
30-12-2025, 03:44 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,586
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد التاسع والعشرون
صـــ122 الى صـــ 131
(593)
فأما إذا قتل فقد وجبت القيمة على القاتل وهو قائم مقام العبد فيتحول من الآخر إلى القيمة ، ويكون حقه في نصف القيمة وحق الأول في نصف الدية ، أو يقال يحتمل أن موضع المسألة فيما إذا كانت قيمة العبد مثل الدية ، أو أكثر فلو دفع المولى نصف العبد إلى أحدهما واختار الفداء في النصف الآخر فقد ذكر في الجامع أن اختيار دفع النصف إلى أحدهما يكون اختيارا في حق الآخر ، وفي كتاب الصلح ذكر أن اختياره دفع ثلث العبد إلى أحدهما بطريق الصلح لا يكون اختيارا في حق الآخر ، وقد وفق بعض مشايخنا رحمهم الله بين الروايتين فقالوا ما ذكر في كتاب الصلح أن المصالحة تجوز بدون حقه ، وإنما اختيار الدفع إليه بناء على هذا .
فأما إذا اختار دفع نصف العبد إليه يكون اختيارا في حق الآخر كما ذكره في الجامع ، ولكن يتبين بما ذكر هنا أن الجواب سواه ، وأن اختيار دفع النصف إلى أحدهما لا يكون اختيارا للدفع في حق الآخر لأنه يقول دفع النصف إلى أحدهما اختيار الفداء في النصف الآخر فصارت المسألة على روايتين وجه تلك الرواية أن الأولياء يقومون مقام الميت والحق في الحاصل للميت فهم [ ص: 123 ] جميعا كشخص واحد في حق ذلك فيكون اختياره في حق البعض اختيارا في حق الكل ووجه هذه الرواية هو أن الحق قد تفرق بين الوليين فصار لكل واحد منهما نصفه ويجعل هذا في الحكم كجناية العبد على شخصين فلا يكون اختيار الدفع في نصيب أحدهما اختيارا للدفع في نصيب الآخر . فإذا اختار الفداء في نصيب الآخر وهو معسر لا يقدر على شيء فإنه يرجع على صاحبه بربع الدية إلا أن يشاء صاحبه أن يعطيه نصف قيمة العبدان كان مستهلكا ، وهذا قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله إلا أن مذهبهما إذا كان معسرا كان اختياره باطلا ويجبر على دفع العبد بالجناية فيصير الآخر ضامنا له نصف ما قبضه على وجه التملك وهو ربع قيمة العبد إلا أن يشاء أن يعطيه ربع الدية ، وفي قياس قول أبي حنيفة رحمه الله اختياره صحيح ، وإن كان معسرا ، وقد بينا المسألة في الديات ، وإنما حق الآخر في ذمة المولى يطالبه به إذا أيسر ولا سبيل على شريكه .
ولو وهب المريض عبده لرجل بثلث ماله وقيمته ألف درهم فإن اختار المولى الدفع دفعه كله خمسه بالجناية وأربعة أخماسه بنقض الهبة لأن الهبة إنما تجوز في سدس العبد ووصية الآخر بالسدس أيضا فإن الثلث بينهما نصفين لاستواء حقهما فيه وللورثة أربعة أسهم ، ثم يدفع السهم الذي جازت الهبة فيه بالجناية فيصير للورثة خمسة وحاجتهم إلى أربعة فظهرت الزيادة في نصيبهم سهم وهو السهم الدائر فيطرح ذلك من أصل حقهم يبقى حقهم في ثلاثة وحق الموصى له في سهم وحق الموهوب له في سهم فيكون العبد على خمسة ، ثم يدفع الموهوب له خمسة بالجناية فيصير للورثة أربعة مثلا ما نفذنا فيه الوصية ويصير في الحكم كأن المريض مات عن عبد وخمس عبد على قياس ما تقدم من المسائل ، ثم هذا الجواب مبني على قول أبي حنيفة . فأما عندهما ينبغي أن يضرب الموصى له بثلث العبد وبثلث خمس العبد لأن الميت في الحكم إنما ترك عبدا وخمسا فالموصى له بالثلث يضرب في الثلث بجميع ذلك والموهوب له يضرب بالثلث بجميع العبد كما هو مذهبهما أن الموصى له عند عدم إجازة الورثة يضرب بجميع وصيته ، وإن كان أكثر من الثلث وعلى قول أبي حنيفة رحمه الله لا يضرب إلا بمقدار الثلث فإنما تتحقق المساواة بينهما على أصل أبي حنيفة رحمه الله فعرفنا أن الجواب بناء على مذهبه ، وإن اختار الفداء فداه بجميع الهبة فإن الهبة تصح بجميع العبد فإن ماله في الحاصل أحد عشر ألفا الدية والعبد فيكون نصيب الموهوب له من الثلث مقدار قيمة العبد فلهذا جازت الهبة في جميعه فيفديه بعشرة آلاف ، ثم يعطى الموصى له بالثلث من الدية إلى تمام الثلث [ ص: 124 ] وثلث ماله ثلاثة آلاف وثلثا ألف ، وقد سلم للموهوب له مقدار ألف فيأخذ الموصى له من الدية ألفين وثلثي ألف ويسلم للورثة سبعة آلاف وثلث ألف ، وقد نفذنا الوصية في ثلاثة آلاف وثلثي ألف فاستقام الثلث والثلثان .
وإن كانت قيمته ألفي درهم فإن اختار الدفع فالجواب كما بينا ، وإن اختار الفداء فإنه يفديه بجميع الدية لأنه يصير مال الميت اثني عشر ألفا فيكون ثلثه أربعة آلاف وللموهوب له نصف الثلث فعرفنا أن قيمة العبد لم تزد على مقدار حقه فلهذا جازت الهبة في جميع العبد ويسلم للموصى له ما بقي من الثلث ، وذلك ألفا درهم وللورثة ثمانية آلاف فيستقيم الثلث فإن قيل هذا الجواب يحتمل أن أحدهما موصى له بثلث المال ، وذلك أربعة آلاف والآخر موصى له بالعبد وقيمته ألفان فكيف يجعل الثلث بينهما نصفين وحق أحدهما ضعف حق الآخر بل ينبغي أن يجعل الثلث بينهما أثلاثا قلنا هو كذلك في الحقيقة ، وإنما جعل الثلث بينهما نصفين للضرورة لأنه لو لم ينقص حق الموهوب له احتاج إلى نقص الهبة في بعض الهبة وبقدر ذلك ينقص من الدية لأنه إنما يلزمه من الفداء بقدر ما تجوز فيه الهبة .
فأما ما تنتقص فيه الهبة من العبد لا يجب على الموهوب له أن يفديه . وإذا انتقص الفداء انتقص حق الموصى له بالثلث فلم يبق هنا وجه سوى تصحيح الهبة في جميع العبد ليفديه بجميع الدية فإن في ذلك توفير المنفعة على الموصى له بالثلث وحكي أن ابن جماعة رحمه الله كتب إلى محمد رحمه الله حين كان بالرقة أن هذه المسألة لا تخرج على الأصول المعروفة فكتب إليه محمد رحمه الله هو كما قلت ، وإنما لم نعرف حسابا يتبين لنا به قدر مال الميت فإنا كلما نقصنا الهبة في شيء انتقص مال الميت بقدره فإن كان عندك ذلك الحساب فمن علينا به ، وإن كانت قيمته أكثر من ألفين فإن اختار الدفع رد أربعة أخماسه بنقص الهبة ويدفع الخمس بالجناية ، ويكون للموصى له خمس العبد لما بينا في الفصل الأول فإن الطريق عند اختيار الدفع لا يختلف ، وإن قال أنا أفدي وقيمة العبد ثلاثة آلاف رد خمسة أثمانه بنقص الهبة وفدى ثلاثة أثمانه بثلاثة أثمان الدية ويعطى الموصى له بالثلث من الدية مثل ثلاثة أثمان العبد ، وما بقي فهو للورثة لأن تجويز الهبة في جميع العبد هنا غير ممكن فإنه لا يفديه بأكثر من عشرة آلاف فصار مال الميت ثلاثة عشر ألفا فثلث ماله أربعة آلاف وثلث ألف . فإذا جوزنا الهبة في جميع العبد لم يبق للموصى له من الثلث إلا ألف وثلث ، ولا يجوز أن تكون وصيته أقل من وصية العبد . فإذا تعذر تنفيذ الهبة في جميعه قلنا السبيل في معرفة مقدار ما تجوز فيه الهبة أن تقول الهبة يكون على ستة أسهم [ ص: 125 ] وإنما تجوز الهبة في سهم منه وهو نصف الثلث ، ثم يفدى ذلك السهم بثلاثة أمثاله ومثل ثلثه لأن الدية من القيمة هكذا فإن القيمة بثلاثة آلاف والدية عشرة آلاف .
فإذا فداه بذلك ازداد مال الميت بثلاثة أسهم وثلث . فالسبيل أن يطرح من أصل حقهم ثلاثة أسهم وثلث يبقى العبد على سهمين وثلثي سهم فانكسر بالأثلاث فاضربه في ثلاثة فيكون ثمانية وحق الورثة في سهمين وحق الموصى له في ثلاثة وحق الموهوب له في ثلاثة فلهذا جازت الهبة له في ثلاثة أثمانه ، ثم يفدي ذلك بثلاثة أثمان الدية ، وذلك ثلاثة آلاف وسبعمائة وخمسون ومن حيث السهام إنما يفدي هذه الثلاثة بعشرة أسهم ثلاثة أمثاله ومثل ثلثه فيصير للورثة اثنا عشر ، وقد نفذنا الهبة لكل واحد منهما في ثلثه فيستقيم الثلث والثلثان .
وعلى الطريق الآخر يقول يجعل كل ألف على ثلاثة أسهم فتكون الدية ثلثين والعبد تسعة ، ثم يجوز للموهوب له الهبة في سدس العبد فيفديه بسدس الدية وهو خمسة فيزداد نصيب الورثة والموصى له بهذه الخمسة .
فالسبيل أن يطرح من نصيبهما خمسة يبقى لهما سهمان ونصف لأن سهام العبد تسعة للموصى له سهم ونصف وللورثة ستة فذلك سبعة ونصف إذا طرحت منه خمسة يبقى سهمان ونصف فأضعفه فيصير حقهما خمسة وحق الموهوب له ثلاثة فلهذا صار العبد على ثمانية أسهم ، وإنما تجوز الهبة في ثلاثة أثمانه مقدار ذلك من الدراهم ألف ومائة وخمسة وعشرون ، ثم يفدي ذلك بثلاثة أثمان الدية وهو ثلاثة آلاف وسبعمائة وخمسون فيأخذ الموصى له من ذلك ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرين مثل ما سلم للموهوب له يبقى للورثة من الدية ألفان وستمائة وخمسة وعشرون ومن العبد خمسة أثمانه مقدار ذلك ألف وثمانمائة وخمسة وسبعون . فإذا جمعت بينهما تصير أربعة آلاف وخمسمائة ، وذلك مثلا ما نفذنا فيه الهبة والوصية فاستقام الثلث والثلثان وكذلك إن كانت قيمته أكثر من ذلك إلى عشرة آلاف وطريق التخريج فيه كما بينا فإن أوصى في هذه المسألة بالسدس من ماله وقيمة العبد ألف درهم فإن اختار الدفع دفع العبد كله خمسة أسباعه بنقص الهبة وسبعيه بالدفع بالجناية لأن وصية الموهوب له مثلا وصية صاحب السدس فإنه أوصى له بالعبد كله بالهبة ، وإن لم تجز في جميع العبد تجوز في ثلثه فوصية الموهوب له مقدار الثلث ووصية الآخر السدس فاجعل ثلث المال بينهم أثلاثا .
وإذا صار ثلث المال على ثلاثة فالمال كله تسعة ستة للورثة وسهمان للموهوب له ، ثم يدفع الموهوب له سهمه بالجناية فيزداد نصيب الورثة فيطرح من نصيبهم سهمان فيجعل العبد على سبعة للموهوب له سهمان [ ص: 126 ] وللموصى له سهم وللورثة أربعة ، ثم يدفع الموهوب له سهميه بالجناية فيصير للورثة ستة مثلا ما نفذنا فيه الوصية فإن اختار الفداء فإن كانت قيمته ألف درهم جازت الهبة في الكل لأن مال الميت أحد عشر ألفا وحق الموهوب له في ثلثي الثلث وقيمة العبد أقل من ثلثي الثلث فيسلم له العبد كله ويسلم للآخر سدس المال ، وذلك ألف وثمانمائة وثلاثة وثلاثون وثلث فحصل تنفيذ الوصيتين في ألفين وثمانمائة وثلاثة وثلاثين وثلث ، وإن كانت قيمة العبد ألفي درهم فعند اختيار الفداء مال الميت يصير اثني عشر ألفا وثلثه أربعة آلاف فتجوز الهبة في جميع العبد وللموصى له الآخر سدس المال ، وذلك ألفان وهو تمام ثلث المال وكذلك إن كانت قيمة العبد أكثر من ألفين فالجواب كذلك إلا أن تكون قيمة العبد مقدار سبعي الدية ، أو أقل فإن زاد على ذلك حينئذ لا يخرج العبد من الثلث ، وإنما تتبين هذه المسألة بمسألة أول الباب فقد ذكرنا هناك أن عند اختيار الدفع تجوز الهبة في الخمس ، وعند اختيار الفداء تجوز الهبة في الكل إذا كانت قيمته مثل خمس الدية ، أو أقل فإن زادت على ذلك لا يخرج العبد كله من الثلث فهنا لما جازت الهبة عند الدفع في سبعي الدية فعند الفداء تجوز الهبة في الكل إذا كانت القيمة مثل سبعي الدية ، أو أقل .
وكذلك في المسائل التي بعد هذا ينظر إلى حال الدفع فمقدار ما تجوز فيه الهبة عند الدفع فعند الفداء إذا كان قيمة العبد مثل ذلك الجزء من الدية ، أو أقل تجوز في الكل حتى إذا كان عند الدفع يدفع سدس العبد بالجناية فعند الفداء إذا كان العبد مثل سدس الدية أو أقل جازت الهبة في الكل ، ولو كان أوصى بربع ماله فإن اختار الدفع وقيمة العبد ألف درهم فهو على سبعة عشر سهما لأن الموهوب له عند أبي حنيفة رحمه الله إنما يضرب بقدر الثلث والآخر يضرب بالربع فيحتاج إلى حساب له ثلث وربع ، وذلك اثنا عشر ثلثه أربعة وربعه ثلاثة فيصير ثلث المال بينهم على سبعة والثلثان أربعة عشر والمال كله أحد وعشرون للموهوب له أربعة ولصاحب الربع ثلاثة وللورثة أربعة عشر ، ثم يدفع إلى الموهوب له الأربعة بالجناية فيزداد مال الميت فالسبيل أن يطرح من نصيب الورثة أربعة فيصير نصيب الورثة عشرة وللموصى لهما سبعة فيكون العبد على سبعة عشر ، ثم يدفع الأربعة بالجناية فيصير للورثة أربعة عشر مثلا ما نفذنا فيه الوصية وينبغي في قياس قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله أن يضرب الموهوب له في الثلث بجميع العبد وهو أربعة والآخر بالربع وهو سهم واحد فيصير الثلث على خمسة أسهم والمال خمسة عشر إلا أن في الكتاب خرج المسألة على [ ص: 127 ] قول أبي حنيفة رحمه الله ، وإن اختار الفداء وكان قيمة العبد مثل أربعة أجزاء من سبعة عشر جزءا من الدية ، أو أقل فإن الهبة تجوز في الكل ويفديه بجميع الدية ويعطى الموصى له بالربع الأقل من ربع جميع العبد كله بالهبة لأنه لو جازت الهبة في كله صار نصيبه فيجب أن يقسم الثلث بينهما على الحساب الذي قلنا إذا كانت الهبة أربعة آلاف جازت الهبة في أربعة أجزاء من أحد عشر جزءا من العبد لأنه يفدى ذلك بمثله ومثل نصفه فالدية من القيمة كذلك ، ثم التخريج على قياس ما بينا
ولو أن رجلا وهب في مرضه عبدا من رجل وقبضه فأعتقه ، ثم إن العبد قتل الواهب عمدا وله وليان فعفا عنه أحدهما فلا شيء على الموهوب له ويأخذ الذي لم يعف من المعتق نصف الدية .
واعلم بأن هذه المسألة على ثلاثة أوجه إما أن يكون أعتقه قبل القتل ، أو بعد القتل وقبل عفو أحدهما ، أو بعد القتل والعفو وكل وجه على وجهين إما أن يكون القتل عمدا ، أو خطأ ، وفي كل فصل حكمان حكم بين الموهوب له وبين الورثة وحكم فيما بين الوارثين . فأما إذا كان القتل عمدا والعتق قبل القتل فلا شيء على الموهوب له لأنه لما عفا أحدهما صار نصيب الآخر مالا ، وإنما قتله وهو حر فيجب على العبد للذي لم يعف خمسة آلاف والعبد خارج من الثلث لأن قيمته ألف درهم ، ومال الميت ستة آلاف ، ثم يقسم نصف الدية بين الاثنين على اثني عشر سهما للذي لم يعف أحد عشر وللعافي سهم لأن مال الميت يقسم بينهما بعد تنفيذ الوصية على ما يقسم إن لو لم يكن وصية ، ولو كان القتل خطأ لم يكن على الموهوب له شيء أيضا لأن التركة أحد عشر ألفا فالألف خارج من الثلث ويجب على القاتل خمسة آلاف للذي لم يعف خاصة لأنه قد وجب لكل واحد منهما خمسة آلاف بالقتل فلما عفا أحدهما صار مستهلكا نصيبه فيكون بمنزلة المستوفي بخلاف قتل العمد فإن هناك بالعفو لا يصير مستهلكا ، ولا مستوفيا شيئا من المال فلهذا لا يسلم نصف الدية للذي لم يعف ، ولو كان القتل قبل الإعتاق والمسألة بحالها . فإذا كان القتل عمدا فعلى العبد أن يسعى في نصف قيمته للذي لم يعف لأن نصيبه صار مالا بعد ما صار حرا ، ولكن أصل الجناية منه كان في حالة الرق فيكون الواجب من القيمة فلهذا يستسعيه الآخر في نصف قيمته . وإذا استسعاه في ذلك تبين أن مال الميت عبد ونصف فيجوز للموهوب له من ذلك الثلث وهو نصف القيمة ويضمن نصف القيمة .
فإذا وصل ذلك إلى الورثة كان الواصل إليهم تمام قيمة العبد وهو مثلا ما نفذنا فيه الهبة ، ثم يقتسم الاثنان هذه القيمة فيضرب الذي لم يعف [ ص: 128 ] بقيمة واحدة لأن نصف القيمة وجب له بالميراث ونصف القيمة وجب بالجناية ويضرب العافي بنصف القيمة لأنه أبطل حقه في الجناية بالعفو فتقسم القيمة بينهما أثلاثا ، ولو كان القتل خطأ فعلى الموهوب له قيمة وثلث لأن القتل الخطأ يوجب المال ، وقد كان الموهوب له يخير بين الدفع والفداء ، وقد استهلكه بالعتق وهو لا يعلم بالجناية فوجب عليه القيمة وصار كأن الميت ترك عبدين لأن الواجب قيمتان قيمة باعتبار القبض بحكم الهبة وقيمة بسبب الجناية ، ثم يسلم للموهوب له ثلث ذلك وهو ثلث القيمة ويدفع قيمة وثلثا إلى الورثة حتى يصير للورثة ضعف ما نفذنا فيه الهبة إلا أنه لما عفا أحدهما فقد أبطل حقه في النصف فسقط عن الموهوب له نصف القيمة وبقي عليه خمسة أسداس القيمة لأنا إذا أسقطنا عن قيمة وثلث نصف قيمة يبقى خمسة أسداس القيمة نصف القيمة من ذلك للذي لم يعف وثلث القيمة بينهما نصفان للذي لم يعف في الحاصل ثلثا القيمة وللعافي سدس القيمة ، ولو كان العتق بعد القتل والعفو فإن كان الموهوب له لا يعلم بالجناية فعليه قيمة واحدة لأن تركة الميت قيمة بالهبة ونصف قيمة بالجناية فيسلم للموهوب له ثلث ذلك وهو نصف القيمة وعليه قيمة واحدة بين الاثنين أثلاثا لأن حق أحدهما في جميع القيمة وحق الآخر في نصف القيمة فإنما يقتسمانه بعد تنفيذ الوصية كما يقتسمانه إن لو لم يكن وصية .
ولو كان القتل خطأ كان القتل على الموهوب نصف القيمة إذا لم يعلم بالجناية لأن موجب الخطأ المال فلما عفا أحدهما صار كأنه استوفى نصف القيمة لما بينا أنه في حكم القابض ، ثم المتلف ووجب عليه للآخر نصف القيمة ، ويكون ذلك النصف كله للذي لم يعف وعلى الموهوب له أيضا ثلث القيمة بينهما نصفان لأن مال الميت في الأصل قيمتان فيجوز للموهوب له من ذلك الثلث ويجب عليه قيمة وثلث إلا أنه لما عفا أحدهما فقد أسقط نصف القيمة فإنما يبقى خمسة أسداس القيمة ، ولو كان الموهوب له دبر العبد ، ثم إن العبد قتل الواهب عمدا ، ثم عفا أحد الاثنين فهذا مثل الأول لأن مال المولى قيمة ونصف القيمة من جهة الهبة والنصف من جهة الجناية وجميع ذلك على المولى فإن موجب جناية المدبر على مولاه للموهوب له من ذلك الثلث وهو نصف القيمة وعليه قيمة واحدة يقتسمها الاثنان أثلاثا ، ولو كاتبه الموهوب له فالجواب كذلك إلا نصف القيمة يجب على المكاتب والقيمة على الموهوب له فصار ماله قيمة ونصفا فيسقط عن الموهوب له نصف القيمة بالوصية ويؤدي نصف القيمة ويسعى العبد في نصف القيمة فيقتسمها الاثنان أثلاثا [ ص: 129 ] وكذلك لو وهبه الموهوب له من غيره فدبره الثاني أو كاتبه فهو على ما وصفنا ، ولو كاتب الموهوب له الأول ، ثم إنه قتل الواهب خطأ وله وليان فعفا أحدهما فعلى الموهوب له ثلث قيمته بينهما نصفين ، وفي بعض النسخ قال فعلى الموهوب له ثلثا القيمة والأول أصح لأن مال المولى في الأصل قيمتان قيمة بالهبة وقيمة بالجناية عن المكاتب فيسقط عن الموهوب له ثلث ذلك وهو ثلثا القيمة ويبقى عليه ثلث القيمة بينهما نصفين ، وقد صار العافي بمنزلة المستوفي لنصف القيمة من المكاتب فيبقى على المكاتب نصف القيمة للذي لم يعف .
ولو كان الموهوب له وهبه من رجل آخر ، ثم قتل العبد الواهب خطأ فالموهوب له الثاني بالخيار فإن اختار الدفع تبين أن مال الميت قيمتان فيجوز للموهوب له الثلث وهو ثلثا القيمة ويضمن ثلث القيمة فيكون ذلك مع العبدين بين الاثنين نصفين لأنه لم يعف واحد منهما فإن اختار الفداء فالعبد خارج من الثلث إذا كانت قيمته خمسة آلاف ، أو أقل فإنه يفديه بجميع الدية فيصير مال الميت خمسة عشر ألفا ، وإن كانت قيمته أكثر من خمسة آلاف ضمت القيمة إلى الدية حتى يتبين مال الميت كم هو فيسقط عن الموهوب له ثلث ذلك ويغرم ما وراء ذلك إلى تمام القيمة وبيانه إذا كانت قيمته ستة آلاف فإن مال الميت ستة عشر ألفا فيسلم للموهوب له ثلثه وهو خمسة آلاف وثلث ألف ، وإنما يغرم ثلثي ألف وكذلك ما زادت قيمته فهو على هذا الحساب فإن عفا أحد الاثنين فإنه يقال للموهوب له الآخر ادفعه أو افده فإن اختار الدفع دفع نصف العبد وتبين أن مال الميت عبد ونصف والعافي صار مستوفيا للنصف بالعفو فجازت الهبة في ثلثي القيمة وهو ثلث المال وعلى الموهوب له الأول ثلث القيمة بينهما نصفين ونصف العبد للموهوب له الآخر ونصفه الذي لم يعف ، وإن اختار الفداء فدى نصفه بخمسة آلاف وجازت الهبة في جميع العبد إذا كانت قيمته مثل ثلث الدية أو أقل لأن مال المولى هنا قيمة ونصف الدية لأن في نصيب الذي عفا يعتبر أقل المالين فالزيادة على ذلك إنما تظهر بالاختيار والاختيار فيما جاز فيه العفو فيجب أن يعتبر في نصيب الذي عفا نصف القيمة ، وفي نصيب الذي لم يعف نصف الدية ونصف القيمة ، ثم يجوز للموهوب له ثلث ذلك .
وإذا أردت معرفة ذلك فاجعل كل قيمة العبد ألفي درهم فيكون مال الميت ثمانية آلاف أما خمسة آلاف فهو نصف الدية وألفان قيمة العبد وألف استهلكه العافي فتبين أن العبد خارج من الثلث ويقتسم الاثنان الخمسة آلاف ونصف القيمة الذي هو محسوب على العافي فيضرب فيه العافي بنصف قيمته من [ ص: 130 ] قبل الميراث ونصف قيمته من قبل الجناية ويضرب فيه الذي لم يعف بنصف نصف الدية وبنصف القيمة الذي كان على الموهوب له فما أصاب العافي حسب عليه من ذلك نصف القيمة الذي أتلف ويأخذ الفضل ، وما أصاب الذي لم يعف يسلم له فإن كانت قيمته أكثر من ثلث القيمة ، أو أقل من جميع الدية فإنه لا يخرج العبد من الثلث فالسبيل أن يضم مال الميت بعضه إلى بعض وهو قيمة ونصف قيمة ونصف الدية فيجوز للموهوب له الثلث من ذلك ويضمن الفضل ، ثم يقتسم الاثنان فيضرب قيمة الذي لم يعف بنصف القيمة ونصف الدية والعافي بنصف القيمة من جهة الهبة ونصف القيمة الذي استهلكه بالجناية فيكون بينهما على ذلك ، وإن كانت قيمته عشرة آلاف سلم نصف الدية للذي لم يعف وعلى الموهوب له ثلث الدية أيضا بينهما نصفين لأن مال الميت عشرون ألفا في الحاصل عشرة آلاف قيمة العبد وخمسة آلاف نصف الدية للذي لم يعف ومثله قد استهلكه العافي بالعفو فتصح الهبة في ثلث ذلك ، وذلك ثلثا قيمة العبد ويغرم الموهوب له ثلثي القيمة فيكون بينهما نصفان لاستواء حقهما في العبد قبل الهبة وبعدها ، وإن كانت قيمته أكثر من عشرة آلاف ، وقد اختار الفداء من الذي لم يعف فالسبيل أن يضم جميع الدية إلى جميع القيمة لأن العافي استهلك بالعفو نصف الدية فكأنه استوفى ذلك ، ثم أتلفه ، وقد وجب للذي لم يعف نصف الدية فتضم الدية إلى القيمة ، ثم يسلم للموهوب له ثلث جميع ذلك بطريق الوصية ويؤدي الفضل فيقتسمه الاثنان نصفين حتى إذا كانت قيمته عشرين ألفا . فإذا ضممت الدية إلى القيمة كانت الجملة ثلاثين ألفا فيسلم للموهوب له من ذلك عشرة آلاف وهو نصف قيمة العبد ويغرم نصف القيمة فيكون ذلك بين الاثنين نصفين ونصف الدية للذي لم يعف خاصة
ولو أن رجلا وهب في مرضه عبدا من رجل ، ثم إن العبد قتل الواهب عمدا فعفا الوليان عنه جاز العفو وللموهوب له ثلث ذلك العبد وللورثة ثلثاه لأن حكم الجناية بطل بعفوهما فكأنه مات حتف أنفه ولا مال له سوى العبد فتجوز هبته في ثلثه فلو عفا أحد الوليين واختار الموهوب له الدفع فإنه يدفع ثلاثة أخماس العبد فيكون بينهما نصفين ويدفع الخمس إلى الذي لم يعف ويبقى للموهوب له الخمس لأن الهبة في الابتداء تجوز في الثلث فلما عفا أحدهما وجب دفع نصف ذلك الثلث فيصير العبد على ستة وتجوز الهبة في سهمين ، ثم يدفع سهما بالجناية وهو الدائر فنطرح من نصيب الورثة سهما ويجعل العبد على خمسة فيرد ثلاثة أخماسه بنقص الهبة وخمسه بالجناية ، ثم يقتسم الاثنان هذه الأربعة فيضرب الذي عفا [ ص: 131 ] بنصف قيمة العبد والذي لم يعف بنصف الرقبة وخمس العبد وأورد المسألة بعينها في الإقرار إلا أنه اعتبر اللفظ هنا وقال هناك للذي لم يعف ثلاثة أسهم ونصف وللعافي سهم ونصف ، ولو عفا أحدهما ، ثم عفا الآخر بعده دفع إليهما ثلاثة أخماس العبد بنقص الهبة ويسلم له الخمسان لأنهما لما عفوا فقد جعل الذي عفا منهما آخر بمنزلة المستوفي خمس ذلك العبد بالإتلاف . فإذا سلم لهما ثلاثة أخماس العبد مع ذلك استقام الثلث والثلثان ، ثم يقتسم الاثنان هذه الثلاثة أخماس فيضرب فيه الذي عفا أولا بنصف القيمة والذي عفا آخرا بنصف القيمة وبخمسه إلا أنه يحسب عليه بالخمس الذي أتلفه لأنه إنما عفا بعد ما صار مالا والأول منهما عفا ، وقد كان الواجب هو القصاص .
ولو أعتقه الموهوب له ، ثم عفوا معا ضمن الموهوب له ثلثي قيمة العبد لأن عفوهما معا يبطل حكم الجناية ولم يظهر للميت مال سوى ذلك العبد فيسلم له الثلث بالهبة ويضمن الثلثين لأنه أتلفه بالعتق ، ولو عفا أحدهما قبل صاحبه بعد العتق فعلى الموهوب له نصف قيمة العبد وعلى المعتق نصف قيمته لأن مال الميت هنا قيمة ونصف القيمة من جهة الهبة ونصف القيمة بالجناية ، وإنما صار مالا بعد عتق العبد فيكون ذلك النصف عليه ، ثم يقسم القيمة بين الاثنين فيضرب فيه العافي أولا بنصف القيمة والعافي آخرا بقيمة كاملة فتكون القيمة بينهما أثلاثا ثلثاها للذي عفا آخرا ويحسب عليه نصف القيمة الذي أتلفه بالعفو ويبقى له سدس القيمة الذي أتلفه بالعفو ويبقى له سدس القيمة ، وفي الكتاب يقول يضرب الآخر بثلثي قيمته ، وهذا الجواب غلط وقع من جهة الكاتب والصحيح أنه يضرب بقيمة كاملة للمعنى الذي قلنا إلا أن يعني به أنه يحصل له ثلثا القيمة ، ولو كان الموهوب له أعتقه ، ثم إن العبد قتل الواهب عمدا فعفا الاثنان عنه معا فالموهوب له ضامن ثلثي قيمة العبد لأن حكم الجناية قد بطل بعفوهما فلا يتبين للميت مال سوى العبد ، ولو عفا أحدهما جازت الهبة في الكل إن كانت قيمته ما بينه وبين ألفين وخمسمائة لأنه وجب على المعتق نصف الدية للذي لم يعف فإنه قتله وهو حر ونصف الدية خمسة آلاف . فإذا ضممت إليه ألفين وخمسمائة يكون سبعة آلاف وخمسمائة فيتبين أن العبد خارج من الثلث فيكون سالما للموهوب له الأول ، ثم يقتسم الاثنان بينهما هذه الخمسة آلاف يضرب فيه الذي لم يعف بنصف الدية ونصف القيمة والعافي بنصف القيمة على ما كان يضرب فيه لو لم يكن هناك وصية ، ولا يضرب بحصة الجناية لأن نصيبه لم يصر مالا فتكون القيمة بينهما على اثني عشر ، ولو عفا أحدهما ، ثم الآخر فعفو الأول جائز [ ص: 132 ]
ولا شيء على الموهوب له لما قلنا فلما عفا الآخر يجوز عفوه في نصيب نفسه ويبطل عن العبد مقدار حصته من نصف الدية ، وذلك أحد عشر سهما من اثنا عشر ، ويكون على العبد للذي عفا أول مرة حصته من ذلك وهو سهم من اثني عشر لأن إسقاط الثاني إنما يصح في نصيبه لا في نصيب شريكه ، ولا يضمن ذلك العافي آخرا للذي عفا أولا لأنه بالعفو مسقط لا مستوف ، وإن كانت قيمته خمسة آلاف ، وقد عفا أحدهما فإن مال الميت قيمة العبد ونصف الدية ، وذلك عشرة آلاف فإنما تجوز الهبة في ذلك وهو ثلاثة آلاف وثلث ألف مقدار ثلثي العبد ويغرم الزيادة إلى تمام خمسة آلاف فيقتسم الاثنان ذلك يضرب فيه الذي عفا بنصف القيمة فقط لأن نصيبه لم يصر مالا ويضرب الذي لم يعف بنصف الدية لأن ذلك وجب له بالجناية وبنصف القيمة فيقتسمانه وعلى ذلك مريض وهب عبده من مريض وقبضه ، ثم إن الموهوب له وهبه لصحيح ، ثم إن العبد قتل الواهب الأول ، ومات الثاني من مرضه ، ولا مال لواحد منهما سواه فإنه يقال للثالث ادفعه أو افده لأنه هو المالك عند جنايته فإن اختار الدفع لورثة الثاني انتقصت الهبة في نصف العبد منهما جميعا لأنك تحتاج إلى حساب له ثلث وربع ولثلثه ثلث ، وذلك تسعة فأجر الهبة للأول في ثلاثة وللثاني في سهم .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|