عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 30-12-2025, 04:55 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,505
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثلاثون

صـــ22 الى صـــ 31
(604)





ولو ترك ابن عمة وابنة عم فإن كانت ابنة عم لأب وأم أو لأب فهي أولى ; لأنها ولد عصبة وابن العمة ليس بولد عصبة ، وإن كانت بنت عم لأم فعلى قول أبي يوسف الآخر المال بينهم أثلاثا على الأبدان لابن العمة الثلثان ولابنة العم الثلث ، وعند محمد على عكس ذلك باعتبار الآباء ، وهذا إذا كان ابن العمة لأم ، فأما إذا كان ابن عمة لأب وأم فهو أولى بجميع المال ; لأنه ذو قرابتين .

وكذلك إذا كان ابن عمة لأب ; لأن الإدلاء بقرابة الأب وفي استحقاق بعض العصوبة يقدم قرابة الأب على قرابة الأم

فإن ترك ثلاث بنات أخوال متفرقات أو ثلاث بنات خالات متفرقات وثلاث بنات عمات متفرقات فالثلثان لبنات العمات ، ثم يترجح في استحقاق ذلك ابنة العمة لأب وأم على الآخرين لما قلنا والثلث لبنات الخالات ، ثم يترجح في استحقاق ذلك ابن الخالة لأب وأم وابنة الخال لأب وأم فتكون المقاسمة بينهما أثلاثا في قول أبي يوسف الآخر على الأبدان لابن الخالة الثلثان ولابنة الخال الثلث ، وعلى قول محمد على عكس ذلك فإن كان مع هؤلاء ثلاث بنات أعمام متفرقات فالمال كله لابنة العم لأب وأم ; لأنها ولد عصبة فإن لم تكن فلابنة العم لأب ; لأنها عصبة فإن لم تكن فحينئذ الثلثان لقوم الأب ويستحق ذلك ابنة العمة لأب وأم خاصة ; لأن ابنة العمة لأم وابنة العم لأم سواء في أن كل واحدة منهما ليست بولد عصبة ولا صاحبة فريضة فكما تترجح ابنة العمة لأب وأم على ابنة العمة لأم فكذلك على ابنة العم لأم ولا يتغير هذا الاستحقاق بكثرة العدد من أحد الجانبين وقلة العدد من الجانب الآخر ; لأن الاستحقاق بالمدلى به ، وهو الأب والأم وذلك لا يختلف بقلة العدد وكثرة العدد ، وهو سؤال أبي يوسف على محمد في أولاد البنات فإن هناك لو كان المدلى به هو المعتبر لما اختلفت القسمة بكثرة العدد وقلة العدد كما في هذا الموضع إلا أن الفرق بينهما لمحمد أن هناك تتعدد الفروع بتعدد المدلى به حكما وهنا لا يتعدد [ ص: 23 ] المدلى به حكما ; لأنه إنما يتعدد الشيء حكما إذا كان يتصور حقيقة والعدد في الأولاد من البنين والبنات يتحقق فيثبت التعدد فيهم حكما بتعدد الفروع ، فأما في الأب والأم لا يتصور التعدد حقيقة فلا يثبت التعدد حكما بتعدد القرابات ، والله أعلم .
فصل في ميراث أعمام الأم وعماتها وأخوال الأم وخالاتها

( قال رحمه الله ) : فإن ترك الميت خالة لأم أو خالا لأم فالميراث له إن لم يكن معه غيره ; لأن الأم وارثة له فخالها وخالتها بمنزلة خاله وخالته في استحقاق الميراث ، وإن تركهما جميعا فالمال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين أثلاثا باعتبار الأبدان لاستواء المدلى به فإن ترك خالة الأم وعمة الأم فقد ذكر أبو سليمان من أصحابنا أن المال بينهم أثلاثا ثلثاه للعمة والثلث للخالة ، وذكر عيسى بن أبان أن المال كله لعمة الأم ، وذكر يحيى بن آدم أن المال كله لخالة الأم فوجه رواية أبي سليمان أن في توريث هذا النوع المدلى به أقيم مقام الميت فعمة الأم بمنزلة عمة الميت .

وكذلك خالة الأم بمنزلة خالة الميت فيكون للعمة الثلثان وللخالة الثلث ووجه قول عيسى أن عمة الأم قرابتها من الأم قرابة الأب وخالة الأم قرابتها من الأم قرابة الأم والتوريث هنا لمعنى العصوبة فترجح قرابة الأب على قرابة الأم ، وهكذا كان القياس في عمة الميت وخالته ، وإنما تركنا ذلك لاتفاق الصحابة رضي الله عنهم ، وهذا ليس في معنى هذا فإن هناك إحداهما ولد عصبة والأخرى ولد صاحب فريضة وذلك لا يوجد هنا فرجحنا قرابة الأب اعتبارا لحقيقة العصوبة . ووجه ما قال يحيى بن آدم أن خالة الأم ولد صاحب فرض ; لأنها ولد أم الأم وهي صاحبة فرض وعمة الأم ليست بولد صاحب فريضة ولا عصبة ; لأنها ولد أب الأم فلهذا كانت خالة الأم أولى من عمة الأم ، وعلى هذا لو ترك خال الأم وخالة الأم مع عمة الأم ، ثم على ظاهر الرواية يستوي أن يكون لهما قرابتان أو لإحداهما قرابتان وللأخرى قرابة واحدة ; لأن اختلاف الجهة بينهما في حق الأم كاختلاف الجهة في حق الميت

فإن ترك عمة الأب وعم الأب فالمال كله لعمة الأب إن كان لأب وأم أو لأب ; لأنه عصبة ، وإن كان لأم فالمال بينهما أثلاثا على الأبدان في قول أبي يوسف الآخر ، وعلى المدلى به في قوله الأول ، وهو قول محمد ، وإن كان هناك عمة الأب وخالة الأب فعلى رواية أبي سليمان المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين ، وعلى قول عيسى ويحيى المال كله لعمة الأب ; لأنها ولد العصبة ، وهو أب أب الأب ، ولأنها تدلي [ ص: 24 ] بقرابة الأب وقرابة الأب في معنى العصوبة مقدمة على قرابة الأم
فإن اجتمع الفريقان يعني عمة الأب وخالة الأب وعمة الأم وخالة الأم فلقوم الآباء الثلثان ولقوم الأم الثلث ، ثم قسمة كل فريق بين كل فريق في هذا الفصل كقسمة جميع المال فيما تقدم ولا يختلف الجواب فيكون أحدهما ذا قرابتين والآخر ذا قرابة واحدة في القسمة عند اختلاف الجهة ولكن في نصيب كل فريق يترجح ذو القرابتين على نحو ما بينا في الفصل المتقدم . والكلام في أولاد هؤلاء بمنزلة الكلام في آبائهم وإنها تعم ولكن عند انعدام الأصول ، فأما عند وجود أحد من الأصول فلا شيء للأولاد كما لا شيء لأحد من أولاد العمات والخالات عند بقاء عمة أو خالة للميت ويتصور في هذا الجنس شخص له قرابتان بيانه في امرأة لها أخ لأم وأخت لأب فتزوج أخوها لأم أختها لأبيها فولد بينهما ولد ، ثم مات هذا الولد فهذه المرأة خالتها لأب وهي أيضا عمتها لأم ، ثم هذا الجواب في هذا الفصل على الاختلاف الذي بيناه ذو قرابتين من بنات الإخوة وأولاد الأخوات ، والله تعالى أعلم بالصواب
باب الفاسد من الأجداد والجدات ( قال رضي الله عنه ) : اعلم بأن الجد الفاسد من يتصل إلى الميت بأم والجدة الفاسدة من يدخل في نسبتها إلى الميت أب بين أمين والكلام في هذا الباب في فصلين أحدهما في ترتيب التوريث بين هؤلاء والباقي في ترتيب التوريث بينهم وبين غيرهم من ذوي الأرحام ، فأما بيان الترتيب فيما بينهم فنقول من يكون أقرب منهم فهو أولى بالميراث والقرب بالبطن فمن يتصل إلى الميت ببطن واحد فهو أقرب ممن يتصل ببطنين ومن يتصل ببطنين فهو أقرب ممن يتصل ببطون ثلاثة والجد الذي يتصل إلى الميت ببطن واحد لا يكون إلا واحدا ، وهو أب الأم والذي يتصل ببطنين ثلاثة ، وهو أب أم الأم وأبو أب الأم وأب أم الأب ولهم من الجدات الفاسدات واحدة وهي أم أب الأم ، ثم لم يذكر محمد رحمه الله في الفرائض من هذا الجنس إلا مسألة واحدة وهي أب أم الأم وأب أم الأب وقال : الميراث بينهما أثلاثا لأب أم الأب الثلثان ولأب أم الأم الثلث وتقدم مسألة أخرى فيها اختلاف وهي ما إذا ترك أب أم الأم وأب أب الأم فعلى قول أهل التنزيل على قياس قول علي وعبد الله المال كله لأب أم الأم ; لأنه أقرب أيضا لا لصاحب العصبة ; لأنك إذا أسقطت من نسبه بطنا يبقى أم الأم وهي [ ص: 25 ] صاحبة فرض ، وإذا أسقطت من نسب الآخر بطنا يبقى أب الأم ، وهو جد فاسد فلهذا كان الميراث كله لأب أم الأم ، وعلى قول عيسى المال كله لأب أب الأم ; لأنه عصبة الأم وهي صاحبة فرض في حقه فإنها أم أمه ، وهو ابن ابنها والآخر ليس بعصبة للأم بل هو ابن ابنها والمعتبر هنا معنى العصوبة فإذا كان يترجح أحدهما بمعنى العصوبة في نسبته إلى أم الميت كان هو أولى باعتبار إقامة المدلى به مقام الميت ، وذكر أبو سليمان أن المال بينهما أثلاثا ثلثاه لأب أب الأم وثلثه لأب أم الأم ; لأنا نعتبر في القسمة أول من يقع به الخلاف ، ثم ينقل نصيب كل واحد منهما إلى من يدلي به .

فأما إذا ترك أب أم الأم وأب أم الأب فقد بينا أن في ظاهر الرواية المال بينهما أثلاثا اعتبارا بالمدلى به فإن أب أم الأب يدلي بالأب والأخرى تدلي بالأم فكأنه ترك أبا وأما ، وعلى قول أهل التنزيل المال بينهما نصفان ; لأنهما استويا في الاتصال بصاحب الفريضة فإنك إذا أسقطت بطنا من أب أم الأب تبقى أم الأب ، وإذا أسقطت بطنا من نسب الآخر تبقى أم الأم وبينهما مساواة في الفرضية ، وعلى قول عيسى المال كله لأب أم الأب ; لأن اتصاله بقرابة الأب واتصال الآخر بقرابة الأم ، والاستحقاق بطريق العصوبة والعصوبة إنما تثبت بقرابة الأب دون قرابة الأم

وإن ترك أب أب الأم وأب أم الأب فعلى قياس قول محمد رحمه الله المال بينهما أثلاثا ; لأن أب أب الأم يدلي بالأم وأب أم الأب يدلي بالأب ، وعلى قول أهل التنزيل المال كله لأب أم الأب ; لأنه أقرب اتصالا بصاحب الفريضة فإنك إذا أسقطت من نسبه بطنا تبقى أم الأب وهي جدة صحيحة ، وفي حق الآخر يبقى أب الأم ، وهو جد فاسد . واختلفت المشايخ على قول عيسى فمنهم من يقول المال كله لأب أب الأم ; لأنه عصبة الأم وهي صاحبة فريضة في حقه ولا يوجد ذلك في حق الآخر والأصح أن عنده المال كله لأب أم الأب ; لأن اتصاله بالميت بقرابة الأب ، وفي استحقاق العصوبة لا مزاحمة بين قرابة الأم وبين قرابة الأب ، وإنما تعتبر الأم في العصوبة في النسبة إلى الميت ; لأنه يتعذر اعتبار معنى العصوبة في النسبة إلى الميت ، فأما هنا اختلفت الجهة فإنما تعتبر العصوبة في النسبة إلى الميت فكان من يدلي إليه بقرابة الأم أولى بالمال
. فإن ترك أب أم الأم وأب أب الأم فقد ذكر أبو سليمان أن المال يقسم بينهم أثلاثا الثلثان لأب أم الأب ; لأنه يدلي بالأب والآخران يدليان بالأم فقاما مقام الأم ، ثم الثلث الذي أصاب اللذين يدليان بالأم يقسم بينهما أثلاثا ثلث ذلك لأب أبي الأم وثلث ذلك لأب أم الأم ، وهذا صحيح على أصل محمد في اعتبار [ ص: 26 ] أول من يقع به الخلاف في القسمة ، فأما على قول أهل التنزيل فأب أب الأم ساقط ; لأنه يسقط مع أحد الأبوين كما بينا فمعهما أولى ويكون المال بين أب أم الأب وأب أم الأم نصفين ، وعلى قول عيسى أب أم الأم ساقط ; لأنه سقط بأب أب الأم إذا انفرد فإذا كان معه غيره أولى فإذا سقط هو يبقى أب أب الأم وأب أم الأب وفيه اختلاف المشايخ كما بينا فإن ترك مع هؤلاء الثلاثة جدة فاسدة كجدتهم أم أب الأم فعلى قول أهل التنزيل وقول عيسى هذا وما سبق سواء وهذه الجدة تسقط ، فأما على ما ذكره أبو سليمان عن محمد رحمه الله فلأب أم الأب الثلثان ومن الثلث الباقي ثلثه لأبي أم الأم وثلثاه بين أب أب الأم وبين أب أم الأب أثلاثا ; لأن المدلى بهما في حقهما الأب ، وإنما اختلفت أبدانهما فتقسم تلك الحصة بينهما على الأبدان أثلاثا .
فإن ترك أب أم الأب وأب أم أب الأب فعلى قول أهل القرابة المال كله لأب أم الأب ; لأنه أقرب بدرجة ، وعلى قول أهل التنزيل على قياس قول علي رضي الله عنه الجواب كذلك ، فأما على قياس قول عبد الله المال بينهما نصفان ; لأن مذهبه أن البعدى من الجدات الصحيحات تستوي بالقربى إذا لم تكن البعدى أم القربى فكذلك في الفاسد من الأجداد والجدات فإذا أسقطت من نسب كل واحدة منهما بطنا يبقى صاحبة فرض وهي أم الأب وأم أب الأب بينهما في الفرضية مساواة عند عبد الله فكذلك هنا
. فإن ترك أم أب أم الأم وأم أم أب الأم فعلى قول أهل التنزيل المال كله لأم أب أم الأم ; لأنها أقرب اتصالا بصاحب الفريضة فإنك إذا أسقطت من نسبها بطنين يبقى أم الأم فإذا أسقطت من نسب الأخرى بطنين يبقى بطنان ، وهو جد فاسد ، وعلى قول عيسى المال كله لأم أم أب الأم إقامة للأم مقام الميت فيكون اتصال هذه بالأم باعتبار قرابة الأب واتصال الأخرى بالأم بقرابة الأم واستحقاق العصوبة بالأب فلهذا كان المال لها .

فإن ترك أب أم أبي الأب وأب أب أم الأب فعلى قول أهل التنزيل المال كله لأب أم أب الأب ; لأنك إذا أسقطت من نسبه بطنا يبقى أم أب الأب وهي صاحبة فرض ، وإذا أسقطت من نسب الآخر بطنا يبقى أب أم الأب ، وهو جد فاسد .

وكذلك على قول عيسى ; لأنه يقيم الأب المدلى به مقام الميت ، ثم اتصال أب أم الأب بقرابة الأب واتصال الآخر به بقرابة الأم فيكون هو أحق بجميع المال ، وعلى قياس قول محمد ينبغي أن يكون المال بينهما ثلثاه لأب أم أب الأب وثلثه لأب أب أم الأب اعتبارا لأول من يقع به الخلاف وفي المسألة الأولى كذلك الثلثان لأم أم أب الأم والثلث لأم أب أم الأم [ ص: 27 ] فأما بيان الترتيب بين هؤلاء وغيرهم من ذوي الأرحام فنقول إذا ترك أب الأم ومعه أولاد البنات فقد بينا اختلاف الروايات فيه ، وإن كان معه أولاد الأخوات وبنات الإخوة فقد بينا الاختلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه رحمهم الله فإن كان معه الخال والخالة فالمال كله لأب الأم بالاتفاق بين أهل القرابة ; لأن أب الأم اتصاله بالأم بالأبوة واتصال الخالة بالأم بالأختية واتصال الخال بالأخوة والأبوة تقدم في الاستحقاق على الأخوة ، ولأن الخالة أو الخال يتصلان بالميت بأب الأم ، وقد بينا أن من يتصل إلى الميت بغيره لا يزاحمه في الاستحقاق بطريق العصوبة .

وكذلك إن كان مع أب الأم العم فهو أولى من العمة في درجة الخالة ، وقد بينا أن أب الأم مقدم على الخالة فكذلك على العمة ، ولأن الفاسد معتبر بالصحيح ; لأن الفاسد لا يمكن أن يجعل أصلا والجد أب الأب مقدم على العم في حقيقة العصوبة فكذلك الجد أب الأم يكون مقدما على العمة

. فإن ترك أب أب الأم ومعه عمة أو خالة فعندنا العمة والخالة أولى بالميراث ; لأنها أقرب ، وذكر أبو عبيد أن على قول أهل التنزيل إذا كان مع أب أب الأم العمة فالعمة أولى ، وإن كان معه الخالة فعلى قياس أبي بكر أبو أب الأم أولى بمنزلة الجد والأخت ; لأنهما يدليان بأب الأم ، وعلى قياس قول علي وعبد الله وزيد المال بينهما أثلاثا بمنزلة الجد مع الأخت وقال عيسى العمة أولى من أب أب الأم ; لأنها أقرب ، ولأن قرابتها قرابة الأب ، وفي العصوبة تقدم قرابة الأب ، فأما الخالة إن كانت مع أب أب الأم فأب أب الأم أولى ; لأنا نقيم الأم مقام الميت فإن اتصالهما جميعا بالميت بالأم ، ثم أب الأب في العصوبة مقدم على الأخت والاستحقاق بمعنى العصوبة فلهذا قدم أبو أب الأم على الخالة ، والله أعلم بالصواب .
باب الحرقى والغرقى

( قال رحمه الله ) : اتفق أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وزيد بن ثابت رضي الله عنهم في الغرقى والحرقى إذا لم يعلم أيهم مات أولا أنه لا يرث بعضهم من بعض ، وإنما يجعل ميراث كل واحد منهم لورثته الأحياء به قضى زيد في قتلى اليمامة حين بعثه أبو بكر لقسمة ميراثهم وبه قضى زيد في الذين هلكوا في طاعون عمواس حين بعثه عمر رضي الله عنه لقسمة ميراثهم وبه قضى زيد في قتلى الحرة ، وهكذا نقل عن علي رضي الله عنه أنه قضى به في قتلى الجمل وصفين ، وهو قول عمر بن عبد العزيز وبه أخذ جمهور الفقهاء ، وقد روي عن علي وعبد الله بن مسعود [ ص: 28 ] رضي الله عنه في رواية أخرى أن بعضهم يرث من بعض إلا فيما ورث كل واحد منهم من صاحبه ولم يأخذ بهذه الرواية أحد من الفقهاء وجه هذه الرواية أن سبب استحقاق كل واحد منهم ميراث صاحبه معلوم وسبب الحرمان مشكوك فيه ; لأن سبب الاستحقاق حياته بعد موت صاحبه ، وقد عرفنا حياته بيقين فيجب التمسك به حتى يأتي بيقين آخر وسبب الحرمان موته قبل موته وذلك مشكوك فيه فلا يثبت الحرمان بالشك إلا فيما ورث كل واحد منهما من صاحبه لأجل الضرورة ; لأنا حين أعطينا أحدهما ميراث صاحبه فقد حكمنا بحياته فيما ورث من صاحبه ومن ضرورته الحكم بموت صاحبه قبله ولكن الثابت بالضرورة لا يعدو موضع الضرورة ، وإنما تحققت هذه الضرورة فيما ورث كل واحد منهما من صاحبه ففيما سوى ذلك يتمسك بالأصل فإن هذا أصل كثير في الفقه أن اليقين لا يزال بالشك كمن تيقن الطهارة وشك في الحدث أو عكس ذلك ، فأما وجه القول الآخر أن سبب استحقاق كل واحد منهما ميراث صاحبه غير معلوم يقينا والاستحقاق ينبني على السبب فما لم يتيقن السبب لا يثبت الاستحقاق ; لأن في الفقه أصل كثير أن الاستحقاق بالشك لا يثبت .

وبيانه أن سبب الاستحقاق بقاؤه حيا بعد موت مورثه ولا يعلم هذا يقينا ، وإنما نعرفه بطريق الظاهر واستصحاب الحال ; لأن ما عرف ثبوته فالظاهر بقاؤه ولكن هذا البقاء لانعدام دليل المزيل لا لوجود المبقي فإنما يعتبر في بقاء ما كان على ما كان لا في استحقاق ما لم يكن كحياة المفقود يجعل ثابتا في نفي التوريث عنه ولا يجعل ثابتا في استحقاق الميراث عن مورثه وبهذا الطريق لا يرث كل واحد منهما من صاحبه ما يرثه عنه فكذلك سائر الأموال ، وهذا لأن الإرث يثبت بسبب لا يحتمل التحري فإذا تعذر إثباته في البعض يتعذر إثباته في الكل ولا وجه لاعتبار الأحوال هنا ; لأن ذلك إنما يكون عند التيقن بسبب الاستحقاق وسبب الحرمان والتردد فيما بين الأشخاص كطلاق المتهم في إحدى نسائه إذا لم يدخل بهن فإن سبب الإرث لبعضهن معلوم ، وهو النكاح وسبب الحرمان لبعضهن معلوم ، وهو عدم النكاح فتعتبر الأحوال للتردد بينهن بعد التيقن بأصل السبب ولا تيقن هنا بسبب الاستحقاق فلا معنى لاعتبار الأحوال يوضحه أن المقضي له والمقضي عليه هنا مجهول واعتبار الأحوال إنما يكون إذا كانت الجهالة في إحدى الجانبين أما في جانب المقضي له أو في جانب المقضي عليه ، فأما عند وقوع الجهالة فيهما لا يجوز القضاء أصلا ، ثم يجعل كأنهما ماتا جميعا ; لأن إسناد موت كل [ ص: 29 ] واحد منهما إلى الوقت الذي يمكن إضافة موت الآخر إليه ولا وجه لإثبات تاريخ بين المورثين من غير دليل .

وكذلك إذا علم أن أحدهما مات أولا ولا يدري أيهما لتحقق التعارض بينهما فيجعل كأنهما ماتا معا إذا عرفنا هذا فنقول أخوان لأب وأم أو لأب غرقا وترك كل واحد منهما ابنة فميراث كل واحد منهما لابنته بالفرض والرد

فإن مات الأب والابن تحت هدم أو غرقا أو احترقا أو ترك الأب أبا وابنة وامرأة ولم يترك الابن أحدا غير هؤلاء فنقول أما ميراث الأب فلزوجته منه الثمن ولابنته النصف والباقي للأب .

وأما ميراث الابن فإن كانت امرأة الأب أم هذا الابن فإنما ترك الابن أما وجدا وأختا وهي مسألة الحرقى ، وقد بيناها في باب الجد ، وإن لم تكن المرأة أم الابن فإنما ترك الابن جدا وأختا فعلى قول الصديق ميراثه للجد ، وعند علي وعبد الله وزيد بين الجد والأخت بالمقاسمة أثلاثا
فإن ترك الابن بنتا فنقول أما ميراث الأب فالأب إنما ترك في الحاصل امرأة وابنة ابن وأبا فللمرأة الثمن وللابنة النصف ولابنة الابن السدس والباقي للأب بالفرض والعصوبة .

وأما ميراث الابن فإن كانت امرأة الأب أم الابن فإنما ترك ابنة وأما وجدا وأختا فللأم السدس وللابنة النصف والباقي للجد في قول الصديق ، وفي قول علي للجد السدس والباقي للأخت ، وفي قول زيد الباقي بين الجد والأخت بالمقاسمة أثلاثا ، وفي قول عبد الله الباقي بين الجد والأخت نصفين

فإن غرق رجل وابنته وترك الرجل أبا وأختا وامرأة وتركت الابنة زوجا فنقول أما ميراث الأب فلامرأته الثمن وللابنة النصف والباقي للأب .

وأما ميراث الابنة فإن كانت امرأة الأب أمها فإنما تركت زوجا وأما وجدا وأختا وهي مسألة الأكدرية ، وقد بيناها ، وإن لم تكن أمها فإنما تركت زوجا وأختا وجدا فللزوج النصف والباقي للجد في قول الصديق ، وفي قول علي وعبد الله وزيد الباقي بينهما بالمقاسمة أثلاثا
وأما بيان الرواية الأخرى عن علي في مسألة الحرقى والغرقى فنقول أخوان غرقا وترك كل واحد منهما أما وابنة ومولى وترك كل واحد منهما تسعين دينارا فتركة الأكبر منهما للأم السدس منها خمسة عشر دينارا وللابنة خمسة وأربعون دينارا ولأخيه ما بقي وذلك ثلاثون .

وكذلك يقسم تركة الأصغر ، ثم بقي من تركة كل واحد منهما ثلاثون دينارا ، وهو ما ورث كل واحد منهما من صاحبه فلأمه من ذلك السدس خمسة دنانير ولابنته النصف خمسة عشر دينارا والباقي للمولى بالعصوبة ; لأن كل واحد منهما لا يرث من صاحبه مما ورث صاحبه منه ، وهذا بيان التخريج ، والله أعلم بالصواب .

[ ص: 30 ] باب مواريث أهل الكفر ( قال رضي الله عنه ) : اعلم بأن الكفار يتوارثون فيما بينهم بالأسباب التي يتوارث بمثلها المسلمون فيما بينهم ، وقد يتحقق فيما بينهم جهات للإرث لا يرث بها المسلمون من نسب أو سبب أو نكاح ولا خلاف أنهم لا يتوارثون بالأنكحة التي لا تصح فيما بين المسلمين بحال نحو نكاح المحارم بنسب أو رضاع ونكاح المطلقة ثلاثا قبل زوج آخر ويختلفون في التوارث بحكم النكاح في العدة والنكاح بغير شهود ، فقال زفر : لا يتوارثون بهما ، وقال أبو حنيفة رحمه الله : يتوارثون بهما ، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله : يتوارثون بالنكاح بغير شهود ولا يتوارثون بالنكاح في العدة ، وهو بناء على اختلافهم في تقريرهم على هذه الأنكحة إذا أسلموا ، وقد بينا ذلك في كتاب النكاح ، ثم لا خلاف أن الكافر لا يرث المسلم بحال .

وكذلك لا يرث المسلم الكافر في قول أكثر الصحابة ، وهو مذهب الفقهاء وروي عن معاذ ومعاوية رضي الله عنهما قالا : يرث المسلم الكافر لقوله عليه الصلاة والسلام { الإسلام يعلو ولا يعلى } وفي الإرث نوع ولاية للوارث على المورث فلعلو حال الإسلام لا تثبت هذه الولاية للكافر على المسلم وتثبت للمسلم على الكافر ، ولأن الإرث يستحق بالسبب العام تارة وبالسبب الخاص أخرى ، ثم بالسبب العام يرث المسلم الكافر فإن الذمي الذي لا وارث له في دار الإسلام يرثه المسلمون ولا يرث المسلم الكافر بالسبب العام بحال فكذلك بالسبب الخاص والدليل عليه المرتد فإنه يرثه المسلم ولا يرث المرتد من المسلم بحال والمرتد كافر فيعتبر به غيره من الكفار ، وقال عليه السلام { الإسلام يزيد ولا ينقص } يعني يزيد في حق من أسلم ولا ينقص شيئا من حقه ، وقد كان مستحقا للإرث من قريبه الكافر قبل أن يسلم فلو صار بعد إسلامه محروما من ذلك لنقص إسلامه من حقه وذلك لا يجوز وحجتنا في ذلك قوله عليه السلام { لا يتوارث أهل ملتين بشيء لا يرث المسلم الكافر ولا يرث الكافر المسلم } والكلام من حيث الاستدلال أن الله تعالى قال { والذين كفروا بعضهم أولياء بعض } هذا بيان نفي الولاية من الكفار والمسلمين فإن كان المراد به الإرث فهو إشارة إلى أنه لا يرث المسلم الكافر ، وإن كان المراد به مطلق الولاية فقد بينا أن في الإرث معنى الولاية ; لأنه يخلف المورث في ماله ملكا ويدا وتصرفا ومع اختلاف الدين لا تثبت الولاية لأحدهما على الآخر ألا ترى أنه تبقى الولاية بين من هاجر وبين من لم يهاجر حتى كانت الهجرة فريضة ، فقال { والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا } .

[ ص: 31 ] فدل ذلك على نفي الولاية بين الكفار والمسلمين بطريق الأولى ، وهو الكلام من حيث المعنى فإن الإرث نوع ولاية فالسبب الخاص كما لا يوجب الولاية للكافر على المسلم لا يثبت للمسلم على الكافر يعني ولاية التزويج بسبب القرابة وولاية التصرف في المال وبه فارق التوريث بالسبب العام فإن الأولية بالسبب العام تثبت للمسلم على الكافر كولاية الشهادة والسلطنة ولا تثبت للكافر على المسلم بحال فكذلك التوريث ، وهذا بخلاف المرتد فالإرث للمسلم منه يستند إلى حال إسلامه ، ولهذا قال أبو حنيفة رضي الله عنه : إنه يورث عنه كسب إسلامه ولا يورث عنه كسب الردة ، ولهذا لا يرث هو من المسلم ; لأنه لا يتحقق معنى الاستناد في جانبه أو لا يرث هو عقوبة له على ردته كما لا يرث القاتل بغير حق من المقتول شيئا ، ثم المرتد غير مقر على ما اعتقده بل هو مجبر على العود إلى الإسلام فيبقى حكم الإسلام في حقه فيرثه وارثه المسلم باعتبار هذا المعنى ولا يرث هو من أحد شيئا ; لأن حكم الإسلام إنما يعتبر في حقه فيما لا ينتفع هو به دون ما ينتفع به والمراد بقوله عليه السلام { الإسلام يعلو ولا يعلى } العلو من حيث الحجة أو من حيث القهر والغلبة فيكون المراد أن النصرة في العاقبة للمؤمنين .

وأما الحديث الآخر قلنا عندنا نفي التوريث يكون محالا به على كفر الكافر ; لأنه خبيث ليس من أهل أن يجعل المسلم خلفا له فلا يكون هذا النقصان محالا به على إسلام المسلم كالزوج إذا أسلم وامرأته مجوسية يفرق بينهما ; لأنها خبيثة ليست من أهل أن يستفرشها المسلم إلا أن يكون إسلامه مبطلا ملكه ، ثم أهل الكفر يتوارثون فيما بينهم ، وإن اختلفت مللهم فاليهودي يرث من النصراني والنصراني من المجوسي والمجوسي منهما عندنا ، وهكذا ذكر المزني في المختصر عن الشافعي ، وروى بعض أصحاب الشافعي أنهم لا يتوارثون إلا عند اتفاق الاعتقاد ، وهكذا رواه ابن القاسم عن مالك وقال ابن أبي ليلى اليهود والنصارى يتوارثون بينهم ولا يرثهما المجوسي ولا يرثان من المجوسي شيئا فمن قال لا يتوارثون استدل بقوله عليه السلام { لا يتوارث أهل ملتين بشيء } وهم أهل ملل مختلفة بدليل قوله تعالى { والذين هادوا والنصارى } ، وإنما يعطف الشيء على غيره لا على بعضه فكما أن عطف اليهود على المسلمين دليل على أنهم أهل ملتين فكذلك عطف النصارى على اليهود قال الله تعالى { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم } ومعلوم أن اليهود لا ترضى إلا بأن يتبع اليهودية معهم والنصارى كذلك فعرفنا أن لكل واحد من الفريقين ملة على حدة ، ولأن النصارى يقرون بنبوة عيسى عليه السلام والإنجيل واليهود يجحدون ذلك فكان ملة كل [ ص: 32 ] واحد منهما غير ملة الآخر كالمسلمين مع النصارى فإن المسلمين يقرون برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن فكانت ملتهم غير ملة النصارى وبه فارقوا أهل الأهواء ; لأنهم يتفقون على الإقرار بالرسل والكتب ، وإنما الاختلاف بينهم في تأويل الكتاب والسنة فلا يوجب ذلك اختلافا في الملة فيما بينهم ، وقد يوجد مثل ذلك فيما بين النصارى كالنسطورية والملكانية واليعقوبية وفيما بين اليهود أيضا كالفرعية والسامرية وغير ذلك .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 44.17 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 43.54 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.42%)]