عرض مشاركة واحدة
  #595  
قديم 30-12-2025, 03:51 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,570
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد التاسع والعشرون

صـــ142 الى صـــ 151
(595)




وعلى قول ابن مسعود واحتج في ذلك بالآية فإن الله تعالى اعتبر في ميراث الأولاد أحد الحكمين أما الثلثان للبنات بقوله تعالى { فإن كن نساء فوق اثنتين } وأما القسمة فللذكر مثل حظ الأنثيين بقوله عز وجل { للذكر مثل حظ الأنثيين } ، وقد وجد أحد الحكمين هنا وهو إعطاء البنات الثلثين فلا يجوز اعتبار الحكم الآخر في هذه الحادثة لأن الجمع بينهما متعذر بالإجماع فلا يبقى لأولاد الابن استحقاق بحكم هذه الآية بعد ما أخذت البنات الثلثين فإنما يثبت الاستحقاق للذكور منهم بقوله عليه السلام فلأولى رجل ذكر ، وإن كانت ابنة الصلب واحدة قد بقي السدس مما يستحقه البنات ، ولكن ذلك لهن عند الانفراد لا عند الاختلاط فلا يعطين إلا الأقل لأنه المتيقن به فلهذا ينظر إلى المقاسمة وإلى السدس فيما يعطى بنات الابن ، ولأن بنات الابن لو انفردن مع الابنتين لم يكن لهن شيء ومع الواحدة من البنات لا يكون لهن إلا السدس ومعلوم أن حالة الانفراد في حكم الاستحقاق أقوى من حالة الاجتماع ، وإنما تصير الأنثى عصبة بالذكر إذا كانت صاحبة فرض عند الانفراد كالبنات والأخوات فأما إذا لم تكن مستحقة شيئا عند الانفراد لم تصر عصبة بالذكر كبنات الإخوة مع بني الإخوة وبنات العم مع بني العم وحجتنا في ذلك أن الذكر مع أولاد الابن يعصب الإناث في درجته في استحقاق جميع المال بالاتفاق وهو ما إذا لم يكن هناك ولد للميت لصلبه فكل ذكر يعصب الأنثى في استحقاق جميع المال بالاتفاق يعصبها في استحقاق ما بقي كالأخ مع الأخوات في درجة واحدة والبنات مع البنين .

وهذا لأن بنات الصلب لما أخذن نصيبهن خرجن من البنين وصار فيما بقي كأنه ليس هناك ابنة ، ويكون الحكم فيما بقي هو الحكم في الجميع إذا لم يكن هناك بنات الصلب وبهذا يتبين أنا لا نجمع بين الحكمين في محل واحد ، وإنما نثبت في كل محل أحد الحكمين ففي الثلثين عملنا بقوله تعالى { فإن كن نساء فوق اثنتين } ، وفيما وراء ذلك عملنا بقوله تعالى { للذكر مثل حظ [ ص: 143 ] الأنثيين } يوضحه أن الذكر من أولاد الابن يعصب الأنثى في درجته في حكم الحرمان وبيانه إذا اجتمع مع الزوج والأبوين ابنة وابنة ابن فإن للبنت النصف ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين فإن كان مع ابنة الابن ابن الابن في هذه الصورة لم يكن لها شيء لأنها تصير عصبة به ولم يبق من أصحاب الفرائض شيء فلما كان يعصبها في حكم الحرمان فلأن يعصبها في حكم الاستحقاق كان أولى لأن التعصيب في الأصل للاستحقاق لا للحرمان فإن كان الذكر أولاد الابن دون الأنثى بدرجة فإن اجتمع مع ابنتي الصلب بنت ابن وابن ابن ابن فظاهر المذهب عندنا أن الباقي بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين وقال بعض المتأخرين إن الباقي للذكر خاصة هنا لأن الأنثى إنما تصير عصبة بذكر في درجتها لا بذكر هو دونها في الدرجة .

( ألا ترى ) أن البنت لا تصير عصبة بابن الابن في ابنة واحدة صلبية وابنة ابن وابن ابن ابن فإنه لا تصير ابنة الابن عصبة بابن الابن . فكذلك مع البنتين لمعنى وهو أن الذكر إذا كان أبعد بدرجة فلو جعل للأنثى التي هي أقرب منه بدرجة عصبة كان الذكر محروما في نفسه لأن في ميراث العصبات الأقرب يقدم على الأبعد ذكرا كان ، أو أنثى ( ألا ترى ) أن الأخت لما صارت عصبة مع البنت كان الباقي لها دون ابن الأخ والعم .

وإذا صار محروما لا يعصب أحدا وجه قولنا أن هذه الأنثى لو كانت في درجة الذكر كانت عصبة به مستحقة معه . فإذا كانت أقرب منه بدرجة كان أولى لأن تأثير القرب في قوة سبب الاستحقاق لا في الحرمان ، وفي هذا بيان أن التعصيب كان لمعنى النظر للأنثى ، ولا يتحقق ذلك في ابنة مع ابن الابن لأن بالتعصيب هناك ينتقص حقها لأنه يصير المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين فنصيب البنت الثلث فلذا جعلناها عصبة بابن الابن وحقها بدون التعصيب النصف وكذلك في حق ابنة الابن مع ابنة واحدة للصلب فإن بالتعصيب هناك بابن ابن الابن لا يزداد نصيبها بحال ، وقد يؤدي إلى حرمانها في بعض الأحوال لأنه إذا كانت البنت الصلبية واحدة فحق ابنة الابن معها السدس دون التعصيب .

ولو عصبنا بنت الابن بابن ابن الابن لا يزداد نصيبها على السدس فإن الباقي من النصف وهو النصف يقسم بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين سهم لبنت الابن وسهمان لابن ابن الابن كما في غير حالة التعصيب . فأما في التعصيب هنا توفير المنفعة على ابنة الابن باعتبار زيادة القرب يوضحه أن من كانت في درجة الذكر هنا تستحق شيئا فالقول بأن الأبعد من البنات يستحق والأقرب يصير محروما بنسبة المحال فلا يصار إليه . فصل

، ثم جملة [ ص: 144 ] من يرث مع الأولاد ستة نفر الأب والجد لأب ، وإن علا والأم والجدة أم الأم أو أم الأب والزوجة ، ولا يرث غير هؤلاء مع الابن بالفريضة لا بالعصوبة ، ولا يكون غير هؤلاء صاحب فرض مع الابنة ، وإن كان قد يرث بالعصوبة . فأما الأب فله في الميراث ثلاثة أحوال فرض وعصوبة وكلاهما فالفرض مع وجود الابن وابن الابن ، وإن سفل والعصوبة عند عدم الولد وولد الابن ذكرا كان ، أو أنثى وكلاهما مع البنت وبنت الابن وفريضته السدس لا ينقص من ذلك إلا عند العول ، ولا يزاد عليه بالفريضة بحال ، وذلك منصوص عليه في كتاب الله تعالى قال الله تعالى { ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد } فهو تنصيص على أنه صاحب فرض مع الولد ، وإن فريضته السدس قال الله عز وجل { فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث } معناه وللأب ما بقي كما هو الأصل أن المال متى أضيف إلى اثنين وبين نصيب أحدهما منه كان للآخر ما بقي فذلك تنصيص على أنه عصبة حال عدم الولد وأما مع البنت فهو صاحب فرض يأخذ السدس بالفريضة والبنت تأخذ النصف ، ثم للأب ما بقي بالسنة وهو قوله عليه السلام { ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر } وهو أولى رجل ذكر فيكون عصبة فيما بقي والجد أب الأب عند عدم الأب يقوم مقامه باعتبار أنه يدلي به ، وأنه يتناوله اسم الأب مجازا إلا في فصل وهو في زوج وأبوين وامرأة وأبوين فإن للأم ثلث ما بقي والباقي للأب فإن كان مكان الأب جدا فللأم ثلث جميع المال والباقي للجد على ما نبينه . فأما الأم فإنها صاحبة فرض ولها في الميراث حالان إما السدس وإما الثلث لا تنقص من السدس إلا عند العول ، ولا تزاد على الثلث إلا عند الرد أما السدس لها مع الولد ثبت ذلك بقوله تعالى { ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد } والثلث بقوله تعالى { وورثه أبواه فلأمه الثلث } والسدس لها مع وجود الإخوة بقوله تعالى { فإن كان له إخوة فلأمه السدس } ، ولا خلاف أن فرضيتها السدس مع الولد ذكرا كان ، أو أنثى لأن اسم الولد حقيقة لهما . فأما مع الإخوة فقد اختلفوا في فصول بعد ما اتفقوا أن الذكور والإناث في هذا الحكم سواء عند الاختلاط ، وعند الانفراد حتى أن فرضها السدس مع الأخوات المفردات كما في الذكور المفردين وكما مع الذكور مع الإناث عند الاختلاط ، وإنما الاختلاط في المثنى من الإخوة والأخوات فعلى قول أكثر الصحابة رضي الله عنهم وهو قول جمهور العلماء الفقهاء فريضتها السدس معهما .

وعلى قول ابن عباس فريضتها الثلث معهما إلا أن يكونوا أثلاثا لظاهر قوله تعالى { فإن كان له [ ص: 145 ] إخوة } ، وذلك اسم جمع وأدنى الجمع المتفق عليه ثلاثة والحجب لا يثبت إلا بعد التيقن بشرطه ، ولكنا نقول قد ثبت بالنص أن المثنى من الأخوات كالثلاث في الاستحقاق قال الله تعالى { فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك } . فكذلك المثنى كالثلاث في الحجب ، وقد بينا في البنات أن المثنى حكم الجمع في الحجب والاستحقاق جميعا ، وهذا ، وإن كان نوعا من المجاز فقد حملنا اللفظ عليه بدليل النص ، وذلك مستقيم على قول جمهور العلماء الإخوة لأم كغيرهما من الإخوة في حجب الأم من الثلث .

وعلى قول الزيدية الحجب إنما يثبت بالإخوة لأب وأم ، أو لأب ، ولا يثبت بالإخوة لأم قالوا لأن هذا الحجب بمعنى معقول وهو عند وجود الإخوة لأب وأم ، أو لأب يكثر عيال الأب فيحتاج إلى زيادة مال للإنفاق عليهم والأم لا تحتاج إلى ذلك إذ ليس عليها شيء من النفقة ، وهذا المعنى لا يوجد في الإخوة لأم لأن نفقتهم ليست على الأب ، وإنما ذلك على الأم فهي التي تحتاج إلى زيادة مال لأجلهم فلا تحجب من الثلث إلى السدس باعتبارهم وحجتنا ظاهر الآية فإن اسم الأخوة حقيقة للأصناف الثلاثة لأن الأخ من جاور غيره في صلب ، أو رحم ، وهذا حكم ثابت بالنص وقولهم غير معقول المعنى فإن الإخوة يحجبون الأم إلى السدس بعد موت الأب ، ولا نفقة هنا على الأب ويحجبون إذا كانوا كبارا وليس على الأب من نفقتهم شيء ثم السدس الذي يحجب عنه الإخوة لأم يكون للأب في قول عامة الصحابة وهو مذهبنا وعن ابن عباس رضي الله عنه في رواية شاذة إن ذلك للإخوة بيانه فمن مات وترك أبوين وإخوة عندنا للأم السدس والباقي للأب ، وعنده للأم السدس والسدس للإخوة والباقي للأب واستدل بحديث رواه طاوس أن النبي صلى الله عليه وسلم { أعطى الإخوة السدس مع الأبوين } ، ولأن من لا يرث لا يحجب .

( ألا ترى ) أن الإخوة لو كانوا كفارا ، أو أرقاء لا يحجبون فلما حجبوا الأم مع وجود الأب عرفنا أنهم ورثة مع الأب ، ولا يرثون شيئا من نصيب الأب لأنهم يدلون به ، ولأن الأب أقرب منهم فإنه يتصل بالميت من غير واسطة فلم يبق لهم من الميراث إلا مقدار ما نقصوا من نصيب الأم ، وذلك سدس وحجتنا في ذلك قوله تعالى { فإن كان له إخوة فلأمه السدس } معناه وللأب ما بقي لأنه معطوف على قوله عز وجل { وورثه أبواه فلأمه الثلث } ، ثم هناك المراد وللأب ما بقي وحكم المعطوف حكم المعطوف عليه يوضحه أنه بين في أول الآية حالا يكون الوارث فيه الأبوان فقط بقوله تعالى { وورثه أبواه } فبين نصيب الأم ، ثم عطف عليه بغير نصيبها بوجود الغير فيبقى ما سوى ذلك على ما كان وهو [ ص: 146 ] أن الوارث هم الأبوان فقط وأما الحديث فقد روي عن طاوس لقيت ابن رجل من الإخوة الذين أعطاهم رسول الله السدس مع الأبوين فسألته عن ذلك فقال كان ذلك وصية فعلى هذا يصير الحديث دليلا لنا لأن الوارث لا يستحق الوصية فلما أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم الإخوة بالوصية مع الأبوين عرفنا أنهم لا يرثون والمعنى الذي قال هو كما قال إن من لا يرث لا يحجب غير أن الشرط أن يكون وارثا في حق من يحجبه والأخ وارث في حق الأم ، وإنما يحجب الأم بخلاف الرقيق والكافر ، ثم هو محجوب بالأب لأن حال الإخوة مع وجود الأم لا يكون أقوى من حاله عند عدم الأم وهم لا يرثون مع الأب شيئا عند عدم الأم لأن الله تعالى شرط في توريث الإخوة أن يكون الميت كلالة والكلالة من ليس له ولد ، ولا والد ، وهذا لا يتغير بوجود الأم فلهذا لا يرث الأخ شيئا مع الأب .

والأصح أن هذه الرواية عن ابن عباس لا تثبت فإن مذهبه في الجد مع الإخوة كمذهب الصديق رضي الله عنه أنهم لا يرثون شيئا فكيف يرثون مع الأب ويختلفون أيضا في زوج وأبوين فعلى قول عمر وعلي وابن مسعود وزيد رضي الله عنهم للزوج النصف وللأم ثلث ما بقي والباقي للأب وهو قول جمهور الفقهاء وعلى قول ابن عباس للأم ثلث جميع المال والباقي للأب وكذلك في امرأة وأبوين للأم ثلث ما بقي عند من سمينا ، وعند ابن عباس ثلث جميع المال وحكي أن ابن عباس لقي زيدا رضي الله عنهما فقال نشدتك الله هل تجد في كتاب الله ثلث ما بقي فقال لا ، ولكنني قلت ذلك برأيي فقال كتاب الله أحق أن يؤخذ به من رأيك وحجته ظاهر الآية فإن الله تعالى قال : { فلأمه الثلث } يعني ثلث التركة لأنه معطوف على قوله تعالى { فلهن ثلثا ما ترك } وعلى قوله تعالى { وإن كانت واحدة فلها النصف } يعني نصف ما ترك . فكذلك قوله عز وجل { فلأمه الثلث } ، ثم لا يجوز أن ينتقص نصيب الأم بالزوج لأن سبب وراثة الأم أقوى من سبب الزوج فإن سبب وراثتها لا يحتمل النقص والدفع فهو قائم عند الوراثة ، وقد ترث جميع المال في بعض الأحوال بخلاف الزوج .

ولو جاز أن ينقص نصيب أحدهما لمكان الزوج لكان الأولى به الأب ، وقد ينتقص نصيب الأب لوجود الزوج فإن المرأة إذا تركت أباها وحده كان له جميع المال ، وإن كان مع الأب زوجها فله نصف المال ، ولا ينتقص نصيب الأم لمكان الزوج بحال فإدخال ضرر النقصان على الأب أولى منه على الأم ، وهذا المعنى فقهي وهو أن الأب عصبة في هذه الحالة ، ولا مزاحمة بين العصبات وأصحاب الفرائض ، ولكن أصحاب الفرائض [ ص: 147 ] مقدمون فيعطون فريضتهم ، ثم ما بقي للعصبة قل ، أو كثر واعتبار الثلث والثلثين بين الأب والأم عند وجود المزاحمة ويقاس بما لو كان مكان الأب جد في هذين الفصلين وحجتنا في ذلك { فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث } معناه فلأمه ثلث ما ورثه أبواه إذ لو لم يحمل على هذا صار قوله { وورثه أبواه } فصلا خاليا عن الفائدة وقد كان يحصل البيان بقوله { فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث } كما قال تعالى { فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ، وإن كانت واحدة فلها النصف } فلما قال هنا { وورثه أبواه } عرفنا أنه إنما جعل لها ميراث الأبوين وميراث الأبوين ما بقي بعد نصيب الزوج والزوجة يوضحه أنه علق إيجاب الثلث لها بشرطين أحدهما عدم الولد والآخر أن يكون الوارث أبوين فقط لأن قوله تعالى { فإن لم يكن له ولد } شرط وقوله تعالى { وورثه أبواه } عطف على شرط والمعطوف على الشرط شرط والمتعلق بشرطين كما ينعدم بانعدامهما ينعدم بانعدام أحدهما فبهذا يتبين أن ثلث جميع التركة لها غير منصوص في هذه الحالة فوجب المصير إلى هذا المعنى المعقول وهو أن الأبوين في الأصول كالابن والبنت في الفروع لأن سبب وراثة الذكر والأنثى واحد وكل واحد منهما متصل بالميت بغير واسطة ، ثم لا يجوز تفضيل البنت على الابن ، ولا التسوية بينهما في الفروع بل يكون للأنثى مثل نصف نصيب الذكر . فكذلك في الأصول ويقاس ما بقي بعد نصيب الزوج والزوجة بجميع المال عند عدم الزوج والزوجة . فأما إذا كان مكان الأب جدا فيقول تفضيل الأنثى على الذكر ، أو التسوية إنما تجوز عند المساواة في القرب ، ولا مساواة فالأم متصلة بالميت من غير واسطة والجد لا يتصل به إلا بواسطة .

( ألا ترى ) أن الجد قد يحرم الميراث بمن هو أقرب منه وهو الأب والأم لا تحرم بمن هو أقرب منها بحال بمنزلة الأب فلهذا أعطيناها مع الجد ثلث جميع المال ومع الأب ثلث ما بقي وكان يقول أبو بكر الأصم لها ثلث ما بقي مع الزوج وثلث جميع المال مع الزوجة ويروى ذلك عن معاذ رضي الله عنه لأن مع الزوج لو أعطيناها ثلث جميع المال لم يكن للأب إلا السدس فيكون فيه تفضيل الأنثى على الذكر ، ولا إلى التسوية بينهما . فأما الجدة فهي صاحبة فرض فريضتها السدس لحديث أبي سعيد الخدري { أعطى الجدة السدس } ويستوي في ذلك أم الأم وأم الأب فإن اجتمعتا فالسدس بينهما ثبت ذلك باتفاق الصحابة رضي الله عنهم على ما روي أن أم الأم جاءت إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقالت أعطني ميراث ولد ابنتي فقال لا أجد لك في كتاب الله تعالى نصيبا ولم أسمع من [ ص: 148 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم فيك شيئا ، ولكني أشاور أصحابي فجمعهم وسألهم عن ذلك فشهد محمد بن سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى الجدة السدس ثم جاءت أم الأب بعد ذلك إلى أبي بكر فقالت أعطني ميراث ولد ابني فقال لا أجد لك في كتاب الله نصيبا ولم أسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيك شيئا ، ولكني أرى أن ذلك السدس بينكما إذا اجتمعتا وهو لمن انفرد منكما ، ثم لا يزداد نصيب الجدات على السدس ، وإن كثرن إلا عند الرد ، ولا ينقص إلا عند العول .

فأما الزوج فهو صاحب فرض وله حالان النصف عند عدم الولد وولد الابن ذكرا كان ، أو أنثى والربع عند وجوده ثبت ذلك بقوله تعالى { ولكم نصف ما ترك أزواجكم } الآية ، ولا يزداد الزوج على النصف بذلك بحال ، ولا ينقص عن الربع إلا عند العول وأما الزوجة فهي صاحبة فرض ولها حالان الربع عند عدم الولد وولد الابن ذكرا كان ، أو أنثى والثمن عند وجوده ثبت ذلك بقوله تعالى { ولهن الربع مما تركتم } الآية ونصيب الزوجات بينهن بالسوية اثنتين ، أو ثلاثا ، أو أربعا لا يزاد لهن على الربع بحال ، ولا ينقص عن الثمن إلا عند العول ، ولا يحجب الزوج والزوجة عن الميراث بأحد ، ولا سبب إلا بقتل ، أو كفر ، أو رق والحاصل أن الحجب نوعان حجب حرمان وحجب نقصان فحجب الحرمان نحو حجب الأجداد بالأب والجدات بالأم وحجب النقصان نحو حجب الزوج والزوجة ، ولا خلاف في أن حجب الحرمان لا يثبت بمن هو غير وارث بسبب القتل أو الرق ، أو اختلاف الدين وكذلك حجب النقصان في أكثر قول الصحابة رضي الله عنهم وهو مذهبنا وقال ابن مسعود رضي الله عنه ثبت حجب النقصان بمن لا يكون وارثا واستدل في ذلك فقال هذا الحجب بالنص ثابت بالولد وبالإخوة وبسبب الرق والقتل والكفر لا بقيد هذا الاسم فالتقييد بكون الأخ والولد وارثا زيادة على النص ، وهذا بخلاف حجب الحرمان لأن حجب الحرمان باعتبار تقديم الأقرب على الأبعد ، وإنما يتحقق ذلك إذا كان الأقرب مستحقا . فأما حجب النقصان باعتبار أن السبب مع وجود الولد والإخوة لا يوجب له إلا أقل النصيبين ، وفي هذا المعنى لا فرق بين أن يكون الولد والأخ وارثا ، ولا يكون وارثا وحجتنا في ذلك أن من ليس بوارث جعل في استحقاق الميراث كالميت . فكذلك في الحجب هو كالميت وكما أنه مع الرق لا يخرج من أن يكون ولدا فبالموت لا يخرج من أن يكون ولدا ، ثم شرطنا كونه ولدا حيا للحجب بالاتفاق . فكذلك يشترط كونه وارثا حرا للحجب ونفس حجب النقصان على [ ص: 149 ] حجب الحرمان في المعنى لا فرق بينهما لأن في حجب الحرمان تقديم الأقرب في الكل ، وفي حجب النقصان تقديم الحاجب على المحجوب في البعض . فإذا شرط هناك صفة الوراثة في الحاجب . فكذلك يشترط هنا والله أعلم بالصواب . .

باب التشبيه في ميراث الأولاد ( قال رضي الله عنه ) ويسمى هذا باب التفويض وباب ترتيب الأنساب واعلم بأن الصحابة رضي الله عنهم لم يتكلموا في جنس مسائل هذا الباب ، وإنما ذكر المتأخرون رحمهم الله في ذلك لتسجيد الخواطر فنقول إنك تسأل عن ثلاثة بنات ابن بعضهن أسفل من بعض فالأصل في تخريج الجواب ما قدمنا أن ابنة الابن تقوم مقام ابنة الصلب عند عدمها وابنة ابن الابن تقوم مقام ابنة الابن عند عدمها ، ثم صورة هذه المسألة أن العليا منهن ابنة الابن والوسطى ابنة ابن الابن والسفلى ابنة ابن ابن الابن فيكون للعليا النصف لأنها قائمة مقام ابنة الصلب والوسطى السدس تكملة الثلثين ، ولا شيء للسفلى فإن كان مع واحدة منهن غلام قلت إن كان الغلام مع العليا فالمال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين ، وإن كان مع الوسطى فللعليا النصف والباقي بين الغلام والوسطى للذكر مثل حظ الأنثيين ولا شيء للسفلى لأن الذكر لا يعصب من دونه بدرجة ، وإن كان الغلام مع السفلى فللعليا النصف وللوسطى السدس تكملة الثلثين والباقي بين السفلى والغلام للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كان مع العليا جدها أب أبيها فقل هذا الميت ذكر أم أنثى فإن كان الميت ذكرا فالسؤال محال لأن أب الأب أب أب العليا وهو الميت نفسه ، وإن كان الميت امرأة فالسؤال صحيح وهذه امرأة ماتت وتركت زوجها وثلاث بنات ابن فيكون للزوج الربع وللعليا النصف وللوسطى السدس فإن قيل لم يذكر في السؤال قيام الزوجية بينهما عند الموت فكيف يورثه قلنا قد ذكر ذلك إشارة بذكره إياه في جملة الورثة مع أنا عرفنا أن الزوجية بينهما ، وما عرف ثبوته فالأصل بقاؤه حتى يقوم دليل الزوال فإن كان مع العليا جدتها أم أبيها قلنا إن كان الميت امرأة فالسؤال محال لأن أم أب العليا هي الميتة نفسها .

وإن كان الميت ذكرا فالسؤال مستقيم وأم أب العليا زوجة الميت فيكون لها الثمن ولابنة الابن النصف ولابنة ابن الابن السدس تكملة الثلثين ، وإن كان مع العليا عمها فنقول عم العليا ابن الميت فالمال كله له وإن كان مع العليا عمتها فعمة العليا ابنة الميت [ ص: 150 ] فلها النصف وللعليا السدس ، وإن كان مع العليا عم ابنها فعم ابنها أخ الميت فيكون للعليا النصف وللوسطى السدس والباقي للأخ ، وإن كان مع العليا عمة ابنها فعمة ابنها أخت الميت فللعليا النصف وللوسطى السدس والباقي للأخت فإن الأخوات مع البنات عصبة فإن كان مع العليا ثلاثة أعمام متفرقين فنقول إن كان الميت ذكرا فالمال بين عم العليا لأب وأم وعمها لأب نصفان ، ولا شيء لعمها لأمها لأن عمها لأم ابن امرأة الميت ، وإن كان الميت امرأة فالمال بين عم العليا لأب وأم وعمها لأم نصفان لأنهما ابنا الميت ، ولا شيء لعمهما لأب لأنه ابن زوج الميت ، وإن كان مع العليا ثلاث عمات متفرقات فهو كذلك إن كان الميت رجلا فعمة العليا لأب وأم وعمتها لأم ابنتا الميت فلهما الثلثان ، وإن كان مع العليا ثلاث إخوة متفرقين فالمال بينها وبين أختها لأب وأم وأختها لأب للذكر مثل حظ الأنثيين ، ولا شيء لأختها لأم لأنها ابنة امرأة ابن الميت ، وإن كان مع العليا ثلاث أخوات متفرقات فأخوتها لأبيها وأمها وأختها لأبيها في درجتها فيكون لهم الثلثان ولا شيء لأختها لأمها لأنها ابنة ابن امرأة ابن الميت ويستوي في هذا الفصل إن كان الميت ذكرا ، أو أنثى فإن كان ترك ثلاث بنات ابن بعضهن أسفل من بعض وثلاث بنات ابن ابن بعضهن أسفل من بعض فنقول العليا من الفريق الثاني في درجة الوسطى من الفريق الأول والوسطى من الفريق الثاني في درجة السفلى من الفريق الأول فيكون للعليا من الفريق الأول النصف وللوسطى من الفريق الأول والعليا من الفريق الثاني السدس تكملة الثلثين ولا شيء لمن سواهن فإن كان مع الوسطى من الفريق الثاني غلام فالباقي بين السفلى من الفريق الأول والوسطى من الفريق الثاني والغلام للذكر مثل حظ الأنثيين ولا شيء للسفلى من الفريق الثاني .

وإن كان الغلام مع السفلى من الفريق الثاني فالباقي بين الغلام وبين من بقي منهن للذكر مثل حظ الأنثيين لما بينا أن الغلام كما يعصب من في درجته يعصب من هو فوقه بدرجة إذا لم يستحق شيئا بالفريضة ، وإن كان الغلام مع العليا من الفريق الثاني فللعليا من الفريق الأول النصف والباقي بين الوسطى من الفريق الأول والعليا من الفريق الثاني والغلام للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كان الغلام مع العليا من الفريق الأول فالمال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين وإن ترك ثلاث بنات ابن بعضهن أسفل من بعض ومع العليا ثلاث بني أعمام متفرقين فالمال بين العليا وبين ابن عمها لأب وأم وبين ابن عمها لأب للذكر مثل حظ الأنثيين لأن ابن عمها في درجة ابن ابن الميت رجلا كان [ ص: 151 ] أو امرأة فإن كان مع العليا ثلاث بنات أعمام متفرقين فللعليا ، وما يكون من هذا الجنس فطريق تخريجه ما بينا ويتصل بهذا الباب مسائل المعاياة ومتشابه الأنساب ، ولكن أورد محمد رحمه الله لذلك بابا في آخر الكتاب فيؤخر البيان إلى ذلك الموضع ليكون أسهل والله أعلم بالصواب . .
باب الإخوة والأخوات ( قال رحمه الله ) الأصل في توريثهم آيتان من كتاب الله تعالى إحداهما قوله تعالى { ، وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ ، أو أخت } معناه أخ ، أو أخت لأم هكذا في قراءة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وتسمى هذه الآية آية النساء لأنها في النساء نزلت والثانية قوله تعالى { يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة } إلى آخر السورة والمراد الإخوة والأخوات لأب وأم ، أو لأب هكذا قاله الصديق رضي الله عنه على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسمى هذه الآية آية الصيف لأن نزولها كان في الصيف ، ثم اختلفت الصحابة رضي الله تعالى عنهم ومن بعدهم في معنى اللفظ المذكور في الآيتين وهو الكلالة أنه عبارة عما خلا عن الولد والوالد ، وفي آية النساء الكلام مبهم جدا ، وفي آية الصيف زيادة بيان بقوله عز وجل { إن امرؤ هلك ليس له ولد } وكان { عمر رضي الله عنه أحرص الناس على السؤال عن الكلالة حتى أنه روي لما ألح على رسول الله صلى الله عليه وسلم في السؤال عنه وضع في صدره فقال أما يكفيك آية الصيف } ، وإنما أحاله على الآية ليجتهد في طلب معناها فينال ثواب المجتهدين وروي أن { ابن عمر رضي الله عنه قال لحفصة رضي الله عنها متى وجدت من رسول الله صلى الله عليه وسلم طيبة نفس فسليه عن الكلالة فلبس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثيابه يوما ليخرج فقالت حفصة أخبرني عن الكلالة يا رسول الله فقال عليه السلام أبوك أمرك بذلك ما أراه يعرف الكلالة فكان عمر رضي الله عنه يقول ما أراني أعرف الكلالة بعد ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال } وكان عمر رضي الله عنه يقول قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يبين لنا ثلاثا ولو علمتها لكان أحب إلي من الدينا ، وما فيها الكلالة والخلابة والربا وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه أني رأيت في الكلالة رأيا فإن يك صوابا فمن الله ورسوله ، وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان أرى الكلالة ما خلا عن الولد والوالد فاتبعه عمر رضي الله عنه على رأيه وقال لا أرضى [ ص: 152 ] من نفسي أني أنسب إلى مخالفة أبي بكر رضي الله عنه وأثبت ذلك في كتف فلما طعن وأيس من نفسه دعا بالكتف ومحاه وقال اشهدوا أني ألقى الله تعالى ولا قول لي في الكلالة ، ثم اتفق أكثر الصحابة أبو بكر وعلي وزيد وابن مسعود رضي الله عنهم أن الكلالة ما عدا الولد والوالد وهو قول جمهور العلماء وقد روي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنه ، وقد صح عنه في زوج وأبوين أن للأم ثلث جميع المال ، ولا يظن به أنه يسقط الأب بالأخ ، ولا أنه ينقص نصيبه من السدس بسبب الأخ ولم يبق السدس يعني أن الله تعالى أثبت للأخ لأم السدس إذا كانت المرأة كلالة وأما إذا ماتت المرأة عن زوج وأبوين وأخ لأم فعلى قول ابن عباس للزوج النصف وللأم ثلث جميع المال ولم يبق إلا السدس فلو كانت المسألة كلالة مع قيام الأب عنده لصار ذلك السدس للأخ لأم فيصير الأب محجوبا بسبب الأخ لأم ، ولا يظن به هذا فعرفنا أن الصحيح من مذهبه أن الكلالة ما خلا الولد والوالد وأظهر الروايتين عنه أن الكلالة ما خلا الولد فإن كان هناك والد فقلت إنهم يقولون ما عدا الوالد والولد فغضب فقال أنتم أعلم أم الله قال الله تعالى { قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد } يعني الكلالة هالك ليس له ولد وعامة الصحابة والعلماء استدلوا بحديث رواه أبو سلمة بن عبد الرحمن { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الكلالة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ليس له ولد ، ولا والد } وأما الآية فقد قيل المراد بقوله { ليس له ولد } وهو يشمل الولد والوالد جميعا فإن اسم الولد مشتق من الولادة ويطلق ذلك على الوالد لتولد الولد منه وعلى الولد لتولده من الوالد كاسم الذرية يتناول الأولاد والآباء قال الله تعالى { وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون } يعني آباءهم فسمي الأب بهذا الاسم لأن الولد ذري منه وسمي به الولد لأنه ذري من الأب والمراد بقوله عز وجل { ليس له ولد } الولد ومن يقوم مقام الولد .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 42.77 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 42.14 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.47%)]