وهذا كما ترى مصدَّرٌ بـ (قيل)، ولم أر نقلًا عنه إلا في كتابٍ موضوعٍ، طُبع بعنوان "الحق الظاهر في شرح حال الشيخ عبدالقادر" في حدود سنة (1305هـ)، منسوب إلى رجلٍ مجهولٍ هو علي بن محمد القرماني! وأسلوبُ هذا النص لا يشبه كلام ابن الجوزي. وهو هذا:
قال مؤلفُ "الحق الظاهر": (ص 35 - 36): "قال الإمامُ ابنُ الجوزي في كتابه الذي ذكره ابنُ رجب: إنَّ عبدالقادر أخطأ طريق الوعاظ بشاهد قول الله (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة)، وهو صاحبُ غلظةٍ وخشونةٍ، وذلك لعدم تبحره بعلم السُّنة ومشرب السلف الصالح كالسَّري، والطائي، والكرخي، والجنيد، وابن هوار، وأعيان المتأخرين من الطبقة الثانية كالشيخ منصور البطائحي، وعمِّه أبي محمد الشنبكي وغيرهما مِن أعيان العصر الذين صفتْ سرائرهم، وتهذبتْ نفوسهم، وحسنتْ أخلاقهم، وأورثهم سلوكُ طريق القوم أدبًا وذلًّا وانكسارًا وتمسكًا بسنة النبي صلى الله عليه وسلم. وإن في زمننا مَنْ أحكم هذه المسالك وتخلق بهذه الأخلاق وراض نفسه وقهرها وصار قدوة في طريقه كابن عبد في البصرة، وكالسيد أحمد ابن الرفاعي في البطائح.
وأطالَ ابنُ الجوزي رحمه الله كلَّ الإطالة، وقد اختطفته الغَيرةُ الدينيةُ فأغلظ في كتابه المذكور على الشيخ وطائفته.
وقال: وخلاصةُ الأمر أن عبدالقادر مع ما كان عليه يجهدُ بأنْ يقود الناسَ إلى الحق ولكنَّ أخلافَه من أولادهِ وأحفادهِ على الغالب خرجوا عن سيرته، بل خرج بعضُهم عن سيرة الشارع صلى الله عليه وسلم، وما بقيَ عندهم غير الدعوى العريضة والتشدق بالكلمات المضلة، والتباعدُ عنهم وعن عاداتِهم ومنتحلاتِهم أسلمُ للدين وأرضى لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام.
قلتُ [القائل مؤلفُ "الحق الظاهر"]: وللشيخ ابن الجوزي رحمه الله كتابان في هذا الموضوع مشهوران أطالَ فيهما كل الإطالة وأوضحَ ما يلزم إيضاحُه فليُراجع"[12].
وقولُ مؤلف "الحق الظاهر": "لابن الجوزي كتابان في هذا الموضوع مشهوران" غريبٌ جدًّا.
وقد ردَّ على "الحق الظاهر" الشيخ محمد المكي بن عزوز في كتابه "السيف الرباني"، وفرغ منه في 12 من ربيع الأول 1309، وتم طبعه سنة (1310)، و(20/ 5 / 1313)، وقال فيه (ص: 66): "المشهورُ عن ابن الجوزي -سامحه الله- اعتراضُه على عموم القوم، أمّا تخصيصُه جناب الإمام الجيلي بالتأليف فلم نعثر عليه سوى ما قاله هذا الفضولي، والعهدةُ عليه".
قلتُ:
وقد ذكر ابنُ الجوزي الشيخَ عبدالقادر في كتبه الثابتة:
قال في كتابه «المنتظم» فقال (18/ 141): «وخلعَ [الخليفة] المستنجدُ باللَّه عند انتهاء شهر والدهِ على أرباب الدولة، وخلعَ عليَّ خلعةً، وعلى عبدالقادر، وأبي النجيب، وابن شقران، وأذنَ لنا في الجلوس بجامع القصر، وتكلمتُ في الجامع يوم السبت ثامن عشرين ربيع الآخر فكان يُحزر جمعُ مجلسي على الدوام بعشرة آلاف وخمسة عشر ألفًا».
وترجم له في هذا الكتاب (المنتظم) فقال (18/ 173):
«عبدالقادر بن أبي صالح أبو محمد الجيلي.
وُلد سنة سبعين وأربع مئة، ودخل بغداد فسمع الحديث من أبي بكر أحمد بن المظفر بن سوسن التمار، وأبي القاسم علي بن أحمد بن بيان الرزاز، وأبي طالب بن يوسف، وتفقه على أبي سعد المُخرّمي، وكان أبو سعد قد بنى مدرسةً لطيفةً بباب الأزَج ففُوِّضتْ إلى عبدالقادر فتكلّم على الناس بلسان الوعظ، وظهر له صيت بالزهد، وكان له سمتٌ وصمتٌ، فضاقتْ مدرستُه بالناس فكان يجلسُ عند سور بغداد مستندًا إلى الرباط ويتوبُ عنده في المجلس خلقٌ كثيرٌ، فعُمِّرت المدرسة ووسعتْ، وتعصَّب في ذلك العوامُّ، وأقام في مدرسته يدرِّسُ ويعظُ إلى أن تُوفي ليلة السبت ثامن ربيع الآخر [سنة 561] ودُفن في الليل بمدرسته وقد بلغ تسعين سنة»[13].
وترجم له في آخر كتابه «مناقب الإمام أحمد» في (الباب المِئة في ذكر أعيان أصحابه وأتباعه مِن زمانه إلى زماننا) فقال (ص: 707): «عبدالقادر بن أبي صالح الججيلي، تفقّه على أبي سَعد المخرمي، وسمع الحديث، ثم لازم الانقطاع عن الناس في مدرسته مُتشاغلًا بالتدريس والتذكير، وبلغ من العمر تسعين سنة. وتُوفي في ليلة السبت ثامن ربيع الآخر من سنة إحدى وستين وخمس مئة ودُفن بمدرسته».
وذكره في كتابه «أعمار الأعيان» فيمن بلغ عقد التسعين وما زاد (ص 79) فقال: «وعبدالقادر الجِيلِيّ»
ولابن الجوزي:
-عُجالة المنتظر بشرح حال الخضر.
قال في «المنتظم» (1/ 363): «وقَدْ جمعتُ كتابًا سميتُه: عجالة المنتظر بشرح حال الخضر، وذكرتُ فِيهِ هذه الأحاديث والحكايات ونظائرها وبينتُ خطأها فلم أر الإطالة بِذلِكَ هاهنا».
وفي مرآة الزمان (22/ 98) أنه جزآن. وله مختصر، ولكنه كان يرى عدم امتداد حياة الخضر، فلا يعد هذا الكتاب في رجال هذه الأمة. ولم نقفْ عليه ولا على مختصره. وهناك نقلٌ منه في "المنار المنيف" لابن القيم.
أمّا مؤلفاتهُ المفردةُ في أئمة الحكم المتأخرين ففيها كلامٌ على النحو الآتي:
ذكر حاجي خليفة في (4/ 433-434): «سيرةُ المُستضيء[14]: لابن الجوزي».
وهذا ذكره الصفدي في «الوافي بالوفيات» (18/ 111)[15] باسم: «المصباح المضيء في سيرة المستضيء».
وبالاطلاع على الكتاب يُعرف أنه ليس سيرة للخليفة المستضيء، وإنما هو كتابٌ في وعظه، وعنوانه: "المصباح المضيء في خلافة المستضيء".
نعم في «سير أعلام النبلاء» (21/ 374): «(المضيء بفضل المستضيء) مجيليد».
وهذا يشبهُ أن يكون في سيرته. وقد علق المحققان عليه بقولهما: "هو الكتاب المشهور (المصباح المضيء) الذي حققته الفاضلة ناجية عبدالله إبراهيم، وطُبع ببغداد سنة 1976)".
ولكن الذهبي يصفه بأنه مجيليد، وليس "المصباح المضيء" كذلك، والعنوان مختلف. وجاء في «تاريخ الإسلام» (12/ 1104 ت بشار): «كتاب المصباح المضيء بفضائل المستضيء، مجلد»، فلعل ما جاء في "النبلاء" اختصار، ولا يمكن القطع بشيء.
وقال ابن رجب في «ذيل طبقات الحنابلة» (2/ 469): «وفي خلافة المستضيء قوي اتصالُ الشيخ أبي الفرج [بالخليفة]، وصنَّفَ له الكتاب الذي سماه "المصباح المضيء في دولة المستضيء"». ثم ذكره في (2/ 494) باسم: «"المصباح المضيء لدعوة الإمام المستضيء"»[16].
ويقول الدكتور محمود الطناحي: "ولعل من أشد العنوانات خداعًا: ذلك الكتاب الذي ألفه ابنُ الجوزي وسماه: «المصباح المضيء في خلافة المستضيء»، فهذا الكتاب وإنْ كان في ظاهره أنه في مناقب الخليفة العباسي المستضيء، فإنه ليس خالصًا له، وإنما استطرد ابنُ الجوزي فيه إلى تراجم كثيرة للصحابة وللخلفاء العباسيين، مع عناية ظاهرة بالوعظ والتذكير، يقدمها ابنُ الجوزي للسلطان أو للحاكم، لكي يستضيء بها في معالجة الأحوال السياسية والاجتماعية، كما ذكرتْ محققة الكتاب وناشرته العراقية الدكتورة ناجية عبدالله إبراهيم"[17].
ومثل "المصباح المضيء" -فيما يبدو-: «زينة الأعاصر في دعوة الإمام الناصر». ذكرَه السيوطي في «أنشاب الكثب في أنساب الكتب» (1/ 352).
وذكر الذهبي له في «سير أعلام النبلاء» (21/ 374): «المجد العضدي مجلد، الفجر [كذا والصواب: الفخر] النُّوري مجلد، المجد الصلاحي مجلد». وقال المحققان عن الأول:
نظنه قصد بذلك: "عضد الدين أبو الفرج محمد بن عبدالله ابن رئيس الرؤساء الوزير الكبير الذي مرت ترجمته في هذا الكتاب".
وعن الثاني: "لعله في سيرة السلطان الشهيد نور الدين محمود بن زنكي المتوفى سنة 569".
وعن الثالث: "لعله في سيرة السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب رضي الله عنه".
قلت: جاء في ترجمة محمود بن زنكي في «المنتظم» في وفيات سنة (569)، (18/ 209-210):
«محمود بن زنكي بن آقسنقر، الملقب نور الدين، ولي الشام سنين، وجاهدَ الثغور، وانتزع من أيدي الكفار نيفًا وخمسين مدينة وحصنًا، منها الرها، وبنى مارستان في الشام أنفق عليه مالًا، وبنى بالموصل جامعًا غرم عليه ستين ألف دينار. وكان سيرته أصلحَ من كثير من الولاة، والطرق في أيامه آمنة، والمحامد له كثيرة، وكان يتدينُ بطاعة الخلافة، وترك المكوسَ قبل موته، وبعث جنودًا افتتحوا مصر، وكان يميل إلى التواضعِ، ومحبةِ العلماء وأهلِ الدين، وكاتبني مرارًا، وأحلف الأمراء على طاعة ولده بعده، وعاهدَ ملك الإفرنج صاحب طرابلس -وقد كان في قبضته أسيرًا- على أن يطلقه بثلاث مئة ألف دينار، وخمسين ومئة حصان، وخمس مئة زردية، ومثلها تراس افرنجية، ومثلها قنطوريات، وخمس مئة أسير من المسلمين، وأنه لا يعبر [كذا، والصواب: يغير] على بلاد الإسلام سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام، وأخذ منه في قبضته على الوفاء بذلك مئةً من أولاد كبراء الإفرنج وبطارقتهم، فإنْ نكثَ أراقَ دماءهم، وعزمَ على فتح بيت المقدس فوافته المنيةُ في شوال هذه السنة، وكانت ولايته ثمانية وعشرين سنة وأشهرًا». وقد نقل السبطُ هذا فقال في «مرآة الزمان» (21/ 210-211): «قلت: وذكر جدّي نورَ الدين في "المنتظم" بكلماتٍ يسيرةٍ، فقال: ولي الشام سنين، وجاهدَ الكفار، وكان أصلحَ من كثير من الولاة، وكان يتدينُ بطاعة الخلافة، والطرقُ آمنةٌ في أيامه، والمحامدُ كثيرة، وذكر بناءَ مارستان دمشق، وجامع الموصل، وكان يميلُ إلى التواضع، ويحبُّ العلماء وأهل الدين، وقد كاتبني مرارًا.
وذكرَ أسره لملك الفرنج، وأنه أخذَ منه ثلاث مئة ألف دينار، وشرطَ عليه أنْ لا يُغير على بلاد المسلمين سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام، وأخذَ منه رهائن على ذلك. هذا صورةُ ما ذكره جدِّي في "المنتظم" في ترجمة نور الدين.
قلتُ [القائل السبط]: وقد صنَّف كتابًا سمّاه "الفخر النوري" فيه أحاديثُ العدل والجهاد ومواعظ، وغير ذلك». فالكتاب إذن ليس خالصًا في المناقب، وربما لا توجد عنده مادةٌ لتوسيع الترجمة غير ما ذكر، وهو يشبه "المصباح المضيء"، ولعل "المجد العضدي"، و"المجد الصلاحي" كذلك.
وقد ذكر السبطُ هذه الكتب الثلاثة فيما لجدِّه مِنْ كتب في التواريخ والسير (22/ 96-97). وربما ذُكرت هذه الكتب في حقل التواريخ والسير لأنَّ ابن الجوزي يذكر فيها أخبارَ الخلفاء والملوك السابقين وما وُعظوا به.
أمّا ما يتعلق بعضد الدين فقد جاء في «المنتظم» (18/ 246-247):
«مُحَمَّد بن عبدالله بن هبة الله بن المظفر رئيس الرؤساء، أبي القاسم ابن المسلمة، أبو الفرج الوزير.
ولد في جُمادى الآخرة من سنة أربع عشرة وخمس مئة وكان أبوه أستاذ دار المقتفي، وتولى المستنجد فأقرَّه على ذلك ورفعَ قدرَه فوق ما كان، فلما ولي المستضيء بأمر الله الخلافةَ استوزرَه، وكان يحفظ القرآن، وقد سمع الحديث، وله مروءة وإكرام للعلماء والفقراء، ثم جرى له مع قيماز ما جرى فعزله الخليفةُ [سنة 567] ثم مات قيماز فأُعيد إلى الوزارة [سنة 570]. وخرج من بيته إلى الحج يوم الثلاثاء رابع ذي القعدة [سنة 573] فضربه الباطنيةُ أربعَ ضربات على باب قَطُفتا، فحُمل إلى دارٍ هناك ولم يتكلم إلا أنه يقول: الله الله وقال: ادفنوني عند أبي. ثم مات بعد الظهر، وحُمل يوم الخميس إلى جامع المنصور فصلى عليه ولدُه الأكبرُ ودُفن عند أبيه بمقبرة الرباط عند الجامع».
وكان قد قال في حوادث سنة (573)، في «المنتظم» (18/ 240) كلامًا يشعرُ بعلاقته به، قال:
«وفي يوم الجمعة سلخ شوال:... ورد حاج كثير من خراسان فاستأذن الوزيرُ ابن رئيس الرؤساء في الحج فأذن له، فعمل تركًا جميلًا، وقيل: إنه اشترى ست مئة جمل وأقام منها مئة للمنقطعين، وأخرج معه الأدوية ومن يطب المرضى، واستصحب جماعة من أهل الخير والعلم، ودخلنا إليه بكرة الثلاثاء نودِّعه فسلمنا عليه، ثم قام فدخل إلى الخدمة، ثم خرج فعبر في سفينة إلى ناحية الرقة، وقد خرج أهلُ بغداد فامتلأت الشواطئ من الجانبين وامتدوا إلى ما فوق [قبر] "معروف" ينظرون إليه، وخرج معه أربابُ الدولة سوى صاحب المخزن فإنه لم يلقه، وأما أستاذ الدار فإنه ودعه في دار الخلافة، وعبر معه تتامش وكان مريضًا فردَّه حين صعد من السفينة وقال له: أنت مريض فعاد فركب الوزير وبين يديه النقيبان وأرباب الدولة والعلماء وضرب له بوق حين ركب فلما وصل باب قطفتا خرج رجل كهل فقال: يا مولانا أنا مظلوم وتقرب منه فزجره الغلمان فقال الوزير: دعوه فتقدم إليه فضربه بسكين في خاصرته فصاح الوزير: قتلني ووقع من الدابة ووقعتْ عمامته فغطى رأسه بكمه وبقي على قارعة الطريق وضُرب ذلك الباطني بسيف، فعاد فضرب الوزير، وأقبل حاجب الباب ينصره فضربه الباطني بسكين وعاد وضرب الوزير فقُطع الباطني بالسيوف، وبعض الناس يقولون كانوا اثنين وخرج منهم شاب بيده سكين فقتل ولم يعمل شيئًا وأحرقت أجساد الثلاثة، وحمل الوزير إلى دار هناك، وجيء بحاجب الباب إلى بيته واختلط الناس وما صدق أحد أن يعود إلى بيته في عافية، وكان الوزير قد رأى في المنام قبل ذلك أنه عانق عثمان بن عفان، وحكى عنه ولدُه أنه اغتسل قبل خروجه وقال: هذا غسل الإسلام وإني مقتول بلا شك. ومات الوزير بعد الظهر، وتوفي حاجب الباب في الليل، وغسل الوزير بكرة الأربعاء وحمل إلى جامع المنصور فصلي عليه، وحضر أرباب الدولة وصاحب المخزن ودُفن عند أبيه، وجاء مكتوب من الخليفة إلى أولاده يطيب قلوبهم ويأمرهم بالقعود للعزاء، فقعدوا يوم الخميس في داره فلم يحضر أحد يومًا إليه لا من الأمراء ولا من القضاة ولا من الشهود ولا من الصوفية بل كان هناك عدد يسير وتكلم في العزاء من عادته يتكلم في أعزية العوام من الطرقيين فتعجبت من هذه الحال وانه كان يكون عزاء بزاز أحسن من ذلك وما كان انقطاع الناس إلا رضا لصاحب المخزن لأنه كان يفارقه، فلما كان في اليوم الثاني حضر الدار جماعة من الفقهاء بالنظامية فلم يقعد أولادُه فلما علم الخليفة بالحال تقدم إلى أرباب الدولة ومَن جرت عادته بالحضور، فحضر في اليوم الثالث صاحبُ الديوان وقاضي القضاة والنقيبُ وغيرُهم، وسألوا أنْ أتكلم عندهم في العزاء فنُصب لي كرسي لطيف وتكلمت عليه والقراء يقرؤون، ومددتُ الكلام إلى أن جاء خدم الخليفة بمكتوب منه يعزيهم ويأمرهم بالنهوض عن العزاء فقرأه ابن الأنباري قائمًا والناس كلهم قيام ثم انصرفوا».
أمّا صلاح الدين فلم يترجم له في "المنتظم" لأنه وقف فيه سنة (574)، وتوفي صلاح الدين سنة (589)، نعم ذكره في كتابه «فضائل بيت المقدس» فقال (ص: 105):
«ما زال بيت المقدس مع الكفار إلى سنة ثلاث وثمانين وخمس مئة، فقصده صلاحُ الدين النائب هناك عن أمير المؤمنين الناصر لدين الله بعد أنْ ملك ما حوله، فوصل الخبرُ إلينا في سابع وعشرين من رجب سنة ثلاث وثمانين وخمس مئة أن يوسف بن أيوب الملقب بصلاح الدين فتحَ بيت المقدس، وخطبَ فيه بنفسه، وصلى فيه. رحمه الله، ورضي عنه». وقد توفي صلاح الدين بعد صلاة الصبح من يوم الأربعاء السابع والعشرين من صفر سنة (589)، وفرغ ابن الجوزي من تصنيف هذا الكتاب في يوم الأربعاء، الحادي والعشرين، لشوال، سنة تسع وثمانين وخمس مئة، بالمدرسة الشاطئية بباب الأزَج.
وذُكر له في «ذيل طبقات الحنابلة» لابن رجب (2/ 495): «"مناقب الستر الرفيع" جزء».
وهذا كأنه في مناقب إحدى جهاتِ الخلافة.
قال ابنُ جبير يصف مجلس وعظ ابن الجوزي في «الرحلة» (ص 198-199): «ثم أخذ في الثناء على الخليفة والدعاء له ولوالدته وكنى عنها بالستر الأشرف والجناب الأرأف». ويعبر عن المرأة بالستر الرفيع، ومن ذلك وصف الذهبي في "النبلاء" (2/ 227) للسيدة حفصة أم المؤمنين به.
وربما كانت المقصودة "بنفشا"، أو "زمرد خاتون" زوجة المستضيء أم الخليفة الناصر.
وقال السخاوي في «الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر» وهو يذكر السير المفردة (3/ 1262): «ولابن الجوزي "المجد الصَّلاحي"، و"المجد العضدي"، و"الفخر النُّوري"، و"المصباح المضيء لدعوة الإمام المستضي"، و"الفاخر[18] في أيّام الإمام الناصر". كلُّ واحد مِنْ الخمسة في مجلد. ويقال: إنّ له "عقد الخناصر في ذم الخليفة الناصر"».
و"الفاخر في أيام الناصر" قد يكون تاريخًا لعهده لا تاريخًا له.
ويتلخص من هذا أن المذكور له من مؤلفاته بحق أئمة الحكم وذويهم:
1- المصباح المضيء في دعوة الخليفة المستضيء.
2- المضيء بفضل المستضيء.
3- المجد العضدي.
4- الفخر النوري.
5- المجد الصلاحي.
6- مناقب الستر الرفيع.
7- الفاخر في أيام الإمام الناصر.
والله تعالى أعلم.
الخلاصة: مجموع كتبِ ابن الجوزي المفردة في تراجم الرجال من هذه الأمة (24) كتابًا على التفصيل الذي ذُكر، والذي ظهرَ منها إلى الآن -سواء كان كاملًا، أو محذوف الأسانيد، أو مختصرًا، أو ناقصًا- (9) كتب.
[1] وانظر: "قراءة جديدة في مؤلفات ابن الجوزي" (ص: 190-192).
[2] ذكر بروكلمان في "تاريخ الأدب العربي" (ق5/ 344) "مطلع النيرين في سيرة العمرين" وقال: "هذا مختصر في جزء واحد ... اختصره أسامة بن منقذ، آيا صوفيا 3240، أحمد تيمور، مجلة المجمع العلمي بدمشق 313، جزء 2 بعنوان: مختصر مناقب عمر بن عبدالعزيز، القاهرة ثان /5/ 336، برلين 9763، 9769، كوبريلي 1080. وطبع في القاهرة سنة 1331".
وانظر: "مؤلفات ابن الجوزي" للعلوجي (ص: 215). و"قراءة جديدة في مؤلفات ابن الجوزي" (ص: 192-193).
[3] كأن النقل من «حلية الأولياء» (2/ 143).
[4] سقطت هذه الكلمة من المطبوع.
[5] من "حلية الأولياء"، و«صفة الصفوة» (2/ 139).
[6] في المطبوع: بجنائزكم.
[7] في المطبوع: مكان قلامة!
[8] سقطت من المطبوع.
[9] وانظر عنه "مؤلفات ابن الجوزي" للعلوجي (ص: 222-223)، و(ص: 228)، و"قراءة جديدة في مؤلفات ابن الجوزي" (ص: 183-185).
[10] وذكره ابنُ الفرات في "تاريخه".
[11] قال العلوجي في "مؤلفات ابن الجوزي" (ص: 227): "منه نسخة مخطوطة في مكتبة المشهد الرضوي 4: 88 (269)".
قلت: وكنتُ رجوتُ من السيد عبدالستار الحسني السعي في تصويره والكشف عنه، ففعل -مشكورًا مأجورًا- وتبيَّن من مراجعته أن هذا المخطوط نسخة من كتاب "تذكرة خواص الأمة" لسبط ابن الجوزي، ولا يوجد كتاب في مناقب علي لابن الجوزي في هذه المكتبة. السبت (2 / 10 / 2020م).
[12] ونُقل هذا النص عن "الحق الظاهر" في كتاب "لباب المعاني " للعبدلي (؟)، ط سنة (1307هـ)، (ص: 83).
[13] وفي «ذيل طبقات الحنابلة» لابن رجب (2/ 206) زيادةٌ في كلام ابن الجوزي ليستْ في "المنتظم" المطبوع وهي: «وسمعتُ أنه كان يقول عند موته: رفقًا رفقًا، ثم يقول: وعليكم السلام، وعليكم السلام، أجيء إليكم، أجيء إليكم.
وسمعت مَن يحكي أنه قال عند موته: أنا شيخ كبير، ما وُعدنا بهذا».
[14] تحرف في "هدية العارفين" إلى: المستغني!
[15] ط بيروت.
[16] وانظر "قراءة جديدة في مؤلفات ابن الجوزي" (ص: 213).
[17] «مقالات الطناحي صفحات في التراث والتراجم واللغة والأدب» (1/ 307).
[18] وقد يُذكر باسم "المفاخر".