عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 28-12-2025, 11:36 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,680
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثامن والعشرون

صـــ32 الى صـــ 41
(562)






ولو أقر الوصي أن هذا جميع ما له عليه لم يصدق على الورثة ; لأنه مجازف في هذا الإقرار لا طريق له إلى معرفة كون المقبوض جميع ما له للميت عليه بخلاف ما إذا أقر الموصي بذلك ; لأنه عالم بما أقر به ; ولأنه مسقط لما وراء ذلك من جهته ، وهو يملك الإسقاط فأما الوصي فلا يملك إسقاط شيء من حق الورثة ، وإنما يملك الاستيفاء ، ثم هذا من الوصي إقرار على الغير ، ومن الموصي إقرار على نفسه وكذلك إبراء الوصي الغريم لا يجوز إلا أن يقول : برئت الآن من المال الذي كان عليك فحينئذ هو إقرار بالقبض ; لأنه ببراءته بفعل من المطلوب متصل بالطالب ، وذلك إيفاء المال ، وفي قوله برئت كذلك الجواب عند أبي يوسف وعند محمد هو لفظ إبراء كما بيناه في الكفالة ، وإذا أخذ الصبي مال الورثة [ ص: 33 ] إلى رجل لم يجز عليهم ، وإن كانوا صغارا ، وكذلك إن حط شيئا عن الغريم ; لأن هذا إسقاط في الدين الواجب لا بعقد هو ثابت في الاستيفاء فيكون في الإسقاط كأجنبي آخر والتأخير إسقاط المطالبة إلى مدة فهو بمنزلة الإبراء فإذا احتال به على إنسان أملأ من الغريم فهو جائز ; لأنه ليس فيه إسقاط حقهم بل فيه تصرف على وجه النظر لهم ; لأن الدين في ذمة المليء يكون أقوى منه في ذمة المفلس فهو بمنزلة ما لو اشترى لهم عينا .

وإن كان الذي احتال عليه مفلسا والغريم مليئا فالحوالة باطلة والمال على الأول على حاله ; لأنه لا منفعة لهم في هذا التصرف بل فيه ضرر عليهم ، وهو مأمور بقربان ما لهم على الأصلح والأحسن ، وكذلك إذا صالح على حق اليتيم ، فإن كان الصلح خيرا له يوم صالح فهو جائز ، وإن كان شرا له لم يجز معناه إذا كان الدين لليتيم ولا حجة له على ذلك فصالح الوصي على مال يستوفيه لليتيم خير له من يمين المدعى عليه وإن كان لليتيم بينة فالصلح شر له لما فيه من إسقاط بعض حقه مع تمكنه من إثباته فإن مبنى الصلح على الحط والتجوز بدون الحق ، وكذلك إن ابتاع لنفسه من متاعهم شيئا ، فإن كان ذلك خيرا لهم ، فإن ابتاع بأكثر من ثمن مثله جاز ، وإن كان ثمن المثل أو دون ذلك لم يجز في قول أبي حنيفة وأبي يوسف الآخر ، وفي قوله الأول ، وهو قول محمد وزفر رحمه الله لا يجوز بحال ، وكذلك الخلاف فيما إذا باع مال نفسه من مال اليتيم ، فإن كان بمثل قيمته أو أكثر لم يجز ، وإن كان أقل من قيمته فهو على الخلاف فأما الأب إذا فعل هذا مع نفسه يجوز في قول علمائنا الثلاثة رحمهم الله بمثل قيمته أو بغبن يسير .

وفي قول زفر لا يجوز ; لأن الواحد لا يتولى طرفي العقد من الجانبين في البيع والشراء كالوكيل ، وهذا ; لأنه يؤدي إلى تضاد الأحكام ; لأنه يكون مستزيدا مستنقصا مسلما متسلما طالبا مطالبا ، ثم في حق نفسه هو متهم ، وليس للأب والوصي أن يتصرف في مال اليتيم على وجه يؤدي إلى التهمة .

( ألا ترى ) أنه لا يعامل الأجنبي بغبن فاحش لأجل التهمة فكذلك لا يعامل نفسه في ذلك وجه الاستحسان أن الأب غير متهم في حق ولده ; لأن له من الشفقة عليه ما يؤثره على نفسه ، ويكون تصرفه مع نفسه وتصرفه مع أجنبي آخر سواء في انتفاء التهمة ، ثم في هذا التصرف يكون نائبا محضا في جانب الصغير ; ولهذا لو بلغ الصغير كانت العهدة عليه ; لأن الأب يمكنه التزام سبب إلزام العهدة إياه بأن يأذن له في التجارة فإذا صار نائبا في جانبه لا يؤدي إلى تضاد الأحكام بخلاف الوكيل ، وأما وجه قول محمد في الوصيين إنما تركنا القياس في الأب لمعنى وفور شفقته وذلك لا يوجد في حق الوصي فيؤخذ فيه بالقياس [ ص: 34 ] ألا ترى ) أنه لا يملك التصرف مع نفسه بمثل قيمته لهذا .

ولو كان هو مالكا للتصرف مع نفسه لملك مثل قيمته كما يملك ذلك مع الأجنبي وأبو حنيفة وأبو يوسف استحسنا إذا كان للصبي في تصرفه منفعة ظاهرة ; لأنه قد ظهر منه ما يدل على وفور الشفقة وإيثاره الصبي على نفسه فيما هو المقصود بالتصرف ; لأنه لا مقصود فيه سوى المالية فباعتبار هذا المعنى يلتحق بمن هو وافر الشفقة ، وهذا ; لأنه يمكن أن يجعل نائبا في جانب الصبي ; لأنه يملك أن يلزمه العهدة بالإذن له في التجارة كالأب بخلاف ما إذا كان تصرفه بمثل القيمة ; لأنه لم يظهر منه ما ينفي التهمة عنه ولا ما يكون جائزا لنقصان تفويت المقصود بالعين على الصبي ، وإذا نفذ الوصي أمور الميت وسلم الباقي إلى الوارث ، وأراد أن يكتب على الوارث كتاب براءة للوصي من كل قليل أو كثير فللوارث أن يمتنع من ذلك ; لأنه لا يدري أن ما سلم إليه جميع حقه فلعله أخفى بعض ذلك أو أتلفه فإن الخيانة من الأوصياء ظاهرة وأداء الأمانة منهم نادر فلا يجب على الوارث أن يكتب له البراءة إلا بما أخذ منه بعينه فهذا هو العدل بينهما ; لأن على طريقة القياس من استوفى حق نفسه لا يلزمه أن يكتب البراءة لغيره ، ولكن لأجل النظر للوصي يأمره أن يكتب له البراءة وإنما يكتب على وجه لا يتصور هو به ، وذلك في أن يكتب البراءة مما أخذ منه بعينه قال : وإذا أعطى الوصي أحد الورثة ، وهو كبير نصيبه مما وصل إليه من الميراث ، وهو ألف درهم ، ثم جحد وقال : لم يكن عندي غير هذا فهو ضامن لألف أخرى حصة الصغير ; لأنه قد تقدم منه الإقرار بوصول الألفين إليه ; لأن من ضرورة دفعه ألفا إلى أحدهما إقراره أن المدفوع نصيبه أقر بأن عنده مثل ذلك للصغير فالثابت بضرورة النص كالثابت بالنص فكان في الجحود بعد ذلك مناقضا فلا يقبل قوله ويضمن للصغير ألفا أخرى ، وإذا كان في الورثة صغير كان للوصي أن يبيع العقار وسائر الميراث .

وكذلك لو كان على الميت دين أو أوصى بوصية ، وهذا قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد : ليس له أن يبيع حصة الكبار من العقار وإنما يبيع حصة الصغار خاصة ، وكذلك لا يبيع إلا بقدر الدين من العقار ، وهو قول ابن أبي ليلى ، والقياس هذا ; لأن ولايته على نصيب الصغير دون نصيب الكبير اعتبارا لحالة الاختلاط بحالة الانفراد ، وكذلك ولايته باعتبار الدين فيتقدر بقدر الدين وفيما زاد على ذلك يجعل كأنه لا دين على الميت ولا صغير في ولايته فلا يكون له أن يبيع العقار وأبو حنيفة استحسن فقال : لما ثبتت له الولاية في بيع البعض ثبتت في الكل ; لأن الولاية بسبب الوصاية لا تحتمل التجزؤ [ ص: 35 ] وهذا ; لأن في بيع البعض إضرارا بالصغير والكبير جميعا ; لأنه يثبت به نصيب الكبير والأشقاص لا يشترى بما يشترى به الجل فكان في بيع الكل توفر المنفعة عليهم وللوصي ولاية في نصيب الكبير فيما يرجع إلى توفير المنفعة عليه .

( ألا ترى ) أنه يملك الحفظ وبيع المنقولات حال غيبته لما فيه من المنفعة له قال ، وإذا أوصى بالثلث في أشياء يشترى به ويتصدق بها والورثة كلهم كبار فللوصي أن يبيع العقار كله في قول أبي حنيفة لما فيه من توفير المنفعة على الورثة وعندهما ليس له أن يبيع من العقار غير الثلث ; لأن ثبوت الولاية له بسبب الوصية فيقتصر على معدن الوصية ، وهو الثلث ، فإن كانت الورثة كبارا كلهم وليس عليه دين ولم يوص بشيء ، فإن كانت الكبار غيبا أو بعضهم كان للوصي أن يبيع الحيوان والعروض ; لأنه يملك حفظ التركة إلى أن يحضروا فيقتسموا وبيع الحيوان والعروض من الحفظ ; لأنه يخشى عليها التلف وحفظ الثمن أيسر وليس له ولاية بيع العقار ; لأنها مختصة بنفسها فبيعها ليس من الحفظ .

وإن كانوا حضورا لم يكن له أن يبيع شيئا من ذلك ولكن يسلم الكل إليهم لينظروا فيه لأنفسهم بالبيع أو القسمة بينهم ; لأنهم يتمكنون من النظر لأنفسهم إذا كانوا حضورا فلا حاجة إلى نظر الوصي لهم ، وإن كانوا غيبا فأجر الوصي عبدا أو دابة فهو جائز ; لأن هذا من باب النظر والحفظ ، فإن المنفعة أقرب إلى الهلاك من العين ; لأنها لا تبقى وقتين ففي استبدال ذلك بما يبقى لهم ، وهي الأجرة توفر المنفعة عليهم وما اشترى الوصي للرقيق من الكسوة فلا ضمان على الوصي فيه ; لأنه أمين حافظ لهم بحق فهلاكه في يده كهلاكه في أيديهم ، وإذا قسم الوصي المال بينهم وهم كبار فأعطى نصيب الحضور منهم وأمسك نصيب الغائب فهو جائز ; لأنه في العروض يملك البيع في نصيب الغائب فيملك القسمة أيضا ، وهذا ; لأن في قسمته معنى الحفظ في حق الغائب ; لأنه يتميز بالقسمة ملكه من ملك غيره
وإذا قسم الوصيان مال الورثة وأخذ كل واحد منهما طائفة فقال أحدهما الذي عندي لفلان خاصة والذي عندك لفلان فقسمتهما باطلة ; لأن الوصيين في التصرف كوصي واحد والوصي الواحد لو قاسم نفسه لم تجز القسمة فكذلك الوصايا ، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد ظاهر ; لأن كل واحد منهما لا يستبد بالتصرف عندهما وأما عند أبي يوسف فيستبد كل واحد منهما بالتصرف مع الأجنبي فإذا اجتمعا في تصرف كانا في ذلك كشخص واحد وقد اجتمعا في هذه القسمة فهما فيه كوصي واحد .

ولو غاب أحد الوصيين فقاسم الآخر الورثة وأعطى الكبار حصتهم وأمسك حصة الصغير ، فإن [ ص: 36 ] ذلك لا يجوز في قول أبي حنيفة ومحمد حتى إذا ضاعت حصة الصغير كان له أن يرجع فيما قبض الكبار بحصته وفي قول أبي يوسف تجوز هذه القسمة ، وهذا يقدم على ما سبق من بيع أحد الوصيين وشرائه لليتيم بدون رضا صاحبه ، وإذا كان للميت وديعة عند رجل فأمره الوصي أن يقرضها أو يهبها أو يسلفها فأمره باطل ; لأنه لا يملك مباشرة هذه التصرفات بنفسه فلا يعتبر أمره به ويكون الضمان على الذي فعل ذلك ; لأنه هو المستهلك للمال بدفعه إلى الغير على وجه التمليك منه ، وإن أمره أن يدفعها إلى رجل فدفعها إليه جاز وبرئ منها ; لأن الوصي بهذا يصير موكلا للقابض بالقبض ، وهو يملك القبض بنفسه فيملك أن يوكل غيره .

يوضحه أنه لو قبض بنفسه ودفعه إلى هذا الرجل وديعة كان ذلك صحيحا منه فكذلك إذا أمر من في يده بأن يدفعه إليه .

ولو أمره الوصي بأن يعمل بالمال مضاربة أو يشتري به متاعا كان ذلك جائزا ; لأن هذا تصرف يملك الوصي مباشرته بنفسه فيعتبر أمره فيه ويكون بمنزلة شراء الصبي بعد بلوغه والله أعلم .

( قال رحمه الله ) : وإذا أقر الوارث أن أباه أوصى بالثلث لفلان وشهدت الشهود أن أباه أوصى بالثلث لآخر فإنه يؤخذ بشهادة الشهود ، ولا شيء للذي أقر له الوارث ; لأن الشهادة حجة في حق الكل والإقرار حجة في حق المقر خاصة فوصية المشهود له ثابتة في حق المقر له ووصية المقر له ليست بثابتة في حق المشهود له ومحل الوصية الثلث .

وإذا صار الثلث مستحقا للمشهود له بقضاء القاضي لم يبق للمقر له شيء ; لأن الوارث إنما أقر له بالثلث وصية والاستحقاق بالوصية لا يكون إلا في محلها قال : ولو أقر الوارث أن أباه أوصى بالثلث لفلان ، ثم قال : بعد ذلك بل أوصى به لفلان أو قال : أوصى به لفلان لا بل لفلان فهو للأول في الوجهين جميعا ، ولا شيء للآخر ; لأن الأول استحق الثلث بإقرار الوارث له على وجه لا يملك الوارث إبطال استحقاقه بالرجوع عنه وقوله لا بل لاستدراك الغلط بالرجوع عن الأول وإقامة الثاني مقامه ولم يصح رجوعه وما بقي الثلث مستحقا للأول لا يملك المقر إيجابه لغيره فإقراره للثاني صادف محلا هو مستحق لغيره فكان الأول أحق به .

قال ولو أقر إقرارا متصلا فقال : أوصى بالثلث لفلان ، وأوصى به لفلان جعلت الثلث بينهما نصفين ; لأنه أشرك الثاني مع الأول في الثلث [ ص: 37 ] والعطف للاشتراك ، وهو صحيح منه ; لأن الكلام المتصل بعضه ببعض إذا كان في آخره ما يغير موجب أوله يتوقف أوله على آخره ويصير هذا بمنزلة ما لو أقر لهما معا بخلاف ما إذا لم يكن كلامه متصلا ; لأن البيان المغير له بمنزلة الاستثناء يصح موصولا لا مفصولا وقد بيناه في الإقرار قال : وإذا أقر أنه أوصى به لفلان ودفعه إليه ، ثم قال : لا بل لفلان فهو ضامن له حتى يدفع مثله إلى الثاني ، ولا يصدق على الأول ; لأنه بالكلام الثاني أقر أن الثلث كان مستحقا للثاني دون الأول وقد دفعه إلى الأول باختياره فصار مستهلكا للمدفوع ، ويجعل ذلك كالقائم في حقه فلزمه دفع مثله إلى الثاني ، ولا يقبل قوله في الرجوع عن الاستحقاق الذي أقر به للأول ولو كان دفعه إلى الأول بقضاء القاضي لم يضمن للثاني شيئا ; لأنه ما استهلك شيئا من المال فإن الدفع كان بقضاء القاضي ومحل الوصية تعين فيما قضى به القاضي للأول فيكون هو شاهدا للثاني على الأول .

والشاهد إذا ردت شهادته لم يغرم شيئا بخلاف الأول فهناك هو الذي دفع بنفسه فكان مستهلكا ، وتعيينه في حق الثاني غير صحيح فيجعل في حق الثاني كأن محل الوصية في يده على حاله ، ولو أقر لرجل بوصية ألف بعينها ، وهو الثلث ، ثم أقر لآخر بعد ذلك بالثلث ، ثم رفع إلى القاضي فإنه ينقد الألف للأول ; لأنه أقر له ، والمال فارغ عن حق الغير وبقضاء القاضي يتعين المدفوع إلى الأول محلا للوصية ، ولا يكون للثاني على الوارث شيء ; لأنه لم يبق شيء من محل الوصية في يده ويتبين أن الوارث في الكلام الثاني كان شاهدا للثاني على الأول لا مقرا له على نفسه وشهادة الورثة على الوصية جائزة كما تجوز شهادة غير الوارث ; لأنه لا منفعة في هذه الشهادة بل عليه فيها ضرر .
قالا : وإذا شهد وارثان أن الميت أوصى لفلان بالثلث فدفعا ذلك إليه ، ثم شهدا إنما كان أوصى به لآخر ، وقالا : أخطأنا فإنهما لا يصدقان على الأول ; لأنهما رجعا عن شهادتهما بعد تمام الاستحقاق للأول فلا يعمل رجوعها في حقه ، وهما ضامنان للثلث يدفعانه إلى الآخر ; لأن إقرارهما على أنفسهما صحيح ، وقد أقرا أنهما استهلكا محل حق الثاني بالدفع إلى الأول فكانا ضامنين له ولو لم يكونا دفعا شيئا أجزت شهادتهما للآخر ، وأبطلت وصية الأول ; لأنهما يشهدان للأول على الآخر فإن محل الوصية ما ثبت مستحقا للأول ، وقد شهدا أن استحقاق ذلك المحل للثاني دون الأول فوجب قبول شهادتهما لانتفاء التهمة عنهما خلاف الأول فقد صارا ضامنين هناك لأنهما متهمان في حق الأول من حيث إنهما قصدا بشهادتهما للثاني إسقاط الضمان عن أنفسهما
قال : وإذا كانت الورثة ثلاثة والمال ثلاثة آلاف [ ص: 38 ] فأخذ كل إنسان ألفا ، ثم أقر أحدهم أن أباه أوصى بالثلث لفلان وجحد الآخران ذلك فإنه يعطيه ثلث ما في يده استحسانا وفي القياس يعطيه في الفصل الثاني نصف ما في يده وفي الفصل الأول ثلاثة أخماس ما في يده وجه القياس أن المقر في حق نفسه كان ما أقر به حق ، ولا يصدق في حق غيره ، فإذا كانا اثنين فالمقر يزعم أن حقه في التركة وحق المقر له سواء ; لأنه يقول : له الثلث وصية والثلثان بيني وبين آخر نصفان ، وإذا كان يزعم أن حقهما سواء يقسم ما في يده بينهما نصفين كما لو أقرا بأخ آخر ، وهذا ; لأنهما يزعمان أن حق الجاحد في ثلث المال ، وقد أخذ نصف المال فما أخذه زيادة على حقه كالتاوي فلا يكون ضرر ذلك على أحدهما دون الآخر ، وكذلك في الفصل الأول المقر يزعم أن للمقر له الثلث والثلثان بيننا أثلاثا ، وحقه في ثلاثة من تسعة وحقي في سهمين فيجعل ما في يده بينهما أخماسا باعتبار زعمه .

وجه الاستحسان أن الجاحد مع ما أخذ يجعل كالمعدوم ، وكأن جميع التركة ما في يد المقر ، وهو الوارث ، فإنما يلزمه أن يدفع الثلث إلى المقر له بطريق الوصية .

يوضحه أنا لو أخذنا بالقياس فأمرناه أن يدفع إليه نصف ما في يده ، ثم أقر الابن الآخر بالوصية بالثلث الآخر ، فإنه يدفع إليه نصف ما في يده أيضا فيؤدي إلى تنفيذ الوصية في نصف المال ، والوصية لا تنفذ في أكثر من ثلث المال ; فلهذا أخذنا بالقياس .

ولو كان المال ألفا عينا ، وألفا دينا على أحدهما فأقر الذي ليس عليه دين أن أباهما أوصى لهذا بالثلث أخذ من هذه الألف ثلثها ، وكان للمقر ثلثاها ; لأن في زعم المقر أن حق المقر له في ثلث كل ألف ، وكان منعه الابن المديون حقه في الدين لا يلزمه أن يدفع إليه من العين زيادة على حقه ; فلهذا يعطيه ثلث العين الذي في يده ، وفي القياس يعطيه نصف ذلك لإقراره أن حقهما في التركة سواء .

ولو كان المال كله عينا فأخذ كل واحد منهما ألفا ، ثم أقر كل واحد منهما على حياله الرجل غير الذي أقر له صاحبه أن الميت أوصى له بالثلث ، فإن كل واحد منهما يأخذ ثلث ما في يد الذي أقر به ، وهذا يدلك على أن ترك القياس أحسن من القياس ، وأن القياس في هذا فاحش قبيح يعني أن القول به يؤدي إلى تنفيذ الوصية ة في نصف المال .

( ألا ترى ) أن الميت لو ترك امرأة وابنا فأخذت المرأة الثمن ، ثم أقرت أن الميت أوصى لهذا بالثلث فإن المقر له يأخذ ثلث ما في يدها .

ولو أخذنا بالقياس لكان يأخذ أربعة أخماس ما في يدها ; لأنها تزعم أن حق الموصى له في أربعة من اثني عشر ، وحقها في واحد ، وهو ثمن ما بقي فبهذا ونحوه تبين أن الأخذ بالقياس ههنا قبيح قال : ولو ترك اثنين [ ص: 39 ] وعشرين درهما فاقتسماها نصفين ، ثم غاب أحدهما فأقام رجل البينة على الحاضر بوصية بالثلث أخذ منه نصف ما في يده ; لأنه أثبت بالبينة أن حقهما في التركة على السواء فأخذنا بالقياس ههنا بخلاف مسألة الإقرار ; لأن ههنا وصية المشهود له ثبتت في حق الحاضر والغائب حتى إذا رجع الغائب كان لهما أن يرجعا عليه بما أخذاه زيادة على حقه فلا يجعل هو مع ما في يده كالمعدوم بخلاف مسألة الإقرار .

يوضحه : أن ههنا لو أقام آخر البينة على الوصية بالثلث أيضا على الغائب ، ثم اجتمعا لم يكن لهما إلا الثلث بينهما نصفين فلا يؤدي هذا إلى تنفيذ الوصية في أكثر من الثلث بخلاف الإقرار على ما بينا .

وإذا أقر الوارث بوصية لرجل تخرج من الثلث أو بعتق ، ثم أقر بدين بعد ذلك لم يصدق على إبطال الوصية والعتق وكان الدين عليه في نصيبه ; لأن محل الدين جميع التركة ، وقد بقي في يده جزء من التركة فيؤمر بقضاء الدين منه بإقراره ، وأصل هذا الفرق فيما إذا أقر أحد الابنين بدين على الميت ، فإنه يؤمر بقضاء جميع الدين من نصيبه بخلاف الوصية ، وقد أوضحنا هذا في كتاب الإقرار فإن أقر الوارث بدين ، ثم أقر بدين يبدأ بالأول ; لأن صحة إقراره على الميت بالدين باعتبار ما في يده من التركة ، وقد صار ذلك مستحقا للأول ، وهو فارغ حين الإقرار له ، إنما أقر للثاني والمحل مشغول بحق غيره فلا يصح إقراره ما لم يفرغ المحل من حق الأول كالراهن إذا أقر بالمرهون لإنسان فإن أقر لهما في كلام متصل استويا ; لأن في آخر كلامه ما يغير موجب أوله ، وإذا قال الوارث : لفلان كذا من الدين ولفلان كذا من الوديعة ، الوديعة بعينها ، وهو ما ترك الميت فإنهما يتحاصان فيها ; لأنه حين أقر الوديعة فقد أقر هناك بدين شاغل لما في يده من التركة فيكون هذا بمعنى إقراره بوديعة مستهلكة فكأنه استهلكها بتقديم الإقرار بالدين عليها ، والإقرار بوديعة مستهلكة إقرار بالدين ، وكأنه أقر بدينين في كلام موصول ، إن بدأ الوديعة ، ثم بالدين بدئ الوديعة ; لأنه أقر بها ، ولا دين هناك فصارت عينها مستحقة للمقر له ، ثم الإقرار بالدين إنما يصح في تركة الميت لا فيما تبين أنه ليس من تركته .

وإذا أقر بوديعة بعينها ، ثم بوديعة أخرى بكلام متصل بدئ بالأول ; لأن الأول استحق ذلك العين بنفسه بنفس الإقرار ، والإقرار الثاني لا يصح في المحل الذي استحقه الأول ، وهذا بخلاف الدينين ; لأن موجب ثبوت الدينين الشركة بينهما في التركة فكان في آخر كلامه ما يغير موجب أوله ، وههنا ليس موجب ثبوت الوديعة بأعيانهما الشركة بين المقر لهما في شيء بل كل واحد منهما يستحق ما أقر له به بعينه فليس في آخر كلامه ما يغير موجب أوله [ ص: 40 ] فلهذا كان المتصل والمنقطع في هذا سواء حتى إنه إذا أقر بوديعتين بغير أعيانهما فهو والإقرار بدينين سواء .

قال : وإذا أقر أحد الورثة بدين ، وأنكر ذلك بقيتهم لزمه في نصيبه جميع الدين عندنا بخلاف الوصية ، وفي الحقيقة لا فرق ، فإنا نجعل في موضعين الجاحد مع ما في يده كالمعدوم ، وكان الوارث هو المقر ، والتركة ما في يده .

ولو كان كذلك لكان يؤمر بقضاء جميع الدين مما في يده إذا كان يفي بذلك ، ولا يؤمر بأن يدفع إليه بالوصية إلا الثلث وهذا ; لأن الموصى له شريك الوارث والدين مقدم على الميراث من حيث إنه لا ميراث له إلا بعد قضاء جميع الدين .

ولو كان الوارث واحدا ، فقال : هذه الوديعة لفلان لا بل لفلان أو قال : هي لفلان ، ثم قال : بعد ما سكت ولفلان معه فإنها للأول دون الثاني ; لأن الأول استحقها على وجه لا يملك الوارث الرجوع عنه ، ولا الإشراك لغيره فيه .

ولو قال : هي وديعة لفلان ودفعها إليه ، ثم أقر أنها كانت لهذا الآخر ، وأنه قد أخطأ فهو ضامن للثاني مثلها ; لأنه قد استهلكها بالدفع إلى الأول بزعمه ، وإذا لم يدفع فهو غير مستهلك شيئا ، إنما هو شاهد للثاني على الأول ، وعلى الميت ، وقد ردت شهادته فلا يكون ضامنا شيئا .
قال : ولو قال : أوصي إلى هذا بالثلث ولهذا على أبي دين ألف درهم في كلام متصل والدين يستغرق جميع المال أجزت الدين ، وأبطلت الوصية ; لأن الدين مقدم على الوصية وفي آخر كلامه ما يغير موجب أوله ; لأن موجب أول كلامه استحقاق المقر له ثلث التركة في الوصية مطلقا ، وموجب آخر كلامه أن يكون استحقاق الوصية مؤخرا عن الدين ، والبيان معتبر صحيح إذا كان موصولا ( ألا ترى ) أنه لو قال : أوصي إلى فلان بالثلث ، وأعتق هذا العبد ، وهو الثلث صدقته في العتق ، وأبطلت الوصية ; لأنها بيان معتبر فالعتق المنفذ مقدم في الثلث على سائر الوصايا ، إن فصل من الإقرارين أجزت الثلث الأول ; لأن البيان بمنزلة الاستثناء لا يصح مفصولا فيبقى محل الوصية مستحقا للأول ، وقد فسد رق العبد بإقراره فعليه أن يسعى في جميع قيمته ; لأن سقوط السعاية عنه باعتبار الوصية ولم يبق شيء من محل الوصية فعليه السعاية في قيمته .

ولو أقر الوارث أن أباه أوصى لفلان بأكثر من الثلث ، وأنه قد أجازه بعد موت أبيه ، ثم مات الوارث قبل أن يقضيه الموصى له ، وعليه دين فإن الوصية يبدأ بها من مال أبيه قبل دين الوارث ; لأن ما أقر به الوارث من الوصية والإجازة كالمعاينة فإنه غير متهم في ذلك حين أقر في صحته واستحقاق الموصى له عند إجازة الوارث يكون بطريق الوصية من جهة المورث فتم استحقاقه بنفس الإقرار به ، ثم إقراره بالدين إنما يشغل [ ص: 41 ] تركته لا ما كان مستحقا بعينه لغيره فإن كان الوارث قد استهلك مال أبيه فهو دين فيما ترك الوارث يحاص صاحبه صاحب دين الوارث ; لأن إقراره بذلك بعد ما استهلكه إقرار بالدين على نفسه ، ومن أقر بدين ، ثم بدين ، ثم مات تحاص الغرماء في تركته قال : وإذا شهد وارثان على الوصية جازت وشهادتهما على جميع الورثة ; لأنه لا تهمة في شهادتهما فإن كانا غير عدلين أو أقرا ، ولم يشهدا بالحصة فشهادتهما في نصيبهما ; لأن إقرارهما ليس بحجة على غيرهما وكذلك شهادتهما بدون صفة العدالة لا تكون حجة على غيرهما ، إنما هي حجة عليهما ، ولا يقال إذا شهدا في الابتداء ، وهما عدلان فهما متهمان في إخراج الكلام مخرج الشهادة ; لأنهما لو لم يذكرا لفظة الشهادة لزمهما في نصيبهما خاصة ، وهذا ; لأن في الوصية يتأتى هذا الإشكال فإنهما لو شهدا أو أقرا لم يلزمهما إلا مقدار حصتهما ، إنما هذا الإشكال في الدين ، ومع هذا تقبل شهادتهما ; لأنه لم يلزمهما قبل الشهادة قضاء شيء من نصيبه لتمكن التهمة في إخراجهما الكلام مخرج الشهادة ، ولو شهدا ، وهما عدلان على الوصية وعلى بقية الورثة أنهم أجازوها بعد الموت جازت شهادتهما ; لأنهما لم يجرا بهذه الشهادة إلى أنفسهما شيئا .

ولو شهد شاهدان أنه أوصى بالثلث لهذا الرجل ، وشهد وارثان أنه رجع عن الوصية بالثلث لهذا وجعله لهذا الآخر جازت شهادتهما ; لأنهما يشهدان للثاني على الأول ، ولا يجران إلى أنفسهما شيئا .

ولو لم يشهدا على الرجوع ، ولكن شهدا بالثلث للآخر تحاصا في الثلث ; لأنه لا تهمة في شهادتها فإنه لا فرق في حقهما بين أن يكون المستحق للثلث عليهما واحدا أو مثنى .

ولو شهد شاهدان أنه أوصى لهذا الأجنبي ، وشهد وارثان أنه أوصى بالثلث ; لهذا الوارث ، وأجازت الورثة فالثلث للأجنبي ; لأن استحقاق الأجنبي الثلث سببه أقوى من حيث إنه غير محتاج إلى إجازة الورثة ; ولأنه لما ثبت استحقاق الثلث للأجنبي ثبت أنه لا حق للوارث فيه فشهادتهما على إجازة الورثة ليست بشيء وبدون الإجازة لا مزاحمة للوارث مع الأجنبي في محل الوصية .

قال : ولو شهد وارثان أنه رجع عن وصيته للأجنبي ، وجعلها لهذا الوارث ، وأنهما مع جميع الورثة قد سلموا له ذلك بعد الموت كان ذلك جائزا في قول أبي يوسف رحمه الله الأول وفي قوله الآخر لا تقبل شهادة الوارثين على ذلك ، وهو قول محمد رحمه الله وجه قوله الأول أن الورثة بالإجازة قد أخرجوا الثلث من حق أنفسهم فهذه شهادة بالاستحقاق للثاني على الأول فلا يتمكن فيه التهمة كما لو شهدا بذلك للأجنبي ; وجه قوله الآخر : أن الأجنبي استحق الثلث عليهما فهما يبطلان ذلك الاستحقاق [ ص: 42 ] بشهادتهما على الرجوع فيتهمان في ذلك وهذا ; لأنهما يوجبان للثاني مع ذلك الاستحقاق حتى يكون تحويلا من الأول إلى الثاني ; لأن الاستحقاق للأول ثابت من غير إجازتهم ، والاستحقاق للثاني لا يثبت إلا بإجازتهم ولأن الاستحقاق للثاني مع إجازتهم مختلف فيه .

فمن العلماء من يقول : لا وصية للوارث ، وإن أجازت الورثة ، ولو قضى القاضي بذلك معتمدا على ظاهر الخبر ينفذ قضاؤه فمن هذا الوجه يجران إلى أنفسهما شيئا بخلاف ما إذا شهدا بها لأجنبي آخر .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 37.62 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 36.99 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.67%)]