
29-12-2025, 05:18 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 177,080
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد التاسع والعشرون
صـــ62 الى صـــ 71
(587)
اب قتل العبد الموهوب له ، والواهب أو غيره ( قال رحمه الله ) : رجل له عبدان قيمة كل واحد منهما عشرة آلاف فوهب أحدهما لرجل في مرضه وقبضه ولا مال له غيرهما ، ثم إن العبد الموهوب قتل الواهب فالهبة جائزة في جميع العبد ، ويقال له : ادفعه كله أو افده ; لأن العبد كله يخرج من ثلثه ، فإن ماله في الأصل على ثلاثة تجوز الهبة في سهم ، ثم يدفع ذلك أو يفديه بمثله ; لأن الدية ، والقيمة سواء فيزداد في نصيب الورثة سهم ، وهو الدائر فنطرحه من أصل حق الورثة ، فيبقى لهم سهم ، وللموهوب له سهم ، فعرفنا أن الهبة إنما تجوز في سهم من سهمين ، وهو العبد الموهوب كله ، فإن قيمة العبدين سواء [ ص: 63 ] ثم يدفعه بالجناية أو يفديه بعشرة آلاف فيسلم للورثة عشرون ألفا ، قد نفذنا الهبة في عشرة آلاف ، فاستقام الثلث والثلثان ، وصار في المعنى كأن الميت ترك ثلاثة أعبد ; لأن المدفوع بالجناية من جملة تركته فتبين أن الموهوب خارج من ثلثه ، فإن كان وهب الآخر لرجل آخر أيضا ، فإنه يرد ثلاثة أخماس العبد القاتل إلى الورثة ، وهو ثلاثة أخماس العبد الآخر نقضا للهبة ويقال لمولى القاتل : ادفع خمسة أو افده بخمسي الدية ; لأن الثلث بين الموهوب لهما نصفان على سهمين والثلثان أربعة ، ثم إن مولى القاتل يدفع سهمه أو يفديه بمثله فيحصل في يد الورثة خمسة فيطرح السهم الدائر من أصل حقهم يبقى حقهم في ثلاثة وحق الموهوب لهما في سهمين فذلك خمسة ، ثم يدفع مولى القاتل نصيبه أو يفديه بسهم فيسلم للورثة أربعة ، قد نفذنا الهبة في سهمين ، فاستقام ، فتبين أن الهبة إنما جازت لكل واحد منهما في خمسي عبده ، وذلك أربعة آلاف وبطلت في ثلاثة أخماس كل واحد منهما فيكون ذلك اثني عشر ألفا دفع الموهوب له نصيبه أو فداه بخمسي الدية فيصير في يد الورثة ستة عشر ألفا ، قد نفذنا الهبة لهما في ثمانية آلاف .
وعلى طريق الجبر : تأخذ مالا مجهولا فتجوز الهبة لهما في شيء ، ثم إن مولى القاتل يدفع نصيبه أو يفديه بمثله ، وذلك نصف شيء فيحصل في يد الورثة مال إلا نصف شيء يعدل شيئين . وبعد الجبر ، والمقابلة يعدل شيئين ونصفا . إنما جوزنا الهبة في شيء وشيء من شيئين ونصف خمساه ، فعرفنا أن الهبة إنما جازت لكل واحد منهما في خمسي عبده .
ولو كان أحد العبدين وأجنبي قتلا الواهب غرم الأجنبي خمسة آلاف ; لأنه أتلف نصف النفس بجنايته ويقال لمولى العبد القاتل : أتدفع أم تفدي ، فإن اختار الفداء كان لكل واحد منهما خمسة أجزاء من أحد عشر جزءا من العبد الذي في يده ورد البقية بنقص الهبة ويقال لمولى القاتل : افد ما جاز لك فيه الهبة بخمسة أجزاء من أحد عشر جزءا من نصف الدية ; لأن مال الميت خمسة وعشرون ألفا : العبدان ونصف الدية ، وإنما تجوز الهبة لهما في ثلثه ، وذلك الثلث بينهما نصفان على سهمين ، ثم إن مولى القاتل يفدي سهمه بنصف سهم ; لأن عبده إنما جنى على نصف النفس فحصته من الدية مثل نصف قيمته ، فالسبيل أن نضعفه للكسر بالإنصاف فيصير على اثني عشر سهما : لكل واحد من الموهوب لهما سهمان وللورثة ثمانية ، ثم يفدي الموهوب له سهمه بسهم من الدية ، وهذا السهم هو الدائر فنطرحه من أصل حق الورثة يبقى حقهم في سبعة وحق الموهوب لهما في أربعة فذلك أحد عشر ، ثم مولى القاتل يفدي بسهم فيحصل في يد الورثة ثمانية ، قد نفذنا الهبة لهما في أربعة فاستقام الثلث والثلثان .
[ ص: 64 ] إذا عرفنا هذا فنقول : السبيل أن نضرب أحد عشر في خمسة وعشرين فيكون مائتين وخمسة وسبعين ، وإنما جوزنا الهبة لكل واحد منهما في سهمين من أحد عشر ، قد ضربنا ذلك في خمسة وعشرين فعرفنا أن الهبة إنما جازت لكل واحد منهما في خمسين ، وذلك خمسة أجزاء من أحد عشر جزءا من عبده ; لأن جملة ماله لما صار على مائتين وخمسة وسبعين ، فكل عبد يكون مائة وعشرين ، ونصف الدية خمسة وخمسون من مائة وعشرة يكون خمسة أجزاء من أحد عشر جزءا ، فتبين تخريج المسألة .
وإن اختار الدفع جازت الهبة لكل واحد منهما في نصف العبد ورد النصف بنقص الهبة ، ويدفع مولى الجاني النصف بالجناية ; لما بينا أن جملة ماله خمسة وعشرون ألفا قد انقسم ذلك بعد طرح سهم الدور بين الورثة ، والموهوب لهما على خمسة لكل واحد من الموهوب لهما خمس ذلك ، وذلك خمسة آلاف ، وهو قيمة نصف العبد الذي وهب له ، فتبين أن الهبة تبطل في نصف قيمة كل عبد فيحصل في يد الورثة خمسة عشر ألفا ، ثم يدفع مولى القاتل نصف العبد بالجناية فيسلم للورثة عشرون ألفا ، قد نفذنا الهبة لهما في عشرة آلاف فاستقام الثلث والثلثان .
فإذا كان لرجل عبد قيمته عشرة آلاف درهم ، وله خمسة آلاف درهم فوهب العبد في مرضه لرجل وقبضه ، ثم قتل العبد الواهب ، فإنه يرد ربع العبد نقصا للهبة ويدفع أرباعه أو يفديها بثلاثة أرباع الدية ; لأن مال الميت خمسة عشر ألفا ، وبعد طرح سهم الدور إنما تنفذ الهبة في نصف ذلك ، وهو سبعة آلاف وخمسمائة ، قيمة ثلاثة أرباع العبد ، فعرفنا أن الهبة إنما جازت في ثلاثة أرباعه فيرد عليهما ربع العبد ، وقيمته ألفان وخمسمائة ، ثم يدفع ثلاثة أرباعه أو يفدي بثلاثة أرباع الدية فيجتمع في يد الورثة خمسة عشر ألفا ، قد نفذنا الهبة في سبعة آلاف وخمسمائة فاستقام الثلث والثلثان .
وإذا وهب المريض عبدا له يساوي عشرة آلاف درهم لا مال له غيره ، وعليه دين عشرة آلاف درهم أو أكثر وقبضه الموهوب له ، ثم قتل العبد الواهب ، فإن الهبة تبطل ; لأن الهبة في المرض وصية فتتأخر عن الدين ، والدين محيط بالتركة فتبطل الهبة في جميع العبد ; لهذا وتبطل الجناية أيضا ; لأن ببطلان الهبة تبين أن العبد جنى على مولاه وجناية الخطأ من العبد على مولاه هدر فيكون هذا وما لو مات حتف أنفه سواء فيباع العبد في الدين .
ولو أعتقه الموهوب له قبل أن يرفعوا إلى القاضي ، وهو لا يعلم بالجناية نفذ عتقه ; لأنه ملكه بالقبض بحكم ، فلا يبطل ملكه بفساد السبب ما لم يسترد منه ، والعتق متى صادف ملكه نفذ سواء كان سببه فاسدا أم صحيحا ، وبنفوذ العتق [ ص: 65 ] تقرر ملكه فيجب اعتبار الجناية إلا أن المولى إذا أعتقه ، وهو لا يعلم بالجناية يصير مستهلكا للعبد . فإن كان الدين عشرين ألفا أو أكثر غرم الموهوب له قيمتين : قيمة كاملة ، وهي عشرة آلاف بالاستهلاك ; لأنه وجب عليه رده بانتقاض الهبة ، قد تعذر رده بالاستهلاك ، فيغرم قيمته ، وعليه عشرة آلاف إلا عشرة بالجناية ; لأنه في حكم الجناية صار مستهلكا له حين أعتقه ، وهو لا يعلم بالجناية ولكن قيمة العبد بالجناية لا تزاد على عشرة آلاف إلا عشرة .
وإن كان الدين عشرة آلاف كان على الموهوب له عشرة آلاف لحق الغرماء ، ثم يغرم ثلثي ما بقي من القيمة في الجناية للورثة ; لأن ذلك الباقي مال الميت في الحاصل فيسلم له الثلث بحكم الوصية ويغرم للورثة ثلثي ذلك .
وإن كان الدين خمسة آلاف ولم يعتقه الموهوب له رد على الورثة ثلاثة أرباعه ، ويقال للموهوب له : ادفع الربع أو افده بربع الدية ; لأن الهبة تبطل في نصف العبد لمكان الدين ، يبقى نصف العبد فيجعل ذلك النصف بمنزلة عبد كامل في حال ما إذا لم يكن على الواهب دين ، قد بينا في العبد الكامل أنه كان قيمة العبد والدية سواء ، فإنما تجوز الهبة في نصف العبد ويدفع النصف بالجناية أو يفديه بنصف الدية ، فهنا أيضا تجوز الهبة في ذلك النصف وتبطل في نصف ، فعرفنا أن الهبة إنما بطلت في ثلاثة أرباع العبد وجازت في ربعه ، قيمته ألفان وخمسمائة ، فإذا دفع الموهوب له أو فداه حصل في يد الورثة عشرة آلاف فيقضون الدين خمسة آلاف لقتل العبد المريض ، فإنه يقال للموهوب له : أتدفع أم تفدي ، فإن اختار الدفع جازت الهبة في ثلاثة أثمان العبد ورد خمسة أثمانه نقضا للهبة ويصير في الحكم كأن الميت ترك عبدا وثلاثة أثمان العبد ; لأن المدفوع بالجناية ماله .
وطريق التخريج فيه عند اختيار الدفع أن الهبة تبطل في مقدار الدين ، وهي خمسة آلاف ، قيمة ربع العبد ويبقى ثلاثة أرباعه فيجعل هذه الثلاثة الأرباع بمنزلة عبد كامل في حال ما لو لم يكن على الميت دين وفي العبد الكامل بعد طرح سهم الدور ، إنما تجوز الهبة في نصفه فهنا أيضا تجوز الهبة في نصف ثلاثة أرباع العبد ، ونصف ثلاثة أرباع العبد ثلاثة أثمانه ، فيحصل للورثة خمسة أثمان العبد ويدفع إليهم ثلاثة أثمانه بالجناية فيحصل لهم العبد فيقضون منه الدين خمسة آلاف ، يبقى لهم ثلاثة أرباع العبد وقيمته خمسة عشر ألفا ، قد نفذنا الهبة في ثلاثة أثمان العبد وقيمته سبعة آلاف وخمسمائة فاستقام الثلث والثلثان ، وإن اختار الفداء جازت الهبة في ثلاثة أعشار العبد ، ورد سبعة أعشار العبد إلى الورثة نقضا للهبة ، ثم يفديه بثلاثة أعشار الدية .
وطريق التخريج فيه : أن الهبة تبطل في ربع [ ص: 66 ] العبد باعتبار الدين يبقى ثلاثة أرباعه فيجعل ذلك كعبد كامل ، ثم كل سهم تفدى فيه الهبة يفديه بمثل نصفه ; لأن الدية مثل نصف القيمة ، فإذا جعلنا ثلاثة على ثلاثة ، وجوزنا الهبة في سهم فداه بنصف سهم فيظهر في يد الورثة زيادة نصف سهم ، وهو الدائر فيطرح هذا من أصل حقهم ويكون ثلاثة أرباع العبد على سهمين ونصف انكسر بالإنصاف فأضعفه فيكون خمسة ، فتجوز الهبة له في سهمين من خمسة ، ثم يفدي ذلك بسهم واحد فيحصل للورثة أربعة أسهم ، قد نفذنا الهبة في سهمين فكان مستقيما .
فإذا صار ثلاثة أرباع العبد على خمسة كان ربعه سهما وثلثين ، وجميعه ستة وثلثان فاضربه في ثلاثة للكسر فيكون عشرين ، وإنما جوزنا الهبة في سهمين ، قد ضربناهما في ثلاثة ، وذلك ستة وستة من عشرين ثلاثة أعشار ; فلهذا قال : يفدي ثلاثة أعشاره بثلاثة أعشار الدية ووقع في بعض النسخ قيل للموهوب له : ادفع ثلاثة أعشاره أو افده بثلاثة أعشار الدية ، وهو غلط في حق الدفع ، بل الصحيح عند اختيار الدفع ما بينا أن الهبة تجوز في ثلاثة أثمانه .
ولو كان له عبد يساوي عشرة آلاف درهم لا مال له غيره ، ولا دين عليه فوهبه لرجل في مرضه وقبضه ، ثم قتل العبد الواهب وأجنبيا معه ، ثم أعتقه الموهوب له ، وهو يعلم بالجناية ، فهو ضامن عشرة آلاف درهم لورثة الأجنبي ، ويضمن ثلثي الدية وثلثي القيمة لورثة الواهب ; لأن ملكه يتقرر بالإعتاق ، وهو بالإعتاق مع العلم بالجناية يصير مختارا للجنايتين ، فيضمن للأجنبي كمال الدية ، ولورثة الواهب الدية بسبب الجناية ، والقيمة بسبب الاستهلاك ، فظهر أن مال الميت الدية ، والقيمة فيسلم له الثلث منها بطريق الوصية فيضمن للورثة ثلثي كل واحد منهما ، وإن أعتقه ، وهو لا يعلم بالجناية صار في حكم الجنايتين مستهلكا رقبة العبد فيغرم قيمته ، وقيمته في الجناية لا تزيد على عشرة آلاف إلا عشرة فيغرم نصف ذلك ، وهو خمسة آلاف إلا خمسة لورثة الأجنبي ، ويغرم لورثة الواهب ثلثي قيمته وثلثي خمسة آلاف إلا خمسة ; لأن ماله قيمة كاملة ، وهي الواجبة باستهلاك الموهوب ونصف القيمة بسبب الجناية وذلك خمسة آلاف إلا خمسة ، فتنفذ وصيته في ثلث ذلك ، ويغرم للورثة الثلثين .
وإن كان الموهوب له لم يعتقه واختار الفداء ، فإنه يرد نصفه إلى ورثة الواهب نقضا للهبة ، وتجوز الهبة في نصفه ، ثم يفدي ذلك النصف بنصف الدية لورثة الأجنبي وبنصف الدية لورثة الواهب ; لأن عند اختيار الفداء يظهر أن مال الواهب خمسة عشر ألفا ، وأن الهبة تصح في مقدار الثلث ، وهو نصف العبد ، قيمته خمسة آلاف باعتبار أن العبد في الأصل على ثلاثة وبعد طرح سهم الدور على سهمين [ ص: 67 ] فتجوز الهبة في أحد السهمين ويفدي ذلك بسهم فيسلم للورثة سهمان ، قد نفذنا الهبة في سهم ، ثم يقال لورثة الواهب : ادفعوا النصف الذي رد عليكم إلى ورثة الأجنبي أو افدوه بخمسة آلاف ; لأن بانتقاض الهبة عاد ذلك النصف إلى قديم ملك الواهب ، قد جنى على الأجنبي فيقوم وارثه مقامه باختياره الدفع أو الفداء ، ثم يرجعون بنصف القيمة على الموهوب له ; لأنه قبض النصف فارغا ورده مشغولا بالجناية ، قد استحق بها ، وإن اختار الدفع رد ثلاثة أخماس العبد إلى ورثة الواهب نقضا للهبة ويدفع الخمسين بالجناية إلى ورثة الواهب وورثة الأجنبي بينهما نصفين ; لأن العبد في الأصل على ستة ، فإن الثلث الذي تجوز فيه الهبة مدفوع بالجنايتين نصفين فتجوز الهبة في سهمين ، ثم يدفع أحد السهمين إلى ورثة الواهب ، وهو السهم الدائر فيطرح من أصل حقهم ، وإنما نجعل العبد على خمسة ، فتجوز الهبة في الخمسين ، ثم يدفع أحد الخمسين إلى ورثة الواهب فيسلم لهم أربعة أخماسه ، قد نفذنا الهبة في خمسين فاستقام .
وقع في بعض النسخ : يقال للموهوب له : ادفع نصفك أو افده بنصف الدية ، وهو غلط عند اختيار الدفع ، والصحيح ما بينا وبه أجاب في بعض النسخ هنا ، وفي كتاب الدور ، ثم يقال لورثة الواهب : ادفعوا الثلاثة الأخماس التي ردت إليكم إلى ورثة الأجنبي ، أو افدوه بثلاثة أخماس الدية وارجعوا بقيمة ذلك على الموهوب له ; لأنه كان قبضه فارغا ورده عليهم مشغولا بالجناية ، قد استحق ذلك .
وإن كان لرجل عبد يساوي خمسة آلاف فوهبه لرجل في مرضه ولا مال له غيره ، ثم إن الموهوب له وهبه لآخر ، ثم قتل العبد الواهب الأول ، فإنه يقال للموهوب له الثاني : ادفعه بالجناية أو افده ; لأن الملك له في الحال ، فإن دفعه بالجناية جازت الهبة من الواهب الأول للموهوب له في ثلثي العبد ، ورجع ورثة المقتول على الموهوب له الأول بثلث قيمته ; لأن بالدفع تبين أن ملك الواهب الأول في الحكم عبدان فتجوز الهبة في ثلث ذلك للموهوب له الأول ، وهو ثلثا عبد ، ويلزمه رد ثلث العبد المقبوض ، قد تعذر رده حين وهبه لغيره فيغرم ثلث قيمته حتى يسلم لورثة الواهب عبد وثلث عبد ، قد نفذنا الهبة في ثلثي عبد ، فإن فداه بجميع الدية ، فلا شيء على الموهوب له الأول ; لأن ملك الواهب الأول الدية ، والعبد ، وذلك خمسة عشر ألفا وقيمة العبد خمسة آلاف ، فهو خارج من الثلث ، فتجوز الهبة في جميعه ، ولو كانت قيمته خمسة عشر ألفا فوهبه لرجل في مرضه وقبضه ، ثم إن الموهوب له وهبه لآخر ، وهو مريض وقبضه الآخر ، ثم إن العبد قتل الموهوب له الأول ومات الواهب من [ ص: 68 ] مرضه فإنه يسلم للموهوب له الآخر سبع العبد ويرد ستة أسباعه إلى ورثة الموهوب له الأول ، ويجيء ورثة الواهب الأول فيأخذون من ذلك ثلثي العبد ويقال للموهوب له الآخر : ادفع السبع الذي في يدك أو افده بسبع الدية
. هكذا ذكره في بعض النسخ ، وهو صواب عند اختيار الفداء ، فأما عند اختيار الدفع تجوز له الهبة في السدس ، وهو الصحيح ، وهكذا ذكره في بعض النسخ ، أما عند اختيار الفداء يجعل العبد في الأصل على تسعة لحاجتنا إلى حساب له ثلث والثلاثة ثلث ، فإنما تجوز الهبة للموهوب له الأول في ثلاثة ، ثم تجوز الهبة من الأول للثاني في سهم من هذه الثلاثة ويفدي هذا السهم بمثل ثلاثة من هذه الدية ; لأن الدية مثل ثلثي القيمة فيظهر في حق ورثة الموهوب له الأول زيادة بثلثي سهم فيطرح ذلك من أصل حقهم ، يبقى حقهم في سهم وثلث ، وحق الموهوب له الثاني في سهم فذلك سهمان وثلث ، فعرفنا أن ثلث العبد صار على سهمين وثلث فيكون جميع العبد على سبعة ، فإنما تصح الهبة للموهوب له الثاني في سهم من سبعة فيفدي ذلك بسبع الدية ويرد ثلثي العبد على ورثة الواهب الأول ; لأنه لا تظهر الزيادة في مال مورثهم ، فإنما تجوز الهبة منه في ثلث العبد ، وأما عند اختيار الدفع : الثلث الذي جازت الهبة فيه للموهوب له الأول يكون على ثلاثة أسهم فتجوز الهبة في سهم منه ، ثم يدفع الموهوب له الثاني ذلك السهم فيزداد حق ورثة الموهوب له الأول بسهم ، فيطرح ذلك من أصل حقهم ويجعل الثلث على سهمين فتجوز الهبة بالثاني في أحدهما ، ثم يدفعه بالجناية فيحصل لورثة الموهوب له الأول سهمان ، قد نفذنا الهبة في سهم فاستقام ، وإذا صار الثلث على سهمين كان جميعه ستة ، فعرفنا أن الهبة إنما تصح في سدس العبد فيدفع الموهوب له ذلك السدس بالجناية ويرد إلى ورثة الواهب الأول ثلثي العبد .
ولو كان العبد قتل الواهب الأول ، والمسألة بحالها ، وقيمة العبد عشرة آلاف ومات الموهوب له الأول من مرضه جازت الهبة للموهوب له الآخر في سدسه ورد خمسة أسداسه إلى الموهوب له الأول ، ويجيء ورثة الواهب الأول فيأخذون من هذه الخمسة الأسداس ثلاثة أسداس ، وهو نصف العبد ويبقى في يد ورثة الثاني ثلث العبد ; لأنا نحتاج إلى حساب ، له ثلث والثلاثة ثلث ذلك تسعة ، فتصح الهبة من الأول للثاني في ثلاثة ، ثم يعود ذلك إليهم بالدفع بالجناية أو الفداء بمثله فيطرح ذلك من أصل حق ورثة الواهب الأول لمكان الدور ، يبقى حقهم في ثلاثة وحق الموهوب له في ثلاثة فيكون العبد على ستة أسداسه ، وهو نصف العبد لورثة الواهب الأول بنقض [ ص: 69 ] الأول وسدسان ، وهو ثلث العبد لورثة الموهوب له الأول وسدسه للموهوب له الآخر ، ثم يقال لورثة الموهوب له الأول وللموهوب له الآخر : ادفعوا ما في أيديكم إلى ورثة المقتول أو افدوه بمثله ; لأن القيمة والدية سواء ، وأي ذلك فعلوا فقد حصل لورثة الواهب ستة ، قد نفذنا الهبة في ثلاثة فكان مستقيما ، ثم يرجع ورثة الواهب الآخر على الموهوب له الآخر بثلث قيمة العبد ; لأنه قبضه فارغا ورده عليهم مشغولا بالجناية ، قد استحق من يدهم بذلك السبب ; فلهذا رجعوا عليه بمثل قيمته ، سواء اختاروا الدفع أو الفداء .
ولو قتل العبد الواهب الأول ، والآخر جميعا وهما مريضان فهذه المسألة على أربعة أوجه : إما أن يختار الموهوب له الآخر وورثة الموهوب له الأول الدفع ، أو يختاروا جميعا الفداء أو يختار ورثة الموهوب له الأول الدفع ، والموهوب له الآخر الفداء أو يختار ورثة الموهوب له الأول الفداء ، والموهوب له الآخر الدفع ، فإن اختاروا جميعا الفداء قيل للموهوب له الآخر : رد ستة أثمان العبد على ورثة الواهب الآخر نقضا للهبة ويبقى في يدك ثمناه ، ثم يجيء ورثة الواهب الأول إلى ورثة الموهوب له الأول فيأخذون منهم أربعة أثمان العبد ويبقى في أيديهم ثمنان ، ويأخذون منهم فداء الثمنين ربع الدية ، وإنما قلنا ذلك ; لأن العبد في الأصل على تسعة : ستة من ذلك لورثة الواهب الأول ، وهو فارغ عن الجنايتين وسهمان لورثة الموهوب له الأول ، وفيهما جناية واحدة ، وهي الجناية على الواهب الأول ; لأن جناية هذين السهمين على الموهوب له الأول هدر ، فإنه جناية المملوك على مالكه ، وسهم حق الموهوب له الآخر ، وفيه جنايتان ، فعند اختيار الفداء يفدي الموهوب له الآخر نصيبه بسهم لورثة الموهوب له الأول فيزداد نصيبهم بهذا السهم ، فنطرح من أصل حقهم سهما فيتراجع العبد إلى ثمانية ، لورثة الموهوب له الأول سهم وللموهوب له الآخر سهم ، ثم يفدي سهمه بسهم من الدية لورثة الموهوب له الأول فيحصل لهم سهمان ، قد نفذنا الهبة في سهم فاستقام ، ثم يقال للموهوب له الآخر : افد ما في يدك ، وذلك ثمنان لورثة الواهب الأول بسهمين ، وكذلك ورثة الموهوب له الأول يفدون ما كان في أيديهم ، وذلك ثمنان لورثة الواهب الأول بسهمين فيزداد في حقهم أربعة أسهم فيطرح ذلك من أصل حقهم ، وإذا طرحنا أربعة من ثمانية يبقى أربعة أسهم فتبين أن العبد في الحاصل يكون على أربعة أسهم :
سهمان لورثة الواهب الأول وسهم لورثة الواهب الثاني وسهم للموهوب له الأول الآخر ، ثم يفدي الموهوب له الآخر الواهب الأول سهمه بربع الدية ، وكذلك [ ص: 70 ] الموهوب له الأول ، فيحصل لورثة الواهب الأول عشرة آلاف ، قد نفذنا الهبة في خمسة آلاف ، ثم يفدي الموهوب له الآخر لورثة الموهوب له الأول بربع الدية أيضا فيسلم لهم خمسة آلاف ، قد نفذنا الهبة في ألفين وخمسمائة ، ثم يرجع ورثة الواهب الآخر على الموهوب له الآخر بقيمة ربع العبد ; لأن الموهوب له الآخر قبضه فارغا ورده مشغولا ولم يسلم لهم إلا بالفداء ، وإن اختاروا جميعا الدفع قيل للموهوب له الآخر : رد تسعة أجزاء من أحد عشر جزءا من العبد على ورثة الواهب الآخر ، فيأخذ ورثة الأول منهم ستة أجزاء من أحد عشر جزءا ويبقى في يدي ورثة الثاني ثلاثة أجزاء فيدفعونها بالجناية إليهم أيضا ويرجعون بقيمتها على الموهوب له الآخر ، ويقال للموهوب له الآخر : ادفع الجزأين اللذين بقيا في يدك : أحدهما : إلى ورثة الواهب الأول ، والآخر : إلى ورثة الواهب الآخر ; لأن العبد يكون على تسعة لما بينا ، ثم السهم الذي للموهوب له الآخر يدفع بالجنايتين نصفين ، فيكسر بالإنصاف فيجعله على ثمانية عشر :
لورثة الواهب الأول اثنا عشر ولورثة الواهب الثاني أربعة وللموهوب له الآخر سهمان يدفعهما بالجنايتين ، فيحصل لورثة الواهب الثاني خمسة وحقهم في أربعة فيطرح السهم الدائر من أصل حقهم ، يبقى حقهم في ثلاثة وحق الموهوب له الآخر في سهمين فذلك خمسة ، وإذا صار ثلث العبد على خمسة كان الكل على خمسة عشر ، ثم الموهوب له الآخر يدفع سهما من نصيبه إلى ورثة الواهب الأول ، وورثة الموهوب له الأول يدفعون ثلاثة أسهم ، وهو ما عاد إليهم بنقض الهبة إلى ورثة الواهب الأول فيزداد حق ورثة الواهب الأول بأربعة أسهم ، فيطرح من أصل حقهم أربعة ، يبقى حقهم في ستة ، وحق الآخرين في خمسة ، فذلك أحد عشر ، فتبين أن العبد صار على أحد عشر ، وأن الموهوب له الآخر يرد تسعة على ورثة الواهب الآخر بحكم نقض الهبة ، فيأخذ ورثة الواهب الأول من ذلك ستة في يد ورثة الواهب الآخر ثلاثة ويدفع الموهوب له الآخر إليهم سهما فيحصل لهم أربعة ، ونفذنا هبة مورثهم في سهمين فاستقام ، ثم يدفع الموهوب له الآخر إلى ورثة الواهب الأول سهما ، وورثة الواهب الثاني يدفعون إليهم ثلاثة فيحصل لهم عشرة ، قد نفذنا هبة مورثهم في خمسة فاستقام الثلث والثلثان ، ويرجع ورثة الواهب الثاني بقيمة الثلاثة الأسهم التي دفعوا إلى ورثة الواهب الأول على الموهوب له الآخر ; لأن الموهوب له الآخر قبض ذلك من مورثهم فارغا ورده مشغولا بالجناية ، قد استحق تلك الجناية ، وإن اختار الأوسط الدفع ، والآخر الفداء ، فهذا وما لو اختار [ ص: 71 ] الفداء سواء ، وإن اختار الأوسط الفداء والآخر الدفع فهذا وما لو صار الدفع سواء ; لأنه ليس في نصيب ورثة الواهب الثاني إلا جناية واحدة فلا يتغير الحكم باختيارهم الدفع أو الفداء . وفي نصيب الموهوب له الآخر جنايتان فيتغير الحكم باختياره الدفع أو الفداء ; لأنه عند اختيار الدفع يدفع نصيبه إليهما نصفين ، وعند اختيار الفداء يفدي كل واحد منهما بكمال نصيبه ; فلهذا يغير الحكم باختياره والله أعلم بالصواب .
باب العتق في المرض ( قال رحمه الله ) : وإذا أعتق الرجل عبدين له في مرضه ولا مال له غيرهما ، وقيمة كل واحد منهما ثلاثمائة فمات أحدهما بعد موت المولى ، فإن الثاني يسعى في أربعة أخماس قيمته ; لأن الميت منهما مستوف لوصيته ، قد توى ما عليه من السعاية ، فإنما يضرب كل واحد منهما في الباقي بحقه ، فيقول : قد كان الثلث بين العبدين نصفين على سهمين ، وللورثة أربعة أسهم فبعد موت أحدهما : الباقي في رقبة الآخر فهو يضرب في رقبته بسهم ، والورثة بأربعة ، فتكون رقبته على خمسة يسلم له الخمس ويسعى في أربعة أخماس قيمته . فإن كان العبد الميت ترك مائة درهم أضف المائة إلى قيمة الباقي ، ثم يجعل له الخمس من ذلك ; لأن على الميت من السعاية فوق ما تركه فيجعل ما ترك مال المولى ، فيكون ماله أربعمائة ، فيضرب فيه الورثة بأربعة ، والعبد الباقي فيسلم له الخمس من ذلك ، وذلك ثمانون ، ويسعى في مائتين وعشرين من قيمته ، فيحصل للورثة ثلاثمائة وعشرون ، قد نفذنا الوصية للحي في ثمانين وللميت في مثله فيحصل تنفيذ الوصية لهما في مائة وستين ، ولو لم يمت واحد من العبدين حتى سعى أحدهما في مائة درهم ، ثم مات أو أبق أو عجز عن السعاية ضم ما سعى فيه إلى رقبة الآخر ، ثم جعل للباقي خمس ذلك للتخريج الذي بينا .
ولو عجلا للمريض ثلثي قيمتهما فاستهلكها ، ثم مات كان عليهما أن يسعيا في ثلثي الثلث ; لأن مال الميت عند الموت ثلث رقبة كل واحد منهما ، قد وصل إليه عوض الثلثين ، وما استهلك إلا بعد جملة ماله ، فإنما نفذ الوصية لهما في ثلث الثلث ، وعلى كل واحد منهما أن يسعى في ثلثي ثلث قيمته ، ولو كان أحدها عجل له ثلثي قيمته فاستهلكها ، ثم مات ضم ما بقي من قيمته إلى رقبة الآخر فيصير أربعمائة ، وهو جميع تركة المولى فثلث ذلك بينهما نصفان ، وذلك مائة وثلاثة وثلاثون وثلث : لكل واحد منهما ستة وستون وثلثان ويسعى الذي لم يعجل [ ص: 72 ] شيئا في مائتين وثلاثة وثلاثين وثلث ، ويسعى الآخر في ثلاثة وثلاثين وثلث فيحصل للورثة مائتان وستة وستون وثلثان ، قد نفذنا الوصية لهما في مائة وثلاثة وثلاثين وثلث ، فإن قيل : لماذا لا يضرب كل واحد منهما بما بقي من رقبة الذي عجل بسهم ، والذي لم يعجل بثلاثة ؟ قلنا : لأن كل واحد منهما موصى له بجميع رقبته ، فإنما يضرب في الثلث بوصيته ، فلا بد من أن يجعل الثلث بينهما نصفان ، ثم يحتسب للذي عجل ما أدى .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|