عرض مشاركة واحدة
  #577  
قديم 29-12-2025, 04:25 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,844
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثامن والعشرون

صـــ182 الى صـــ 191
(577)





وإذا كان للرجل خمسة أعبد قيمة كل واحد منهم أربعمائة فقال في مرضه أحدكم حر فمات أحدهم قبل موت السيد ثم مات السيد وقع العتق على الأربعة الباقين لأن الذي مات خرج من أن يكون مزاحما للباقين في الحرية المتهمة بين الأربعة الباقين بعد موت المولى لكل واحد منهم ربعه ، ويسعى كل واحد منهم في ثلاثة أرباع قيمته ، فإن مات أحدهم قبل أن يؤدي شيئا لم ينتقص من حق الباقين شيء لأن الذي مات مستوف لوصيته ، وتوى ما عليه من السعاية إلا أنه قد بقي ثلاثة فإن بوصية كل واحد منهم إذا جمعتها كان دون الثلث من مال الميت فلهذا لا ينتقص حقهم بما توى من السعاية على الميت ، وإن مات أحد الباقين أيضا يسعى الباقيان كل واحد منهما في أربعة أخماس قيمته لأن الميتين قد استوفيا وصيتهما ، وتوى ما عليهما من السعاية ، وإنما مال الميت رقبة الباقين ، وهما يضربان بحقهما كل واحد منهما بسهم والورثة بحقهم ، وذلك ثمانية فإن الثلث بينهم على أربعة فتكون السهام عشرة ، كل رقبة خمسة فلهذا يسعى كل واحد منهما في أربعة أخماس قيمته .
وإذا قال الرجل في مرضه لأمة إن كان أول ولد تلدينه غلاما فهو حر ، وإن كان أول ولد تلدينه جارية فأنت حرة فولدت غلاما وجارية لا تدري أيهما أول ثم مات من مرضه ، ولا مال له غيرهم ، وقيمة كل واحد منهم ثلثمائة فالابنة رقيق ويعتق الغلام نصفه من الثلث ، ونصفه بعتق الأم لأنا تيقنا برق الابنة كمال الشرط ثم الغلام يعتق على كل حال لأنها إن ولدت الغلام أولا فالغلام حر ، وإن ولدت الجارية أولا فالغلام حر أيضا تبعا للأم فلهذا يعتق كله ، والجارية تعتق في حال دون حال لأنها إن ولدت الغلام أولا فهي أمة ، وإن ولدت الجارية أولا فهي حرة فيعتق نصفها . طعن عيسى في هذا الجواب ، وقال : ينبغي أن لا يعتق شيء من الأم لأنه وقع الشك في شرط عتقها فإن شرط عتقها ولادة الجارية أولا ، وهذا مشكوك فيه ، وما لم يقع الشرط لا يترك شيء من الجزء .

( ألا ترى ) أنه لو قال : إن لم أدخل الدار اليوم فعبده حر فمضى اليوم ، ومات المولى ولا يدري أدخل أو لم يدخل لم يعتق العبد للشك فيما هو شرط . وإن كان الظاهر أنه لم يدخل ، ولكنا نقول ما ذكره في الكتاب صحيح فإن شرط عتقها ولادة الجارية ، وقد وجد ذلك ولكن كون ولادة الغلام سابقا مانع ، وهذا المانع [ ص: 183 ] مشكوك فيه فإنما هذا اعتبار الأحوال في المانع لا في الشرط فإن ولادة الجارية صارت ، وما لم يكن موجودا وأعلم وجوده كان أولا ما لم يعلم تقدم غيره عليه ، فإذا كانت هذه المقالة في مرضه يسعى الغلام في نصف سدس قيمته ، وتسعى الأم في ثلاثة أسداس ، ونصف سدس قيمتها لأن نصف رقبة الغلام لا يعد مالا للمولى فإن العتق فيه تبع الأم فإنما مال الميت رقبتان ونصف ثم الغلام بنصف رقبة ، وكذلك الأم تضرب بنصف رقبتها فإن وصية كل واحد منهما هذا المقدار فكان الثلث بينهما على سهمين والثلثان أربعة فتكون جملته ستة والمال رقبتان ونصف فقد انكسر بالإنصاف فأضعفه فيكون خمسة ثم ستة على خمسة لا يستقيم ، فتضرب ستة في خمسة فتكون ثلاثين فصارت كل رقبة على اثني عشر ونصف الرقبة ستة ، فأما العبد فقد عتق منه نصفه تبعا للأم ، ويسلم له في النصف الباقي خمسة لأنه كان حقه في سهم ، وقد ضربناه في خمسة فإنما يبقى عليه السعاية في سهم بالاثني عشر ، وذلك نصف سدس قيمته ، والأم صارت رقبتها على اثني عشر سهم لها من ذلك خمسة ، وذلك سدسان ونصف سدس فعليها السعاية في ثلاثة أسداس ونصف سدس .

فإن مات الغلام قبل أن يؤدي شيئا سعت الأم في ثلاثة أخماس قيمتها لأن الغلام مات مستوفيا لوصيته ، وتوى ما عليه من السعاية فإنما مال الميت رقبة الأم والابنة ، يضرب الورثة في ذلك بأربعة والأم بسهم فيكون أخماسا ، ولكن إذا قسمت خمسة على رقبتين كان كل رقبة سهمين ونصفا فأضعف فيكون كل رقبة على خمسة فإنما يسلم للأم من رقبتين سهمان من خمسة ، وتسعى في ثلاثة أخماس قيمتها ، ولو ماتت الأم وبقي الغلام سعى الغلام في قول أبي حنيفة رحمه الله في جميع ما كان على أمه ، وعليه بمنزلة العبد ما لم يؤد جميع ذلك لأن المستسعى عنده بمنزلة المكاتب فالنصف الذي هو تبع الأم من الغلام لا يعتق إلا بعتق الأم فهو محتاج إلى أداء سعاية الأم ليستند العتق في ذلك النصف ، فلهذا في جميع ما على أمه كولد المكاتب بعد موت الأم ، وعلى قولهما ليس عليه أن يسعى فيما على أمه لأن المستسعى عندهما حر عليه دين ، وليس على ولد الحرة سعاية في دين أمه ، ولكن عليه أن يسعى في خمسي نصف قيمة نفسه لأن الأم ماتت مستوفية لوصيتها ، ويعاد ما عليها من السعاية ، وإنما مال الميت نصف رقبة الغلام مع رقبة الابنة يضرب الورثة في ذلك بأربعة والغلام بسهم فيكون خمسة ، وقسمه رقبة ونصف على خمسة لا تستقيم فالسبيل أن يضعف رقبة ونصفا فيكون ثلاثة ثم تضرب ذلك في خمسة فتكون خمسة عشر للابنة من ذلك عشرة ، ونصف رقبة الغلام خمسة يسلم له [ ص: 184 ] من ذلك ثلاثة لأنه كان حقه في سهم ضربناه في ثلاثة فإنما يجب عليه السعاية في خمسي نصف رقبته .

وإذا كان لرجل ثلاثة أعبد قيمة كل واحد منهم في ثلثمائة فقال في مرضه : أحدكم حر على مائة درهم ، وقبلوا ذلك جميعا ثم مات السيد قبل البيان ، ولا مال له غيرهم فإنه يعتق ثلث كل واحد منهم بثلث المائة لأن العتق بعوض يصح إيجابه في المجهول كالعتق بغير عوض فإن الإيجاب في المجهول كالمعلق بالشرط والعتق بعوض يحتمل التعلق بالشرط كالعتق بغير عوض ، ولما قبلوا جميعا فقد وجد القبول ممن يتناوله الإيجاب فيعتق أحدهم ، وكان للمولى الخيار في البيان ، وقد انقطع خياره بموته فيشيع العتق فيهم جميعا ، ويكون على كل واحد منهم ثلث المائة بحصة ما يسلم له من العتق لأن المال هاهنا تبع العتق ، وثبوت التبع يثبت المتبوع ، ثم إنما حصلت الوصية لهم بقدر المائتين ، وذلك دون الثلث فيسلم لكل واحد منهما مقدار ثلث المائتين ، ويسعى كل واحد منهما في ثلثي قيمته فهو دية مع ثلث المائة هي عوض .

ولو لم يكن إلا عبدان قيمة أحدهما مائة درهم وقيمة الآخر ثلثمائة فقال في مرضه : أحدكما حر على مائة درهم فقبلا ثم مات السيد فإنه يعتق من كل واحد منهما نصف بنصف المائة لما بينا ، والغلام الذي قيمته مائة يسعى في نصف قيمته ، ولا وصية له إلا أنه يسلم له نصف رقبته بخمسين درهما ، وذلك مثل قيمة نصفه فعرفنا أنه لا وصية له ، ويسعى الآخر في نصف قيمته أيضا مع الخمسين فله من قيمته مائة درهم وصية لأنه سلم له نصف رقبته بخمسين ، وقيمة نصف رقبته مائة وخمسون فعرفنا أنه أوصى له بمائة ، وهذا لأنه إن كان هو المراد بالإيجاب ففي هذا الإيجاب وصية له بمائة درهم ، وإن كان المراد صاحبه فلا وصية في هذا الإيجاب لأحد فباعتبار الأحوال ثبتت الوصية بقدر المائة ، ويكون ذلك كله للأرفع فإنه لا وصية للأوكس .

ولو كان له ثلاثة أعبد قيمة كل واحد منهم ثلثمائة فقال في صحته : أحدكم حر على مائة درهم والآخران حران بغير شيء فقبلوا ذلك فهم أحرار لأنه أوجب الحرية لأحدهم بعوض في قبولهم فقبلوا قبول من يتناوله الإيجاب ، ونزول العتق بعوض باعتبار القبول ، وقد وجد ، وأعتق الآخرين بغير شيء فقد تيقنا بحريتهم ، ولا خيار للمولى في الإيقاع لأن إيقاع العتق المتهم بالبيان إنما يصح ممن يملك الإيجاب ، وبعدما عتقوا لا يملك المولى إيجاب الدين فيهم ابتداء فلا خيار له في الإيقاع ، ولا شيء عليهم لأن الذي يرث المال منهم مجهول والقضاء بالمال على المجهول غير ممكن .

( ألا ترى ) أن ثلاثة نفر لو قالوا لرجل لك على أحدنا ألف درهم لم يجب على أحدهم شيء [ ص: 185 ] وهذا بخلاف ما سبق فإن هناك للمولى حق البيان في العتق فيكون المال عليهم ، وها هنا ليس للمولى في العتق حق البيان فيبقى مقصودا بالوجوب ، ولا يمكن إيجابه على المجهول مقصودا .

ولو قال أحدكم حر على مائة درهم والآخر على مائتي درهم والثالث على ثلثمائة فقبلوا جميعا فهم أحرار لأن كل واحد منهم حر قيل مطلقا فقد قبل ما يتناوله من الإيجاب فيعتقون جميعا ، وعلى كل واحد منهم مائة درهم لأنه لا يجب من المال على كل واحد منهم إلا المتيقن به والمتعين في حق كل واحد منهم مقدار المائة فقط ، وهو بمنزلة ثلاثة نفر أقروا أن لرجل على أحدهم مائة ، وعلى الآخر مائتين ، وعلى الثالث ثلثمائة فليس له أن يأخذ من كل واحد منهم إلا مائة فلو قال لعبدين له في مرضه قيمة كل واحد منهما ثلثمائة أحدكما حر بمائة درهم والآخر بمائتي درهم فقبلا ذلك ثم مات السيد سعى كل واحد منهما في ثلثي قيمته لأنه أوصى لهما بنصف قيمته ، ولا يمكن تنفيذ وصيته إلا في مقدار الثلث فيسلم لكل واحد منهما ثلث قيمته بالوصية ، ويسعى في ثلثي قيمته
ولو أن رجلا قال لعبده : إن أديت إلي ألفا فأنت حر ، وإن أديت إلي ألفين فأنت حر فكل واحد من الكلامين صحيح لأن تعليق العتق بالشرط صحيح من المولى ما لم يترك العتق مرة كان أو مرات كما لو قال لعبده إن دخلت الدار فأنت حر أو إن كلمت فلانا فأنت حر فأي الشرطين وجد عتق العبد ، فهاهنا إن أدى الألفين عتق بالكلام الثاني لوجود الشرط فإن وجد المولى إحدى الألفين ستوقية عتق العبد بالألف الخيار خاصة ، وليس له على العبد بدل الستوقة لأن الستوقة ليس من جنس الدراهم فتبين أن العبد إنما أدى إلى المولى ألف درهم ، وأنه إنما أعتق بالكلام الأول لوجود الشرط ، وهو أداء الألف ستوقة للمولى إن كانت من كسب العبد ، ولا دين عليه ، وإن كانت الستوقة دينا على العبد درهما على الغرماء لأنهم أحق بكسبه من مولاه ، وكذلك لو وجد في الألفين درهما ستوقا أو وجدها تنقص من وزن ألفي درهم شيئا لأنه تبين أن بأدائه تم الشرط الأول ولم يتم الشرط الثاني فإنما يعتق بالكلام الأول .

وإن وجد الألف زيوفا أو بهرجة واستحقت فعلى العبد بدلها لأنه إنما عتق بالكلام الثاني هاهنا فإن الزيف من جنس الدراهم والمستحق كذلك فيكون العبد مؤديا الألفين ثم المال المقبوض باعتبار هذا الشرط في حكم العرض ، فإذا وجده زيوفا استبدله به فإذا استحقت رجع بمثله بمنزلة بدل الكتابة فإن قيل القبض في المستحق ينتقص من الأصل بالاستحقاق ، وكذلك في الزيوف بالرد ، ولهذا بطل [ ص: 186 ] الصرف والسلم عند أبي حنيفة رحمه الله إذا وجد الكسر زيوفا فرده ، فكان ينبغي أن يعتق بالكلام الأول لأن قبض المولى إنما تم في الألف درهم . قلنا : نعم بالرد ينتقص القبض ، ولكن لا يتبين أن القبض لم يكن قائما فينتقض بانتقاص القبض ما يحتمل النقص دون ما لا يحتمله والعتق الواقع لا يحتمله النقص . فبالرد والاستحقاق لا يتبين من نزول العتق ما لم يكن باعتبار أداء الألفين .

وكذلك لو كان هذا في المرض ثم مات السيد فوجد الورثة الأمر على ما وصفت لك إلا أن السيد إن كان حابى الغلام من قيمته شيئا ، وكان هذا الغلام أقل من قيمته كان الفضل له من الثلث ، وقد بينا أصل هذه المسألة في كتاب العتاق أن القدر المؤدى من المال في حكم العوض استحسانا ، ولهذا يجبر المولى على القبول إذا حابى العبد فلا يعتبر معنى الوصية في قدر المؤدى لوجود العوض ، وفيما زاد على ذلك تعتبر الوصية فيكون ذلك من ثلث ماله .

وكذلك لو قال لعبده : إن أديت إلي ألفا فأنت حر ، وإن أديت إلي مائة دينار فأنت حر فأداهما جميعا فإنه يعتق بهما لوجود الشرطين جميعا والعتق يصير مضافا إلى العلة ثبوتا فكان يستقيم إضافة الحكم إلى علتين إلى كل واحد منهما بكماله فكذلك يصح إضافته إلى شرطين ، فإن وجد الألف ستوقة أو نبهرجة أو ناقصة أو استحقت فعلى ما وصفنا في الألفين يعني أن في الستوق يكون العتق واقعا بأداء المائة الدينار خاصة ، وفي الزيوف والمستحق يكون العتق واقعا بأدائهما فيستبدل بالزيوف المستحق والله أعلم بالصواب .
باب إقرار الوارث لوارث معه فيصدقه صاحبه أو يكذبه ( قال ) الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي رحمه الله وإذا مات الرجل وترك ابنا لا وارث له غيره وترك مالا فأقر الابن لرجل أنه أخوه لأبيه فإنه لا يصدق على النسب حتى لا يثبت نسبه من الميت لا في رواية عن أبي يوسف قال إذا كان الابن واحدا يثبت النسب بإقراره بابن آخر لأنه قائم مقام أبيه فإقراره كإقرار الأب والأصل فيه ما روي { أن عبد الله بن ربيعة وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما لما تنازعا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ولد وليدة زمعة قال عبد الله ولد أبي ولد على فراش أبي وقال سعد ابن أخي عهد إلي فيه أخي فقال عليه السلام هو لك يا عبد الله الولد للفراش وللعاهر الحجر } فقد أثبت النسب من زمعة بإقرار عبد الله لأنه كان هذا الوارث دون أخته [ ص: 187 ] سودة فقد كانت مسلمة عند موت الأب وزمعة قتل كافرا وعبد كان على دينه يومئذ فكان هو الوارث خاصة . وجه ظاهر الرواية أنه يحمل هذا النسب على غيره بإقراره ، وإقراره لا يكون حجة على الغير ، وبيانه أن الأخوة لا تثبت بينهما إلا بواسطة الأب فما لم يثبت نسبه من أبيه لا يكون أخا له فعرفنا أنه يحمل نسبه على أبيه ، وإنما يقوم هو مقام الأب فيما يخلفه فيه من المال ، وفي النسب لا يخلفه فلا يكون قائما مقامه في الإقرار ، ولا حجة في حديث عبد بن زمعة لأن قوله عليه السلام هو لك قضاء بالملك لعبد في ذلك الولد فإنه كان ولد أمة أبيه ، وقوله : الولد للفراش لتحقيق نفي النسب من عتبة بن أبي وقاص فقد كان عاهرا لا فراش له ، على أنه روي أن تلك الوليدة كانت أم ولد لزمعة ، وليست ولد أم الولد بسبب من غير دعوة ، وفي بعض الروايات قال : عند أبي ولد على فراش أبي أقر به أبي ، فإنما أقامه مقام أبيه في إظهار إقراره بقوله ، ثم ثبوت النسب كان بإقرار معه لا بإقرار عبد ، ثم نقول : المقر له يشارك المقر في الميراث فيأخذ منه نصف ما ورث من الأب لأن في كلامه إقرارا بشيئين : بالنسب وبالشركة في الميراث .

والنسب إنما يقر به على غيره فلم يصح ، والشركة في الميراث إنما يقر بها على نفسه لأنه صار أحق بجميع الميراث فصح إقراره بذلك ، ولا يبعد أن يثبت له الشركة في الميراث ، وإن لم يثبت النسب كما لو قال لعبده ، وهو معروف النسب من غيره : هذا ابني فإنه يعتق عليه ، وإن لم يثبت نسبه منه فإن دفع النصف إليه ثم أقر بابن آخر لأبيه وكذبه الأول فيه ، وكذبه الآخر في الأول فإن كان دفع النصف إلى الأول بقضاء القاضي أخذ الآخر نصف ما بقي في يده لأنه بالكلام الثاني أقر أن حقه وحق الثاني في الشركة سواء ، وإقراره حجة في حقه فيدفع إليه نصف ما بقي في يده ، ولا يغرم له شيئا مما دفعه إلى الأول لأنه إنما دفع ذلك بقضاء القاضي فلا يصير ضامنا شيئا من ذلك المدفوع لأحد ، ويجعل ما أخذه الأول زيادة على حقه كالتاوي فيكون ضرر ذلك عليهما جميعا .

وإن كان دفعه إلى الأول بدون قضاء القاضي أخذ الآخر ثلثي ما بقي في يده ، وهو ثلث جميع المال لإقرار حق كل واحد منهم في ثلث المال ، وأنه دفع إلى الأول قدر السدس زيادة على حقه ، وإنما دفعه بعد قضاء فيكون ذلك محسوبا من نصيبه فيدفع إلى الآخر مما بقي في يده كمال حقه ، وهو ثلث جميع المال أو ما دفع إلى الأول زيادة على حقه كالقائم في يده حكما ، ويجعل كأن الباقي في يده ثلثا التركة فيدفع إلى الثاني نصف ذلك ، وهو ثلث جميع التركة ، والدليل على صحة الفرق بين الدفع بقضاء ، وغير قضاء أن الوصي إذا قضى دين بعض الغرماء من التركة [ ص: 188 ] بقضاء القاضي لم يكن ضامنا لسائر الغرماء شيئا .

ولو دفع بغير قضاء القاضي كان ضامنا حصة سائر الغرماء ، وكذلك لو كان الوارث هو الذي قضى بعض الغرماء دينهم ، وعلى هذا في جناية المدبر إذا دفع المولى القيمة ثم جنى جناية أخرى يفصل بين الدفع بقضاء ، وبغير قضاء في قول أبي حنيفة رحمه الله على ما بينا في الديات ، وهما يستويان هناك بين الدفع بقضاء ، وبغير قضاء ، والفرق لهم بحرف ، وهو أنه متى دفع إلى الأول ، وليس هناك حق واجب بغيره لم يكن ضامنا سواء دفع بقضاء أو بغير قضاء لأنه فعل بنفسه عين ما يأمر القاضي به لو رفع الأمر إليه ، ومتى كان حق الثاني ثابتا عند الدفع إلى الأول يفصل بين الدفع بقضاء ، وبغير قضاء بيانه فيما قال في كتاب العتق في المرض رجل زوج أمته واستوفى صداقها ثم أعتقها في صحته ثم مات ، ولم يدخل الزوج بها فيضرب الوارث في التركة ثم اختارت هي نفسها حتى صار الصداق دينا على المولى ، وهو مستغرق للتركة فإن تصرف الوارث في التركة لم ينفذ تصرفه ; لأن في الفصل الأول الدين لم يكن واجبا حين تصرف ، وفي الفصل الثاني واجبا حين تصرف ، وقد سبق نظائره في كتاب الرهن فهاهنا قد تبين بإقراره أن حق الثاني كان ثابتا حين دفع إلى الأول ففصل بين الدفع بقضاء ، وبغير قضاء ، وفي مسألة الجناية لم يتبين أن حق الثاني كان ثابتا حين دفع القيمة إلى الأول فلا يغرم الثاني شيئا سواء دفع بقضاء أو بغير قضاء .

وإن كان المقر دفع النصف إلى الأول بقضاء قاض ، ودفع الربع إلى الثاني بغير قضاء قاض ثم أقر بابن آخر ، وأنكر الأولان ، وأنكرهما الثالث أيضا فإن الثالث يأخذ منه ثلثي ما بقي في يده ، وهو سدس جميع الميراث ; لأنه لا يغرم له شيئا مما دفعه إلى الأول فإنه دفع ذلك بقضاء القاضي فيجعل ذلك كالتاوي يبقى نصف التركة في يده ، وقد أقر أن حقه وحق الثالث والثاني في هذا النصف سواء لكل واحد منهم ثلثه ، وهو سدس جميع الميراث ; لأنه لا يغرم له شيئا مما دفعه إلى الأول فإنه دفع ذلك بقضاء القاضي في المال ، وقد دفع إلى الثاني زيادة على حقه بغير قضاء القاضي فيكون ذلك محسوبا عليه من نصيبه فيدفع إلى الثالث كمال حقه ، وهو سدس جميع المال ثلثي ما بقي في يده ، وثلث المدفوع إلى الثاني لما كان محسوبا عليه جعل كالقائم في يده فكان الباقي في يده ثلثي النصف فيدفع إلى الثالث نصف ذلك ، وهو سدس جميع المال .

ولو كان دفع النصف إلى الأول بغير قضاء القاضي ، ودفع الثلث إلى الثاني بقضاء القاضي ثم أقر بالثالث فصدقه فيه الأول ، وكذبه الثاني وكذبا جميعا للثاني فإن الثالث يأخذ منه نصف ما بقي في يد الابن المعروف [ ص: 189 ] فيضمه إلى ما في يد المقر به الأول فيقتسمانه نصفين قال في بعض النسخ : وهذا قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله ، وأما على قول محمد فيأخذ منه ثلث ما بقي في يده فيضمه إلى ما في يدي الأول فيقتسمانه نصفين ، وزعم كل واحد منهما أن تخريجه على قياس قول أبي حنيفة ، وذكر الخصاف طريقا آخر لتخريج جنس هذه المسائل ، وزعم أنه هو الصحيح على أصل أبي حنيفة رحمه الله ، وأجاب في هذه المسألة أن الثالث يأخذ منه خمسي ما بقي في يده فيضمه إلى ما في يدي المقر به الأول فيقتسمانه نصفين ، وهذه المسألة تنبني على ما بينا في كتاب الإقرار .

رجل مات وترك ابنين فأقر أحدهما بابنين آخرين للميت وصدقه الآخر فإن المتفق عليه يأخذ من المقر ربع ما في يده في قول أبي يوسف رحمه الله فيضمه إلى ما في يد المصدق فيقتسمانه نصفين ، وما بقي في يد المقر بينه وبين المجحود نصفان . وجه البناء عليه أن المقر به الأول هاهنا بمنزلة التصديق ; لأنه لما أقر له في وقت لم يكن له بشيء صار كالابن المعروف ، والثالث بمنزلة المتفق عليه ; لأن المعروف قد أقر به ، وصدقه الأول به ، ثم بيان تخريج أبي يوسف أن المقر قد أقر بأن الثالث مساو له في تركة الميت فإنه دافع أربعة ، والتركة بينهم أرباعا إلا أنه لا يغرم له شيئا مما دفعه إلى الثاني ; لأنه دفعه بقضاء القاضي ، ولا يغرم له شيئا مما دفعه إلى الأول . وإن دفعه بغير قضاء قاض ; لأن الأول مصدق به فيسلم له نصيبه في المدفوع الأول من جهته فيبقى ما بقي في يد المقر له ، وقد أقر أن حقهما فيه على السواء فيأخذ منه نصف ما بقي في يده لهذا ثم يضمه إلى ما في يد الأول فيقتسمانه نصفين ; لأنهما تصادقا أن حقهما في التركة سواء .

وجه تخريج محمد رحمه الله أن المقر يقول للثالث : أنا قد أقررت بأن حقي في سهم ، وحقك في سهم ، وحق الباقي في سهم إلا أن السهم الذي فيه حقك نصفه في يدي ، ونصفه في يد الأول ، وذلك يصل إليك من جهته ; لأنه أقر بك ، ولا غرم على شيء مما دفعته إلى الثاني لأني دفعته بقضاء القاضي فبقي ما في يدي وحقك فيه في نصف سهم ، وحقي في سهم فيضرب كل واحد منهما بجميع حقه فيكون ما في يده بينهما أثلاثا لهذا ، وجه تخريج الخصاف أن المقر يقول للثالث : أنا قد أقررت بأنك رابع أربعة ، ولا غرم لك علي في شيء مما دفعته إلى الأول ; لأن حقك في ذلك النصف يصل إليك من جهته يبقى حقك في سهم من أربعة من النصف الذي هو في يدك ، والباقي ، وهو ثلاثة بيني وبين الثاني نصفين لكل واحد منها سهم ونصف ، وما دفعت إليه زيادة على حقه إنما دفعته بقضاء القاضي فلا يكون مضموما علي فأنا أضرب فيما في يدي بحقي ، وهو سهم ونصف ، وأنت تضرب بحقك [ ص: 190 ] وهو سهم فانكسر بالإنصاف فتضعفه فيكون للثالث سهمين ، وللمقر ثلاثة فصار ما في يده على خمسة فلهذا يأخذ منه خمسي ما في يده فيضمه إلى ما في يد الأول فيقتسمانه نصفين ، ولو كان المقر به الأول ، وأنكر الثاني والثالث ، وأقر الثاني بالثالث ، وأنكرا جميعا الأول فإن الثالث يأخذ مما في يد المعروف سدس جميع المال ، وهو جميع ما بقي في يده فيضمه إلى ما في يد الثاني فيقتسمانه نصفين ; لأنه أقر أن المال بينهم أرباعا ، وأن حق الأول كان في ربع المال ، وقد دفع إليه النصف بغير قضاء القاضي فالربع الذي دفعه إليه زيادة على حقه يكون من نصيبه خاصة أو يجعل ذلك كالقائم في يده فكان في يده ثلاثة أرباع المال فيلزمه أن يدفع إلى الثاني والثالث كمال حقهما ، وهو نصف المال ، وقد دفع إلى الثاني ثلث المال فيدفع إلى الثالث السدس حتى يجتمع في يدهما نصف المال فيقتسمانه نصفين لتصادقهما ، ويصير كل واحد منها مستوفيا كمال حقه بزعمه .

ولو لم يصدق كل واحد منهما بالثالث ، والمسألة بحالها فإنه يدفع إلى الثالث ما بقي في يده ، وهو سدس المال ، ويغرم له أيضا ثلث سدس جميع المال ; لأنه أقر أن المال بينهما أرباعا إلا أنه دفع إلى الثاني ثلث المال بقضاء القاضي فلا يغرم شيئا من ذلك للثالث ، وقد دفع إلى الأول النصف بغير قضاء القاضي فيكون ضامنا للثالث ما دفعه إلى الأول زيادة على حقه ، ويجعل ذلك كالقائم في يده ثلثا التركة فعليه أن يدفع إلى الثالث ثلث الثلثين ، وثلث الثلثين سدس وثلث سدس ، والباقي في يده السدس فيدفع إليه ذلك ، ويغرم له ثلث سدس من ماله حتى يصير هو مستوفيا كمال حقه بزعمه .

ولو أن رجلا مات وترك ابنين ، وألفي درهم فأخذ كل واحد منهما ألفا ثم أقر أحدهما بأخ من أبيه ، وأنكره صاحبه فإنه يأخذ من المقر نصف ما في يده ; لأنه أقر أن حقهما في التركة سواء ، وإقراره حجة فيما في يده ، وإن لم يكن حجة فيما في يد أخيه فيدفع إليه نصف ما في يد أخيه ، فإن أعطاه ذلك ثم أقر بأخ آخر من أبيه ، وصدقه فيه الأخ المعروف ، وأنكره المقر به الأول فإن كان الابن المعروف دفع نصف ما في يده إلى الأول بقضاء القاضي أخذ منه المقر به الثاني خمس ما في يده فيضمه إلى ما في يد الابن الآخر المعروف فيقتسمانه نصفين فإن كان دفع النصف إلى الأول بغير قضاء قاض أخذ منه المقر به الثاني خمس ما في يده فيضمه إلى ما في يد الابن الآخر المعروف فيقتسمانه نصفين في قول أبي يوسف ، وقال محمد رحمه الله إن كان دفع النصف إلى الأول بقضاء القاضي أخذ الباقي منه ثلث ما في يده ، وإن كان دفعه بغير قضاء أخذ منه خمس جميع ما كان في يده فيضمه إلى ما في يد [ ص: 191 ] الابن المعروف فيقتسمانه نصفين ، وهذا بناء على مسألة الإقرار التي بيناها . وجه تخريج أبي يوسف أن المقر لو أقر بهما جميعا ، وصدقه المعروف في أحدهما لكان المتفق عليه يأخذ منه ربع ما في يده في قول أبي يوسف رحمه الله ; لأنه يقول له : أنا قد أقررت بأن حقك في ربع التركة ، ونصف التركة في يد أخي ، وهو مقر بنصيبك فإنما يبقى حقك فيما في يدي في الربع ، وهو سهم من أربعة ، وما بقي وهو ثلاثة بيني وبين المجحود نصفان فإذا أقررت به أولا ، ودفعت إليه نصف ما في يدي فما دفعته زيادة على حقه لا يكون مضموما علي لأني دفعته بقضاء القاضي فيبقى حقك فيما في يدي في سهم ، وحقي في سهم ، ونصف فلهذا يعطيه خمس ما في يده .

وإن كان دفع النصف إلى الأول بغير قضاء القاضي فما دفعه زيادة على حقه يكون محسوبا عليه ، ويجعل كالقائم في يده فيدفع إلى الثاني جميع حقه إذ لو أقر بهما معا ، وذلك ربع النصف ثمن جميع المال فيضمه إلى ما في يد الابن المعروف فيقتسمانه نصفين ; لأنهما تصادقا أن حقهما في التركة سواء . وجه تخريج محمد رحمه الله أنه لو أقر بهما معا لكان المتفق عليه يأخذ من المقر خمس ما في يده ; لأنه يقول حقك في سهم ، وحقي في سهم ، وحق المجحود في سهم إلا أن السهم الذي هو حقك نصفه في يدي ، ونصفه في يد شريكي ، وهو مقر لك بذلك ، وإنما تضرب فيما في يدي بنصف سهم ، وأنا بسهم ، والمجحود بسهم فلهذا يأخذ خمس ما في يده ، فإذا أقر بالمجحود أولا ، ودفع إليه نصف ما في يده بقضاء القاضي لم يكن ذلك مضمونا فإنما يضرب هو فيما بقي في يده بسهم ، والمتفق عليه بنصف سهم فلهذا يأخذ ثلث ما في يده .

وإن كان الدفع بغير قضاء القاضي فما دفعه زيادة على حقه محسوب عليه فيدفع إلى المتفق عليه جميع ما كان يدفع أن لو أقر بهما معا ، وذلك خمس نصف المال فيضمه إلى ما في يد المعروف فيقتسمانه نصفين

ولو تصادق المقر بهما فيما بينهما أخذ الثاني من الابن المعروف الذي أقر به خاصة ; لأنه يحتاج إلى قسمة ما يأخذ مع الآخرين أيضا فيما بينهم ثم يأخذ منه ثلث ما في يده ; لأنه أقر له بثلث التركة نصف في يده ، ونصف في يد أخيه ، وهو يقر له بذلك فلا يأخذ منه إلا ما أقر له به مما في يده ، وذلك الثالث بمنزلة ابن للميت أقر بابنته فإنها تأخذ منه ثلث ما في يده فإذا أخذ كل ضمه إلى ما في يد الأول والمعروف الذي أقر بهما ; لأنهم تصادقوا أن حقهم في التركة سواء فما يصل إليهم يقسم بينهم أثلاثا باعتبار تصادقهم ، وإنما يتوى بأخذ الابن الآخر زيادة على حقه ، ويكون عليهم بالحصة ، وما يبقى يبقى لهم بالحصة كما هو الحكم في المال المشترك .
ولو أن رجلا مات وترك ثلاثة إخوة له من أبيه ، وأمه [ ص: 192 ] فاقتسموا المال بينهم أثلاثا ثم أقر أحدهم بأخ للميت من أبيه وأمه فدفع إليه نصف ما في يده ثم أقر بأخ آخر ، وصدقه فيه أحد إخوته المعروفين ، وتكاذب المقر بهما فيما بينهما فإذا كان دفع نصف ما في يده إلى الأول بقضاء قاض أخذ منه الآخر خمس ما بقي في يده فضمه إلى الذي أقر به خاصة فاقتسماه نصفين .

وإن كان دفع النصف إلى الأول بغير قضاء قاض دفع إلى الثاني ربع ثلث جميع المال يضمه إلى ما في يد الذي أقر به فاقتسماه نصفين في قول أبي يوسف ، وقال محمد : إن كان دفع إلى الأول بقضاء قاض دفع إلى الثاني ثلث ما في يديه . وإن كان دفعه بغير قضاء قاض أخذ منه الآخر خمس ما بقي في يده فضمه إلى الذي أقر به خاصة فاقتسماه نصفين .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 39.79 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 39.16 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.58%)]