهم ، وهو بخلاف ما نص عليه المتعاقدان ، وإن وجدها أقل من ألف ذراع فالمشتري بالخيار ; لأنه يقر عليه شرطه ، وإذا أخذها بجميع الثمن ; لأن الثمن هنا بمقابلة العين وبنقصان الذراع إنما يتمكن النقصان في الوصف ولا يسقط باعتباره شيء من الثمن .
وكذلك لو اشترى أرضا معلومة على أنها عشرون جريبا وعشرون نخلة بكذا درهما فزادت الأرض والنخل فهي للمشتري بما [ ص: 189 ] سمى ; لأن النخل صفة في الأرض بمنزلة البناء حتى أنها تدخل من غير الذكر وزيادة الصفة لا توجب زيادة في الثمن ولا تثبت الخيار للمشتري .
ثم بعد هذا ثلاث فصول أحدها أن يشتري براح أرض فيها نخل مطلقا أو يشتريها بدون النخل أو يشتري النخل الذي فيها دونها فأما إذا اشتراها مطلقا دخل في العقد ما فيها من النخل والأشجار المثمرة وغير المثمرة والطرفاء والحطب والقصب في ظاهر الرواية ، وإن لم يذكر الحقوق والمرافق وروى بشر عن أبي يوسف أن القصب لا يدخل في البيع إلا بذكر الحقوق ولا خلاف في قصب السكر والدريرة أنه لا يدخل في البيع بدون ذكر الحقوق ; لأن ذلك من جملة ريع الأرض بمنزلة الزرع ولهذا يجب فيه العشر وأبو يوسف ألحق القصب الفارسي بقصب السكر فإن كل واحد منهما يقطع إذا أدرك ، وفي ظاهر الرواية القصب الفارسي ليس من ريع الأرض ولهذا لا يجب فيه العشر فهو بمنزلة النخل والشجر يدخل في البيع من غير ذكر ، والثمار التي على رءوس الأشجار لا تدخل بدون ذكر الحقوق والمرافق إلا على قول ابن أبي ليلى وعند ذكر الحقوق والمرافق يدخل في قول أبي يوسف رحمه الله ، وفي ظاهر الرواية ، وهو قول محمد رحمه الله لا يدخل إلا بالتنصيص عليها أو بذكر كل قليل أو كثير هو فيها أو منها من غير أن يقول ومن حقوقها ، وقد بينا هذا فيما سبق .
والزرع الذي في الأرض لا يدخل في العقد بدون ذكر الحقوق ، وما عليه من الحمل لا يدخل إلا بذكر الحقوق ; لأن شجره لا يعد من زرع الأرض ولهذا لا يجب فيه العشر .
( ألا ترى ) أنه يوجد منه جملة من غير أن يقطع من أصله كما يؤخذ الثمر من الشجر والورد من الشجرة فكما أن شجر الورد والياسمين يدخل في بيع الأرض بدون ذكر الحقوق ولا يدخل ما عليه من الورد والياسمين فكذلك ما سبق .
وإن اشترى الأرض بدون النخل فالشراء صحيح ; لأن النخل في الأرض بمنزلة البناء فكما يجوز استثناء البناء في الأرض يجوز استثناء النخل ثم يكتب أنه اشترى البراح بكل حق هو له بمنزلة النخل التي فيه في موضع كذا ، وهو كذا نخلة فإنها لم تدخل فيما اشتراه بطريقها إلى باب البراح ، وإنما يستثنى الطريق لكي لا يتعطل على البائع الانتفاع بملكه الذي استثناه لنفسه ، وهو النخل فإن بذكر النخل يصير مستثنيا أصول النخل في الصحيح من الرواية ; لأنها إنما تكون نخلا إذا كانت ثابتة على أصولها فأما بدون ذلك جذوعا ولهذا لو رفع البائع تلك النخل كان له أن يغرس في منابتها نخيلا آخر أو يضع في ذلك الموضع أسطوانة أو ما أحب .
وإن [ ص: 190 ] اشترى النخل الذي في الأرض دون الأرض فهو جائز بمنزلة شراء البناء بدون الأرض ; لأن ما يجوز استثناؤه من الأرض يجوز إيراد العقد عليه مقصودا بمنزلة الجزء الشائع ، وما لا يجوز إيراد العقد عليه لا يجوز استثناؤه من العقد بمنزلة أطراف العبد ثم يكتب حدود البراح في كتاب الشراء وحدود الموضع الذي فيه النخل ويكتب أنه اشترى النخل بمواضعها من الأرض وطريقه في البراح ; لأنه إذا لم يذكر : بمواضعها من الأرض يتمكن فيه اختلاف الروايات ، وفي النوادر يذكر فيه اختلافا بين أبي يوسف ومحمد رحمهما الله في دخول مواضعها من الأرض على قولين أحدهما لا يدخل ; لأنه سمى في العقد النخل ، واسم النخل لا يتناول الأرض والنخل تبع للأرض والأصل لا يصير مذكورا بذكر التبع وعلى القول الآخر يدخل ; لأنه لا يسمى نخلا إلا وهو ثابت في الأرض فكان دخوله في الأرض من ضرورة ما سماه في العقد فلهذا يذكر مواضعها من الأرض حتى لا يتمكن فيه منازعة بينهما ، ولم يذكر هذا فيما إذا اشترى النخيل ولا فرق بينهما في الحقيقة بل الأحوط أن يذكر ذلك في الموضعين ويذكر طريق النخل في البراح ; لأنه إذا لم يذكر ذلك الطريق بدون ذكر الحقوق فلا يتمكن المشتري من الانتفاع بملكه ويذكر عدد النخلات هنا ; لأنها صارت مقصودة بالعقد فلا بد من بيانها على وجه لا يبقى بينهما منازعة ما بعد التسليم والتسليم لا يكون إلا بذكر عدد النخلات وربما يقلع البائع بعضها قبل التسليم أو يستحق بعضها فيسقط عن المشتري حصة ذلك من الثمن .
وإذا اشترى أرضا فيها عيون النفط والغاز فالعين تدخل في الشراء عندنا ، وما هو حاصل من النفط والغاز لا يدخل إلا بذكر ; لأن الحاصل فيه بمنزلة الريع للأرض وأما العين فهي جزء من الأرض فتدخل في العقد بدون ذكر ، وهذا بخلاف الماء الذي في البئر فإنه لا يدخل ذلك في شراء الأرض والدار ; لأن الماء قبل الإحراز لا يكون مملوكا لأحد فلا يتناوله البيع ذكر أو لم يذكر بخلاف النفط والغاز فإنه مال مملوك بمنزلة الملح في المملحة ، ومن العلماء من قال العين لا تدخل في بيع الأرض بدون الذكر ; لأن اسم الأرض يتناول الموضع الذي يمكن الانتفاع به بالزراعة أو السكنى والعين ليس من ذلك في شيء فلا تدخل في العقد بدون الذكر فللتحرز عن هذا الخلاف ذكر أنه يكتب اشترى منه الأرض التي يقال لها كذا والعيون التي فيها الغاز والنفط ، أحد حدود هذه الأرض التي فيها العيون اشترى منه هذه الأرض المحدودة في كتابنا هذا والعيون التي فيها النفط والغاز ، وما في العيون من النفط والغاز بحدودها كلها .
وإذا [ ص: 191 ] قال المشتري للشفيع : أنا أبيعكها بما اشتريتها به فقال : قد قبلت ذلك فأبى المشتري بعد ذلك أن يعطيه فلا شفعة له ; لأنه أظهر الرغبة في شراء مستقبل وذلك يتضمن إسقاط حقه في الشفعة ولا يتم البيع بينهما بما جرى من اللفظ ; لأن تمام البيع بلفظين هما عبارة عن الماضي وقول المشتري : أبعتها عبارة عن المستقبل فهو وعد لا إيجاب ، والمواعيد لا يتعلق بها اللزوم .
وإذا اقتسم القوم دارا فإنه ينبغي لهم أن يكتبوا للقسمة بينهم كتابا ; لأن في قسمة الدار معنى المعاوضة ، فكل واحد منهم يسلم لأصحابه بعض ملكه عوضا عما يأخذ منهم من أنصبائهم والقسمة تكون مستدامة بينهم فينبغي أن يكتب منهم الوثيقة ، وصفة ذلك : هذا ما اقتسم عليه فلان وفلان وفلانة بنو فلان اقتسموا الدار التي هي في بني فلان أحد حدودها والرابع اقتسموها على فرائض الله - تعالى - وكان ذرع جميع هذا الدار كذا ذراعا مكسرة ، وكان جميع الذي لفلان من هذه الدار بكل حق هو له كذا ذراعا مكسرة فأصابه ذلك عند القسمة في موضع كذا من هذه الدار وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله نرى أن يكتب ما أصابه ذلك في موضع كذا من هذه الدار أحد حدود الذي أصابه كذا والرابع ، وهذا قولهم جميعا فإن أبا حنيفة رحمه الله لا يخالفهما في تحديد الموضع الذي أصاب كل واحد منهم عند القسمة ; لأن كل واحد منهم عند المشتري في معنى المشتري لذلك الموضع فقبل هذه القسمة كان حقه شائعا في جميع الدار ، وقد تعين الآن في موضع منها فلا بد من تحديد الموضع الذي أصاب كل واحد منهم حتى يصير معلوما بذكر الحدود فيتم الكتاب وتنقطع المنازعة .
وإذا كان الحائط بين رجلين نصفين ولأحدهما عليه خشب كان للآخر أن يضع عليه من الخشب مثل ما وضع صاحبه ; لأنهما لما استويا في أصل الملك ينبغي أن يستويا في الانتفاع بالمملوك ، فالانتفاع بالحائط من حيث وضع الخشب فللشريك أن يضع عليه من الخشب مثل ما وضع صاحبه وليس له أن يرفع شيئا من خشب صاحبه ; لأن فيه ضررا بصاحبه من حيث هدم البناء عليه ، وإنما له حق الانتفاع بالملك المشترى ولا يكون له حق الإضرار بشريكه وقيل هذا إذا كان الحائط بحيث يحتمل مثل ذلك الخشب أن لو وضعه عليه .
فإن كان يعلم أنه لا يحتمل ذلك ، وهما متصادقان في أن أصل الحائط بينهما نصفان فحينئذ يكون له أن يأمر صاحبه برفع بعض الخشب حتى يضع عليه من الخشب مثل ما يبقى لصاحبه ما يحتمله الحائط ، وهذا لأنه إن وضع الزيادة بغير إذن الشريك فهو غاصب ، وإن وضعها عليه بإذنه فالشريك معير نصيبه من الحائط منه وللمعير أن يسترد العارية [ ص: 192 ] وإن أراد أحدهما أن يزيد عليه خشبة واحدة على صاحبه أو بفتح كوة أو يتخذ عليه سترة أو يفتح فيه بابا لم يكن له ذلك إلا بإذن صاحبه ; لأنه تصرف في الملك المشترك وأحد الشريكين لا ينفرد بالتصرف في الملك المشترى ، وإنما ينفرد بالتصرف في نصيبه خاصة ، وهذه التصرفات لم تكن في نصيبه خاصة ، ولأن في هذا التصرف ضررا من حيث توهين البناء أو زيادة الحمل عليه وليس لأحد الشريكين ولاية إلحاق الضرر بشريكه ; فلهذا كان ممنوعا من هذه التصرفات إلا بإذن شريكه .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|