
30-12-2025, 02:47 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,305
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد التاسع والعشرون
صـــ132 الى صـــ 141
(594)
وقد بطلت الجناية في الستة التي عادت إلى الواهب الأول بنقص الهبة لأن الهبة لما بطلت في تلك الستة صارت جنايته على مولاه وجناية المملوك على مولاه خطأ تكون هدرا فإنما تبقى الجناية في ثلاثة أسهم سهمين في يد الموهوب له الأول وسهم في يد الموهوب له الثاني ويدفعان تلك الثلاثة بالجناية فيزداد مال الأول بقدر ثلاثة أسهم وهي السهام الدائرة فاطرح ثلاثة أسهم من نصيب الواهب الأول ويصير العبد على ستة أسهم ثلاثة للواهب الأول بنقص الهبة وثلاثة بالدفع بالجناية ويسلم لورثته ستة أسهم مثلا ما نفذنا فيه الوصية ، ثم يغرم الموهوب له الثاني لورثة الموهوب له الأول ثلث قيمة العبد إلا أن يكون ثلثا الدية أقل لأنه قد أخذ العبد فارغا ، ثم رد السهمين عليهم مشغولا بالجناية ، وقد استحق بذلك الشغل فكأنه تلف عنده إلا أن الورثة كانوا يتمكنون من اختيار الأقل وهو الدفع ، أو الفداء فلا يضمن لهم إلا الأقل ، ولو أنهم اختاروا الفداء فإن كانت قيمة العبد خمسة آلاف أو أقل يرد الثالث على ورثة الثاني بثلثيه ، ثم فدوه بعشرة آلاف الثالث بثلث الدية وورثة الثاني بثلثي الدية فيصير كأن الأول ترك خمسة عشر ألفا فتجوز الهبة في جميع العبد ، ثم يضمن الثالث لورثة الثاني ثلثي قيمته لأنه أخذ عبدا فارغا على طريق التملك ورده مشغولا [ ص: 133 ] وقد استحق بذلك الشغل ، وإن كانت قيمته أكثر من خمسة آلاف وكانت ستة آلاف فإن الهبة تجوز في ثلاثة أرباع العبد لأنا نجيز الهبة من الأول في ثلث العبد فيفدون ذلك بمثله ومثل ثلثه فيزداد مال الأول سهما وثلثين فاطرح من نصيب الأول سهما وثلثي سهم يبقى لورثة الواهب الأول ثلث سهم وجازت الهبة في سهم .
فإذا جعلت كل ثلث سهما جازت الهبة له في ثلاثة أرباعه ، ثم تجوز الهبة للثاني في سهم من الثلاثة ، ثم يفديان تلك الثلاثة بمثلها ومثل ثلثيها ، وذلك خمسة فيصير للأول ستة مثلا ما نفذنا فيه الوصية ، ثم يرجع الموهوب له الأول على الثاني بقيمة سهمين وهو نصف العبد في الحاصل لأنه استحق بسبب كان في ضمانه فإن كانت قيمته عشرين ألفا فإن الهبة تجوز في خمسي العبد لأن الهبة من الأول تجوز في الأصل في سهم من ثلاثة ، ثم يفديان ذلك بمثل نصفه فإن الدية مثل نصف القيمة فإنما يطرح من نصيب الأول نصف سهم فيصير العبد على سهمين ونصف أضعفه للكسر فيكون خمسة ، ثم تجوز الهبة في سهمين وتبطل في ثلاثة فيفديان ذلك بسهم واحد فيصير للأول أربعة مثلا ما نفذنا فيه الوصية ، ثم رجع ورثة الثاني بما أدوا من ذلك على الثالث لأن ما أدوا هو الأقل ، وإنما لزمهم ذلك بجناية كانت من العبد في ضمان الثالث ، وإن اختار الثالث الفداء وورثة الثاني الدفع وقيمته خمسة آلاف فإنه تجوز الهبة للثاني في ثلاثة أخماس العبد ومن الثاني للثالث في خمس العبد لأنك تجعل العبد على تسعة لحاجتك إلى حساب له ثلث ولثلثه ثلث فيجوز للأول ثلاثة وللثاني من ذلك واحد ، ثم يدفع الأول السهمين ويفدي الثاني سهمه بسهمين لأن الدية بنصف القيمة فيرجع إلى الواهب الأول أربعة ويزداد ماله بذلك فالسبيل أن يطرح أربعة من ورثته يبقى لهم سهمان وصار العبد كله خمسة للواهب الأول سهمان وللأوسط سهمان وللثالث سهم ، ثم يدفع الأوسط سهميه ويفدي الثالث سهمه بسهمين من الدية فيصير للورثة ستة أسهم مثلا ما نفذنا فيه الوصية ، ثم يرجع ورثة الموهوب له الأول على الثاني بقيمة الخمسين لأنه استحق ذلك من أيديهم بجناية كانت في ضمانه .
وعلى طريق الدينار والدرهم السبيل أن تجعل العبد درهما ودنانير فتجوز هبة الأول في ثلاثة دنانير وهبة الثاني في دينارين ، ثم يدفع ورثة الثاني الدينارين ويفدي الثالث ديناره بدينارين فيصير للواهب الأول درهم فأربعة دنانير تعدل ستة دنانير لأنا جوزنا هبة الأول في ثلاثة دنانير فأربعة دنانير بمثلها قصاص في درهم يعدل دينارين فاقلب الفضة وعد إلى الأصل ، وقد كنا جعلنا العبد درهما وثلاثة دنانير الدرهم اثنان وكل دينار [ ص: 134 ] واحد فذلك خمسة ، ثم أجزنا الهبة في ثلاثة دنانير وهو ثلاثة أخماس العبد كما بينا .
وعلى طريق الجبر تجعل العبد مالا ، ثم تجيز الهبة للأول في ثلاثة أشياء وللثاني في شيء ، ثم يدفع ورثة الأول شيئين ويفدي الثالث شيئا بشيئين فيصير للواهب الأول مال وشيء يعدل ستة أشياء فالشيء بمثله قصاص وبقي مال كامل يعدل خمسة أشياء ، وقد أجزنا الهبة في ثلاثة أشياء فذلك ثلاثة أخماس العبد ، وإن اختار الثالث الدفع واختار ورثة الثاني الفداء جازت الهبة للثاني في ثلاثة أرباع العبد وللثالث في ربعه ويرجع ربعه إلى ورثة المقتول بانتقاص الهبة وربعه يدفع للثالث ويفدي ورثة الثاني بنصف الدية لأنك تجعل العبد على تسعة ، ثم يدفع الثالث سهمه ويفدي الثاني سهميه بأربعة فيزداد مال الواهب الأول بخمسة فيطرح من نصيب ورثته يبقى لهم سهم وللثاني وللثالث ثلاثة فصار العبد كله أربعة فتجوز الهبة في ثلاثة أرباعه للأوسط من ذلك سهمان والثالث سهم ، ثم يدفع الثالث سهمه ويفدي الأوسط سهميه بأربعة فيصير لورثة الأول ستة مثلا ما نفذنا فيه الوصية ويرجع ورثة الثاني على الثالث بنصف قيمة العبد كما بينا ، ولو كان العبد قتل المريض الآخر ولم يقتل الأول فإن الهبة تنتقص في الثلثين فيرد ذلك إلى ورثة المقتول فيردونه إلى ورثة الواهب الأول ، ولا شيء فيه من الجناية إما لأنه جنى على سيده أو لأنه إن اعتبر حكم الجناية فيه لم يكن مفيدا ، وإنما الحق لورثة الواهب الأول في ذلك فيرجعون به في تركة الموهوب له ويبقى ثلث العبد فإن اختار الثالث دفعه فعلى الثالث أن يدفع ذلك الثلث نصفه بنقص الهبة ونصفه بالدفع بالجناية لأن ذلك الثلث فيما بين الموهوب له الأول والموهوب له الآخر بمنزلة عبد تام وهبه من رجل في مرضه ، ثم قتل العبد الواهب ، وقد بينا في العبد التام أن الموهوب له إذا اختار الدفع رد نصفه بنقص الهبة ودفع نصفه بالجناية . فكذلك الثلث فإن اختاروا الفداء فداه بثلث الدية وتجوز الهبة في ذلك الثلث إذا كانت قيمته خمسة ، أو أقل يعني إذا كانت قيمة العبد خمسة آلاف ، أو أن قيمته ثلاثة آلاف وثلثا ألف . فإذا فداه بثلث الدية وهو ثلاثة آلاف وثلث يسلم لورثة الأوسط ضعف ما نفذنا فيه هبة الأوسط فيستقيم الثلث والثلثان .
وإن كانت قيمته أكثر من خمسة آلاف عملت في هذا الثلث بعد أن تجعل في هذا الثلث ثلث النفس فيجعل كعبد كامل جنى على ثلث النفس ، ولو كان العبد قتل الأول والثاني جميعا واختار الثالث وورثة الثاني الدفع فإنه تجوز الهبة من الأول للثاني في خمسة أسهم من أحد عشر سهما ومن الثاني للثالث في سهمين لأنك تجعل [ ص: 135 ] العبد على تسعة ستة للأول لا جناية فيها وسهمان للأوسط فيهما جناية واحدة وهي الجناية على الأول وسهم للآخر فيه جنايتان جناية على الأول وجناية على الأوسط فاجعل ذلك السهم على سهمين وأضعف الحساب للكسر بالأنصاف فيكون ثمانية عشر للأول اثنا عشر وللأوسط أربعة وللآخر سهمان ، ثم يدفع الآخر إلى الأوسط سهما واحدا فيزداد نصيبه بسهم فاطرح من نصيبه سهما يبقى نصيبه ثلاثة ونصيب الثالث سهمين فيصير ثلث العبد على خمسة فيكون كله خمسة عشر ، ثم يدفع الثالث إلى الأوسط سهما واحدا فيصير له أربعة مثلا ما نفذنا فيه الوصية ، ثم يدفع الآخر سهمه الثاني إلى الأول ويدفع الأوسط ثلاثة أسهم أيضا إلى الأول فيزداد نصيبه بأربعة وهي السهام الدائرة فيطرح من نصيبه أربعة ، وقد كان سهامه عشرة يبقى ستة ويصير العبد كله أحد عشر ، ثم يدفع الأوسط والآخر إلى الأول أربعة فيصير لورثته عشرة مثلا ما نفذنا فيه الوصية ، ثم يرجع ورثة الواهب الثاني على الثالث بقيمة ثلاثة أسهم من أحد عشر سهما كما بينا ، وإن اختاروا جميعا الفداء وقيمته خمسة آلاف ، أو أقل فالفداء كله على الثالث يسلم له العبد ويؤدي الديتين لأنه يفدي الأول بعشرة آلاف والأوسط بعشرة آلاف فيكون العبد خارجا من ثلث كل واحد منهما .
وكذلك إن اختار الثالث الفداء من الثاني خاصة لأنه يزداد مال الواهب الثاني فإن ماله يصير خمسة عشر ألفا فتجوز الهبة في جميع العبد ويزداد أيضا مال الواهب الأول لأن الآخر يدفع نصف العبد إلى الأول ويغرم الأوسط ثلثي قيمة العبد للأول لأنه أتلفه بالهبة من الثاني قالوا وهذا الجواب غير صحيح لأن مال الأوسط إذا صار خمسة عشر ألفا فإنما يبدأ بقضاء دينه ، وذلك ثلثا قيمة الواهب الأول فلا يخرج العبد من ثلث ماله بعد قضاء الدين لتصحيح الهبة من الثاني في جميع العبد إلا أن يحمل على أنه كان قيمته ألف درهم فحينئذ يكون الجواب صحيحا ، ولو كانت عشرة آلاف واختار الفداء بطل هبة الأول في نصف العبد وهبة الثاني في نصف النصف والحاصل أن الهبة عند اختيارهما الفداء تجعل على تسعة أسهم للأول ستة وللأوسط سهمان وللآخر سهم ، ثم إن الآخر فدى الأوسط بسهم فإن الدية مثل القيمة فيطرح من نصيب الأوسط سهم فيصير ثلث العبد على سهمين والعبد كله ستة للأول أربعة وللأوسط سهم وللثالث سهم ، ثم يفدي الثالث الأوسط بسهم فيصير للأوسط سهمان مثلا ما نفذنا فيه الوصية ، ثم يفدي الثالث للأول بسهم ويفديه الأوسط أيضا بسهم فتظهر الزيادة في مال الأول بسهمين ونطرح من نصيب الأول سهمين [ ص: 136 ] فيصير العبد كله أربعة أسهم للأول سهمان وللأوسط سهم وللثالث سهم ، ثم يدفعان السهمين إلى الأول فيصير للأول أربعة مثلا ما نفذنا فيه الوصية فكان مستقيما على ما بينا من حاصل الجواب والله أعلم بالصواب
كتاب الفرائض قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي رحمه الله إملاء اعلم بأن الفرائض من أهم العلوم بعد معرفة أركان الدين حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على تعليمها وتعلمها كما رواه ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { تعلموا القرآن وعلموه الناس وتعلموا الفرائض وعلموها الناس فإني امرؤ مقبوض وسيقبض هذا العلم من بعدي حتى يتنازع الرجلان في فريضة فلا يجدان من يفصل بينهما } وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول لأصحابه عند رواية هذا الحديث تعلموا الفرائض ، ولا يكونن أحدكم كرجل لقيه أعرابي فقال أمهاجر أنت قال فإن إنسانا من أهلي مات فكيف يقسم ميراثه قال لا أدري قال فما فضلكم علينا تقرءون القرآن ولا تعلمون الفرائض ، وفي حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { تعلموا العلم وعلموه الناس وتعلموا الفرائض فإنها نصف العلم وهي أول ما ينزع من بين أمتي } ، وقد كان أكثر مذاكرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم إذا اجتمعوا في علم الفرائض ومدحوا على ذلك حتى قال عليه السلام { أقرؤكم لكتاب الله أبي بن كعب وأقضاكم علي وأفرضكم زيد وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل } رضي الله عنهم أجمعين فقد نوه بذكر زيد في علم الفرائض ، ثم طرق الفرضيين قد اختلفت في شرح هذا الكتاب فمن بين مطول أمل ومن بين موجز أخل فالسبيل أن نجري القصد وندع التطويل بذكر ما لا يحتاج إليه والإخلال بترك نص ما يحتاج إليه فإن خير الأمور أوسطها فنقول إذا مات ابن آدم يبدأ من تركته بالأقوى فالأقوى من الحقوق عرف ذلك بقضية العقول وشواهد الأصول فأول ما يبدأ به تجهيزه وتكفينه ودفنه بالمعروف كما روي { أن ابن عمر رضي الله عنه لما استشهد يوم أحد لم يوجد له إلا نمرة فكان إذا كان غطي بها رأسه بدا رجلاه وإذا غطي بها رجلاه بدا رأسه فأمر صلى الله عليه وسلم أن يغطى بها رأسه ويجعل على رجليه من الإذخر } .
، وقد نقل [ ص: 137 ] ذلك في حال حمزة رضي الله عنه أيضا ولم يسأل عن الدين عليهما فلو كان الدين مقدما على الكفن لسأل عن ذلك كما سأل عن الدين حتى كان لا يصلي على من مات وعليه دين فقال { هل على صاحبكم دين } ثم الكفن لباسه بعد وفاته فيعتبر بلباسه في حياته ولباسه في حياته مقدم على دينه حتى لا يباع على المديون ما عليه من ثيابه . فكذلك لباسه بعد موته ومن مات ، ولا شيء له يجب على المسلمين تكفينه فيكفن من مال بيت المال ، وماله يكون أقرب إليه من مال بيت المال وبهذا يتبين أن الكفن أقوى من الدين فإنه لا يجب على المسلمين قضاء دينه من بيت المال ، ثم بعد الكفن يقدم الدين على الوصية والميراث لحديث علي رضي الله عنه قال إنكم تقرون الوصية قبل الدين ، وقد شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ بالدين قبل الوصية وقيل لابن عباس رضي الله عنه إنك تأمر بالعمرة قبل الحج ، وقد بدأ الله تعالى بالحج فقال { وأتموا الحج والعمرة لله } فقال كيف تقرءون آية الدين فقالوا { من بعد وصية يوصى بها أو دين } فقال بماذا يبدأ فقالوا بالدين قال هو ذلك ، ولأن قضاء الدين من أصول حوائجه فإنه يفك به رهانه وتنفيذ الوصية ليس من أصول حوائجه ، ثم قضاء الدين مستحق عليه والوصية لم تكن مستحقة عليه وصاحب الدين ليس يتملك ما يأخذ عليه ابتداء ، ولكنه في الحكم يأخذ ما كان له ولهذا ينفرد به إذا ظفر بجنس حقه والموصى له يتملك ابتداء بطريق التبرع وأيد هذا كله ما روي { أن رجلا أعتق عبدا في مرضه وعليه دين فاستسعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قيمته } ، وإنما فعل ذلك لأنه قدم الدين على الوصية .
وعلى هذا قال علماؤنا رحمهم الله الدين إذا كان محيطا بالتركة يمنع ملك الوارث في التركة ، وإن لم يكن محيطا . فكذلك في قول أبي حنيفة رحمه الله الأول ، وفي قوله الآخر لا يمنع ملك الوارث بحال لأنه يخلف المورث في المال والمال كان مملوكا للميت في حال حياته مع اشتغاله بالدين كالمرهون . فكذلك يكون ملكا للوارث وحجتنا في ذلك قوله تعالى { من بعد وصية يوصى بها أو دين } فقد جعل الله تعالى أوان الميراث ما بعد قضاء الدين والحكم لا يسبق أوانه فيكون حال الدين كحال حياة المورث في المعنى ، ثم الوارث يخلفه فيما يفضل من حاجته . فأما المشغول بحاجته لا يخلفه وارثه فيه .
وإذا كان الدين محيطا بتركته فالمال مشغول بحاجته وقيام الأصل يمنع ظهور حكم الخلف ، ولا يقول يبقى مملوكا بغير مالك ، ولكن تبقى مالكية المديون في ماله حكما لبقاء حاجته وأصل هذه المسألة فيما بيناه في النكاح أن المكاتب لا يعتبر ميراثا للوارث بموت المولى عندنا لبقاء حاجته إلى ولاية ، وعند الشافعي رحمه الله [ ص: 138 ] يصير ميراثا بعد قضاء الدين تقدم الوصية في محلها على الميراث ومحل الوصية الثلث قال عليه السلام { إن الله تعالى تصدق عليكم بثلث أموالكم } ففي مقدار الثلث تقدم الوصية على الميراث لأن الله تعالى جعل الميراث بعد الوصية ولأن تنفيذ الوصية من حوائج الميت أيضا .
فأما ما زاد عن الثلث لا يظهر فيه تقديم الوصية لأن حق الوارث فيه يمنع الوصية إلا أن يجيز الوارث وبعد تنفيذ الوصية يقسم الميراث فنقول الأسباب التي بها يتوارث ثلاثة الرحم والنكاح والولاء والولاء نوعان ولاء نعمة وولاء موالاة وكل واحد منهما سبب الإرث عندنا على ترتيب بينهما وبينه والأسباب التي بها يحرم الميراث ثلاثة الرق واختلاف الدين ومباشرة القتل بغير حق في حق من يتحقق منه التقصير شرعا والوارثون أصناف ثلاثة أصحاب الفرائض والعصبات وذوو الأرحام وأصحاب الفرائض هم الذين لهم سهام مقدرة ثابتة بالكتاب والسنة أو الإجماع والعصبات أصناف ثلاثة عصبة بنفسه وعصبة بغيره وعصبة مع غيره فالعصبة بنفسه الذكر الذي لا يفارقه الذكور في نسبته إلى الميت والعصبة بغيره الأنثى التي تصير عصبة بمن في درجتها من الذكر كالبنات بالبنين والأخوات بالإخوة والعصبة مع غيره كالأخوات يصرن عصبة مع البنات وفرق فيما بين العصبة بغيره والعصبة مع غيره أنه لا يكون عصبة بغيره إلا ، وأن يكون ذلك الغير عصبة والعصبة مع غيره أن لا يكون ذلك الغير عصبة في نفسه كالأخوات مع البنات فالبنت ليست عصبة بنفسها والأخت تصير عصبة معها وذوو الأرحام ما عدا هذين الصنفين من القرابة ، ثم أقوى أسباب الأرث العصوبة فإنه يستحق بها جميع المال ولا يستحق بالفريضة جميع المال والعصوبة في كونها سببا للإرث مجمع عليها بخلاف الرحم فكانت العصوبة أقوى الأسباب ، ثم إن محمدا رحمه الله بدأ الكتاب ببيان ميراث الآباء ، وقد استحسن مشايخنا رحمهم الله البداءة ببيان ميراث الأولاد اقتداء بكتاب الله فقد قال الله عز وجل { يوصيكم الله في أولادكم } ، ولأن الابن مقدم في العصوبة على الأب ، وقد بينا أن أقوى الأسباب العصوبة فقدمنا بيان ميراث الأولاد لهذا والله أعلم بالصواب . .
باب الأولاد ( قال رحمه الله ) اعلم أن الابن الواحد يحرز جميع المال ثبت ذلك بإشارة النص فإن الله تعالى قال { للذكر مثل حظ الأنثيين } ، ثم جعل للبنت الواحدة النصف بقوله تعالى { وإن [ ص: 139 ] كانت واحدة فلها النصف } وثبت أن للذكر ضعف هذا وضعف النصف الجميع . وثبت ذلك استدلالا بآية الإخوة فإن الله تعالى قال { وهو يرثها إن لم يكن لها ولد } أي يرثها جميع المال .
وإذا ثبت بالنص أن للأخ جميع المال ثبت للابن بدلالة النص لأن الأخ ولد أبيها وولدها أقرب إليها من ولد أبيها والميراث ينبني على الأقرب . قال الله تعالى { مما ترك الولدان والأقربون } وزيادة القرب تدل على قوة الاستحقاق إلا أن الله تعالى لم ينص على جميع المال للبنين لأن ذلك كان معروفا فيما بين العرب فقد كانوا في الجاهلية لا يورثون إلا البنين ومنهم من كان لا يورث إلا الكبار من البنين الذين يحملون السلاح ويورثون العشيرة فإنما بين ما لم يكن معلوما لهم فإن اجتمع البنون فالمال بينهم بالسوية لاستوائهم في سبب الاستحقاق وللبنت الواحدة إذا انفردت النصف ثبت ذلك بالنص وهو قوله تعالى { وإن كانت واحدة فلها النصف } واستدلالا أيضا بميراث الأخت فقد قال الله تعالى { وله أخت فلها نصف ما ترك } والبنت أقرب إليه من الأخت فإن كن ثلاثا فصاعدا فلهن الثلثان بالنص وهو قوله تعالى { فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك } فهذا تنصيص على أنه لا يزاد للبنات على الثلثين عند الانفراد ، وإن كثرن { فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان } في قول عامة الصحابة رضوان الله عليهم وهو قول جمهور الفقهاء وكان ابن عباس يقول للبنين النصف ويستدل بظاهر الآية فإن الله تعالى شرط في استحقاق البنات الثلثين أن يكن فوق اثنتين والمعلق بالشرط معدوم قبل الشرط ، وقد تجاذب البنين حالتان إما أن تعتبرهما بالثلاث ، أو بالواحدة واعتبارهما بالواحدة أولى لأن في اعتبارهما بالثلاث إبطال شرط منصوص والقياس لإبطال النص باطل ، وفي أول الآية ما يدل على أن للابنتين النصف لأن الله تعالى قال { للذكر مثل حظ الأنثيين } ومن ترك ابنا وابنتين فللابن النصف ، وهذا إشارة إلى أن حظ الأنثيين النصف ، وفي قوله تعالى فلهن دليل أيضا على ذلك لأن هذا لفظ الجمع والجمع المتفق عليه ثلاثة فأهل اللغة جعلوا الكلام على ثلاثة أوجه الفرد والتثنية والجمع فكان اتفاقا منهم على أن التثنية غير الجمع وللواحد عندهم أبنية مختلفة وكذلك للجمع وليس للتثنية إلا بناء واحدا ومن حيث المعقول في المعنى يعارض الفردين فلا يظهر ترجيح أحد الجانبين وفي الثلاث تتعارض البنات مع الفرد فيترجح جانب الجمع على جانب الفرد .
وإذا ثبت أن اسم الجمع لا يتناول ما دون الثلاث فقد ظهر إلحاق البنتين بالواحدة هذا بيان أصل ابن عباس رضي الله عنه في هذا ، وفي الإخوة في حكم الحجب وحجتنا في ذلك [ ص: 140 ] قوله تعالى { للذكر مثل حظ الأنثيين } فقد جعل للذكر حالة الاختلاط مثل نصيب الابنتين وأدنى الاختلاط أن يجمع ابن وبنت وللابن هنا الثلثان بالاتفاق فعرفنا أن حظ الأنثيين الثلثان ولما صار نصيب البنين معلوما بهذه الإشارة لم يذكر الله تعالى نصيب البنتين أيضا وذكر نصيب ما فوق البنتين بقوله عز وجل { فإن كن نساء فوق اثنتين } والدليل على صحة ما قلنا سبب نزول الآية فإن { سعد بن الربيع رضي الله عنه لما استشهد يوم بدر وكان خلف بنتين وامرأة فاستولى الأخ على ماله فجاءت امرأته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت إن سعدا قتل معك وخلف ابنتين ، وقد غلب عمهما على مالهما ، ولا يرغب في النساء إلا بمال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينزل الله في ذلك شيئا ، ثم ظهر أثر الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما سرى عنه قال النبي عليه السلام قفوا مال سعد فقد أنزل الله تعالى في ذلك ما إن بينه لي بينته لكم وتلا عليهم قوله تعالى { للرجال نصيب } الآية ، ثم نزل قوله تعالى { يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين } فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أخا سعد وأمره أن يعطي البنتين الثلثين وللمرأة الثمن وله ما بقي } .
وفي الحديث المعروف أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه سئل عن فريضة فيها بنت وابنة ابن وأخ فجعل للابنة النصف وللأخ ما بقي فبلغ ذلك ابن مسعود رضي الله عنه فقال لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول للابنة النصف ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين والباقي للأخ فهذا دليل على استحقاق البنتين الثلثين بطريق الأولى لأن حال البنتين أقوى من حالة الابنة وابنة الابن والدليل عليه أن حالة التثنية في معنى حالة الجمع لوجود الاجتماع وانضمام أحد الفردين إلى الآخر ، ولا معنى في الجمع سوى هذا ومن حيث الحكم الإمام يتقدم على المثنى كما يتقدم على الجماعة وإليه إشارة النبي صلى الله عليه وسلم بقوله { الاثنان فما فوقهما جماعة } وقيل في تأويل قوله تعالى { فإن كن نساء فوق اثنتين } أي اثنتين فما فوقهما وكلمة فوق صلة فيه كما في قوله تعالى { فاضربوا فوق الأعناق } يعني مع الأعناق مع أنا قد سلمنا أن في هذا اللفظ بيان نصيب الثالث والتعليق بالشرط عندنا لا يوجب نفي الحكم عند عدم الشرط بل يجوز أن يثبت الحكم بدليل آخر ، وقد أثبتنا بإشارة النص أن للبنتين الثلثين كما قررنا فإن اختلط الذكور بالإناث من الأولاد فالمال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين بالنص واستدلالا بميراث الإخوة فقد قال الله تعالى { وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين } والأولاد أقرب [ ص: 141 ] من الإخوة وأولاد الابن يقومون مقام أولاد الصلب عند عدم أولاد الصلب في جميع ما ذكرنا لقوله تعالى { يوصيكم الله في أولادكم } واسم الأولاد يتناول أولاد الابن مجازا قال الله تعالى { يا بني آدم } .
وعند نزول الآية لم يكن بقي أحد من صلب آدم عليه السلام وقال ابن عباس رضي الله عنه لرجل أي أب لك أكبر فتحير الرجل ولم يفهم ما قال له فتلا ابن عباس قوله عز وجل { يا بني آدم } وجعل يقول من كنت ابنه فهو أبوك فإن اجتمع أولاد الصلب وأولاد الابن فإن كان في أولاد الصلب ذكر فلا شيء لأولاد الابن ذكورا كانوا ، أو إناثا أو مختلطين لأن الذكر من أولاد الصلب مستحق لجميع المال باعتبار حقيقة الاسم ، وعند العمل بالحقيقة يسقط اعتبار المجاز فإن الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ واحد في حالة واحدة متعذر والدليل على أن الاسم يتناول أولاد الابن مجازا أنه يستقيم نفيه عنه بإثبات غيره فيقال ليسوا بنيه ولكنهم بنو ابنه ، وهذا حد المجاز مع الحقيقة لأنه لا يمكن نفي الحقيقة ويمكن نفي المجاز بإثبات غيره والدليل عليه أن أولاد الابن يدلون بالابن ويرثون بمثل نسبه فيحجبون به كالأجداد بالأب والجدات بالأم بخلاف الإخوة لأم فإنهم يرثون مع الأم ، وإن كانوا يدلون بها لأنهم لا يرثون بمثل نسبها فإنها ترث بالأمومة وهم بالأخوة وأيد ما ذكرنا قوله عليه السلام { ما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر } وأولى رجل ذكر الابن دون أولاد الابن فإن لم يكن في أولاد الصلب ذكر ، ولا في أولاد الابن ذكر فإن كانت ابنة الصلب واحدة فلها النصف ولبنات الابن السدس تكملة الثلثين واحدة كانت أو أكثر من ذلك لحديث ابن مسعود وإن كانت ابنة الصلب بنتين فلهما الثلثان ، ولا شيء لبنات الابن لأن حظ البنات الثلثان ، وقد استحق البنتان جميع ذلك فلم يبق من حق البنات شيء لبنات الابن ، وإن لم يكن في أولاد الصلب ذكر وكان في أولاد الابن ذكر فإن انفرد الذكور من أولاد الابن فالباقي بعد نصيب البنات لهم نصفا كان ، أو ثلثا لقوله عليه السلام { ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت فلأول رجل ذكر } ، ولا يقال بأن هذا جمع بين الحقيقة والمجاز لأن الاسم يتناول أولاد الصلب حقيقة وأولاد الابن مجازا وهذا لأن ما يعتبر فيه الحقيقة لا يعتبر فيه المجاز وهو ما استحقه بنات الصلب .
فأما ما زاد على ذلك فالحقيقة غير معمول بها في استحقاق ذلك ، وإنما يعمل بالمجاز في استحقاق ما لم يثبت فيه الاستحقاق باعتبار الحقيقة فلا يكون جمعا بين الحقيقة والمجاز فإن اختلط الذكور بالإناث من أولاد الابن فنقول إن كان بنات الصلب بنتين فصاعدا فلهن الثلثان والباقي بين [ ص: 142 ] أولاد الابن للذكر مثل حظ الأنثيين عند علي وزيد رضي الله عنهما وهو قول جمهور العلماء وكان ابن مسعود يقول الباقي لبني الابن خاصة ، ولا شيء لبنات الابن فإن كانت ابنة الصلب واحدة فلها النصف والباقي بين أولاد الابن للذكر مثل حظ الأنثيين عند علي وزيد ، وعند عبد الله بن مسعود ينظر إلى المقاسمة والسدس لبنات الابن فأي ذلك كان شرا لهن فلهن ذلك والباقي لبني الابن ويسمى هذا الجنس مسائل الإضرار .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|