
29-12-2025, 05:42 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,744
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد التاسع والعشرون
صـــ12 الى صـــ 22
(582)
ولو ترك ستمائة وأوصى لأجنبي بمائة من ماله ولآخر بما بقي من ثلثه أخذ صاحب المال مائة ، والآخر ما بقي من الثلث ; لأن كل واحد منهما له وصية ثابتة في حق الآخر ، وصاحب المال المسمى من الثلث مقدم على صاحب ما بقي كما أن صاحب الفريضة في الميراث مقدم على صاحب ما بقي كما أن صاحب الفريضة في الميراث مقدم على العصبة ; فلهذا يأخذ صاحب المائة من الثلث مائة ، ثم لصاحب ما بقي قدر الباقي ، فإن رد الموصى له بالوصية وصيته ، أو مات قبل موت الموصي حين بطلت وصيته أخذ الآخر جميع الثلث ; لأن جميع الثلث باق ، وهو بمنزلة ما لم يوص لغيره بشيء ، ولو هلك نصف المال قبل القسمة ، كان لصاحب المائة مائة ولا شيء لصاحب ما بقي ; لأنه لم يبق من الثلث شيء ، ولو كان أوصى مع ذلك بثلث ماله ولم يبق شيء من المال كان الثلث بين صاحب الثلث وصاحب المائة أثلاثا ; لأن صاحب الثلث يضرب في الثلث ، وهو مقدار الثلث الآخر يضرب بمائة فيكون الثلث بينهما أثلاثا ، ولا شيء لصاحب ما بقي ; لأنه لم يبق من الثلث شيء
، ولو ترك ابنين ، فأوصى لرجل بثلث ماله ولآخر بربع ماله ، فأجاز ذلك أحد الابنين كان الثلث بينهم أسباعا بغير إجازة ، ويكون نصف ربع المال من نصيب الابن الذي أجاز صاحبي الوصية على سبعة أسهم .
وأصل هذه الفريضة من أربعة وثمانين سهما ; لأنهما يغلقان الذي أجاز لهما الوصية على حسب ما يغلقانه ، إن لو أجازا جميعا ويقابلان الذي لم يجز وصيتهما على حسب ما يقابلانه إن لم يجز ، فنقول : لو أجازا الوصيتين جميعا لكان الموصى له بالثلث يأخذ الثلث ، والموصى له بالربع يأخذ الربع فيحتاج إلى حساب له ثلث وربع ، وذلك اثنا عشر ، فثلثه أربعة وربعه ثلاثة ، ولو لم يجيزا لكان الثلث بينهما على هذا ، فإذا صار الثلث على سبعة كان جميع المال أحدا وعشرين ، ثم عند إجازتهما الموصى له بالثلث ، والموصى له بالربع يأخذ الربع ، وليس لأحد وعشرين ربع صحيح فيضرب أحد وعشرون في أربعة فيكون أربعة وثمانين ، فأما ثلث المال ، وذلك ثمانية وعشرون يأخذانه بلا منة الإجازة فيقتسمانه أسباعا على مقدار حقهما للموصى له بالثلث أربعة أسباعه ، وهو ستة عشر وللموصى له بالربع ثلاثة أسباعه ، وذلك اثنا عشر ثم نقول : قد بقي إلى تمام حق الموصى [ ص: 13 ] له بالثلث اثنا عشر ، فلو أجازا له الوصية لكان يأخذ من كل واحد من الابنين نصف ذلك ، وهو ستة ، وقد بقي إلى تمام حق الموصى له بالربع تسعة فلو أجازا له الوصية لكان من كل واحد منهما نصف ذلك ، وهو أربعة ونصف .
فإذا أجاز أحدهما الوصية لهما جميعا ، ولم يجز الآخر فإنهما يأخذان من نصيب المجيز ، وهو ثمانية وعشرون مقدار حقهما إن لو أجازا ، وذلك عشرة ونصف فيقتسمان ذلك أسباعا فلكل سبع منه سهم ونصف فلصاحب الربع ثلاثة أسباعه أربعة ونصف ولصاحب الثلث أربعة أسباعه ، وهو ستة ، ولو كان الابنان أجازا وصية صاحب الربع ولم يجيزا وصية صاحب الثلث ، فإن الثلث بينهما أسباعا كما بينا ، ثم يأخذ صاحب الربع ما بقي من حقه ، وهو سبعة أسهم من نصيب الابنين ; لأنهما قد أجازا له الوصية فيسلم له أحد وعشرون كمال الربع من أربعة وثمانين ، ويسلم لصاحب الثلث أربعة أسباع الثلث ، وذلك ستة عشر ، ولو أجاز أحدهما لصاحب الثلث ، والآخر لصاحب الربع ، فالثلث بينهما أسباع كما بينا ، ثم يأخذ صاحب الثلث من نصيب الذي أجاز له نصف ما بقي من الثلث ، والباقي إلى تمام الثلث اثنا عشر فيأخذ نصف ذلك منه ، وهو ستة ; لأنهما لو أجازا جميعا له أخذ من كل واحد منهما ستة ، فكذلك إذا أجاز له أحدهما ، ويأخذ صاحب الربع من نصيب الذي أجاز نصف ما بقي إلى الربع ، والباقي من حقه إلى تمام الربع تسعة ، فيأخذ منه نصف ذلك ، وهو أربعة بمنزلة ما لو أجازا له الوصية والله أعلم
باب الوصية في المال ينقص أو يزيد بعد موت الموصي
( قال رحمه الله ) : وإذا كان للرجل ثلاث جوار قيمة كل واحدة ثلثمائة ، فأوصى لرجل بجارية منهن بعينها ، ثم مات فلم يقسم الورثة ، والموصى له حتى زادت تلك الجارية فصارت ستمائة أو ولدت ولدا يساوي مائة أو وطئها رجل بشبهة غرم عقرها مائة أو اكتسبت مائة فهذا كله من مال الميت ; لأن التركة بعد الموت قبل القسمة مبقاة على حكم ملك الميت فهذه الزيادة تجل على حكم ملكه أيضا ، ويكون حصولها قبل الموت وحصولها بعد الموت سواء فإن كانت الزيادة في بدنها فللموصى له تمام ثلث مال الميت منها ، وماله صار ألفا ومائتين فللموصى له مقدار الثلث أربعمائة ، وذلك ثلثا الجارية التي أوصى له بها وثلثها له مع الجاريتين الأخرتين ، وإن كانا ضامنا لها فإنه يسلم له الجارية كلها وتمام الثلث من تلك الزيادة حتى تقع القسمة [ ص: 14 ] في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله : للموصى له الثلث من الجارية ، ومن الزيادة لا يبدأ بشيء من ذلك قبل ، وقد تقدم بيان المسألة في الوصايا ، والمقصود هاهنا بيان أنه يعتبر مال الميت حتى تقع القسمة لا حين يوصي ولا حين يموت ; لأن حق الموصى له في الثلث بمنزلة حق الورثة في الثلثين ، وإنما يتم سلامة الثلثين للورثة عند القسمة ، فكذلك سلامة الثلث للموصى له .
( ألا ترى ) أنه لو ظهر دين قبل القسمة وجب تنفيذه من الأصل والزيادة جميعا .
وإذا كان للرجل أمة تساوي ثلثمائة لا مال له غيرها فأوصى بها لرجل ثم مات فباعها الوارث بغير محضر من الموصى له ، نفذ بيعها في ثلثيها ; لأن الموصى له صار أحق بثلثها ، والوارث أحق بثلثيها ، فإذا كانت ولدت عند المشتري ولدا يساوي ثلثمائة ثم أحضر الموصى له مائة يأخذ ثلث الجارية ، ويكون للمشتري ثلثاها وثلثا الولد ، ويكون للموصى له التسع من الولد ويرد التسعين إلى الوارث ; لأن ملك المشتري يفوت في ثلثيها فيقرر في ثلثي الولد أيضا ولا يكون ذلك محسوبا من مال الميت ; لأنه حدث على ملك المشتري ، وإنما مال الميت الجارية وثلث الولد فيأخذ الموصى له بثلث الجارية ، ويكون له ثلث الولد ، وذلك تسع الولد ; لأنه لا يسلم له بالوصية أكثر من ثلث مال الميت ويرد التسعين إلى الوارث ; لأنه زائد على الثلث بما تناولته الوصية فيكون مردودا على الوارث ، وكذلك المهر ، والكسب في قول أبي حنيفة رحمه الله ، وهذا ; لأنه يبدأ بالجارية في تنفيذ الوصية ثم بالولد ، ولو كانت الجارية زادت في بدنها حتى صارت تساوي ستمائة صار كأن الميت ترك من المال أربعمائة ; لأن في ثلثي الجارية يعتبر القسمة وقت البيع من الوارث ، فإن بيعه من الوارث بمنزلة الاستهلاك ; لأنه ملكه من غيره فيخرج به من أن يكون مبقى على حكم الميت ، فالزيادة الحاصلة في ثلثيها لا تكون محسوبة من مال الميت يبقى مال الميت ثلثها ، وقيمة ذلك مائتا درهم فيكون للموصى له الثلث من ذلك ، وهو ثلثا ثلث الجارية ، قيمة ذلك مائة وثلاثة وثلاثون وثلث ، وللوارث ثلث ثلثيها ، قيمة ذلك ستة وستون وثلثان ، فإذا ضممته إلى المائتين استقام الثلث والثلثان ، ولو لم تزد الجارية ، ولكنها نقصت حتى صارت تساوي مائة درهم أخذ الموصى له ثلثها ورجع على الوارث من قيمتها بأربعة وأربعين وأربعة أتساع درهم ; لأن مال الميت ما صار للوارث مستهلكا له ، وقيمة ذلك مائتا درهم وثلث الجارية قيمته ثلاثة وثلاثون وثلث ، فإن نقصان السعر لا يكون مضمونا على المشتري ، فللموصى له ثلث مائتي درهم وثلث ، ومقدار ذلك ما قال في الكتاب فيأخذ ثلث الجارية ; لأنها هي الأصل ويرجع على الوارث بأربعة وأربعين وأربعة أتساع [ ص: 15 ] درهم حتى يكون السالم له ثلث مال الميت
وإذا كان للرجل ثلاثة أعبد : قيمة كل واحد منهم ثلثمائة لا مال له غيرهم ، فأوصى بعبد منهم بعينه لرجل ثم مات الموصي فأعتق الوارث العبدين الآخرين ثم صارت قيمة كل واحد منهم ستمائة ثم جاء الموصى له فطلب حقه ، فإنه يأخذ من العبد الموصى له به ثلثيه ; لأن الوارث بالإعتاق صار مستهلكا للعبدين الباقيين ، فإنما تعتبر قيمتهم يومئذ ، وذلك ستمائة ستمائة فيكون للموصى له بقدر ثلث مال الميت ، وذلك ثلثا هذا العبد ، قيمته أربعمائة وثلثه للورثة قيمته مائتان من الستمائة مع الثمانمائة ، ولو كان الوارث لم يعتقهما ، ولكن الموصى له أعتق العبد الموصى به ثم نقصت قيمة العبيد حتى صار كل واحد منهم يساوي مائة فإنه يأخذ الوارث العبدين الباقيين ويضمن له مائة وثلاثة وثلاثين وثلثا ; لأن الموصى له صار مستهلكا بالإعتاق العبد الموصى له به فتعتبر قيمته يومئذ وقيمة العبدين الباقيين عند القسمة فيكون مال الميت خمسمائة يسلم للموصى له ثلث ذلك مائتان وستة وستون وثلثان ، ويقوم للوارث ما زاد على ذلك إلى تمام ثلثمائة ، فيأخذه الوارث مع العبدين الباقيين حتى يسلم له ثلثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث
وإذا كان للرجل عبد يساوي ثلثمائة ، فأوصى به لرجل ثم مات ولا مال له غيره ، وله ابن صغير فكاتب الوصي العبد على ألف درهم فأداها إلى الوصي ، ثم جاء الموصى له يطلب حقه فيكون الوصي في الكتابة قائما مقام الصغير ، وحين تنفذ منه الكتابة في ثلثيه صار ذلك مستهلكا ، وإنما أدى الألف من كسب اكتسبه بعد الكتابة ، قلنا : الكسب لا يكون محسوبا من مال الميت ، وإنما مال الميت العبد وثلث الكسب فيكون جملة ذلك ستمائة وثلاثة وثلاثين وثلثا يسلم للموصى له ثلث ذلك ، وهو مائتا درهم وأحد عشر وتسع يأخذها من مال الابن إن كان له مال بثلث قيمة العبد ، وإن شاء أعتق ويرجع الموصي على العبد فيستسعيه الابن في ثلث قيمته ; لأنه عتق بقدر الثلثين منه فيخرج الباقي إلى الحرية بالسعاية ، فإن تمكنت السعاية في يد الموصي قبل أن يحضر الموصى له ثم حضر فإنه يتبع مال الابن إن كان له مال بثلث قيمة العبد ، وإن شاء أعتق ، وإن شاء استسعاه ; لأن الصبي معتق باستيفاء الوصي بدل الكتابة ، وقد كان العبد مشتركا بينه وبين الموصى له فكان للموصى له أن يضمنه قيمة نصيبه إن كان موسرا ، وقد بينا في العتاق أن الصبا لا يمنع وجوب ضمان العين ، والموصى له لا يكون ضامنا من ماله شيئا ; لأنه غير مخالف في نصيب الصغير بالكتابة فيكون فعله كفعل الصبي ، فإن كانت قيمة العبد زادت بعد أدائه المكاتبة ، لم ينظر إلى الزيادة ولا إلى النقصان بعد الأداء ; لأنه لما عتق بعضه [ ص: 16 ] وقد خرج من أن يكون مثبتا على ملك الميت .
ولو كان العبد زاد قبل أن يؤدي المكاتبة حتى صار يساوي ستمائة ثم أدى المكاتبة فضاع في يد الموصي ، فلا ضمان على الوصي فيما قبض من المكاتبة ; لأنه غير مخالف في تصرفه بالكتابة وقبض البدل ، وللموصى له أن يتبع مال الابن إن كان له مال بثلث أربعمائة ; لأن مال الميت قيمة ثلثي العبد وقت الكتابة ، وذلك مائتا درهم وقيمة ثلثه وقت الأداء ، وذلك مائتا درهم فيكون أربعمائة فيسلم للموصى له ثلث ذلك وله الخيار بين التضمين ، والإعتاق والاستسعاء ، وإن رجع ذلك في مال الصبي رجع الوصي على العبد بقيمة ثلثه عند الأداء ، وذلك مائتا درهم فيسعى للصبي في ذلك
وإذا كان للرجل عبدان قيمة كل واحد منهما ألف درهم فكاتبهما في مرضه كتابة واحدة بألف درهم ، فمات أحدهما ، وأدى الباقي المكاتبة إلى السيد ، ثم مات السيد بعد ذلك ولم يستهلك المكاتبة فإن الورثة يرجعون على الحي بمائتي درهم ، وذلك تمام ثلثي المال ; لأن المريض حاباهما بقدر ألف فذلك وصية لهما تنفذ من ثلثه ، وبموت أحدهما قبل موت المريض لا تبطل وصيته ; لأن هذه الوصية في ضمن الكتابة ، والكتابة قائمة ببقاء من يؤدي البدل ، وهو المكاتب الآخر ; ولأن هذه الوصية تلزم بنفسها فتكون بمنزلة العتق المقدم في مرضه ، فلا تبطل بموته فإنما مال الميت عند موته بدل الكتابة ، وهو ألف درهم ، ونصف رقبة الباقي قيمته خمسمائة والذي مات مستوفيا لوصيته ويؤدي بموته نصف رقبته ، فإنما يقسم الباقي بين الوارث ، والعبد القائم على خمسة ; لأن للعبد نصف الثلث سهم من سهمين وللوارث أربعة ، فإذا قسمنا ألفا وخمسمائة بينهم أخماسا للعبد من رقبته بقدر ثلثمائة ، ويسعى فيما بقي ، وذلك مائتا درهم فحصل للورثة ألف ومائتا درهم ، وقد سلم للوصي بالعبد القائم ثلثمائة ، والميت صار مستوفيا مثل ذلك بالوصية فيقتسم الثلث والثلثان .
وكذلك لو كان أحد المكاتبين مات بعد موت المولى وبقي الآخر فأدى المكاتبة ، وإذا كان للرجل ألفا درهم ، وعبد يساوي ألف درهم ، فأوصى أن يباع العبد من فلان بمائة درهم ، وأوصى لرجل بثلث ماله ، فإن العبد يباع تسعة أعشاره من الموصى له بالبيع بأربعمائة وخمسين درهما ; لأنه اجتمع في العبد وصيتان وصية بالبيع ، وهو مثل الوصية بالرقبة في القسمة ووصية بالثلث ، فتكون القسمة على طريق المنازعة للموصى له بالبيع خمسة أسداسه وللآخر سدسه ، وإذا صار العبد على ستة فكل ألف من الألفين يكون على ستة أيضا للموصى له بالثلث ثلث ذلك ، وهو أربعة فمبلغ سهام الوصايا عشرة ، فذلك ثلث المال وجملة سهام المال ثلاثون العبد من ذلك عشرة [ ص: 17 ] أسهم ، وهو العشر للموصى له بالثلث وخمسة ، وهو نصف العبد يباع من الموصى له بخمسين درهما كما أمر به الموصى ، وأربعة أعشاره حق الورثة ، فإنما يباع من الموصى له بالبيع بمثل قيمته إن رغب فيه ; لأنه لم يبق من الثلث شيء لتنفذ له المحاباة فيه وقيمة أربعة أعشاره أربعمائة ; فلهذا يباع تسعة أعشار العبد من الموصى له بأربعمائة وخمسين فيكون للموصى له بالثلث خمس الألفين أيضا ، وذلك أربعمائة ، ويكون للموصى له من الثمن خمسون درهما ، وهو حصة نصف العبد الذي نفذنا فيه الوصية بالبيع مع المحاباة ; لأن ثمن ذلك خمسون ، وقد فرغ من وصية صاحب البيع فيسلم لصاحب الثلث ، فإذا قد سلم للموصى له بالثلث في الحاصل خمسمائة وخمسين ونفذنا للموصى له بالمحاباة الوصية بقدر أربعمائة وخمسين ، فذلك ألف درهم وحصل للورثة ألف درهم ، فقد حصل لهم من الثمن أربعمائة وأربعة أخماس الألفين فيستقيم الثلث والثلثان .
وإذا كان للرجل عبد يساوي ألف درهم لا مال له غيره فباعه من رجل في مرضه بثلاثة آلاف درهم بسنة ستة وأوصى لرجل آخر بثلث ماله ، ثم مات وأبى الورثة أن يجيزوا ، فتخريج هذه المسألة ينبني على فصلين فيهما الخلاف : أحدهما أن عند أبي حنيفة المحاباة المتقدمة تقدم على سائر الوصايا في الثلث ، والثاني : أن من باع في مرضه عبدا يساوي قيمته ألف درهم بثلاثة ألف سنة فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف الآخر : إنما يصح التأجيل في ثلث الثمن وفي قوله الأول ، وهو قول محمد : التأجيل صحيح فيما زاد على ثلثي قيمة العبد من الثمن .
وقد تقدم بيان الفصلين ثم التخريج على قياس قول أبي حنيفة أن نقول يتخير المشتري ، فإن شاء نقض البيع ، وإن شاء أدى ألفي درهم حالة وسلم له التأجيل في مقدار ألف ; لأن المحاباة تقدم على الوصية بالثلث أصلا ، فإن نقض البيع بطلت وصيته ويبقى صاحب الثلث فيأخذ ثلث العبد ، وإن أوصى بالبيع فأدى ألفي درهم حالة إلى الورثة ثم خلف الألف الباقية فإنها تؤخذ منه وتعطى الموصى له بالثلث ; لأن هذه الألف التي من مال الميت ، وقد فرغت من وصية صاحب المحاباة بمضي الأجل فيسلم للموصى له بالثلث ، وأما على قول أبي يوسف ، فإن اختار المشتري إمضاء البيع فالتأجيل صحيح له في ربع الثمن ، ويؤدي ما بقي فيسلم للوارث من ذلك ألفان وللموصى له بالثلث ما بقي ; لأن الثمن ثلاثة ألف فربعه سبعمائة وخمسون ، وإنما لم يصح تأجيله إلا في هذا القدر ; لأن الموصى له بالثلث يضرب بالثلث ، والموصى له بالبيع يضرب بالجميع ، فيكون الثلث بينهما على أربعة ، والمال اثني عشر ، فإنما يسلم له التأجيل في مقدار ثلاثة أسهم من اثني عشر ، وهو الربع ويؤدي ألفين ومائتين وخمسين [ ص: 18 ] فيكون للورثة منها ألفان ولصاحب الثلث مائتان وخمسون ، وإذا حل الأجل كان الباقي ، وهو سبعمائة وخمسون كله لصاحب الثلث ; لأنه من جملة الثلث ، وقد فرغ من وصية صاحب المحاباة فيسلم لصاحب الثلث ، وفي قول محمد التأجيل صحيح في مقدار الألفين ، وفي ثلاثة أرباع ثلث الألف الثالثة باعتبار أن محل الوصية ثلث هذه الألف فيضرب فيه الموصى له بالثلث بسهم ، والموصى له بالربع بثلاثة فيؤدى ربع هذا الثلث مع ثلثي القيمة ربع هذا الثلث للموصى له بالثلث وثلثا القيمة للورثة ، وإذا حل الأجل أدى ما بقي من الثمن فيكون للموصى له بالثلث من ذلك تمام الألف مع ما استوفى ، والباقي للورثة ، وإنما يتحقق الخلاف قبل حلول الأجل ، فلعل بعد حلول الأجل يرتفع الخلاف ، والله أعلم بالصواب
باب الرجل يموت وليس له وارث فيقر لوارث له أو لوصي بمال
( قال رحمه الله ) : وإذا حضر الرجل الموت وليس له وارث فأوصى رجل بماله كله لرجل فهو جائز عندنا . بلغنا عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : يا معشر همدان إنه ليس من قبيلة أحرى أن يموت الرجل منها لا يعرف له وارث منكم ، فإذا كان ذلك فليضع ماله حيث أحب ، وقد بينا هذه المسألة في كتاب الوصايا ، فإن كان هذا الميت أسلم على يد رجل ووالاه ، أو كان له أحد من ذوي الأرحام كان للموصى له الثلث ; لأن من سمينا وارث له فعقد الموالاة عند تسبب الإرث وذوي الأرحام من جملة الورثة ، فلا تنفذ وصيته مع وجود أحد من هؤلاء إلا في مقدار الثلث من ماله .
، وإذا أقر في مرضه بأخ له من أبيه وأمه أو بابن ابن له ثم مات وله عمة أو خالة أو مولى موالاة ، فالميراث للعمة أو الخالة ، وقد تقدم بيان هذا في كتاب الدعوى ، فلا يستحق المقر به شيئا مع وارث معروف له ، ولو لم يكن له الوارث من القرابة وغيرهم كان ماله لهذا المقر به ; لأنه أقر له بشيئين بالنسب وباستحقاق ماله بعده ، وهو في النسب مقر على غيره ، وفي استحقاق المال إنما يقر به على نفسه فيعتبر إقراره في ذلك وهذا ; لأنه غير متهم في هذا الإقرار فيما يرجع إلى المال ; لأنه يملك إيجابه له بطريق الوصية ابتداء ; فلهذا يعتبر إقراره باستحقاق المال ، ولو أوصى بماله كله لرجل مع ذلك كان لصاحب الوصية ثلث المال ; لأن التهمة لما انتفت عن إقراره التحق المقر به بالوارث المعروف فيكون للموصى له ثلث المال معه ، وقد بينا في كتاب الدعوى من يصح إقراره به للرجل ، والمرأة ومن لا يصح إقراره .
ولو أقر في مرضه بابن [ ص: 19 ] ابن أو بأخ وصدقه المقر به في ذلك ثم أنكره المريض وقال : ليس بيني وبينه قرابة ثم أوصى بماله كله لرجل ثم مات ولا وارث له ، فالمال كله للموصى له ولا شيء للمقر به ; لأن النسب لم يثبت بإقراره وكان إقراره بمنزلة إيجاب المال له بالوصية ، ورجوعه عن ذلك صحيح ، فإن أنكره صار بمنزلة الراجع عما أوجبه له ، فلهذا سلم المال كله له ، ولو لم يوص بماله لأحد كان ماله لبيت المال دون المقر به ; لأن حق المقر به قد بطل بجحوده .
فإن قيل : كلامه بمنزلة الإقرار بالمال فكيف يصح رجوعه عنه ؟ ، قلنا : لا كذلك ، بل هو بمنزلة إيجاب المال له بطريق الخلافة ، وهو الوصية .
( ألا ترى ) أن ما أقر به لو كان ظاهرا لم يستحق المال إلا بهذه الصفة ، ولو لم يقر المريض بشيء من ذلك ، ولكن له عمة أو مولى نعمة ، فأقرت العمة أو مولى النعمة بأخ للميت من أبيه وأمه أو بعم أو بابن عم ثم أنكره ثم مات المريض أخذ المقر به الميراث كله ; لأن الوارث المعروف أقر بأنه مقدم عليه في استحقاق ماله ، وإقراره حجة على نفسه ، ولو جدد الإقرار به بعد موت المريض كان جميع المال للمقر به ، فكذلك إذا أقر به قبل موته .
وإن أقرت المرأة بزوج وابنة لها من غير هذا الزوج ، فصدقها كل واحد منهما بما أقرت به له خاصة ، وجحد صاحبه ثم مات ولا وارث لها فللزوج نصف المال ; لأن إقرارها بالزوجية صحيح ، وإقرارها بالابنة غير صحيح في حق الزوج ، فيأخذ الزوج النصف ثم لما لم يوجد ما يستحق لما بقي من الورثة فيعتبر إقرارها بالابنة فيما بقي فيكون لها النصف الباقي ، ولو صدقها الزوج فيما أقرت به من نسب الابنة ، وجحدت الابنة الزوج كان للزوج ربع المال ; لأن إقراره حجة في حقه فالتحقت بالابنة المعروفة عند تصديقه في حقه فيكون له ربع المال ، والباقي للابنة .
ولو أقرت في مرضها أو صحتها بزوج وابنة وأم وأخت لأب فصدقها كل واحد فيما أقرت له به خاصة ، فللزوج نصف المال ; لأن إقرارها بالزوجية صحيح ولمن سمى الزوج من جميع من سمينا غير صحيح في حق الزوج فيأخذ الزوج نصف المال ، ثم الباقي يقسم بين من بقي على تسعة ; لأنهم استووا في أن إقرارها لهم بالنسب لا يصح فيجعل فيما بينهم كأن كل واحد منهم معروف بالنسب الذي أقر له به ، ولو كانوا معروفين كانت القسمة من اثني عشر : للزوج الربع ثلاثة ، وللبنت النصف ستة وللأم السدس سهمان ، والباقي ، وهو سهم للأخت ، وقد أخذ الزوج كمال حقه فيطرح سهاما ويقسم ما بقي بينهم على تسعة : للابنة ستة وللأم سهمان وللأخت سهم ، فإن كان المقر بهم لم يصدقوها ولم يكذبوها حتى ماتت ثم صدقوها بعد موتها على ما بينا ففي قياس قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله [ ص: 20 ] الجواب كذلك وفي قياس قول أبي حنيفة رحمه الله لا شيء للزوج في هذه المسألة في الإقرار عند أبي حنيفة تصديق الزوج بعد موتها باطل فلا شيء له ويقسم الميراث كله على ستة ; لأنه يصير في الحكم كأنه ما أقر إلا بالثلاثة سوى الزوج فيكون للابنة نصف ثلاثة من ستة وللأم السدس سهم ، والباقي للأخت ، وهو سهمان . وقع في بعض النسخ وللأخت ثلاثة ، وهو غلط ، فإن الأخوات مع البنات عصبة فيكون للأخت ما بقي ، وهو سهمان ، ولو كانوا أقروا بذلك في حياتها وتكاذبوا فيما بينهم إلا الزوج فإنه أقر بالأم كان للزوج النصف ، والباقي على تسعة أسهم كما بينا ، ثم يضم للأم نصيبها إلى نصيب الزوج فيقتسمان على خمسة أسهم : للزوج ثلاثة وللأم سهمان ; لأن الزوج قد صدق بها فالتحقت في حقه بأم معروفة فما يحصل في أيديهما يقسم بينهما على مقدار حقهما على خمسة : للزوج ثلاثة وللأم سهمان ، وفي هذا بعض الشبهة ; لأن بوجوب الأم لا يتحول نصيب الزوج إلى الربع فينبغي أن يضرب هو بالنصف ستة ، ولكن نقول : الزوج إنما يضرب بثلاثة على أن تكون المرأة تركت زوجا ، وإما فتكون القسمة من ستة للزوج ثلاثة .
فإن قيل : فعلى هذا ينبغي أن يكون ما في أيديهما بينهما نصفين ; لأن الأم أخذت النصف الباقي مع الزوج قلنا : هي بالأمية تستحق الثلث ، ثم الباقي يرد عليها ، ولا يعتبر الرد في المزاحمة عند ضعف المال ; فلذا كانت القسمة بينهما على خمسة
، ولو أقر في مرضه فصدقه الأخ في ذلك ثم أوصى بماله لرجل آخر ، ثم مات ، فقال الأخ : لست له بأخ وكان إقراره لي باطلا ، فالمال كله للموصى له ، وإن لم يوص بماله لأحد ، فالمال كله لبيت المال ; لأن الأخ صار رادا لما أوجبه له حين أنكر الأخوة
ولو أقر رجل بامرأة وابنة وأم وأخت لأب فصدقته كل واحدة منهن في نفسها وكذبته في البقية ثم مات فللمرأة الثمن ، والباقي للابنة خاصة ; لأن إقرار الرجل بالمرأة والابنة صحيح فالتحقتا بالمعروفتين ، فللمرأة الثمن ، والباقي للابنة بالفرض والرد ولا شيء للأم ، والأخت ; لأن الابنة بعد ثبوت نسبها مستحقة لجميع المال ، وإذا أقر بابن ابن أو بأخ له من أبيه وأمه ثم قتل عمدا ، فليس للمقر به في القود قول ولكنه إلى الإمام ; لأن المقر له بمنزلة الموصى له ، والموصى له بالمال لا حق له في القود ولأن إقراره إنما يعتبر فيما يملك الإنشاء به ، وهو لا يملك الإنشاء في القصاص .
( ألا ترى ) أنه لو أوفى بذمة لرجل لم يكن له أن يقبض منه . فكذلك إذا أقر له بنسب لا يثبت ذلك النسب بإقراره ، ولكن الرأي إلى الإمام فإن شاء استوفى القصاص ، وإن شاء صالح القاتل على الدية ، فإن صالحه على [ ص: 21 ] ذلك فالدية للمقر به ; لأن حق الموصى له يثبت في الذمة كما يثبت في سائر الأقواد ، فكذلك في حق المقر به ، ولو كان المقتول أقر ببعض من يثبت نسبه منه بإقراره كان القود للمقر به ، وإذا صدقه بنسبه في حياته أو بعد موته ; لأن النسب الثابت بإقراره كالثابت بالمعاينة ، ولو كان أقر بامرأة ثم مات ، فالقود إليها وإلى الإمام ; لأن إقراره بالزوجية صحيح فتلتحق بامرأة معروفة ، فيكون لها ربع القود ، والباقي للإمام إن شاء استوفيا ، وإن شاء صالحا على الذمة أو أكثر منها ، فإن صالحا على الأقل من الذمة كان ربع ذلك لها ; لأن صلحها صحيح في نصيبها ، وأما الثلاثة أرباع فيصالح الإمام فيه على أقل من ثلاثة أرباع الدية ، وإذا مات الرجل وترك أخا لأب وأم فأقر الأخ في حياته أو موته بابنة ابن ابن الميت ، ثم أنكرها في حياته أو بعد موته فهو سواء فيأخذ منه نصف المال ; لأنه أقر لها بنصف ميراثه ، وذلك ملزم إياه ولا يعتبر إنكاره بعد ذلك ، فإن أعطاها نصف المال ثم أقر بابنة ابن الميت ، فإن دفع إلى الأولى بغير قضاء دفع إلى هذه نصف جميع المال ; لأنه أقر أنها مستحقة لنصف المال دون الأولى ، وما دفعه بغير قضاء محسوب عليه من نصيبه فيجعل كالقائم في يده ، ولو كان دفع إلى تلك بقضاء دفع إلى هذه ثلاثة أخماس ما بقي في يده ; لأن الميت بزعمه خلف ابنة ابن وابنة ابن ابن وأخا : فلابنة الابن النصف ثلاثة وللأخرى السدس ، والباقي ، وهو سهمان للأخ وما دفعه إلى الأولى زيادة على حقها بقضاء قاض لا يكون محسوبا عليه فيجعل ذلك كالتاوي فتضرب الثانية فيما بقي بثلثه ، وهو سهمان ; فلهذا يعطيها ثلاثة أخماس ما بقي في يده ; لأنه زعم أنها هي المستحقة للنصف ، وأن للأخ ما بقي بعد السدس ، وإذا قتل الرجل عمدا وله أخ لأب وأم فأقر الأخ بابنة للمقتول ، فإنه هو الخصم في الدية يقبل منه البينة ويحضر معه الابنة التي أقر بها .
فإذا قضى القاضي بالدم تركا جميعا القتل أو أمرا من يقتل بحضرتهما ولا يقتل حتى يحضرا ; لأن العفو من كل واحد منهما صحيح في نصيبه باعتبار زعم صاحبه فلا يقتل إلا بحضرتهما ، فأما الإثبات بالبينة صحيح من الأخ ، وإن لم يحضر البينة إلا على قول أبي يوسف ، وهو بناء على التوكيل بإثبات القول ، وقد تقدم بيان الخلاف فيه في كتاب الوكالة ، ولو كان الأخ أقر بابن للميت ، فإن القاضي لا يقبل أيضا البينة حتى يحضر الابن ، والأخ جميعا ; لأن الأخ هو المستحق للدم في الحكم ، وقد زعم الأخ أن المستحق هو الابن ، فلا بد من أن يحضرا جميعا لإثبات القود بالبينة ، ثم إما أن يتوليا قتله أو بأمر أحدهما صاحبه فيقتله بحضرة الآخر
وإذا مات الرجل وترك أخاه لأبيه [ ص: 22 ] وأخاه لأمه فادعى رجل أنه أخو الميت لأبيه وأمه ، وصدقه الأخ من الأم بأنه أخوه من أمه ، وصدقه الأخ من الأب بأنه أخوه لأبيه ، فإنه يدخل مع الأخ لأب فيقاسمه ما في يده نصفين ، ولا يدخل مع الأخ لأم ; لأن في يد الأخ لأم السدس ، وهو لا ينقص من السدس ، وإن كثرت الإخوة من الأب ، وقد زعم الأخ لأب أنه مساو له فيأخذ منه نصف ما في يده ، وهو سدسان ونصف ، وإنما أقر الأخ لأم بأن له من التركة السدس ، وقد وصل إليه أكثر من ذلك ، فلا يزاحمه في شيء مما في يده

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|