
30-12-2025, 05:13 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,555
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثلاثون
صـــ42 الى صـــ 51
(606)
. فإن اشترى الابنتان أباهما ، ثم أب الأب مع إحداهما والأخرى التي لم تشتر الأب اشتروا أخاها لها ، ثم أربعتهن جميعا مع الأب والأخ اشتروا أمهم وهي امرأة الأب ، ثم مات الابن فإنما مات عن ابن وثلاث بنات فيكون الميراث بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين ( فإن قيل ) فقد مات عن امرأة أيضا قلت لا كذلك فالنكاح قد فسد حين ملك الأب جزء أمها فإن مات الأخ بعد ذلك فإنما مات عن أم وثلاث أخوات وولاء ثابت عليه لثلاثة نفر اثنان منهم حيان وواحد ميت فيكون للأم السدس وللأخوات الثلثان والباقي ، وهو السدس يكون بالولاء أثلاثا لكل ابنة ثلثا ذلك بين المشتريتين للأخ والثلث الآخر حصة ولاء الأب من المشتريتين وتقسيم المسألة من ستة وثلاثين أيضا ; لأن الباقي يقسم أثلاثا وثلثه ينقسم نصفين فيستقيم التخريج منه فإن ماتت الأم بعد ذلك فإنما ماتت عن ثلاث بنات ، وعن ولاء ثابت عليها لخمسة نفر ثلاثة منهم أحياء واثنان ميتان الأب والابن فيكون للبنات الثلثان وما بقي ينقسم بالولاء أخماسا فانكسر بالأثلاث والأخماس فالسبيل أن تضرب خمسة في ثلاثة فتكون خمسة عشر ، ثم خمس الثلث الذي هو نصيب الابن ينكسر أثلاثا بالولاء الذي عليه فتضرب خمسة عشر في ثلاثة فتكون خمسة وأربعين منه تصح المسألة للبنات الثلثان وما بقي ، وهو خمسة عشر ينقسم بالولاء أخماسا لكل بنت ثلاثة باعتبار ولاء نفسها وثلاثة باعتبار ولاء الابن فيكون مقسوما أثلاثا للمشتريتين للابن مع الأب لكل واحدة سهم وسهم للأب بولاء الابن وثلاثة أسهم له بولاء الأم ، ثم هذه الأربعة بين المشتريتين للأب نصفين بولائهما عليه لكل واحدة سهمان فحصل لكل واحدة من هاتين مرة عشرة ومرة ثلاثة ومرة سهمان فذلك خمسة عشر وللتي اشترت الابن مع هذا سهم آخر فذلك ستة عشر وللتي لم تشتر الأب عشرة بالنسب وثلاثة بولاء نفسها وسهم بولاء الابن فذلك أربعة عشر فإذا جمعت بين هذه السهام كانت خمسة وأربعين فاستقام التخريج ، والله أعلم .
[ ص: 43 ] ( فصل في ولاء الموالاة )
( قال رضي الله عنه ) : اعلم أن عقد الموالاة جائز يستحق به الميراث إذا لم يكن هناك أحد من القرابات ولا مولى العتاقة عندنا هو مذهب عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر رضوان الله عليهم أجمعين وعلى قول الشافعي هو باطل لا يستحق به الميراث ، وهو مذهب زيد وزعم بعضهم أنه قول علي رضي الله عنه أيضا فإن رجلا أتاه يسأله أن يعاقده عقد الموالاة فأوه الرجل ابن عباس ووالاه ولكن إيتاء لا يدل على أنه لا يرى جواز هذا العقد ، وإنما تنبني هذه المسألة على مسألتين إحداهما الوصية بجميع المال ممن لا وارث له صحيح عندنا خلافا له . ووجه البناء أن من لا وارث له فإنما يصرف ماله إلى بيت مال المسلمين والموصى له ساواهم في الإسلام وترجح بإيجاب الموصى له فكان هو أولى عندنا فكذلك الذي عاقده عقد الموالاة ، وعند الشافعي وارث من لا وارث له جماعة المسلمين فكما لا يملك إبطال حق الورثة بالوصية بجميع المال لا يملك إبطال حق جماعة المسلمين . والثاني أن أهل الديوان يتعاقلون بينهم عندنا خلافا له فلما كان إثبات الاسم في الديوان سببا لتحمل العقل فكذلك عقد الموالاة يكون سببا لتحمل العقل ، وإذا كان يتحمل به العقل يورث به أيضا ; لأن الغرم مقابل بالغنم ، وعلى سبيل الابتداء الشافعي احتج ، فقال : إن الملك بطريق الوراثة ليس يثبت ابتداء ، وإنما يثبت على سبيل الخلافة فيبقى للوارث ما كان ثابتا للمورث ، ولهذا يرد الوارث بالعيب ويصير مغرورا فيما اشتراه مورثه وبالعقد يثبت الملك ابتداء بسبب مقصود إلا أن يبقى ما كان من الملك الأول فلا يمكن إثبات ملكه بطريق الخلافة هنا بعقد الموالاة ; لأنه عقد باشراه ابتداء ولا يمكن إثبات الملك ابتداء ; لأن ذلك لا يكون وراثة ، وهذا بخلاف الوصية فإن ملك الموصى له لا يكون خلفا عن ملك الموصي بل هو ملك ثبت ابتداء ، ولهذا لا يرد بالعيب ولا يصير مغرورا فيما اشتراه الموصي ، ولأن أسباب الإرث معلومة شرعا وعقد الموالاة ليس من تلك الأسباب وحجتنا في ذلك قوله تعالى { والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم } يعني نصيبهم من الميراث والمراد عقد الموالاة بدليل ما سبق من قوله عز وجل { ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون } .
فكما أن المراد من ذلك بيان النصيب على سبيل الاستحقاق إرثا على سبيل البر والمعونة ابتداء فكذلك المراد بما جعله معطوفا عليه ; لأن حكم المعطوف حكم المعطوف عليه وليس المراد بقوله تعالى { عقدت أيمانكم } القسم بل المراد الصفقة باليمين فإن العادة [ ص: 44 ] أن المتعاقدين يأخذ كل واحد منهما يمين صاحبه إذا عاقده ويسمى العقد صفقة لهذا ، وفي حديث { تميم الداري رضي الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : إن الرجل ليأتيني فيسلم على يدي ويواليني ، فقال عليه السلام هو أخوك ومولاك فأنت أحق به محياه ومماته } يعني محياه في تحمل عقل الجناية عنه ومماته في الإرث عنه والمعنى في المسألة أن خلافة الوارث الموروث في ملكه إنما كانت على سبيل النظر للمالك فإن الظاهر أن الإنسان يؤثر قرابته على الأجانب في هذه الخلافة ، ولهذا قدمنا الأقرب على الأبعد ; لأنه يؤثر الأقرب على الأبعد عادة فما دام هناك أحد من قرابته فقد وجد النظر من الشرع له فوقع الاستغناء عن نظره لنفسه ، وإذا لم يكن هناك أحد من القرابة فقد وقعت الحاجة إلى نظره لنفسه فإذا فعل ذلك وعقد عقد الموالاة مع إنسان كان ذلك منه تصرفا في خالص حقه على سبيل النظر منه لنفسه فيكون صحيحا بمنزلة الوصية بثلث ماله .
( ألا ترى ) أن مثل هذا النظر منه لنفسه في حال حياته صحيح بتمليك المال من غيره بعوض وبغير عوض فكذلك في إثبات الخلافة لغيره بعد موته والحاصل أن كلام الخصم يرجع كله إلى عدم الدليل فإن إثبات هذه الخلافة بطريق العقد قصدا مشروع بالاتفاق ، وهو عقد النكاح فكأنه يقول لم يقم الدليل على أن بعقد الموالاة تثبت الوراثة ونحن نقول يجعل هذا العقد قائما مقام ما ورد به الشرع من الأسباب لإثبات الخلافة بالدليل الذي قلنا ، ثم بمجرد الإسلام على يدي غيره لا يصير مولى له ما لم يعاقده عقد الموالاة عندنا وقال بعضهم يصير مولى له ، وإن لم يعاقده لقوله عليه السلام { من أسلم على يد غيره فهو أخوه ومولاه } ، وفي رواية فهو أحق به في حياته ومماته ، ولأن في الإسلام معنى الحياة حكما كما في العتق فكما أن المعتق يثبت له الولاء على المعتق باكتساب سبب إحيائه فكذلك الذي دعاه إلى الإسلام تثبت له الولاية عليه باكتساب سبب إحيائه ولكنا نقول : في الحديث المروي زيادة فإنه قال عليه السلام { من أسلم على يد غيره ووالاه } فهذه الزيادة تبين أن بمجرد الإسلام على يده لا يصير مولى له .
والدليل عليه حديث تميم الداري فإنه قال : إن الرجل ليأتيني فيسلم على يدي ويواليني فدل أنه كان معروفا بينهم أن بمجرد الإسلام على يده لا تثبت الولاية عليه ، وهذا بخلاف ولاء العتق فإن سببه الإعتاق ، وإنما وجد ذلك من المعتق وهنا سبب حياته الإسلام ، وهو الذي أسلم بنفسه فلم يكن هذا الذي عرض عليه الإسلام هو المكسب سبب الحياة له فلا يثبت له عليه الولاء ما لم يعاقده إذا عرفنا هذا فنقول ولاء [ ص: 45 ] الموالاة يخالف ولاء العتق في فصول أحدها أن في ولاء العتاقة يرث الأعلى من الأسفل ولا يرث الأسفل من الأعلى وولاء الموالاة إنما يكون على ما يتفقان عليه حتى إذا اتفقا على توريث كل واحد منهما من صاحبه يثبت الحكم من الجانبين والفرق أن ولاء العتاقة سبب الإحياء وذلك إنما يوجد من الأعلى في حق الأسفل ولم يوجد من الأسفل في حق الأعلى وهنا السبب العقد والشرط فعلى الوجه الذي وجد الشرط يثبت الحكم ، والثاني أن ولاء العتق لا يحتمل النقض والفسخ وولاء الموالاة يحتمل ذلك ; لأن السبب هناك الإعتاق والإعتاق لا يحتمل النقض بعد ثبوته وثبوت الحكم على وفق السبب وهنا السبب الإيجاب بطريق التبرع ، وهو محتمل للنقض إلا أنه ينفرد بالفسخ ما لم يعقل عنه وبعد ما عقل عنه الجناية لا تنفرد بالفسخ ; لأنه ما لم يعقل جنايته فالعقد تبرع والمتبرع يملك الفسخ قبل حصول المقصود بغير رضاء الآخر ، فأما إذا تحمل عنه جنايته صار العقد معاوضة وأحد المتعاوضين لا ينفرد بفسخ المعاوضة من غير رضا الآخر وكما يملك أن يفسخ العقد يملك أن يتحول بولاية إلى غيره بأن يعاقد غيره عقد الولاء فيفسخ العقد بينه وبين الأول وبعد ما عقل جنايته لا يملك ذلك .
وكذلك الذي لم يوال أحدا إذا جنى جناية وعقل بيت المال جنايته فإنه لا يملك عقد الموالاة مع أحد بعد ذلك ; لأنه صار ولاؤه لبيت المال وتأكد ذلك بعقل الجناية فلا يملك إبطاله بخلاف ما قبل أن يعقل بيت المال جنايته ومن وجه آخر الفرق بين هذا وبين ولاء العتاقة أن مولى العتاقة آخر العصبات مقدم على ذوي الأرحام ومولى الموالاة مؤخر عن ذوي الأرحام ; لأن الشرع أثبت العصوبة لمولى العتاقة بقوله عليه السلام { كنت أنت عصبته } والعصبة مقدمة على ذوي الأرحام وهنا الموت هو الذي أوجب هذه الصلة له بعقده فيكون بمنزلة الوصية بجميع ماله وذلك يمتنع لحق ذوي الأرحام كما يمتنع لحق العصبات فكذلك الميراث بهذا الولاء فقلنا ما دام هناك أحد من ذوي الأرحام فلا شيء لمولى الموالاة
ولو أنه والى رجلا وعاقده ، ثم أقر بأخ أو ابن عم ، ثم مات فميراثه لمولى الموالاة ; لأن إقراره بالأخوة والعمومة باطل فإنه يحمل به النسب على غيره وإقراره ليس بحجة على غيره .
وأما عقد الموالاة تصرف منه في حق نفسه ، وهو من أهل التصرف في حق نفسه ابتداء والسبب الباطل لا يزاحم السبب الصحيح .
وحكم الولد بين رجلين في ميراثه من كل واحد منهما حكم ولد كامل له خاصة يعني أن الجارية بين رجلين إذا جاءت بولد فادعياه حتى ثبت النسب منهما فإنه يرث من كل واحد [ ص: 46 ] منهما ميراث ابن كامل ويزاحم سائر أولاد كل واحد منهما ; لأنه ابن كامل له لقول عمر وعلي رضي الله عنهما هو ابنهما يرثهما ويرثانه ، ولأن البنوة لا تحتمل التجزيء ، فأما أن يمتنع ثبوته عند المعارضة أو يتكامل ولم يمتنع ثبوته هنا فعرفنا أنه تكامل في حق كل واحد منهما . ولو مات هذا الولد فلهما منه جميعا ميراث أب واحد عندنا بينهما نصفان وقال زفر لكل واحد منهما ميراث أب كامل ; لأن الأبوة لا تحتمل التجزيء كالبنوة ومن ضرورة كونه ابنا كاملا لكل واحد منهما أن يكون كل واحد منهما أبا كاملا ولكنا نستدل بقوله تعالى { ولأبويه لكل واحد منهما السدس } والمراد ههنا الأب والأم فهذا تنصيص على أنه يستحق السدس بالأبوة مع الابن فالقول باستحقاق السدس بالأبوة مع الابن يكون بخلاف هذا النص ، ولأن الأب في الحقيقة أحدهما ، وهو المخلوق من مائه فإنا نتيقن أنه غير مخلوق من الماءين ولكن لأجل المعارضة والمساواة جعلناه منسوبا إليهما ، وإذا علمنا أن الأب أحدهما قلنا لا يستحق من ماله بالأبوة إلا ميراث أب واحد ، وهذا بخلاف الابن ; لأن المعارضة في جانبه لا تتحقق ، وإنما تتحقق في جانبهما حتى إذا انعدمت المعارضة في جانبهما بأن مات أحدهما ، ثم مات الابن كان الباقي منه ميراث أب كامل ، وهو معنى قول عمر وعلي رضي الله عنهما وهو الباقي منهما ، وهذا لأن المزاحمة لم تبق بعد موت أحدهما فيرثه الآخر ميراث ابن كامل .
رجل وعم له ادعيا ابنة جارية بينهما ، ثم مات العم وترك أباه فللابنة النصف الباقي للأب بالفرض والعصوبة ، وإن مات الابن وترك هذه الابنة فلها النصف والباقي للجد في قول أبي حنيفة ، وإن مات الجد وترك هذه المدعاة وعصبته فلها النصف والباقي للعصبة ; لأنها ابنة ابنه من وجه وابنة ابن ابنه من وجه ولكن الثابت أحد الأمرين لا كلاهما ، فأما أن نقول بنت الأقرب أو نقول هي لا تستحق إلا النصف سواء كان الثابت أقرب الجهتين أو أبعدهما ، وإنما أوردنا هذا لبيان أنها ليست تثبت لكل واحد منهما بكماله فإنها لو كانت كذلك لاستحقت الثلثين النصف بكونها ابنة ابن والسدس بكونها ابنة ابن ابنه فقد بينا فيما سبق أن عند اجتماع السببين في شخص يستحق الميراث بكل واحد منهما وهنا لا يكون لها إلا النصف فعرفنا أن الثابت في الحقيقة أحد السببين وأن الأب أحدهما ، والله أعلم بالصواب .
باب ميراث القاتل
( قال رضي الله عنه ) : اعلم بأن القاتل بغير حق لا يرث من المقتول شيئا عندنا سواء قتله [ ص: 47 ] عمدا أو خطأ وقال مالك إن قتله خطأ فله الميراث لا من الدية .
وأما في العمد لا ميراث له لما روي أن { النبي صلى الله عليه وسلم قضى بأن لا ميراث للقاتل } ، وعن عمر رضي الله عنه قال : لا ميراث لقاتل ، وعن عبيدة السلماني رضي الله عنه لا ميراث لقاتل بعد صاحب البقرة يعني بقرة بني إسرائيل ، وهو الإشارة إلى المعنى فذلك القاتل قصد استعجال الميراث فصار أصلا أن كل قاتل قصد استعجال الميراث ولو توهم في القتل العمد ذلك منه فإنه يحرم الميراث عقوبة له أورد لقصده عليه فهذا المعنى موجود في القتل العمد ، فأما في الخطأ قال مالك لم يوجد منه القصد إلى قتل مورثه واستعجال الميراث ينبني على ذلك ، ثم الخاطئ معذور فلا يستحق العقوبة والخطأ موضوع رحمة من الشرع فلا يثبت به حرمان الميراث إلا أنه لا يرث من الدية ; لأن عاقلته يتحملون عنه الدية فلو ورث من ذلك لتحملوا عنه وذلك لا يجوز وحجتنا في ذلك أن الحرمان جزاء القتل المحظور شرعا والقتل من الخاطئ محظور ; لأن ضد المحظور المباح والمحل غير قابل للقتل المباح إلا جزاء على جريمة وكما لا يتصور الفعل في غير محل لا يتصور المباح في غير محل الإباحة فقلنا إن هذا القتل محظور ، ولهذا تتعلق به الكفارة وهي ساترة للذنب ومع كونه موضوعا شرعا لما جاز أن يؤاخذ بالكفارة فكذلك جاز أن يؤاخذ بحرمان الميراث ، وهذا لأن تهمة القصد إلى الاستعجال قائمة فمن الجائز أنه كان قاصدا إلى ذلك وأظهر الخطأ من نفسه فيجعل هذا التوهم كالمتحقق في حرمان الميراث .
وكذلك كل قاتل هو في معنى الخاطئ كالنائم إذا انقلب على مورثه لتوهم أنه كان يتناوم وقصد استعجال الميراث .
وكذلك إن سقط من سطح على مورثه فقتله أو وطئ بدابته مورثه ، وهو راكبها ; لأنه مباشر للقتل فإنما مات المقتول بفعله ويتوهم قصده إلى الاستعجال فكان القاضي الجليل رحمه الله يقول الدابة في يد راكبها يسيرها كيف يشاء فهي بمنزلة حجر في يده وخرجه على مورثه فقتله
. فأما القاتل بسبب كحافر البئر وواضع الحجر في الطريق ومن أخرج ظلة أو جناحا فسقط على مورثه فقتله فإنه لا يحرم من الميراث عندنا ، وعلى قول الشافعي يحرم الميراث ; لأنه قاتل بغير حق ودليل كونه قاتلا وجوب الدية على عاقلته بمنزلة الخاطئ ولكنا نقول ليس هنا يوهم القصد إلى الاستعجال ; لأنه بما أحدث من السبب لم يقصد قتل مورثه ولا يدري أن مورثه يمر في ذلك الموضع ويقع في البئر أو يسقط عليه الجناح ، ثم حرمان الميراث جزاء مباشرة القتل المحظور ، وهذا المسبب ليس بقاتل .
( ألا ترى ) أنه لو فعل هذا في ملكه لم يكن مؤاخذا [ ص: 48 ] بشيء والقاتل مؤاخذ بفعله سواء كان في ملكه أو في غير ملكه كالرامي ، ولأن القتل لا يتم إلا بمقتول ، وقد انعدم المقتول عند الحفر فلا يصير هو بالحفر قاتلا ولا يجوز أن يصير قاتلا عند الوقوع ; لأن الحافر قد يكون ميتا عند وقوع الواقع في البئر فكيف يكون الميت قاتلا ، وإذا ثبت أنه ليس بقاتل لم يكن عليه جزاء القتل من حرمان الميراث والكفارة ووجوب الدية عليه لصيانة دم المقتول عن الهدر وذلك لا يدل على أنه قاتل كما في الدية تجب على العاقلة ولا تدل على أن العاقلة قاتلون
وأما الصبي والمجنون إذا قتل مورثه لم يحرم الميراث عندنا ، وعند الشافعي يحرم الميراث لوجود القتل بغير حق وأكثر ما في الباب أن يكون فعلهما كفعل الخاطئ والخاطئ يحرم الميراث فكذلك الصبي والمجنون ولكنا نقول هذا جزاء القتل المحظور وفعلهما لا يوصف بالحظر شرعا ; لأن الفعل المحظور ما يجب الامتناع عنه بخطاب الشرع وذلك لا يثبت في حقهما ، ثم حرمان الميراث باعتبار توهم القصد إلى الاستعجال ولا يعتبر بقصد الصبي والمجنون شرعا إذ حرمان الميراث إنما يكون باعتبار تقصير منه في التحرز وذلك يتحقق من الخاطئ ; لأنه من أهل أن ينسب إلى التقصير ولا يتحقق من الصبي والمجنون فإنهما لا ينسبان إلى التقصير شرعا
. فأما الأب إذا ختن ولده أو حجمه أو بط قرحة به فمات من ذلك لم يحرم الميراث ; لأن هذا فعل مباح له شرعا وحرمان الميراث جزاء القتل المحظور فهو وما لو قتل مورثه بحق سواء .
ولو أدب ولده بالضرب فمات من ذلك فعلى قول أبي حنيفة يضمن ديته ويحرم الميراث ، وعلى قول أبي يوسف ومحمد لا يضمن شيئا ولا يحرم عن الميراث ولو أن المعلم هو الذي ضربه بإذن الأب فمات لم يضمن شيئا بالاتفاق قال رحمه الله ، وهذا عند أبي حنيفة ترك لقوله قبل هذا من دعوى المناقضة على قول أبي حنيفة وقيل بل هو استدلال على رجوعه عن جوابه في الفصل الأول ، وهذا هو الأصح فإن المعلم لو أدبه بغير إذن أبيه فمات كان ضامنا فإذا أدبه بإذنه لم يضمن فلما كان لأمره تأثير في إسقاط الضمان عن المعلم عرفنا أنه لا يجب عليه الضمان إذا ضربه بنفسه ، وهذا لأن التأديب يباح له شرعا كالختان والحجامة ومن حمل المسألة على الاختلاف فوجه قولهما هذا ووجه قول أبي حنيفة ; لأن الأب إنما يؤدب ولده لمنفعة نفسه وما يباح للمرء شرعا لمنفعة نفسه يتقيد بشرط السلامة كتعزير الزوج زوجته والرمي إلى الصيد والمشي في الطريق ، وبيان الوصف أن الأب لا يعزر بسوء أدب ولده ، وإنما يزجره عن ذلك لدفع العار واللوم عن نفسه وبه فارق المعلم فإنه لا يؤدب الصبي لمنفعة نفسه فإذا [ ص: 49 ] صار مباحا له شرعا لم يتقيد عليه بشرط السلامة وبه فارق الختان والحجامة ; لأن ذلك لمنفعة الولد فإن الطهرة به تحصل للولد لا للأب فلهذا لا يتقيد بشرط السلامة بل يجعل فعل الآمر به كفعله بنفسه يوضحه أن الأب يغيظه سوء أدب ولده وربما يحمله الغيظ على المبالغة في تأديبه وترك الاحتياط فلهذا يتقيد بشرط السلامة ، وهذا المعنى لا يوجد في الختان والحجامة ولا في المعلم إذا أدبه بإذن الأب ، ثم دية المقتول تكون ميراثا عنه لجميع ورثته كسائر أمواله عندنا ومن الناس من قال ليس للزوج والزوجة من الدية نصيب ; لأن وجوب الدية بعد الموت والزوجية ترتفع بالموت بخلاف القرابة ولكنا نستدل بحديث الضحاك أن { شيبان الكلابي رضي الله عنه قال : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أورث امرأة أشيم الضبابي من عقل زوجها أشيم } ، ولأن الدية مال الميت حتى تقضى بها ديونه وتنفذ منها وصاياه فيرثها عنه من يرث سائر أمواله ، وإنما استحقاق الميراث باعتبار زوجية قائمة إلى وقت الموت منتهية بالموت لا باعتبار زوجية قائمة في الحال ، وفي هذا المعنى الدية بمنزلة سائر الأموال .
إذا عرفنا هذا فنقول ثلاثة إخوة قتل أحدهم أباه عمدا فللباقيين أن يقتلاه ; لأن السبب الموجب للقود ، وهو العمد قد تحقق منه ولا نصيب له في ذلك ; لأن القاتل محروم عن الميراث فإن مات أحد الأخوين الباقيين لم يكن للباقي أن يقتله ; لأن نصيب الميت من القصاص صار ميراثا بموته بين إخوته والقاتل يرث أخاه ; لأنه ليس بقاتل له فلا يحرم الميراث عنه ، وإذا ورث جزءا من القصاص الواجب عليه سقط ذلك وانقلب نصيب الآخر مالا فعليه ثلاثة أرباع الدية في ماله للأخ الباقي في ثلاث سنين .
( ألا ترى ) أنه لو عفا أحدهما انقلب نصيب الآخر مالا فكذلك إذا سقط جزء من القصاص عن القاتل باعتبار أنه ملكه بالميراث .
ولو أن أخوين وأختا لأب وأم قتل أحد الأخوين الأم عمدا والزوج وارث معهم ، وهو أبوهم فللأخ الباقي والأخت والزوج أن يقتلوا القاتل ; لأن القاتل محروم عن ميراث أمه بالقتل ، وإن لم يقتلوه حتى مات الأخ الباقي فللأخت والزوج أن يقتلا القاتل ; لأن الأخ الباقي مات عن أخت وأخ وأب فيكون نصيبه للأب والأخت ولا شيء للأخ من نصيبه فلا يرث القاتل شيئا من القصاص بموت أخيه فإن مات الأب بعد ذلك لم يكن للأخت أن تقتله ; لأن نصيب الأب من القصاص صار ميراثا بين القاتل وأخته فلا يكون محروما عن ميراثه ويكون لها عليه نصف الدية ; لأن الأب كان ورث من امرأته الربع ، وهو ثلاثة من اثني عشر وما بقي ، وهو تسعة بين الأخ والأخت أثلاثا للأخ [ ص: 50 ] ثلثاه ستة وللأخت ثلاثة فلما مات الأخ صار نصيبه للأب فإنما مات الأب عن تسعة فيكون ذلك بين الابن والابنة أثلاثا للابن ستة وللابنة ثلاثة فعرفنا أنه اجتمع للأخت ستة من اثني عشر وذلك النصف فلهذا كان لها عليه نصف الدية .
ولو أن أخوين وأختا قتل أحد الأخوين أبوهم وقتل الآخر أمهم فإن قاتل الأم يقتل قاتل الأب مع الأخت ولا يقتله قاتل الأب ; لأنه كان مستوجبا للقصاص وللأم من ذلك نصيب فلما قتل الآخر الأم صار بعض ذلك ميراثا منها لقاتل الأب ; لأنه ليس بقاتل للأم فلهذا سقط عنه القصاص وقاتل الأم قد لزمه القصاص ولم يسقط عنه شيء من ذلك بملكه فيقتل قصاصا ويغرم قاتل الأب للأخت ثمانية وثلاثين سهما من اثنين وسبعين سهما من الدية ; لأن الأب خلف امرأة وابنا وابنة فتكون القسمة من أربعة وعشرين للمرأة ثلاثة وللابن أربعة عشر وللابنة تسعة فحين قتل الآخر الأم فنصيبها ميراث بين قاتل الأب والابنة أثلاثا فحصل للابنة ثمانية ، ثم لما قتل قاتل الأم قصاصا صار نصيبه ، وهو أربعة عشر ميراثا بين الأخ والأخت أثلاثا ، وهو لا يستقيم فتضرب أربعة وعشرين في ثلاثة فتكون اثنين وسبعين ، وكان للابنة ثمانية مضروبة في ثلاثة فذلك أربعة وعشرون ، وكان الذي لا يستقيم بينها وبين الابن أربعة عشر مضروبة في ثلاثة فتكون اثنين وأربعين لها من ذلك الثلث أربعة عشر فإذا ضممت أربعة عشر إلى أربعة وعشرين تكون ثمانية وثلاثين فلهذا قال : يغرم لها ثمانية وثلاثين سهما من اثنين وسبعين سهما من الدية ويبطل عنه ما سوى ذلك ستة بالميراث عن أمه وثمانية وعشرون بالميراث عن أخيه ، والله أعلم بالصواب
باب ميراث الحمل
( قال رضي الله عنه ) : اعلم بأن الحمل من جملة الورثة إذا علم بأنه كان موجودا في البطن عند موت المورث وانفصل حيا ، وإنما يعلم وجوده في البطن إذا جاءت به لأقل من ستة أشهر منذ مات المورث ; لأن أدنى مدة الحمل ستة أشهر ، وإن جاءت به لأكثر من ستة أشهر فلا ميراث له إذا كان النكاح قائما بين الزوجين ، وإن كانت معتدة فحينئذ إذا جاءت به لأقل من سنتين منذ وقعت الفرقة بموت أو طلاق فهو من جملة الورثة ، وإن جاءت به لأكثر من ستة أشهر منذ مات المورث فإنما يرث إذا انفصل حيا وطريق معرفة ذلك أن يستهل صارخا أو يسمع منه عطاس أو يتحرك بعض أعضائه بعد الانفصال فإن خرج بعضه فتحرك قلنا إن [ ص: 51 ] خرج أكثره فتحرك عضو من أعضائه دليل على أنه حي ، وإن خرج أقله فكذلك لا يكون دليل كونه حيا ، وإنما شرطنا وجوده في البطن عند موت المورث ; لأن الوراثة خلافة والمعدوم لا يتصور أن يكون خلفا عن أحد فأدنى درجات الخلافة الوجود .
( فإن قيل ) الخلافة لا تتحقق إلا باعتبار صفة الخلافة ; لأن الميت لا يكون خلفا عن الميت وأنتم لا تعتبرون ذلك بل تقولون ، وإن كان نطفة في الرحم عند موت المورث فإنه يكون من جملة الورثة ولا حياة في النطفة قلنا نعم تلك النطفة في الرحم ما لم تفسد فهي معدة للحياة ولأن يكون منها شخص حي فيعطى لها حكم الحياة باعتبار المآل كما يعطى للبيض حكم الصيد في وجوب الجزاء على المحرم إذا كسره ، وإن لم يكن فيه معنى الصيدية ، ولهذا قلنا بأن إعتاق ما في البطن صحيح والوصية له صحيحة ، وإن كانت نطفة في الرحم باعتبار الحال ولكن يعتبر المآل فكذلك هنا يعتبر المآل فكذلك يكون من جملة الورثة ولما جعلنا الجنين في البطن كالمنفصل في منفعة المالكية بالإرث اعتبارا لمآله فكذلك النطفة تجعل كالنفس الحية باعتبار المآل ، ثم الأصل أن العلوق يستند إلى أقرب الأوقات إلا في موضع الضرورة ; لأن المتيقن به ذلك ، وفي حال قيام النكاح لا ضرورة فاستندنا إلى أقرب الأوقات وذلك ستة أشهر ، فأما بعد ارتفاع النكاح بنا حاجة إلى إسناد العلوق إلى أقرب الأوقات لإثبات النسب ، وإذا أسندنا إلى ذلك الوقت فقد حكمنا بأنه كان موجودا في البطن عند موت المورث ، وعلى هذا الأصل لو قال لأمة لها زوج أنت حرة فجاءت بولد لستة أشهر أو أقل فإن ولاء الولد لمولى الأم ; لأنه كان موجودا عند إعتاق الأم فصار مقصودا بالعتق ، وإن جاءت به لأكثر من ستة أشهر فولاؤه لموالي الأب ; لأنه لو لم يكن موجودا عند إعتاق الأم بتيقن فيكون هو في حكم الولاء تبعا ولو كان الزوج طلقها تطليقتين ، ثم أعتقها مولاها فجاءت بولد لأقل من سنتين من وقت الطلاق فإن الولد يكون مولى لموالى الأم ; لأنا حكمنا بكونه وقت الإعتاق حين أثبتنا نسبه من الزوج فيصير الولد مقصودا بالعتق ، وإنما شرطنا في التوريث انفصال الولد حيا ; لأن عند موت المورث لا يمكن معرفته حقيقة ولكن إذا انفصل حيا كان ذلك دليلا للحياة يومئذ وتحركه في البطن غير معتبر لكون تحرك البطن محتملا قد يكون من الريح ، وقد يكون من الولد أما إذا انفصل واستهل فهو دليل حياته وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { إذا استهل الصبي ورث وصلي عليه } .
وكذلك روي عن علي رضي الله عنه والعطاس دليل حياته بمنزلة الاستهلال وتحرك بعض الأعضاء [ ص: 52 ] كذلك ، وإذا كان الخارج بعضه فنقول إن كان الخارج هو الأكثر فحكم الأكثر حكم الكل وكأنه خرج كله ، ثم خرج بعض أعضائه ، وإن كان الخارج أقله فكأنه لم يخرج منه شيء بعد إذ الأقل تبع للأكثر بدليل حكم النفاس .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|