
30-12-2025, 03:59 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,565
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد التاسع والعشرون
صـــ162 الى صـــ 171
(597)
ومن هذه الفصول إذا تركت زوجا وأما وأختين لأب وأم وأختين لأم فعلى قول عامة الصحابة للزوج النصف ثلاثة من ستة وللأم السدس سهم وللأختين لأم الثلث سهمان وللأختين لأب وأم الثلثان أربعة فتعول بأربعة والقسمة من عشرة واختلفوا على قول ابن عباس فقال سفيان رحمه الله على قوله للزوج النصف وللأم السدس وللأختين لأم الثلث ، ولا شيء للأختين لأم وأب لأنه يتغير ضرر الحرمان بضرر النقصان فكما أن ضرر النقصان على قوله على الأختين لأب وأم دون الأختين لأم . فكذلك ضرر الحرمان وقال طاوس على قول ابن عباس رضي الله عنه الثلث الباقي بين الأختين لأم والأختين لأب وأم بالسوية ليدخل الضرر عليهما جميعا ، وهذا يرجع إلى القول بالتشريك ، ثم حجة ابن عباس الكلام الذي ذكرناه عنه فإنه لا يدخل في وهم أحد من العقلاء يوهم نصفين وثلثا ، أو ثلثين ونصفا في مال واحد فكان تقرير ذلك من المحال ، وإنما يحتاج هو إلى بيان من يكون أولى بإدخال الضرر عليه فقال أصحاب الفرائض يقدمون على العصبات كما قال عليه السلام { ألحقوا الفرائض بأهلها } الحديث فهو ينتقل من فرض مقدر إلى غير فرض مقدر فهو صاحب فرض من وجه وعصبة من وجه فيكون إدخال ضرر النقصان عليه أولى وعلى الحرف الآخر قال يدخل الضرر على من يكون أسوأ حالا وهم الأخوات والبنات أما الأخوات فلا يشكل لأنهن يسقطن بالأب والجد على الاختلاف وبالابن ويصرن عصبة إذا خالطهن ذكر والزوج والزوجة والأم لا يسقطون بحال وكذلك البنات فإنهن يصرن عصبة إذا خالطهن ذكر والعصبة مؤخر عن صاحب الفريضة .
فإذا كن أسوأ حالا كان إدخال الضرر والنقصان عليهن أولى وحجتنا في ذلك أنهم استووا في سبب الاستحقاق في ذلك ، وذلك يوجب المساواة في الاستحقاق فيأخذ كل واحد منهم جميع حقه إن اتسع المحل ويضرب كل [ ص: 163 ] واحد منهم بجميع حقه عند ضيق المحل كالغرماء في التركة وبيان المساواة أن كل واحد منهم يستحق فريضة ثابتة له بالنص يوضحه أن إيجاب الله تعالى يكون أقوى من إيجاب العبد ومن أوصى لإنسان بالثلث ولآخر بالربع ولآخر بالسدس ضرب كل واحد منهم في الثلث بجميع حقه ومراد الموصي أن يأخذ كل واحد منهم ما سمي له عند سعة المحل بإجازة الورثة ويضرب كل واحد منهم بما سمي له عند ضيق المحل لعدم الإجازة . فكذلك لما أوجب الله تعالى في الفريضة نصفين وثلثا عرفنا أن المراد أخذ كل واحد منهم ما سمي له عند سعة المحل والضرب به عند ضيق المحل ، وفيما قلناه عمل بالنصوص كلها بحسب الإمكان ، وفيما قاله عمل ببعض النصوص وإبطال للبعض ، وهذا لا وجه له إلا أن من يذب عنه يقول فيما قاله ابن عباس رضي الله عنه التعيين في بعض النصوص دون البعض والتعيين فيما قلتم في جميع النصوص فنقول الطريق الذي ذهب إليه ابن عباس في إدخال النقصان على بعض المستحقين بما اعتمده من المعنى غير صحيح فإنه يعتبر التفاوت بينهم في حالة أخرى سوى حالة الاستحقاق ، وهذا غير معتبر .
( ألا ترى ) أن رجلا لو أثبت دينه في التركة بشهادة رجلين وأثبت آخر دينه بشهادة رجل واحد وامرأتين استويا في الاستحقاق ، وإن كان في غير هذه الحالة شهادة الرجل أقوى من شهادة النساء مع الرجال ، ثم العصوبة أقوى أسباب الإرث فكيف يثبت الحرمان والنقصان لاعتبار معنى العصوبة في بعض الأحوال .
ولو جاز إدخال النقصان على بعضهم لكان الأولى به الزوج والزوجة لأن سبب توريثهما ليس بقائم عند التوريث وهو يحتمل الرفع فيكون أضعف مما لا يحتمل الرفع والعجب أنه يدخل على الأخوات لأب وأم دون الأخوات لأم وهن أسوأ حالا .
( ألا ترى ) أنهن يسقطن بالبنات وبالجد بالاتفاق بخلاف الأخوات لأب وأم فعرفنا أن الطريق ما أخذ به جمهور الفقهاء . رحمهم الله
م بيان الفريضة العائلة أن نقول أصل ما يخرج به منه هذه الفريضة ستة ، ثم تعول مرة بنصف سهم ومرة بثلاثة أرباع سهم ومرة بسهم ومرة بسهم ونصف ومرة بسهمين ومرة بسهمين ونصف ومرة بثلاثة ومرة بأربعة فالتي تعول بنصف سهم صورتها امرأة ماتت وتركت زوجا وابنة وأبوين فللأبوين السدسان سهمان وللابنة النصف ثلاثة وللزوج الربع سهم ونصف فتعول بنصف سهم والتي تعول بثلاثة أرباع سهم صورتها رجل مات وترك امرأة وابنتين وأبوين فللأبوين السدسان سهمان وللابنتين الثلثان أربعة وللمرأة الثمن ثلاثة أرباع [ ص: 164 ] سهم فتعول بثلاثة أرباع .
وإذا أردت تصحيحها ضربت ستة وثلاثة أرباع في أربعة فيكون سبعة وعشرين وهذه هي المنبرية فإن عليا رضي الله عنه سئل عنها على المنبر فأجاب على البديهة وقال انقلب ثمنها تسعا يعني أن لها ثلاثة من سبعة وعشرين وهو تسع المال والتي تعول بسهم صورتها إذا ترك أختين لأب وأم وأختين لأم وأما فللأختين لأب وأم الثلثان أربعة وللأختين لأم الثلث سهمان وللأم السدس سهم فتعول بسهم والتي تعول بسهم ونصف بأن ترك الرجل أختين لأب وأم وامرأة وأختين لأم فللمرأة الربع سهم ونصف وللأختين لأب وأم الثلثان أربعة وللأختين لأم الثلث سهمان فتعول بسهم ونصف والتي تعول بسهمين صورتها فيما إذا تركت زوجا وأختا لأب وأم وأختين لأم فللزوج النصف ثلاثة وللأخت لأب وأم النصف ثلاثة وللأختين لأم الثلث سهمان فتعول بسهمين والتي تعول بسهمين ونصف بأن ترك أختين لأب وأم وأختين لأم وأما وامرأة فللمرأة الربع سهم ونصف وللأم السدس سهم وللأختين لأب وأم الثلثان أربعة وللأختين لأم الثلث سهمان فتعول بسهمين ونصف والتي تعول بثلاثة بأن تركت زوجا وأختين لأب وأم وأختين لأم فللزوج النصف ثلاثة وبها تعول والتي تعول بأربعة صورتها فيما قدمنا إذا تركت أختين لأب وأم وأختين لأم وأما وزوجا فأنها تعول بنصيب الأم وبنصيب الزوج ثلاثة فعرفنا أنها تعول بأربعة ولا تعول الفرائض بأكثر من هذا وتسمى هذه المسألة أم الفروخ لكثرة العول فيها وتسمى الشريحية لأنها رفعت إلى شريح رحمه الله فقضى بهذا فجعل الزوج يسأل الفقهاء بالعراق فيقول امرأة ماتت وتركت زوجا ولم تترك ولدا فماذا يكون للزوج فقالوا النصف فقال والله ما أعطيت نصفا ، ولا ثلثا فبلغ مقالته إلى شريح فدعاه وقال للرسول قل له قد بقي عندنا شيء فلما أتاه عزره وقال أنت تشنع على القاضي وتنسب القاضي بالحق إلى الفاحشة فقال الرجل هذا الذي كان بقي لي عندك
وحق الله أن الظلم لؤم فما زال المسيء هو الظلوم إلى ديان يوم الدين نمضي
، وعند الله يجتمع الخصوم فقال شريح ما أخوفني من هذا القضاء لولا أنه سبقني به إمام عادل ورع .
يعني عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، ثم المسائل على ما ذكرنا من الأصل بكثرة تعدادها ، ولكنا بينا لكل فريضة صورة فذلك يكفي لمن له فهم يقيس عليه ما يشاء من ذلك والذي بقي في الباب مسألة الالتزام وهي امرأة تركت زوجا وأما وأختين لأم فمذهبنا فيه ظاهر للزوج النصف [ ص: 165 ] وللأم السدس وللأختين الثلث وهي فريضة عادلة ويتعذر على ابن عباس رضي الله عنه تخريج هذه المسألة على أصله فإن من مذهبه أن الأختين لا ينقلان الأم من الثلث إلى السدس فإن قال للزوج النصف والأم الثلث والأختين الثلث لزمه القول بالعول ، وإن قال للزوج النصف وللأم السدس كان تاركا مذهبه في أن الأختين لا يحجبان الأم من الثلث إلى السدس ، ولا يمكنه إدخال النقصان هنا على واحد منهن لأن الأم صاحبة فرض محصن والأخوات لأم كذلك فإنهن لا يصرن عصبة بحال فإن قال الأخوات لأم أسوأ حالا من الأم فقد يسقطن بمن لا تسقط الأم به قلنا هذا اعتبار التفاوت في غير حالة الاستحقاق وقد بينا أن التفاوت إنما يعتبر في حالة الاستحقاق ، وقد أدخل هو الضرر على البنات والأخوات لأب وأم دون الأخوات لأم ، وفي غير حالة الاستحقاق الأخوات لأم أسوأ حالا فهذا يتبين أن قول ابن عباس رضي الله عنه لا يتمشى في الفصول ، وأن الصحيح ما قالت به عامة الصحابة رضي الله عنهم والفقهاء والله أعلم بالصواب . .
باب الجدات ( قال رضي الله عنه ) اعلم بأن الجدة صاحبة فرض وفريضتها ، وإن كان لا تتلى في القرآن فهي ثابتة بالسنة المشهورة وإجماع الصحابة والسلف والخلف وكفى بإجماعهم حجة ، ثم الكلام في فصول أربعة أحدها في بيان من يرث من الجدات والثاني في مقدار نصيب الجدات والثالث في ترتيب بعض الجدات على البعض في الميراث والرابع في حجب الجدات . فأما في الفصل الأول فالمذهب عند علي وزيد بن ثابت رضي الله عنهما أن كل جدة تدلي بعصبة ، أو صاحبة فريضة فهي وارثة وكل جدة تدلي بمن ليس بعصبة ، ولا صاحبة فريضة فهي غير وارثة وبه أخذ علماؤنا وهو معنى قول الفقهاء : كل جدة دخل في نسبها إلى الميت أب بين أمين فإنها لا ترث لأن أب الأم ليس بعصبة ، ولا صاحب فرض هكذا روي عن عمر رضي الله عنه فقد ذكر الشعبي رحمه الله أن عمر رضي الله عنه سئل عن أربع جدات متحاذيات أم أم الأم وأم أم الأب وأم أب الأب وأم أب الأم فورثهن إلا هذه الواحدة لأن في نسبها إلى الميت أبا بين أمين ، وعن ابن مسعود رضي الله عنه روايتان إحداهما هكذا والثانية أن الجدات وارثات كلهن والقربى والبعدى منهن سواء على تفصيل نبينه ، وعن ابن عباس رضي الله عنه ثلاث روايات ثنتان كما روينا عن ابن مسعود والثالثة أنها لا ترث من [ ص: 166 ] الجدات إلا واحدة وهي أم الأم وتقوم هي مقام الأم عند عدم الأم في فريضة الأم إما السدس ، أو الثلث وبه أخذ ابن سيرين وأما سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه فالمروي عنه أنه لا يرث إلا جدتان حتى روي أن ابن مسعود رضي الله عنه لما عابه في الوتر بركعة قال سعد يعيبني أن أوتر بركعة وهو يورث ثلاث جدات إلا أن أبان ذكر أن مراد سعد من هذا الأخذ عليه في توريث البعدى مع القربى لا في توريث ثلاث جدات في الأصل .
( ألا ترى ) أنه روي في بعض الروايات أن سعدا لما بلغه قول ابن مسعود رضي الله عنه قال هلا يورث حواء وأما مالك وأبو ثور حملا قول سعد على ظاهره وأخذا به فقالا لا يرث من الجدات إلا اثنتان قال أبو ثور وهو قول الشافعي . فأما إبراهيم النخعي والأوزاعي رحمهما الله فقد روي عنهما توريث ثلاث جدات حتى ذكر سفيان عن منصور عن إبراهيم أن النبي صلى الله عليه وسلم { ورث ثلاث جدات } قال سفيان فقلت لإبراهيم ، وما هن فقال أم الأم وأم الأب وأم أم الأب ولكن ذكر جرير عن منصور عن إبراهيم هذا الحديث وذكر فيه عن إبراهيم فقال هي أم أم الأم وأم أم الأب وأم أب الأب فيكون موافقا لمذهبنا والرواية الأخرى لا تكاد تصح لما فيها من توريث البعدى مع القربى والمشهور عن العلماء رحمهم الله بخلاف ذلك وحجتنا في ذلك أن الجدات كما يرثن في الأصول بالولاء فيعتبر حالهن بحال من يرث من الفروع بالولاء وهو ذوو الأرحام من أولاد البنين والبنات وهناك عند التساوي في الدرجة الميراث لمن هو ولد عصبة ، أو ولد صاحب فرض . فكذلك هنا الميراث لمن هي والدة عصبة ، أو صاحب فرض يوضحه أن أم أب الأم تدلي بأب الأب وأب الأم ليس بوارث مع أحد من أصحاب الفرائض والعصبات كأن تدلي به أولى أن لا يرث معهم ، ولأن المدلي لا يكون أقل حالا من المدلى به والدليل عليه أنه إذا اجتمع أم أب الأم وأم أم الأم مع أب الأم فإما أن يقال الميراث لأب الأم دونهما وهذا بعيد لأن أب الأم إذا انفرد عن أمه لا يستحق شيئا فكيف يستحق مع أمه ، ولا جائز أن يكون الميراث للجد دون أب الأب لأن أم الأب تدلي بأب الأم وهو لا يستحق مع أم أم الأم شيئا فأمه التي هي أبعد كيف تستحق فلم يبق إلا أن يكون الميراث لأم أم الأم .
وإذا ثبت هذا في حال حياة أب الأم . فكذلك بعد موته . فأما ابن مسعود رضي الله عنه قد كان يقول توريث الجدات ليس باعتبار الإدلاء لأن أم الأم تدلي بالأم كما أن أب الأم يدلي بالأم والإدلاء بالأنثى إذا كان لا يوجب استحقاق الميراث للذكر لا يوجب [ ص: 167 ] استحقاق الميراث للأنثى كالإدلاء بالابنة فإن بنت البنت كابن البنت في حكم الفريضة والعصوبة وكذلك بنت الأخت كابن الأخت فعرفنا أن استحقاق الجدات إنما ثبت شرعا بمجرد الاسم وهو { أن النبي صلى الله عليه وسلم أطعم الجدة السدس } فهذه طعمة أطعم رسول الله الجدات بهذا الاسم والقربى والبعدى ومن يدخل في نسبتها أب بين ابنين ومن لا يدخل في ذلك سواء ، ولكنا نقول مجرد الاسم يثبت بالرضاع كما يثبت بالنسب ولا يتعلق به استحقاق الميراث فعرفنا أنه لا بد من اعتبار معنى القرب والإدلاء ومن يدلي منهن بعصبة ، أو صاحبة فرض يكون سببه أقوى ممن يدلي بمن ليس بعصبة ، ولا صاحبة فرض وبهذا الإدلاء تثبت الفريضة ، وفي حق الأم إنما تثبت العصوبة دون الفريضة وبالإدلاء بالأنثى لا تثبت العصوبة . فأما ابن عباس رضي الله عنه يقول أم الأم تدلي بالأم وترث بمثل سببها وهي الأمومة فتقوم مقامها عند عدمها كالجد أب الأب فإنه يقوم مقام الأب عند عدمه وابن الابن يقوم مقام الابن عند عدمه .
وإذا كانت الأم ترث في بعض الأحوال الثلث ، وفي بعضها السدس فكذلك أم الأم بخلاف الأخ لأم فإنه وإن كان يدلي بالأم فلا يرث بمثل سببها ثم كما لا يزاحم أحد من الجدات الأم فكذلك لا يزاحم أم الأم شيء من الجدات في فريضة الأم يوضحه أن حال المدلي مع المدلى به كحال المدلى به مع الميت والمدلي أم المدلى به وصاحبة فرض كما أن المدلى به أم للميت وصاحبة فرض فكما أن ميراث المدلي من الميت الثلث فكذلك ميراث المدلى به ، ولكنا نستدل بحديث قبيصة بن ذؤيب { أن النبي صلى الله عليه وسلم أطعم الجدة السدس } وهكذا روي عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الجدة السدس } ، وقد روينا في حديث أبي بكر رضي الله عنه أن محمد بن مسلمة رضي الله عنه شهد عنده { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أطعم الجدة السدس فأعطاها } أبو بكر رضي الله عنه ذلك وروي في بعض الروايات أنها كانت أم الأم ، ثم جاءت أم الأب إلى عمر رضي الله عنه في خلافته وقالت ما لي من ميراث ابن ابنتي فقال عمر رضي الله عنه لا أجد لك في كتاب الله تعالى شيئا ولم أسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيك شيئا وأراك غير الجدة التي أعطاها أبو بكر ولست برائيك في كتاب الله ، ولكني أرى أن ذلك السدس بينكما ، وأنه لمن انفرد منكما فتبين بهذه الآثار أنه لا يزاد في فريضة الجدات على السدس فالجدتان في استحقاق السدس سواء ، وهذا لأن الأدلاء بالأنثى لا يكون سببا لاستحقاق فريضة المدلى به بحال [ ص: 168 ] كبنات الأخوات وبنات البنات إلا أنا تركنا هذا القياس في حق الجدات بالسنة فإنا نعتبر ما ورد به السنة وليس في شيء من الآثار زيادة على السدس لواحدة من الجدات فلهذا كان لهن السدس هذا بيان الفصل الثاني .
والفصل الثالث في الترتيب فالمذهب عند علي أن القربى من الجدات أولى بالسدس من البعدى سواء كانت من جانب الأم ، أو من جانب الأب وهكذا يرويه العراقيون عن زيد بن ثابت وبه أخذ علماؤنا رحمهم الله . فأما أهل المدينة يروون عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن القربى إن كانت من قبل الأم والبعدى من قبل الأب . فكذلك الجواب ، وإن كانت البعدى من قبل الأم والقربى من قبل الأب فهما سواء وهو قول الشافعي . فأما ابن مسعود رضي الله عنه فله روايتان إحداهما أن القربى والبعدى سواء إلا أن تكون البعدى أم القربى ، أو جدة القربى فحينئذ لا ترث معها والأخرى القربى والبعدى سواء إلا أن يكونا من جانب واحد فحينئذ القربى أولى وإن لم تكن القربى أم القربى ، ولا جدتها أما هو أمر على أصله أن الاستحقاق باسم الجدودة شرعا والقربى والبعدى في هذا الاسم سواء إلا أن البعدى إذا كانت أم القربى ، أو جدتها فإنما تدلي بها وترث بمثل نسبها فتكون محجوبة بها كالجد مع الأب ، وفي الرواية الأخرى قال إذا كانت الجهة واحدة فسواء كانت تدلي بها ، أو لا تدلي بها كانت محجوبة بها لمعنى إيجاد السبب كأولاد الابن مع الابن فإنهم لا يرثون شيئا لإيجاد السبب ، وإن كانوا لا يدلون بهذا الابن ، وإنما يدلون بابن آخر فهذا مثله وجه قول زيد رضي الله عنه أن الجدة إنما تستحق الميراث بالأمومة ومعنى الأمومة في التي من قبل الأم أظهر لأنها أم في نفسها تدلي بالأم والأخرى أم تدلي بالأب . فإذا كانت القربى من قبل الأم فقد ظهر الترجيح في جانبها من وجهين زيادة القرب وزيادة ظهور صفة الأمومة في جانبها فهي أولى ، وإن كانت القربى من قبل الأب فلها ترجيح من وجه وهو زيادة القرب وللتي من قبل الأم ترجيح من وجه وهو زيادة ظهور صفة الأمومة فاستويا فيكون الميراث بينهما كما هو مذهب زيد في الجد مع الأخ أن للأخ زيادة قرب وللجد زيادة قوة من حيث الأبوة فيستويان في الميراث ولكنا نأخذ بقول علي فنقول الجدة ترث باعتبار الأمومة والأمومة هي الأصل ومعنى الأصلية في القربى أظهر منه في البعدى من أي جانب كانت القربى لأنها أصل الميت والأخرى أصل أصل أصل الميت . فإذا كان معنى الأصلية في القربى أظهر تقدمت على البعدى كما لو كانت القربى من قبل الأم .
( ألا ترى ) أن أم الأم [ ص: 169 ] وأم الأب إذا اجتمعتا كان الميراث بينهما ، ولو كان كما قاله زيد من زيادة قوة الأمومة لوجب أن يكون الميراث لأم الأم دون أم الأب .
وأما الفصل الرابع وهو الكلام في الحجب فنقول الأم تحجب الجدات أجمع بالاتفاق سواء كانت من قبلها ، أو من قبل الأب لما روي { أن النبي عليه السلام أطعم الجدة السدس حين لم يكن هناك أم } ففي هذا إشارة إلى أنها لا ترث مع الأم ، وفي رواية بلال بن الحارث رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس حين لم يكن هناك أم دونها } فهذا يفيد ما أفاده الأول وزيادة وهو أن البعدى لا ترث مع القربى فإن قوله أم دونها إشارة إلى ذلك والمعنى فيه أن الجدة ترث بالأمومة وفرض الأمهات معلوم بالنص ، وقد استحقت الأم ذلك فلا يبقى لأحد من الجدات شيء من فرض الأمهات ، ولا تثبت المزاحمة بين شيء من الجدات وبين الأم لأن الجدة التي من قبلها تدلي بها وترث بمثل سببها فلا تزاحمهما كما لا يزاحم الجد الأب والتي من قبل الأب ، وإن كانت لا تدلي بها فهي لا تزاحمها في فريضتها لكونها أقرب إلى الميت منها وهي بمنزلة ابنة الابن مع الابنتين فإن فرض البنات لما صار مستحقا للابنتين لم يكن لابنة الابن معهما مزاحمة ، ولا شيء من الميراث بالفريضة ، وإن كانت لا تدلي بهما إنما تدلي بالابن واختلفوا في حجب الجدة بالأب بعد ما اتفقوا أن الجدة من قبل الأم لا تصير محجوبة بالأب لأنها تدلي به ، ولا ترث بمثل نسبه فهي ترث بالأمومة وهو بالأبوة والعصوبة واختلفوا في الجدة التي من قبله فقال علي وزيد وأبي بن كعب وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم لا ترث أم الأب مع الأب شيئا وهو اختيار الشعبي وطاوس وهو مذهب علمائنا رحمهم الله وقال عمر وابن مسعود وأبو موسى الأشعري وعمران بن الحصين ترث أم الأب مع الأب وهو اختيار شريح وابن سيرين وبه أخذ مالك والشافعي واحتجوا بحديث ابن مسعود رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الجدة السدس وابنها حي } وروي { أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى أم حسكة رضي الله عنها السدس من أبي حسكة وحسكة حي } والمعنى فيه ما بينا أن إرث الجدات ليس باعتبار الإدلاء فالإدلاء بالأنثى لا يؤثر في استحقاق شيء من فريضتها ، ولا في القيام مقامها في التوريث بمثل سببها كالبنات والأخوات ، ولكن الاستحقاق باسم الجدة في هذا الاسم أم الأم وأم الأب سواء . فإذا كان الأب لا يحجب أم الأم . فكذلك لا يحجب أم الأب إذ لا فرق بينهما إلا في معنى الإدلاء والاستحقاق ليس بالإدلاء .
ولو كان الأب ممن يحجب شيئا من الجدات لاستوى في [ ص: 170 ] ذلك من يكون في جانبه ومن لا يكون في جانبه كالأم وجه قولنا أن استحقاق الميراث لا بد فيه من اعتبار الإدلاء ما بينا أن مجرد الاسم بدون القرابة لا يوجب الاستحقاق والقرابة لا تثبت بدون اعتبار الإدلاء فهنا معينان أحدهما إيجاد السبب والآخر الإدلاء ولكل واحد منهما تأثير في الحجب ، ثم إيجاد السبب وإن انفرد عن الأدلاء تعلق به حكم الحجب كما في حق بنات الابن مع الابنتين فإنهن يحجبن بإيجاد السبب ولا يدلين إلى الميت بالبنات . فكذلك الأدلاء ، وإن انفرد عن إيجاد السبب يتعلق به حكم الحجب إذا تقرر هذا قلنا الجدة التي من قبل الأب تدلي بالأب ، ولا ترث معه لوجود الإدلاء ، وإن انعدم معنى إيجاد السبب والجدة التي من قبل الأم ترث مع الأب لانعدام الإدلاء وإيجاد السبب جميعا . فأما الأم تحجب الجدة التي من قبلها لوجود الإدلاء وإيجاد السبب وتحجب الجدة التي من قبل الأب لإيجاد السبب ، وإن انعدم الإدلاء وبه فارق الأخ لأم فكان وارثا معها يوضحه أن معنى الإدلاء الموجود في جانب الأب يحجب الذكر هنا فإن أب الأب يحجبه الأب لأنه يدلي به . فإذا كان الأب يحجب من يدلي به إذا كان ذكرا . فكذلك يحجب من يدلي به إذا كان أنثى .
( ألا ترى ) أن الأب كما يحجب الإخوة يحجب الأخوات وبه فارق الأم مع الإخوة لأم لأن هناك الذكر من الإخوة لا يصير محجوبا بها ، وإن كان يدلي بها . فكذلك الأنثى . فأما تأويل الحديث يحتمل أن ابنها كان رقيقا ، أو كافرا على أنه قال ورث جدة وابنها حي ولم يتبين أن ابنها أب الميت فيحتمل أن ابنها الحي غير أب الميت والحديث حكاية حال وحديث حسكة لا يثبت مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما هو عن عمر رضي الله عنه ، وقد بينا مذهب عمر .
واختلف الفرضيون على قول علي رضي الله عنه في فصل وهو أنه إذا اجتمع أم الأب مع الأب وأم أم الأم فقال الحسن بن زياد على قياس قول علي رضي الله عنه إن ميراث الجدة لأم أم الأم ، وإن كانت أبعد من أم الأب لأن على قول علي القربى إنما تحجب البعدى إذا كانت وارثة وهنا القربى ليست بوارثة مع ابنها فهي بمنزلة الكافرة والرقيقة فيكون فرض الجدات للبعدى وأكثرهم على أن المال كله للأب هنا لأن القربى هنا وارثة في حق البعدى ، ولكنها محجوبة بالأب حتى إذا لم يكن هناك أب كان الميراث للقربى فصارت البعدى محجوبة بالقربى ، ثم صارت القربى محجوبة بابنها فيكون المال كله للأب ونظيره ما تقدم في الأخوين مع الأب لأنهما يحجبان الأم من الثلث إلى السدس ، وإن كانا لا يرثان شيئا مع الأب .
[ ص: 171 ] فصل فإن اجتمع جدة لها قرابتان ، أو ثلاث قرابات مع جدة لها قرابة واحدة وصورة المسألة امرأة لها بنت ولابنتها بنت ولها ابن ولابنها ابن فتزوج ابن ابنها بنت بنتها فولد بينهما ولد فهذه الجدة أم أم أم هذا الولد وأم أب أب هذا الولد . فإذا مات هذا الولد وله مع هذه الجدة جدة أخرى وهي أم أم أب هذا الولد فعلى قول زفر ومحمد والحسن بن زياد ميراث الجدتين بينهما أثلاثا ثلثان للتي لها قرابتان وثلث للتي لها قرابة واحدة وعند سفيان وأبي يوسف الميراث بينهما نصفان ، ولا رواية فيه عن أبي حنيفة وكذلك امرأة لها ابنتان لإحدى ابنتيها ابنة وللأخرى ابن فتزوج ابن ابنتها ابنة ابنها وولد منها ولد فهي لهذا الولد أم أم الأب فإن مات هذا الولد وله معها جدة أخرى وهي أم أب الأب فهي على الخلاف الذي بينا وصورة ما إذا كان لها ثلاث قرابات أن يكون لهذه المرأة ابنة ابن ابنة أخرى ، وهذا الولد ذكر فتزوج الابنة السفلى فولد بينهما ولد فلهذه الجدة من هذا الولد ثلاث قرابات لأنها أم أم أم أمه وأم أم أم الأب وأم أم أب الأب فإن اجتمع معها لهذا الولد جدة أخرى محاذية لها وهي أم أب أب ابنه فعلى قول محمد ميراث الجدة بينهما أرباعا ثلاثة أرباعه للتي لها ثلاث قرابات وربعه للتي لها قرابة واحدة وعند أبي يوسف الميراث بينهما نصفان ثم على قول محمد رحمه الله في حق التي لها جهات إذا فسد بعض تلك الجهات بأن دخل في تلك النسبة أب بين أمين لا تعتبر تلك الجهة ، وإن كان بعض الجهات أقرب من بعض فإنما يعتبر في حقها أقرب الجهات خاصة ، ثم ينظر إلى الأخرى فإن كانت تساويها في أقرب الجهات فالميراث بينهما نصفان ، وإن كانت أبعد منها في هذه الجهة فالميراث كله لها بناء على أن القربى تحجب البعدى وجه قول محمد رحمه الله أن الاستحقاق باعتبار الأسباب لا باعتبار الأشخاص .
( ألا ترى ) أن الرقيق والكافر لا يخرج من أن يكون شخصا ، ولكن لما انعدم في حقه سبب الاستحقاق وهو الفريضة ، أو العصوبة جعل كالمعدوم فدل أن الاستحقاق باعتبار السبب فمن اجتمع في حقه سببان فهو في الصورة شخص واحد ولكنه في الحكم باعتبار تعدد السبب متعدد فيثبت له الاستحقاق باعتبار كل سبب بمنزلة ما لو وجد كل سبب في شخص على حدة وهو نظير ما لو ترك ابني عم أحدهما أخ لأم فإن لابن العم الذي هو أخ لأم السدس بالفريضة والباقي بينهما نصفان وكذلك المجوسي إذا ترك أمه وهي أخته لأبيه فإنها ترث بالسببين لهذا المعنى ، وهذا بخلاف الأخ لأب وأم فإنه يرث بالسببين لأن السبب هناك واحد وهو [ ص: 172 ] الإخوة ، ثم الإخوة لأم اعتبرناها في الترجيح ويقوى السبب بها حتى ينعدم الأخ لأب فلم يكن معتبرا في حق الاستحقاق بها بخلاف ما نحن فيه وجه قول أبي يوسف أن استحقاق الميراث للجدات ليس باعتبار الإدلاء لما قررنا أن الإدلاء بالإناث لا يؤثر في استحقاق الفريضة بمثل سبب المدلى به ولكن الاستحقاق باسم الجدة وبتعدد الجهة لا بتعدد الاسم في التي لها قرابة واحدة والمساواة في سبب الاستحقاق يوجب المساواة في الاستحقاق وكل واحدة من هذه الجهات علة تامة للاستحقاق وبتعدد العلة لا يزداد الاستحقاق كما لو أقام رجل شاهدين على ملك عين وأقام الآخر عشرة من الشهود فإنه يسوى بينهما ومن جرح رجلا جراحة واحدة وجرحه آخر عشر جراحات فمات من ذلك فالدية بينهما نصفان ، ولا معنى لقول من يقول فقد اعتبرنا الإدلاء في حكم الحجب كما قررنا في الفصل الرابع ، وهذا لأن حكم الحجب غير حكم الاستحقاق والاستدلال بحكم على حكم إنما يجوز إذا عرفت المساواة بينهما فبان أن اعتبار الإدلاء في حكم الحجب يدل على أنه يعتبر في الاستحقاق وهذا بخلاف ما استشهد به فكل واحد من السببين هناك معتبر في الاستحقاق يعني الإخوة لأم مع العصوبة بالأمومة والزوجية مع العصوبة والأختية مع الأمومة في حق المجوسي . فإذا كان كل واحد من السببين هناك معتبرا في الاستحقاق جعلنا الاستحقاق مبنيا على السبب بخلاف ما نحن فيه على ما قررنا .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|