
30-12-2025, 05:06 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,565
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثلاثون
صـــ32 الى صـــ 41
(605)
وأما ابن أبي ليلى ، فقال : إن اليهود والنصارى اتفقوا على دعوى التوحيد ، وإنما اختلفت نحلهم في ذلك واتفقوا على الإقرار بنبوة موسى عليه السلام والتوراة بخلاف المجوس فإنهم لا يدعون التوحيد ، وإنما يدعون الاثنين يزدان وأهرمن ولا يقرون بنبوة موسى ولا بكتاب منزل ولا يوافقهم اليهود والنصارى على ذلك فكانوا أهل ملتين والدليل عليه حل الذبيحة والمناكحة فإن اليهود والنصارى في ذلك كشيء واحد بخلاف المجوس وحجتنا في ذلك أن الله تعالى جعل الدين دينين الحق والباطل ، فقال الله عز وجل { لكم دينكم ولي دين } وجعل الناس فريقين فقال فريق في الجنة وهم المؤمنون وفريق في السعير ، وهم الكفار بأجمعهم وجعل الخصم خصمين ، فقال جل جلاله { هذان خصمان اختصموا في ربهم } يعني الكفار أجمع مع المؤمنين والدليل عليه أنا نسلم أنهم فيما بينهم أهل ملل فيما يعتقدون ولكن عند مقابلتهم بالمسلمين أهل ملة واحدة ; لأن المسلمين يقرون برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن وهم ينكرون ذلك بأجمعهم وبه كفروا فكانوا في حق المسلمين أهل ملة واحدة في الشرك ، وإن اختلفت نحلهم فيما بينهم .
وكذلك من يعبد منهم صنما ومن يعبد صنما آخر ويكفر كل واحد منهم صاحبه فهم أهل ملة واحدة ، وإن اختلفت نحلهم فكذلك الكفار بأجمعهم وكانوا في هذا كأهل الأهواء من المسلمين ، وفي قوله عليه السلام {لا يتوارث أهل ملتين } إشارة إلى ما بينا فإنه فسر الملتين بقوله لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم ففي تنصيصه على الوصف العام في موضع التفسير بيان أنهم في حكم التوريث أهل ملة واحدة وحل الذبيحة والمناكحة لا يقوي الاستدلال بها فإن المسلمين مع اليهود والنصارى استووا في حكم حل الذبيحة والمناكحة ، ثم لم يكن دليل على اتفاق الملة بينهم فكذلك اختلاف المجوس مع أهل الكتاب في حل الذبيحة والمناكحة لا يكون دليلا على اختلاف الملة فيما بينهم ، وكان المعنى فيه أن شرط حل الذبيحة تسمية الله تعالى على الخلوص والكتابي من أهل ذلك ; لأنهم يظهرون دعوى التوحيد ، وإن كانوا يضمرون في ذلك بعض الشرك فلتحقق وجود الشرط [ ص: 33 ] في حقهم حلت ذبائحهم بخلاف المجوس فإنهم لا يدعون التوحيد فلا تصح منهم تسمية الله تعالى على الخلوص ، وهو شرط الحل ، ثم ينقطع التوارث فيما بينهم بسبب اختلاف الدار حقيقة وحكما
. حتى أن الذمي إذا مات لا يرثه قرابته من أهل الحرب .
وكذلك لا يرث هو قريبه الحربي ; لأن الذمي من أهل دار الإسلام وبتباين الدار تنقطع العصمة .
( ألا ترى ) أن عصمة النكاح تنقطع بتباين الدارين حقيقة وحكما فكذلك تنقطع الولاية فينقطع التوارث أيضا باعتبار أن من مات في دار الحرب يجعل في حق من هو من أهل دار الإسلام كالميت .
وكذلك المستأمن في دار الإسلام لا يجري التوارث بينه وبين الذمي ; لأنه ، وإن كان وارثا حقيقة فهو من أهل الحرب حكما حتى يتمكن من الرجوع إلى دار الحرب ولا يترك ليستديم المقام في دار الإسلام ، ولهذا لا تبين منه زوجته التي في دار الحرب ويجري التوارث بين هذا المستأمن وبين أقاربه من أهل دار الحرب لهذا المعنى حتى إذا مات يوقف ماله حتى يأتي دارنا فيأخذه ; لأنا أعطيناه الأمان في ماله ونفسه فبعد موته يبقى حكم الأمان في ماله لحقه لا لحق ورثته التي في دار الحرب ; لأن اتصال ماله إلى ورثته من حقه فيمنع ذلك صرف ماله إلى بيت المال .
بخلاف الذمي إذا مات ولا وارث له من أهل الذمة فإن أهل الحرب لا يرثونه شيئا ومال الميت الذي لا وارث له يصرف إلى بيت المال كالمسلم الذي لا وارث له إذا مات
. وأهل الحرب فيما بينهم لا يتوارثون إذا اختلفت منعتهم وملكهم بخلاف المسلمين فإن أهل العدل مع أهل العدل يتوارثون فيما بينهم ; لأن دار الإسلام دار أحكام فباختلاف المنعة والملك لا تتباين الدار فيما بين المسلمين ; لأن حكم الإسلام يجمعهم ، فأما دار الحرب ليست بدار أحكام ولكن دار قهر فباختلاف المنعة والملك تختلف الدار فيما بينهم وبتباين الدار ينقطع التوارث .
وكذلك إذا خرجوا إلينا بأمان ; لأنهم من أهل دار الحرب ، وإن كانوا مستأمنين فينا فيجعل كل واحد في الحكم كأنه في منعة ملكه الذي خرج منها بأمان بخلاف ما إذا صاروا ذمة فإنهم صاروا من أهل دار الإسلام فيتوارثون فيما بينهم بعد ذلك كما لو أسلموا فإنه يجوز التوارث بينهم ، وإن اختلفت منعتهم في حالة الكفر ، والله أعلم بالصواب .
صل في ميراث المجوس
( قال عمر وعلي رضي الله عنهما ) في المجوسي إذا كان له قرابتان فإنه يستحق الميراث [ ص: 34 ] بهما ويكون اجتماع القرابتين في شخص واحد كافتراقهما في شخصين ، وهو قول علمائنا رحمهم الله ، وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول لا يرث الواحد بالقرابتين ، وإنما يرث بالأقرب منهما ، وهكذا يرويه بعض الرواة عن زيد فإن خارجة بن زيد يروى عن أبيه مثل هذا والفرضيون اتفقوا على أن هذه الرواية لا تصح عن زيد ، وقد حفظت الرواية عنه في ثلاثة أعمام أحدهم أخ لأم أن للأخ لأم السدس بالأخوة والباقي بينهم أثلاثا بالعمومة ، وإنما يتصور هذا في حق المجوسي بأن يكون للمجوسي ثلاثة بنين للابن الأكبر منهم امرأة فولد له منها ولد ، ثم مات الأكبر فتزوجها المجوسي فولد له منها ولد ، ثم مات المجوسي ، ثم مات الولد الأكبر فقد ترك ثلاثة أعمام أحدهم أخ لأم ، وقد ورثه زيد رضي الله عنه بالسببين جميعا فعرفنا أن مذهبه كمذهب عمر وعلي رضي الله عنهم ومن العلماء من قال : إنما يرث أوفر النصيبين ومنهم من قال : إنما يرث بالسبب الذي يتحقق مثله فيما بين المسلمين دون السبب الذي لا يتحقق مثله فيما بين المسلمين وجه قول من اختار قول ابن مسعود أن توريثه بالسببين يؤدي إلى أن يستحق شخص واحد فرضين مختلفين وذلك لا يجوز
. ( ألا ترى ) أن الأخت لأب وأم مع الأخت لأب لا ترث فرضين بالأختية لأم وبالأختية لأب .
وكذلك الجدة لا ترث فرضين إن كانت جدة من جهتين على ما بينا من أصل أبي يوسف فإذا كان هذا لا يثبت فيما بين المسلمين مع تحقيق السببين فكذلك فيما بينهم بخلاف ابن العم الذي هو أخ لأم أو زوج ; لأن هناك إنما يجمع له بين الفرضية والعصوبة وذلك لا يستقيم كالأب مع الابنة يكون صاحب فرض وعصبة ، وإنما لا يجوز الجمع بين الفرضين ; لأن الله تعالى بين نصيب كل صاحب فريضة ففي الجمع بين الفرضين زيادة على ذلك بالسبب الذي ثبت به فريضته نصا وذلك لا يجوز ، ثم هذا يؤدي إلى أن يكون المرء حاجبا نفسه وذلك ممتنع .
. فإنه إذا تزوج المجوسي ابنته فولد له ولد وللمجوسي ابنة أخرى ، ثم مات المجوسي ، ثم مات هذا الولد فقد مات عن أم هي أخته لأبيه ، وعن أخت أخرى لأب فلو اعتبرنا السببين في حق شخص واحد لكان للأم السدس بالفريضة فتكون حاجبة نفسها من الثلث إلى السدس وذلك لا يجوز . إذا عرفنا هذا فنقول لما تعذر توريثه بالسببين رجحنا الأقرب منهما ; لأن الإرث ينبني على القرب فيقدم الأقرب من الأسباب على أبعدها ومن قال : يرث أوفر النصيبين قال : الأقل يدخل في الأكثر ومن قال : يرث بالسبب الذي يتحقق به التوارث بين المسلمين قال : أن هذا السبب ثابت على [ ص: 35 ] الإطلاق في حقهم ، وفي حق المسلمين فلا يعارضه السبب الذي لا يكون ثابتا فيما بين أهل الإسلام .
( ألا ترى ) أنهم لا يتوارثون بالأنكحة التي لا تتحقق فيما بين المسلمين كنكاح المحارم ، وإن كان لتلك الأنكحة فيما بينهم حكم الصحة حتى يتعلق بها استحقاق النفقة ولا يسقط الإحصان باعتبارها وحجتنا في ذلك قوله تعالى { ، وإن كانت واحدة فلها النصف } وقال عز وجل { وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس } ، والله تعالى جعل سبب الاستحقاق الوصف الذي نص عليه من البنتية والأختية ، وقد تحقق اجتماع هذين الوصفين في شخص واحد حقيقة وحكما فيثبت له الاستحقاق بهما بمنزلة ما لو تفرق ذلك في شخصين .
. ( ألا ترى ) أن ابن العم إذا كان زوجا وأخا لأم فإنه يرث بالسببين جميعا ولا معنى للفرق الذي قالوا فإن الاستحقاق بالعصوبة يزيد في فريضة شخص هو صاحب فرض كما أن الاستحقاق بالفرضية يزيد في ذلك ، ثم لما جاز أن يستحق بالفرضية والعصوبة لاجتماع السببين في حقه فكذلك يجوز أن يستحق بالفرضية باعتبار السببين لما اجتمعا في حقه بخلاف الأخت لأب وأم مع الأخت لأب فهناك ما اجتمع سببان ; لأن السبب الأختية وبقرابة الأم يتقوى هذا السبب ولا يتعدد .
وكذلك الجدة فالاستحقاق بهذا الاسم ، وهو أنها جدة لا يزداد ذلك في حق من كانت جدة من جهتين ، فأما هنا الاستحقاق بالبنتية والأختية والأمية وهذه الأسباب مختلفة سواء اجتمعت في شخص واحد أو افترقت في أشخاص ولا أثر لكونه شخصا في الاستحقاق باتحاد الشخص لاختلاف الأشخاص في الاستحقاق بهذه الأسباب ، فأما الأنكحة فنقول إن تلك الأنكحة ليست بثابتة في حكم الإسلام على الإطلاق .
( ألا ترى ) أنه لا بقاء لها بعد الإسلام بحال بخلاف الأنساب فإنها ثابتة بحكم الإسلام حتى إنها تبقى بعد الإسلام ولا تنقطع والدليل عليه أن استحقاق الإرث لا يكون بنفس النكاح بل بنكاح صحيح مطلقا ينتهي بالموت ونكاح ذوات المحارم فيما بينهم ليس بهذه الصفة ، فأما النسب يستحق بها الميراث سواء كان نسبه في الأصل حراما أو حلالا
( ألا ترى ) أن النسب إذا ثبت بنكاح فاسد أو وطء بشبهة يستحق به التوارث يوضحه أن لتلك الأنكحة حكم الصحة باعتبار اعتقادهم واعتقادهم معتبر فيما يكون دافعا عنهم لا فيما يكون ملزما بغيرهم وفي الإرث الاستحقاق يثبت ابتداء بطريق الصلة فاعتقادهم لا يصلح حجة في ذلك بخلاف بقاء الإحصان والنفقة فكان ذلك في معنى الدفع عنهم ، وقد قررنا هذا الفرق في كتاب النكاح
إذا عرفنا هذا جئنا إلى بيان المسائل فنقول مجوسي [ ص: 36 ] مات عن أم وابنة هي أخته لأم وصورته فيما إذا تزوج المجوسي أمه فولدت له بنتا ، ثم مات المجوسي فقد مات عن أم هي زوجته ، وعن بنت هي أخته لأمه فلا ترث الأم بالزوجية شيئا ولا الابنة بالأختية لأم ; لأن الأخت للأم لا ترث مع الابنة ولكن للأم السدس باعتبار الأمومة وللابنة النصف والباقي للعصبة فإن لم يكن له عصبة فالباقي رد عليهما أرباعا
ولو أن مجوسيا تزوج أمه فولدت ابنا وابنة ، ثم فارقها فتزوجها ابنه فولدت له بنتا ، ثم مات المجوسي فقد مات عن أم وعن ابن وابنة ابن فيكون للأم السدس باعتبار الأمية والباقي بين الابن والابنة للذكر مثل حظ الأنثيين ولا شيء لابنة الابن فإن مات الابن فإنما مات الابن عن زوجة هي جدته أم ابنه وهي أمه وعن ابنة هي أخته لأمه ، وعن أخت لأب وأم فلا شيء للأم بالزوجية ولا بكونها جدة ; لأن الجدة لا ترث مع الأم ولكن لها السدس بالأمية وللابنة النصف بالبنتية ولا شيء لها بالأختية لأم وللأخت ما بقي بالعصوبة فإن لم يمت الابن ولكن ماتت الابنة الكبرى فقد ماتت عن أم هي جدتها أم أبيها ، وعن أخ لأب وأم ، وعن ابنة أخ هي أختها لأمها فللأم السدس بالأمية ; لأن معها أخا لأب وأم وأختا لأم وهما يردان الأم من الثلث إلى السدس ولابنة الأخ السدس بالأختية لأم والباقي للأخ لأب وأم بالعصوبة ، وإن كانت الابنة الصغرى هي التي ماتت فإنما ماتت عن أم هي جدتها أم أبيها ، وعن عمة هي أختها لأمها ، وعن أب هو أخوها لأمها فللأم السدس ; لأن معها أخا وأختا لأم والباقي للأب ; لأن الإخوة والأخوات لا يرثون شيئا مع الأب ولا شيء للابن بالزوجية ولكن المال بين الابن والبنتين للذكر مثل حظ الأنثيين ولا شيء للذكر باعتبار أنه ابن الابن ولا للأنثى باعتبار أنها ابنة الابن .
مجوسي تزوج أمه فولدت له ابنتين فتزوج إحدى ابنتيه فولدت له ابنة ، ثم مات المجوسي فقد مات عن أم هي زوجته ، وعن ثلاثة بنات إحداهن زوجته وابنتان هما أختاه لأمه وإحداهن ابنة ابنته فلا شيء للأم بالزوجية ولها السدس بالأمية وللبنات الثلثان بالبنتية ولا شيء للزوجة منهن بالزوجية ولا للأختين بالأختية ولا للثالثة بكونها ابنة ابنته ولكن الباقي للعصبة فإن لم تكن فهو رد على الأم والبنات على مقدار حقهن فإن ماتت الأم بعد ذلك فقد ماتت عن ابنتي صلب وابنة ابن فيكون المال للابنتين بالفرض والرد فإن ماتت بعدها الابنة التي هي زوجته فقد ماتت عن ابنة وأخت لأب وأم فللابنة النصف والباقي للأخت بالعصوبة ، وإن لم تمت هذه ولكن ماتت الابنة السفلى فإنها ماتت عن أم هي أختها لأبيها [ ص: 37 ] وعن أخت لأب أيضا فيكون للأم السدس بالأمية وللأختين الثلثان بالأختية والباقي للعصبة
. مجوسي تزوج ابنته فولدت له ابنتين فمات المجوسي ، ثم ماتت إحدى الابنتين فإنما ماتت عن أم هي أخت لأب ، وعن أخت لأب وأم أيضا فذكر في بعض النسخ أن للأم السدس بالأمية وللأخت لأب وأم النصف وللأم السدس بالأختية ; لأنا لما اعتبرنا الأختية لأب التي وجدت في الأم لاستحقاق السدس بها صار ذلك كالموجود في شخص آخر فإنما تركت أختين وهما يحجبان الأم من الثلث إلى السدس ، وفي بعض النسخ قال : للأم الثلث بالأختية وللأخت لأب وأم النصف وللأم السدس بالأختية لأب ; لأن صفة الأختية لأب موجودة في الأم وهي لا تكون حاجبة نفسها فإنما تعتبر القرابة التي فيها للاستحقاق لا للحجب ، وإذا لم يعتبر ذلك فإنما بقي أخت لأب وأم والأخت الواحدة لا تحجب الأم من الثلث إلى السدس والأول أصح لما بينا أن صفة الأختية الموجودة فيها لما اعتبرت للاستحقاق كانت معتبرة للحجب أيضا بمنزلة الموجود في شخص آخر وما كان من هذا الجنس فطريق تخريجه ما بينا
. ( فصل ) في ميراث المرتد المرتد إذا قتل أو مات أو لحق بدار الحرب فما اكتسبه في حال إسلامه فهو ميراث لورثته المسلمين ترث زوجته من ذلك إذا كانت مسلمة ومات المرتد وهي في العدة ، فأما إذا انقضت عدتها قبل موت المرتد أو لم يكن دخل بها فلا ميراث لها منه بمنزلة امرأة الفار إنما ترث إذا مات الزوج وهي في العدة ، وإن كانت قد ارتدت معه لم يكن لها منه ميراث كما لا يرثه أقاربه من المرتدين لما بينا أن المرتد ليس من أهل الولاية فلا يرث أحدا ، ولأنه جان بالردة وهذه صلة شرعية فالجاني على حق الشرع يحرم هذه الصلة عقوبة عليه كالقاتل بغير حق
. فإن ارتد الزوجان معا ، ثم ولدت منه ، ثم مات المرتد فلا ميراث لها منه ، وإن بقي النكاح بينهما .
وأما الولد فإنه إن ولدته لأقل من ستة أشهر منذ يوم ارتد فله الميراث ; لأنا تيقنا أنه كان موجودا في البطن حين كانا مسلمين فكان محكوما له بالإسلام ، ثم لا يصير مرتدا بردة الأبوين ما بقي في دار الإسلام فإن حكم الإسلام يثبت ابتداء بطريق تبعيته الدار فلأن يبقى أولى ، وإذا بقي الولد مسلما كان من جملة الورثة ، فأما إذا ولدته لأكثر من ستة أشهر منذ يوم ارتد فلا ميراث ، ولأن النكاح قائم بينهما ، وإنما يستند العلوق إلى أقرب الأوقات وأقرب الأوقات ما بعد ردتهما ، وإذا علق الولد من ماء المرتد ابتداء يكون مرتدا معهما ; لأنه إنما يعتبر تبعية الدار في بقاء حكم الإسلام ، فأما في الابتداء في [ ص: 38 ] الدار لا يعارض الأبوين .
. ( ألا ترى ) أن الحربي إذا سبي ومعه الولد الصغير فإنه لا يحكم بالإسلام ابتداء ولا يكون الدار معارضا للأب في الابتداء حكم الإسلام للولد فكذلك هنا ، وإذا كان هذا الولد مرتدا لم يكن من ورثته ، ثم على قول أبي حنيفة إنما يورث منه ما اكتسبه في حال الإسلام ، فأما ما اكتسبه في حالة الردة يكون فيئا يوضع في بيت المال ، وعند أبي يوسف ومحمد كسب الردة يورث عنه ككسب الإسلام ، وعند الشافعي نصيب كل واحد من الكسبين لبيت المال في أحد القولين بطريق أنه فيء ، وفي القول الآخر بطريق أنه مال ضائع ، وقد بينا مسألته في السير الكبير ، والله أعلم بالصواب .
باب الولاء
( قال رضي الله عنه ) : اعلم بأن الولاء نوعان ولاء عتاقة وولاء موالاة فصورة ولاء العتاقة أن يعتق الرجل عبدا أو أمة فيصير المعتق منسوبا إلى المعتق بالولاء ويسمى هذا ولاء النعمة وولاء العتاقة ، وبهذا الولاء يرث الأعلى من الأسفل ولا يرث الأسفل من الأعلى شيئا ويستوي إن كان أعتقه لوجه الله تعالى أو لوجه السلطان أو أعتقه سائبة أو بشرط أن لا ولاء عليه ويستوي إن أعتقه بجعل أو بغير جعل أو بطريق الكتابة وقال مالك إن أعتقه لا لوجه الله تعالى أو بشرط أن لا ولاء له عليه فلا ; لأن هذه صلة شرعية يعني ميراث المعتق من المعتق فإنما يستحق هذه الصلة من يعتق لوجه الله تعالى ، فأما المعتق لوجه السلطان جان في قصده فيحرم هذه الصلة والذي يصرح بنفي الولاية يكون مراده لهذه الصلة فلا يكون مستحقا لها ونظيره الرجعة عقيب الطلاق لما كان ثبوته شرعا بطريق النظر لم يثبت عنده التصريح بالحرمة والبينونة فهذا مثله وحجتنا في ذلك أن السبب متحقق مع قصده وشرطه ، وهذا الإعتاق والحكم يتبع السبب والدليل على أن السبب الإعتاق قوله عليه السلام { الولاء لمن أعتق } { ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبد فساومه ولم يشتره ، ثم مر بآخر فساومه فاشتراه وأعتقه ، فقال عليه السلام هو أخوك ومولاك } .
ولم يستفسره أنه أعتقه لوجه الله تعالى أو أعتقه سائبة ، ولأن المعنى الذي لأجله يثبت الولاء يختلف بهذه الأسباب ، وهو أن المعتق مسبب لإحياء المعتق ; لأن الحرية حياة والرق تلف فإن الحرية تثبت صفة المالكية التي بها امتاز الآدمي من سائر الحيوانات فكان المعتق سببا لإحياء المعتق كما أن الأب سبب لإيجاد [ ص: 39 ] الولد فكما أن الولد يصير منسوبا إلى أبيه بالنسب والمعتق يصير منسوبا إلى معتقه بالولاء ، وهذا معنى قوله عليه السلام { الولاء لحمة كلحمة النسب } وإليه أشار الله تعالى في قوله { وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه } الآية أي أنعم الله عليه بالإسلام وأنعمت عليه بالإعتاق فإن الكافر في معنى الميت ، قال الله تعالى { أومن كان ميتا فأحييناه } فبالإسلام يحيا حكما والرقيق في حكم الهالك فبالعتق يحيا حكما فالمسبب لإحيائه يكون منعما عليه ، وإذا ثبت أن المعنى الذي لأجله ثبت الولاء لا يختلف باعتبار هذه المعاني قلنا لا يختلف الحكم أيضا ، ثم الولاء بمنزلة النسب لا يورث عنه ولكن يورث به عندنا ، وكان إبراهيم النخعي يقول : الولاء جزء من الملك يورث عنه كسائر أجزاء الملك قال : لأنه ليس للمولى على مملوكه شيء سوى الملك ، والإعتاق إبطال للملك فلا يجوز أن يكون مثبتا شيئا آخر سواه ولكن يجوز أن يكون مبطلا بعض الملك غير مبطل للبعض فما يبقى يكون جزءا من الملك ولكنا نستدل بقوله عليه السلام { الولاء لحمة كلحمة النسب } والنسب لا يورث عنه ، وإنما يورث به ، ثم الإعتاق إبطال للملك ومع إبطال الملك لا يجوز أن يبقى شيء من الملك ولكنه إحداث القوة المالكية وذلك بمنزلة إحيائه حكما فيعقب ذلك المعنى الولاء بمنزلة النسب ، ثم المروي عن عمر وعلي وابن مسعود وزيد أنهم قالوا الولاء للكبر وزعم بعض العلماء بظاهر هذا اللفظ أن الولاء لأكبر بني المعتق بعده وقال الأكبر قائم مقام الأب في الذب عن العشيرة { ورسول الله صلى الله عليه وسلم قدم الأكبر بقوله الكبر } فيقدم أكبر البنين في استحقاق الولاء لهذا والمذهب عندنا أن المراد بالأكبر الأقرب يعني أن أقرب البنين أولى باستحقاق الميراث بالولاء حتى إذا مات المعتق عن ابن وابن ابن فالولاء للابن خاصة دون ابنه في قول .
وكذلك إن مات عن ابن ابن وابن ابن ابن فالميراث بالولاء لابن الابن خاصة ; لأنه أقرب .
فإن مات المعتق عن أب وابن فميراثه لابن المعتق خاصة دون أبيه في قول زيد وسعيد بن المسيب ، وهو قول أبي حنيفة ومحمد وأبي يوسف الأول ، وفي قول إبراهيم للأب السدس والباقي للابن ، وهو قول أبي يوسف الآخر ; لأن استحقاق الولاء بالعصوبة والأب في حكم العصوبة كالابن فإنه ذكر يتصل بالميت بغير واسطة كالابن إلا أن الابن مقدم عليه شرعا في ميراثه ; لأن الأب لا يصير محروما عن ميراثه لو قدمنا الابن بالعصوبة فإنه يستحق بالفرضية فأولى الوجوه أن يجعل ميراث المعتق كميراث المعتق ويجعل كأن المعتق الذي استحق ذلك ، ثم يخلفه في ذلك أبوه وابنه فيكون مقسوما [ ص: 40 ] بينهما أسداسا وجه قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله أن البنوة في العصوبة مقدمة على الأبوة فما كان الأب مع الابن في حكم العصوبة إلا نظير الأخ مع الأب فإن الأخوة لما كانت دون الأبوة في العصبة لم يكن للأخ من الميراث بالولاء شيء مع الأب .
وكذلك الإخوة لأب وأم لما كانت مقدمة في العصوبة على الأخ لم يكن للأخ لأب شيء من الميراث بالولاء مع الأخ لأب وأم ، فأما ميراث المعتق فإنما استحق الأب السدس منه بالفرضية وبالفرضية يستحق الميراث بالولاء .
( ألا ترى ) أن المعتق إذا مات عن ابن وابنة لا يكون للابنة من ميراث المعتق شيء ; لأنها صاحبة فرض ، وإنما تصير عصبة تبعا للابن ولا تثبت المزاحمة للتبع مع الأصل فيما يستحق بغلبة الأصل .
فإن أعتقت المرأة عبدا فهي في استحقاق ميراثه بالولاء كالرجل ; لأن السبب ، وهو الإعتاق قد تحقق منها وبعد تحقق السبب الرجل والمرأة في الاستحقاق سواء فإن أعتق معتقها عبدا أو أمة فهي تستحق من معتق معتقها ما يستحق الرجل ; لأن الثاني صار منسوبا إليها بالولاء كالأول على معنى أن الثاني منسوب بالولاء إلى الأول والأول منسوب بالولاء إليها فلاتحاد سبب الإضافة جعل الثاني كالأول بخلاف ما إذا أعتق أبوها عبدا ; لأن المعتق منسوب إلى أبيها بالولاء وهي تنسب إلى الأب بالعصوبة لا بالولاء فلما اختلف السبب لم يكن مولى الأب مضافا إليها فلا تكون عصبة له والأصل فيه ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال { لا يرث بالولاء من النساء إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن أو كاتبن أو كاتب من كاتبن أو جر ولاء معتق معتقهن }
. إذا عرفنا هذا جئنا إلى بيان المسائل فنقول امرأة عتقت عبدا ، ثم ماتت وتركت ابنا هو من غير قومها وابن عم لها ، ثم مات المعتق فإن ميراثه لابنها ; لأنه أقرب عصبة لها ولو جنى جناية كان عقل جنايته على ابن العم دون الابن به قضى عمر رضي الله عنه فإن صفية بنت عبد الملك أعتقت عبدا ، ثم ماتت فاختصم في ولاء معتقها علي والزبير إلى عمر ، فقال علي أنا أعقل جنايته على ميراثه وقال الزبير مولى أمي فلي ميراثه فقضى عمر بالميراث للزبير وجعل عقل الجناية على علي رضي الله عنهم ، وكان المعنى فيه أن استحقاق الميراث بالعصوبة والابن مقدم في ذلك على ابن العم ، فأما عقل الجناية فبالتناصر .
( ألا ترى ) أن أهل الديوان يتعاقلون بالتناصر ولا ميراث بينهم ولا عصوبة والتناصر إنما يكون لها ولمولاها بقوم أبيها لا بأبيها فلهذا كان عقل الجناية عليهم
ولو أن امرأة اشترت عبدا فأعتقته ، ثم مات المعتق عن ابنة فلها النصف والباقي للمعتقة بالعصوبة لما روي { أن ابنة حمزة رضي الله عنها أعتقت عبدا ، ثم مات [ ص: 41 ] المعتق عن ابنة فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراثه نصفين نصفا لابنته ونصفا لابنة حمزة } وفيه دليل على أن مولى العتاقة عصبة مقدم على الرد ، وعلى ذوي الأرحام ، وقد بينا خلاف ابن مسعود في هذا
. فإن اشترت المرأة أباها فعتق عليها استحقت ولاءه ; لأنها صارت معتقة له بالشراء فإن شراء القريب إعتاق فإن مات الأب بعد ذلك كان لها المال نصفه بالفرضية ونصفه بالعصوبة بالولاء ، وإنما يتبين هذا فيما إذا كان معها ابنة أخرى فإنه يكون لهما الثلثان والباقي للمشترية بالعصوبة خاصة ولو جن الأب جنونا مطبقا كان للمشترية أن تزوجه بولاية الولاء وهذه من أعجب المسائل أن يثبت للابنة على ابنها ولاية التزويج .
ولو أن مملوكا له ابنتان اشتريا الأب فعتق عليهما ، ثم إن إحداهما مع الأب اشتريا ابنا للأب فعتق عليهما ، ثم مات الأب فإنما مات عن ابن وابنتين فالميراث بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين ولا شيء للولاء فإن مات الابن بعد ذلك فإنما مات عن أختين ، وعن ولاء ثابت عليه لشخصين أحدهما ميت ، وهو الأب والآخر حي فللأختين الثلثان والثلث الباقي يكون نصفين نصفه للمشترية مع الأب ونصفه للأب بالولاء فيكون بين الابنتين نصفان للولاء الثابت لهما على الأب فإن المرأة ترث معتق معتقها بالولاء كما ترث معتقها فيكون أصل الفريضة من ثلاثة ، ثم يكسر بالإنصاف مرتين فإذا أضعف ثلاثة مرتين يكون اثني عشر فمنه تصح المسألة لهما ثمانية بالأختية وللابنة المشترية سهمان بولاء نفسها وسهمان بولاء الأب بينهما نصفان
فإن كن ثلاث بنات اشترى بنتان منهما أباهما ، ثم إن الأب مع الثالثة التي لم تشتر الأب اشتريا ابنا له ، ثم مات الأب فقد مات عن ابن وثلاث بنات فيكون المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن مات الأخ بعد ذلك فإنما مات عن ثلاث أخوات ، وعن ولاء ثابت عليه لشخصين أحدهما ميت ، وهو الأب والآخر حي فيكون لهن الثلثان بينهن أثلاثا لا يستقيم والباقي ، وهو سهم بين الولاء نصفين لا يستقيم ، ثم نصيب الأب بين الابنتين بالولاء لا يستقيم فتضرب ثلاثة في ثلاثة فتكون تسعة ، ثم تضعف تسعة مرتين فتكون ستة وثلاثين منه تصح المسألة للبنات الثلثان أربعة وعشرون لكل ابنة ثمانية وللمشترية نصف الباقي بولاء نفسها وذلك ستة وللتين اشتريا الأب النصف الباقي ، وهو ستة بينهما نصفان فحصل لكل واحدة منهما أحد عشر وللأخرى أربعة عشر فاستقام فإن اشترى الأب مع إحدى الابنتين المشتريتين له ومع الابنة الثالثة الأخ فعتق عليهم جميعا ، ثم مات الأب ، ثم مات الأخ بعده فإنما مات عن ثلاث أخوات وعن ولاء ثابت [ ص: 42 ] عليه لأشخاص ثلاثة اثنان منهم حيان والثالث ، وهو الأب ميت فيكون لهن الثلثان بالأختية والثلث الباقي يقسم أثلاثا لكل واحدة من اللتين اشتريا الأخ ثلث هذا الباقي بولاء نفسها وثلث هذا الثلث بين المشتريتين للأب نصفين بولاء الأب فتصح القسمة من ستة وثلاثين أيضا لهن ثلثان والباقي ، وهو اثنا عشر بينهن أثلاثا فقلت الذي هو نصيب الأب بين المشتريتين له لكل واحدة سهمان
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|