
30-12-2025, 07:11 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,566
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثلاثون
صـــ152 الى صـــ 161
(617)
وإذا سافر المسلم فحضره الموت وأشهد على وصيته رجلين من أهل الكتاب لم تجز شهادتهما عندنا وقال ابن أبي ليلى رحمه الله تجوز شهادتهما وهو قول شريح رحمه الله فإنه كان يقول لا تقبل شهادة أهل الكتاب على المسلمين في شيء إلا في الوصية ولا تقبل في الوصية إلا في حالة السفر وقد نقل ذلك عن إبراهيم النخعي لظاهر قوله تعالى { اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم } يعني من غير أهل دينكم بدليل قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم } ولكن نقل عن إبراهيم أنه قال هذه الآية منسوخة نسخها قوله تعالى { وأشهدوا ذوي عدل منكم } وقد نقل عن عكرمة أن المراد من قوله عز وجل { أو آخران من غيركم } أي من غير قبيلتكم وهذا لأن العداوة بين القبائل في الجاهلية كانت ظاهرة فبين الله تعالى أنه لا معتبر بها بعد [ ص: 153 ] الإسلام وأن شهادة بعضهم على بعض مقبولة .
( ألا ترى ) أن الله تعالى قال { تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله } وذلك إنما يكون في حق المسلمين الذين يصلون وقد صح الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { لا تقبل شهادة أهل ملة على أهل ملة أخرى إلا المسلمين فإن شهادتهم مقبولة على أهل الملل } كلها والمعنى الذي لأجله لا تقبل شهادتهم علينا في سائر الحقوق انقطاع ولايتهم عنا وهذا المعنى موجود في الوصية والمعنى الذي لأجله لا تقبل شهادتهم على وصية المسلم في غير حالة السفر موجود في حالة السفر .
وإذا اختلف الشاهدان في المواطن التي شهدا فيها على عمل من قتل أو غصب لم تقبل شهادتهما ولا يعزران على ذلك عندنا وكان ابن أبي ليلى ربما ضربهما وعاقبهما لتمكن تهمة الكذب والمجازفة في الشهادة ولكنا نقول لا ندري أيهما الكاذب منهما فضرب كل واحد منهما عبث ولا بد من تقرر السبب في حقه حتى يجوز الإقدام على ضربه وذلك لا يوجد في حق كل واحد منهما .
وكذلك لو شهدا بأكثر مما ادعى فعلى قول ابن أبي ليلى يؤدبان على ذلك لتهمة الكذب والمجازفة ولكنا نقول لعل المدعي هو الغالط والكاذب والشهود صادقون في شهادتهم وبدون تقرر السبب لا تجب عليهم العقوبة وإن كان لا يعمل بشهادتهم لتكذيب المدعي إياهم .
وإذا لم يطعن الخصم في الشاهد فعلى قول أبي حنيفة رحمه الله لا يسأل عنه القاضي وعند ابن أبي ليلى يسأل عنه وهو قول أبي يوسف ومحمد لأن السؤال عن الشهود لصيانة قضائه فإنه ممنوع شرعا من القضاء بشهادة الفاسق وأبو حنيفة يقول العدالة ثابتة بظاهر الإسلام كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { المسلمون عدول بعضهم على بعض } فيعتمد القاضي هذا الظاهر ما لم يطعن الخصم فإذا طعن اشتغل بالسؤال لأن الظاهر من حال الطاعن أنه لا يكذب أيضا فإنه مسلم وقد بينا هذه المسألة بفصولها في أدب القاضي .
وشهادة الصبيان بعضهم على بعض لا تكون مقبولة عندنا وكان ابن أبي ليلى يجيزها في الجراحات وتمزيق الثياب التي تكون بينهم في الملاعب ما لم يتفرقوا فإن كانوا تفرقوا لم تجز شهادتهم لأن العدول قل ما يحضرون ملاعب الصبيان فكانت الضرورة داعية إلى قبول شهادة بعضهم على بعض بمنزلة شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال ولكن هذا ما لم يتفرقوا .
فأما إذا تفرقوا وعادوا إلى بيوتهم فإنهم يلقنون الكذب هذا هو العادة فلا تقبل شهادتهم لذلك ولكنا نقول المعنى الذي لأجله لا تكون لهم شهادة على البالغين انقطاع الولاية فإن الصبي ليس من أهل الولاية على أحد وهذا المعنى موجود في شهادة بعضهم على بعض .
[ ص: 154 ] والضرورة التي اعتادوها لا تتحقق فإنا أمرنا أن نمنعهم من الاجتماع للعب فتندفع هذه الضرورة بمنعنا إياهم عن ذلك .
ولا يستحلف المدعي شهوده عندنا وكان ابن أبي ليلى يقول عليه اليمين مع شهوده على قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه ولكنا لا نأخذ به لقوله عليه السلام { البينة على المدعي واليمين على من أنكر } فهذا دليل على أنه لا يمين في جانب المدعي ولأن التقسيم الذي ذكره صاحب الشرع عليه السلام دليل على أنهما لا يجتمعان في جانب واحد يعني البينة واليمين .
وإذا لم يكن للمدعي شهود كان اليمين على المدعى عليه فإن قال المدعى عليه أنا أرد اليمين فإنه لا ترد اليمين عليه عندنا وقال ابن أبي ليلى إذا اتهمت المدعي رددت اليمين عليه في دعوى الديون لأنها مشروعة لدفع التهمة بها ولكنا نقول : اليمين لإبقاء ما كان على ما كان لا لإثبات ما لم يكن وحاجة المدعي إلى إثبات ما لم يكن ثابتا واليمين لا تصلح حجة في ذلك ثم هو مخالف للنص فإن { النبي صلى الله عليه وسلم قال للمدعي ليس لك إلا هذا شاهداك أو يمينه } فهو تنصيص على أنه لا يمين في جانب المدعي قال وكان ابن أبي ليلى رحمه الله يستحلف على الصلح في الميراث وغيره ونحن نقول أيضا يستحلف على الصلح في الميراث وغيره فإما أن يكون مراده من ذلك أنه كان يستحلف المدعي فيتحقق فيه الخلاف أو مراده أنه كان يستحلف في ذلك من غير طلب المدعي فيتحقق فيه الخلاف لأن عندنا لا يستحلف في ذلك من غير طلب فيتحقق فيه الخلاف لأن عندنا لا يستحلف إلا عند طلب المدعي فإن اليمين حق المدعي بدليل ما روينا فيه فإنما يستحلف عند طلبه أو يكون مراده أنه يستحلف على العلم في الصلح في الميراث وغيره وعندنا يستحلف على الثبات إذا كان يدعي عليه صلحا باشره لأنه استحلاف على فعل نفسه فيكون على الثبات .
وإذا مات الرجل وترك امرأة وولدا ولم يقر بحبل امرأته فجاءت بولد بعد موته بأيام وشهدت امرأة على ولادتها لم يثبت نسبه فلم يرث في قول أبي حنيفة وقال ابن أبي ليلى رحمه الله يثبت نسبه وهو يرث وهو قول أبي يوسف ومحمد وقد تقدم بيان المسألة في كتاب الطلاق أن عند أبي حنيفة شهادة المرأة الواحدة لا تكون حجة على الولادة في إثبات النسب إلا أن يكون هناك حبل ظاهر أو فراش قائم أو إقرار من الزوج بالحبل وعند انعدام هذه المعاني لا يثبت النسب إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين وعند أبي يوسف ومحمد شهادة القابلة على الولادة حجة تامة لإثبات النسب بدون هذه الشروط وقول ابن أبي ليلى رحمه الله كقولهما .
وإذا كان للرجل عبدان ولدا في ملكه [ ص: 155 ] من أمته فأقر في صحته أن أحدهما ابنه ثم مات ولم يبين لم يثبت نسب واحد منهما عندنا ويسعى كل واحد منهما في نصف قيمته .
وكذلك الأمتان وكان ابن أبي ليلى يقول يثبت نسب أحدهما ويورثهما ميراث ابن واحد ويوجب على كل واحد منهما السعاية في نصف قيمته لأن النسب مما لا يحتمل الدفع بعد ثبوته فالإقرار به للمجهول صحيح كالعتق والطلاق فإنه لو أقر بعتق أحد عبديه أو طلاق أحد المرأتين كان ذلك صحيحا والدليل عليه أنه يعتق أحدهما في هذا الموضع باتفاق وثبوت الحرية لا يكون إلا بعد صحة الإقرار وهو إنما أقر بالنسب فلو لم يصح إقراره بذلك لم تثبت الحرية لواحد منهما ثم قد يختلط ولده بولد أمته فلا يعرف ولده الذي هو ثابت النسب منه من ولد أمته فلو لم يصح إقراره مع هذه الجهالة أدى إلى إلحاق الضرر به ولكنا نقول النسب مما لا يحتمل التعليق بالشرط ، وما لا يحتمل التعليق بالشرط لا يصح إيجابه في المجهول كالنكاح والبيع وهذا لأن الإيجاب في المجهول بمنزلة التعليق بخطر البيان والنسب لا يحتمل التعليق بسائر الأخطار فكذلك بخطر البيان بخلاف العتق والطلاق إلا أن إقراره وإن لم يعتبر في حق النسب فإنه يكون معتبرا في حق العتق بمنزلة ما لو أقر لمن هو معروف النسب من الغير أنه ابنه لا يقبل إقراره وإن لم يعتبر في حق النسب فإنه يكون معتبرا في حق العتق بمنزلة ما لو أقر لمن هو معروف النسب من الغير أنه ابنه لا يقبل إقراره وإن لم يعتبر في حق النسب فإنه يكون معتبرا في حق العتق تميز أحدهما بغير عينه وهو عتق في الصحة فيسعى كل واحد منهما في نصف قيمته .
وعند ابن أبي ليلى لما ثبت نسب أحدهما ثبت العتق أيضا وليس أحدهما بأولى من الآخر فيسعى كل واحد منهما في نصف قيمته ويرثان ميراث ابن واحد لثبوت نسب أحدهما واعتبرا هذا بولد جارية بين رجلين ادعياه ثم مات الولد فإنهما يرثانه ميراث أب واحد إلا أن نقول هناك هو ثابت النسب منهما كما قال عمر وعلي رضي الله عنهما وهو ابنهما يرثهما ويرثانه وهنا لا نقول بأن نسبهما ثابت منه ولا يمكن إثبات نسب أحدهما بغير عينه والميراث لا يكون قبل ثبوت النسب .
( ألا ترى ) أن في معروف النسب وإن ثبت العتق بإقراره لا يثبت الميراث فكذلك هنا قال وكان ابن أبي ليلى لا يورث مولى الموالاة شيئا وهو قول زيد بن ثابت وقد بينا المسألة في كتاب الفرائض .
وإذا اشترك الرجلان شركة مفاوضة ولأحدهما ألف درهم وللآخر أكثر من ذلك فعندنا هذه ليست بمفاوضة لكنها عنان عام وقال ابن أبي ليلى هي [ ص: 156 ] مفاوضة والمال بينهما نصفان فبيننا وبينه اتفاق أن من شرط المفاوضة المساواة في رأس المال وقلنا لما انعدم ما هو شرط صحة المفاوضة لم تكن الشركة مفاوضة بينهما ولكنه عنان عام فكأنهما باشرا شركة العنان ولقباها بلقب فاسد وهو يقول قصدا بصحيح المعاوضة ولا وجه لتصحيحهما إلا بعد أن يصير أحدهما مملكا بعض رأس ماله من صاحبه ليستوي به فيجعل كأنه وهب منه بعض رأس المال حتى يحصل مقصودهما بمنزلة ما لو قال لغيره اعتق عبدك عني على ألف درهم بدرج التملك في كلامه ليحصل مقصودهما وهذا مستقيم على أصله فإنه يجوز هبة المتاع فيما يحتمل القسمة من الشريك وهذا لا يجوز عندنا والظاهر أنهما لم يقصداه لأن اشتراط المساواة في رأس المال في هذه الشركة من دقائق العلوم لا يعرفه إلا الخواص من الناس وبين العلماء رحمهم الله فيه اختلاف فلعل المتعاقدين بنيا هذا العقد على قول من يرى جوازه مع التفاوت في رأس المال ولا يجوز إبطال شيء من الملك على أحدهما بالاحتمال .
قال ابن أبي ليلى رحمه الله في عبد بين رجلين كاتبه أحدهما بغير إذن شريكه فالمكاتبة جائزة وليس للشريك أن يردها لأن المكاتبة توجب استحقاق الولاء والعتق فإذا نفذ من أحد الشريكين في ملكه لا يجوز للآخر أن يبطله كحقيقة الإعتاق والكتابة بمنزلة البيع من حيث إنه يعتمد الفسخ ويعتمد التراضي ولا يجوز إلا بتسمية البدل فكما أن أحد الشريكين إذا باع نصيبه لم يكن للآخر أن يبطله فكذلك الكتابة وعندنا للآخر أن يرد الكتابة لأن في إبقاء هذا العقد ضررا على شريكه من حيث إنه يتعذر عليه التصرف في نصيبه وتتعذر عليه استدامة الملك بعد أداء بدل الكتابة ومن تصرف في ملكه تصرفا يلحق الضرر بغيره فإن ذلك الغير يتمكن من دفع الضرر عن نفسه .
( ألا ترى ) أن للشفيع أن يأخذ الشقص بالشفعة لدفع الضرر عن نفسه وهذا العقد يحتمل الفسخ فقلنا يدفع الشريك الضرر عن نفسه بفسخه .
( ألا ترى ) أن المكاتب إذا كسر نجما أو نجمين كان للمولى أن يفسخ الكتابة لدفع الضرر عن نفسه وأن المكاتب متى عجز عن أداء بدل الكتابة كان له أن يفسخ العقد لدفع الضرر عن نفسه وبه فارق حقيقة العتق فإنه غير محتمل للفسخ فدفع الضرر عنه يكون بالتضمين هناك وبه فارق البيع لأنه لا ضرر على الشريك في إبقاء البيع في نصيب الشريك فإذا أعتقه الشريك الآخر نفذ عتقه في نصيبه عندنا لبقاء ملكه في نصيبه بعد الكتابة على ما كان قبله وعند أبي ليلى لا ينفذ عتقه حتى ينظر ما يصنع المكاتب فإن أدى بدل الكتابة عتق وعلى الذي كاتبه نصف قيمته والولاء [ ص: 157 ] كله له لأنه استحق ولاءه بعقد الكتابة فلا يملك الشريك إبطال هذا الاستحقاق عليه بالإعتاق كما لا يملكه بفسخ الكتابة عنده وهو بناء على أصله أن الكتابة لا تجزأ فإذا أدى البدل عتق الكل من جهته فصار ضامنا نصف قيمته لشريكه إما لأنه يملك نصيب شريكه أو لأنه أفسد على شريكه نصيبه وإن عجز المكاتب نفذ العتق من الآخر حينئذ لأن المانع قد زال وهو أن للمكاتب حق الولاء وعند أبي حنيفة الكتابة تجزأ فالمكاتب لم يصر مستحقا نصيب الشريك فلهذا نفذ العتق من الشريك في نصيبه ويسعى المكاتب في بدل الكتابة وإن شاء في نصف قيمته للشريك الآخر وهذا الخيار عنده باعتبار أن العتق يحتمل التجزؤ .
ولو أن مملوكا بين اثنين دبره أحدهما لم يكن للآخر أن يبيع حصته عندنا وله ذلك عند ابن أبي ليلى وهذا بناء على أن استحقاق العتق يثبت بالتدبير عندنا حتى يمتنع على المدبر بيع نصيبه فيمتنع على الشريك أيضا بيع نصيبه اعتبارا لحق العتق بحقيقة العتق ولابن أبي ليلى أحد الطريقين أما أن يقال التدبير تعليق العتق بالشرط فلا يثبت به استحقاق العتق ولا يمتنع البيع في نصيب المدبر ولا في نصيب شريكه كما هو مذهب الشافعي أو يقول استحقاق العتق بالتدبير باعتبار أنه تعليق بمطلق الموت وهذا المعنى وجد في حق المدبر خاصة فلا يظهر الاستحقاق في حق الشريك ولكن يجعل في حق الشريك هذا كالتعليق بسائر الشروط فلا يمتنع البيع وعلى هذا قال إذا دبره أحدهما ثم أعتقه الآخر فالعتق جائز والتدبير باطل لأن في حق المعتق التدبير بمنزلة التعليق بشرط آخر والعتق عنده لا يتجزأ فينفذ العتق في جميعه ومن ضرورة نفوذ العتق بطلان التدبير فيضمن المعتق نصف قيمته لشريكه إن كان موسرا كما لو أعتقه قبل التدبير ولكن قد ثبت لنا أن بالتدبير يثبت استحقاق العتق كما يثبت بالاستيلاد وقد قررنا هذا في العتق كما أنه إذا نفذ الاستيلاد من أحدهما في نصيبه لم يبطل ذلك بإعتاق الآخر فكذلك إذا نفذ التدبير وهذا لأن الولاء بالتدبير صار مستحقا له حتى إذا عتق بعد موته يكون ولاؤه له فلا يتمكن الآخر من إبطال هذا الولاء عليه .
وإذا ورث أحد المتفاوضين مالا ; فهو له دون شريكه عندنا وقال ابن أبي ليلى هو بينهما نصفين لأن مقتضى عقد المفاوضة الشركة بينهما في الملك الذي يحدث لأحدهما بعده كما لو ملك أحدهما شيئا بسبب التجارة ولكنا نقول عقد المفاوضة إنما يوجب الشركة بينهما فيما يحصل بطريق التجارة لأن كل واحد منهما يكون وكيلا لصاحبه في ذلك التصرف وهذا في الإرث لا يتحقق ثم الملك [ ص: 158 ] بالميراث ليس بحادث فإن الوراثة خلافة فيبقى للوارث الملك الذي كان ثابتا للمورث وسبب هذه الخلافة لم يوجد في حق الشريك ولو قلنا بأن المفاوضة توجب الشركة بينهما في الموهوب والموروث لبطلت في نفسها لأنها تصير في معنى القمار والمخاطرة وذلك باطل شرعا .
وإذا كان الموروث للوارث خاصة فإن كان ذلك من النقود التي تصلح أن تكون رأس مال الشركة بطلت المفاوضة لوجود التفاوت في رأس المال والطارئ بعد العتق قبل حصول المقصود به كالمقترن بالسبب .
وإذا كاتب الرجل عبدا وللعبد مال فماله لمولاه إلا أن يشترطه المكاتب عندنا وقال ابن أبي ليلى المال للمكاتب لأن المولى يعقد الكتابة بقصد تمكينه من التصرف ليؤدي بدل الكتابة من الكسب الحاصل بتصرفه ولا يتمكن من التصرف إلا برأس المال فباعتبار هذا المعنى يجعل كأنه شرط له ما في يده من المال بخلاف بيعه من غيره فالمقصود هناك تمليك العين وذلك حاصل وإن لم يدخل ماله في العقد وهو نظير الشرب والطريق يدخل في الإجازة من غير ذكر لتحصيل مقصوده وهو الانتفاع وإن كان لا يدخل في البيع إلا بالذكر وقيل في تأويل قوله تعالى { وآتوهم من مال الله الذي آتاكم } أن المراد هذا وهو أن يترك له ما في يده من الكسب ليتصرف فيه .
لكنا نقول : ما اكتسبه قبل عقد الكتابة ملك المولى فهو بمنزلة مال آخر للمولى في يده فلا يستحقه المكاتب بمطلق الكتابة وهذا لأن الاستحقاق بالعقد إنما يثبت فيما يضاف إليه العقد وإنما أضيف العقد هنا إلى رقبته دون ماله فلا يستحق به المال كما في البيع ونحن نسلم أنه بعقد الكتابة يمكنه من التصرف ولكن يمكنه من ذلك لمنافعه لا لماله وبعقد الكتابة يصير هو أحق بمنافع نفسه عندنا ثم يجوز فسخ الكتابة عند غير القاضي عندنا كما يجوز عقد الكتابة وعند ابن أبي ليلى لا يكون رد المكاتب في الرق إلا عند القاضي لأنه ينبني على العجز عنده أداء بدل الكتابة ولا يتحقق العجز إلا بقضاء القاضي وقد بينا هذا في كتاب المكاتب وقول ابن أبي ليلى كقول أبي يوسف أنه لا يرد إلى الرق حتى يجتمع عليه نجمان .
وقال ابن أبي ليلى كفالة المكاتب ونكاحه باطلان لأن النكاح يعتمد الولاية والرق يبقي الولاية ، وعندنا لا يملك أن يزوج نفسه ولا عبده ولكن يملك أن يزوج أمته لما فيه من اكتساب المال وبطلان كفالته عنده ليس بطريق أنه ينزع ولكن بطريق انعدام المحلية لأن الكفالة التزام المال في الذمة عنده ولهذا يوجب براءة الأصل ، وقيام الرق فيه يخرجه من أن يكون أهلا لالتزام المال في ذمته عنده فلهذا قال لا تنفذ [ ص: 159 ] كفالته بعد ما عتق بخلاف الإعتاق والهبة فإن ذلك منه موقوف عنده فإن عتق بأداء بدل الكتابة نفذ ذلك كله وإن عجز فرد رقيقا بطل ذلك كله لأنه قد ثبت له في كسبه حكم ملك وحقيقة الملك فيه موقوفة فإن عتق تم له الملك بذلك السبب الذي باشره فنفذ تصرفه فإن عجز تم الملك للمولى فتبين أن تصرفه لا في ملك الغير .
فأما عندنا عتقه وهبته باطلان عجز أو عتق لأن نفوذ هذا التصرف باعتبار حقيقة الملك والرق ينافي الأهلية لذلك .
وأما كفالته فلا تكون صحيحة ما لم يعتق فإذا عتق نفذ بمنزلة كفالة العبد فإن ذمته خالص حقه ولكن الدين لا يجب في ذمة الرقيق إلا شاغلا مالية رقبته وذلك حق المولى فباعتبار أن تصرفه لاقى محلا هو حقه كان صحيحا في حقه وباعتبار أنه معلق بمالية المولى قلنا ثانية تؤخر المطالبة عنه إلى حالة العتق ولو كفل إنسان عنه ببدل الكتابة لمولاه لم يجز عندنا لأن الكفالة تستدعي دينا صحيحا وقيام الرق يمنع وجوب دين صحيح للمولى على مملوكه لأنه التزام للمطالبة والمطالبة ببدل الكتابة لا تقوى في حق المكاتب ولهذا يملك أن يعجز نفسه .
وعند ابن أبي ليلى الكفالة صحيحة بمنزلة التبرع بالأداء لأن عنده الكفالة توجب أصل المال في ذمة الكفيل فكما يجوز أن يكون المتبرع مؤديا بدل الكتابة عن المكاتب من مال نفسه يجوز أن يكون ملتزما بدل الكتابة في ذمة نفسه للمولى .
رجل قال لعبده إن بعتك فأنت حر فباعه لم يعتق عندنا ، وقال ابن أبي ليلى يعتق من مال البائع وهذا بناء على أصل مختلف فيه بيننا وبينه أن في اليمين بالطلاق والعتاق عندنا يشترط قيام الملك عند وجود الشرط لحصول الجزاء وعنده لا يشترط ويعتبر قيام الملك في المحل بالأهلية في المتصرف وذلك لا يشترط عند وجود الشرط حتى أن من قال لعبده إن دخلت الدار فأنت حر ثم جن الحالف ثم وجد الشرط يقع الطلاق والعتاق ومعلوم أن تأثير الأهلية أكثر من تأثير الملك في المحل .
فأما إذ كان يسقط اعتبار الأهلية عند وجود الشرط فلأنه يسقط اعتبار الملك في المحل أولى ، ولكنا نقول المتعلق بالشرط عند وجود الشرط كالمنجز فكما أن تنجيز العتق لا يصح إلا عند قيام الملك في المحل فكذلك بزوال الجزاء عند وجود الشرط إلا أنه يصير كالمنجز بذلك الكلام السابق وذلك الكلام صح منه في حال إقامته والجنون إنما ينافي الأهلية للتكلم بالطلاق والعتاق على وجه يكون إيقاعا في حقه وهذا غير معتبر عند وجود الشرط إذا عرفنا هذا فنقول إذا قال إن بعتك فأنت حر فهذا التعليق عنده صحيح لأن الملك عند التعليق موجود ولا يشترط [ ص: 160 ] وجود الملك عند وجود الشرط على مذهبه وقد وجد الشرط هنا بالبيع فيترك العتق بالسبب الذي صح منه قبل البيع ويصير به معلقا رقبته فيبطل البيع ويعتق من مال البائع وعندنا يشترط قيام الملك في المحل عند نزول الجزاء لأن الإيجاب إنما يتصل بالمحل بعد وجود الشرط والشرط هنا هو البيع فإذا زال ملكه بالبيع فقد انعدم الملك في المحل عند وجود الشرط فينحل اليمين ولا يعتق العبد بل يبقى على ملك المشتري وعلى هذا الأصل لو قال لعبده إن كلمت فلانا فأنت حر ثم باعه ثم كلم فلانا أو قال لامرأته أنت طالق ثلاثا إن كلمت فلانا ثم طلقها واحدة بائنة وانقضت عدتها ثم كلمت فلانا عندنا لا يقع الثلاث وعند ابن أبي ليلى يقع .
وإذا استأجر دابة إلى مكان فجاوز بها المكان ثم عطبت بعد ضمن قيمتها عندنا ولم يسقط عنه الأجر وعلى قول ابن أبي ليلى ليس عليه شيء من الأجر لأن الأجر والضمان لا يجتمعان وقد تقرر عليه الضمان ولأنه بالضمان ملك المضمون ولا يوجب عليه الأجر بسبب الانتفاع بملك نفسه ولكنا نقول لما انتهى إلى ذلك المكان فقد انتهى العقد نهايته وتقرر الأجل دينا في ذمته ثم بالمجاوزة صار غاصبا ضامنا فلا يسقط عنه الأجر بذلك بمنزلة ما لو ردها على صاحبها ثم غصبها منه وهذا لأن الملك بالضمان إنما يثبت له من وقت وجوب الضمان عليه وذلك بعد المجاوزة والأجر إنما لزمه بمقابلة منافع استوفاها قبل ذلك .
وإذا أدرك الرجل الإمام وهو راكع فكبر معه ولم يركع حتى رفع رأسه فعندنا يسجد معه ولا يعتد بتلك الركعة وعند ابن أبي ليلى يركع ويسجد ويعتد بها لأن حالة الركوع بمنزلة حالة القيام فإن القائم إنما يفارق القاعد في استواء النصف الأسفل منه دون النصف الأعلى والراكع في هذا والمنتصف سواء ولهذا لو ركع معه كان مدركا للركعة فكان إدراكه إياه في حالة الركوع وإدراكه في حالة القيام سواء ولو أدركه قائما ثم سبقه الإمام بالركوع والسجود فإنه يتابعه يركع ويسجد ويكون مدركا للركعة فكذلك هنا ولكنا نقول شرط إدراك الركعة أن يشارك الإمام في حقيقة القيام أو فيما هو مشبه بالقيام وهو الركوع حتى يكون مدركا للركعة فإذا رفع الإمام رأسه قبل أن يركع هو فقد انعدمت المشاركة بينهما في القيام أو فيما هو مشبه بالقيام وهو الركوع فإذا أدركه قائما فقد شاركه في حقيقة القيام وكان مدركا للركعة .
وأما إذا أدركه راكعا فهو لم يشاركه في حقيقة القيام فلا بد من أن يشركه فيما هو مشبه بالقيام وهو الركوع حتى يكون مدركا للركعة فإذا رفع الإمام رأسه قبل أن يركع فقد انعدمت المشاركة بينهما في [ ص: 161 ] القيام وفيما هو مشبه للقيام فلا يعتد بتلك الركعة كما لو أدرك في السجود يوضحه أن المسبوق لا يمكنه أن يقضي ما فاته قبل أن يشارك الإمام فيما أدرك معه وذلك عمل بالمنسوخ فيكون مفسدا لصلاته فلهذا يسجد ولا يعتد بتلك الركعة .
فأما إذا ركع قبل أن يرفع الإمام رأسه فهو مشارك للإمام في القيام والركوع جميعا أما في الركوع فلا يشكل وفي القيام لأن حالة الركوع كحالة القيام فبهذا الحرف يقع الفرق بين الفصلين .
فإذا أهل الرجل بعمرة ثم أفسدها فقدم مكة فقضاها فإنه يجزئه أن يقضيها من التنعيم عندنا وقال ابن أبي ليلى لا يجزئه أن يقضيها لا من وقت بلاده لأنه إنما يقضي ما فاته فعليه أن يقضيها كما فاته ثم القضاء بصفة الأداء فإذا كان هو في أداء هذه العمرة إنما أحرم لها من الميقات فكذلك في القضاء ولكنا نستدل بحديث { عائشة رضي الله عنها فإنها لما حاضت بسرف بعدما أحرمت قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ارفضي عمرتك واصنعي جميع ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ثم أمر أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه أن يعمرها من التنعيم مكان عمرتها التي فاتتها } ولأن ما يلزمه بالشروع معتبر بما يلزمه بالنذر ومن نذر عمرة فأداها من التنعيم خرج عن موجب نذره ولأنه وصل إلى مكة بالإحرام الفاسد فيجعل كما لو وصل إليها بإحرام صحيح فكما أن هناك يكون هو بمنزلة أهل مكة في الإحرام في الحج والعمرة ، الواجب وغير الواجب في ذلك سواء فكذلك هنا هو بمنزلة أهل مكة في حكم قضاء هذه العمرة .
ولا بأس بأن يخرج الرجل من تراب الحرم وحجارته إلى الحل عندنا وقال ابن أبي ليلى أكره ذلك لما روي عن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهما كرها ذلك ولكنا نقول ما جاز الانتفاع به في الحرم يجوز إخراجه من الحرم كالنبات وما لا يجوز إخراجه من الحرم لا يجوز الانتفاع به في الحرم كالصيد وبالإجماع له أن ينتفع بالحجارة والتراب في الحرم فيكون له أيضا إخراج ذلك من الحرم وما روي عن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهما شاذ فقد ظهر عمل الناس بخلافه فإنهم تعارفوا إخراج القدور من الحرم من غير نكير منكر وإخراج التراب الذي يجمعونه من كنس سطح البيت ونحو ذلك ويتبركوا بذلك وكل أثر شاذ يكون عمل الناس ظاهرا بخلافه فإنه لا يكون حجة .
وأما إذا اقتتل القوم فأحلوا عن قتيل ولا يعلم أيهم أصابه فعلى قول أبي حنيفة ومحمد على عاقلة القبيلة الذين اقتتلوا جميعا وإليه رجع أبو يوسف ذكرنا هنا قوله وقد بينا المسألة في الديات .
وإذا قتل الرجل رجلا ضربه بعصا أو [ ص: 162 ] حجر أو ضربه ضربات حتى مات من ذلك فإن أبا حنيفة رحمه الله قال : لا قصاص بينهما وقال ابن أبي ليلى بينهما القصاص وهو قول أبي يوسف ومحمد وإذا وقع موقع السلاح وقد بينا المسألة في الديات إلا أن هناك يذكران عندهما إنما يجب القصاص في القتل بالحجر الكبير والعصا الكبير .
فأما القتل بالعصا الصغير بالضرب بالموالاة لا يجب القصاص عندنا وإنما يجب عند الشافعي وهنا نص على الخلاف في هذا الفصل أيضا وهكذا ذكره الطحاوي رحمه الله وكان الطحاوي إنما اعتمد هذه الرواية فيما أورده في كتابه وهو الأصح فالمعتبر عندهما القصد إلى القتل بما لا تطيق النفس احتماله والعصا الصغير مع الموالاة في ذلك بمنزلة العصا الكبير .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|