
28-12-2025, 11:17 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,962
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثامن والعشرون
صـــ2 الى صـــ 11
(558)
[ ص: 2 ] قال رحمه الله ) وإذا أوصى لرجل بغلة بستانه ولآخر برقبته ، وهو ثلث ماله فالرقبة لصاحب الرقبة والغلة لصاحب الغلة ما بقي ; لأن الوصية بالغلة في البستان كالوصية بالخدمة في العبد والسكنى في الدار وقد بينا هناك أن يقدم حق صاحب الخدمة والسكنى على حق صاحب الرقبة وإن لكل واحد منهما ما أوصى له به فهذا مثله وكذلك إن قال : ثمرته لفلان ، ثم مات ولا ثمرة فيه فالحاصل أن الوصية بالغلة تنصرف إلى الموجود ، وإلى ما يحدث سواء قال : أبدا أو لم يقل ; لأن اسم الغلة حقيقة للموجود والحادث جميعا فأما الثمرة اسم للموجود حقيقة ولم يتناول الحادث إلا مجازا فإذا أوصى له بثمرة بستانه ولم يقل أبدا ، فإن كان في البستان ثمرة حين يموت الموصي فإنما يستحق الموصى له تلك الثمرة ولا حق له فيما يحدث بعد ذلك ; لأن اللفظ إذا صار مستعملا في حقيقته ينتفي المجاز عنه ، وإذا لم يكن في البستان ثمرة عند موت الموصي فلم يستعمل اللفظ في حقيقته فيجب استعماله في المجاز ، ويكون له ما يحدث من الثمار ما عاش بمنزلة الغلة ، فإن كان قال : أبدا فله الموجود والحادث أبدا جميعا في الفصلين ; لأنه في التنصيص على التأبيد عم الإيجاب الحادث والموجود والسقي والخراج ، وما يصلحه وعلاج ما يصلحه على صاحب الغلة ; لأنه هو المنتفع بالبستان .
ولو أوصى له بصوف غنمه أو بألبانها أو بسمنها أو بأولادها أبدا لم يجز إلا ما على ظهورها من الصوف ، وما في ضروعها من اللبن ومن السمن الذي في اللبن الذي في الضرع ومن الولد الذي في البطن يوم يموت الموصي وما حدث بعد ذلك فلا وصية له فيه ، وهذا والغلة والثمرة في القياس سواء ، ولكني أدعي القياس فيه ، واستحسن ذلك قيل مراده إن القياس في الثمرة والغلة أن لا يستحق إلا الموجود فيه [ ص: 3 ] عند موته كما في الأولاد ; لأنه إنما يملك بالوصية ما هو مملوك للموصي والعين الحادث بعد موته لا تكون مملوكة له فلا يستحقها الموصى له ، ولكنه استحسن فقال : الثمار التي تحدث يجوز أن تستحق بإيجابه بعقد من العقود كالمعاوضة على قول من يجيزها فكذلك يجوز استحقاقها بالوصية عند التنصيص على التأبيد ; لأن الوصية أوسع العقود جوازا بخلاف ما في البطن ، فإن مما يحدث ما ليس بموجود في الحال لا يجوز استحقاقه بشيء من العقود ، والوصية نوع من العقود ، وقيل بل مراده أن القياس في مسألة الصوف واللبن والولد أن يستحق الموجود والحادث عند التنصيص على التأبيد ; لأن المحل الذي يحدث منه هذه الزوائد يجعل مبقى على ملك الميت حكما لاشتغاله بوصيته والوصية فيما يحدث منها تصير كالمضاف إلى حالة الحدوث فيصح ذلك كما في الثمار ، ولكنه استحسن فقال : ما في بطون الحيوان ليس وسع البشر إيجاد ما ليس بموجود منه فلا يصح إيجابه للغير بشيء من المعقود بخلاف الثمار فإن لصنع العباد تأثيرا في إيجاده ; ولهذا جاز عقد المعاوضة ، وهو شركة في الخارج فيصح إيجاب الوصية فيما يحدث منه عند التنصيص على التأبيد والدليل على الفرق أنه لو أوصى بيد عبده لإنسان أو لرجل حياته لا تصح الوصية .
ولو أوصى بقوائم الخلاف أو سعف النخل صحت الوصية فكان الفرق هذا أن سعف النخل ، وإن كان وصفا للنخل فإنه يحتمل التمليك ببعض العقود بخلاف أطراف الحيوان فإذا ظهر هذا الفرق فيما هو موجود منهما فكذلك فيما يحدث ، وكذلك لو أوصى له بولد جاريته أبدا فإنه لا يستحق إلا الموجود في البطن عند موته حتى إذا ولدت لأقل من ستة أشهر بعد موته فهو له من الثلث ، وإذا ولدته لأكثر من ستة أشهر لم يكن للموصى له فيه حق ولا فيما بعده ; لأنه لا يتيقن بوجوده عند الموت وفي الوصية بالثمرة إذا استحق الحادث ، ثم مات الموصى له ، فإن مات قبل أن تحدث الثمرة بطلت وصيته ; لأن الثابت له حق الاستحقاق وذلك لا يورث عنه .
وإن كان موته بعد ما أثمر البستان فتلك الثمرة لورثته ; لأن تلك العين صارت مملوكة له فيخلفه وارثه فيها ( ألا ترى ) أنه لو كان باعه في حياته وأخذ ثمنه جاز بيعه ، وكان الثمن لورثته بعد موته ، وإذا أوصى بغلة نخله أبدا لرجل ولآخر برقبتها ولم يدرك ولم تحمل فالنفقة في سقيها والقيام عليها على صاحب الرقبة ; لأن بهذه النفقة ينمو ملكه ولا ينتفع صاحب الغلة بذلك فليس عليه شيء من هذه النفقة فإذا أثمرت فالنفقة على صاحب الغلة ; لأن منفعة ذلك ترجع إليه فإن الثمرة به تحصل ، فإن حملت عاما ، ثم أحالت فلم تحمل شيئا فالنفقة على صاحب الغلة ; لأن منفعة ذلك [ ص: 4 ] لصاحب الغلة فالأشجار التي من عادتها أن تحمل في سنة ولا تحمل في سنة يكون ثمارها في السنة التي تحمل فيها وجود وأكثر منها إذا كانت تحمل في كل عام ، وهو نظير نفقة الموصى بخدمته فإنه على الموصى له بالخدمة بالليل والنهار جميعا ، وإن كان هو ينام بالليل ولا يخدم ; لأنه إذا استراح بالنوم بالليل كان أقوى على الخدمة بالنهار ، فإن لم يفعل وأنفق صاحب الرقبة عليها حتى تحمل فإنه يستوفي نفقته من ذلك ; لأنه كان محتاجا إلى الإنفاق لكي لا يتلف ملكه فلا يكون متبرعا فيه ، لكنه يستوفي النفقة من الثمار وما يبقى من ذلك فهو لصاحب الغلة .
ولو أوصى لرجل بثلث غلة بستانه أبدا ولا مال له غيره فقاسمهم البستان فأغل أحد النصيبين ولم يغل الآخر فإنهم يشتركون فيما خرج من الغلة ; لأن القسمة في ذلك باطلة فإن الموصى له بالغلة لا يملك شيئا من رقبة البستان والقسمة لتمييز ملك أحدهما من ملك الآخر ، وذلك لا يتحقق هاهنا فتبطل القسمة ، وما حصل من الغلة يكون مشتركا بينهم بالحصة ، وللورثة أن يبيعوا ثلثي البستان ; لأنه لا حق للموصى له بثلث الغلة في ثلثي البستان ، فإذا نفذ بيعهم قام المشتري مقامهم فيكون شريك صاحب الغلة .
ولو أوصى بغلة بستانه الذي فيه لرجل وأوصى بغلته أبدا له أيضا ، ثم مات الموصي ولا مال له غيره وفي البستان غلة تساوي مائة والبستان يساوي ثلثمائة فللموصى له ثلث الغلة التي فيه وثلث ما يخرج من الغلة فيما يستقبل أبدا ; لأن الوصية تنفذ من الثلث وطريق تنفيذها من الثلث هو أن يعطي ثلث الغلة الموجودة وثلثاها للورثة ، ثم يصير كأنه أوصى له بغلته ، وليس فيه غلة فيكون له ثلث ما يحدث من الغلة أبدا .
ولو أوصى بعشرين درهما من غلته كل سنة لرجل فأغل سنة قليلا وسنة كثيرا فله ثلث الغلة كل سنة يحبس وينفق عليه كل سنة من ذلك عشرون درهما ما عاش هكذا أوجبه الموصي ، وربما لا تحصل الغلة في بعض السنين ; فلهذا يحبس ثلث الغلة على حقه ، وكذا لو أوصى بأن ينفق عليه خمسة دراهم كل شهر من ماله فإنه يحبس جميع الثلث لينفق عليه منه كل شهر خمسة كما أوجبه الموصي ، وعن أبي يوسف أنه قال : يحبس مقدار ما ينفق عليه في مدة يتوهم أن يعيش إليها في العادة فأما ما زاد على ذلك فلا يشتغل بحبسه ; لأن الظاهر أنه يموت قبل ذلك ، وشرط استحقاقه بقاؤه حيا فإنما يثبت هذا الشرط بطريق الظاهر لما تعذر الوقوف على حقيقته فأما في ظاهر الرواية قال : يتوهم أن تطول حياته إلى أن ينفق عليه جميع الثلث أو يهلك بعض الثلث قبل أن ينفق فيحتاج إلى ما بقي منه للإنفاق عليه ; فلهذا يحبس جميع الثلث ، ويستوي إن أمر بأن ينفق عليه في كل شهر منه [ ص: 5 ] درهما أو عشرة دراهم .
ولو أوصى أن ينفق عليه كل شهر أربعة من ماله ، وعلى آخر كل شهر خمسة من غلة البستان ، ولا مال له غير البستان فثلث البستان بينهما نصفان لاستواء حقهما فيه .
( ألا ترى ) أن كل واحد منهما لو انفرد استحق جميع الثلث بوصيته ، ثم يباع سدس غلة البستان لكل واحد منهما فيتوقف ثمنه على يد الموصي أو على يد ثقة إن لم يكن له وصي وينفق على كل واحد منهما من نصيبه ما سمي له في كل شهر ، فإن ماتا جميعا ، وقد بقي من ذلك شيء رد على ورثة الموصي لبطلان وصيته بالموت ، وكذلك لو قال : ينفق على فلان أربعة وعلى فلان وفلان خمسة حبس السدس على المنفرد والسدس الآخر على المجموعين في النفقة ; لأنهما كشخص واحد فيما أوجب لهما .
ولو أوصى بغلة بستانه لرجل وبنصف غلته لآخر ، وهو جميع ماله قسم ثلث الغلة بينهما نصفين عند أبي حنيفة في كل سنة ; لأن وصية كل واحد منهما فيما زاد على الثلث تبطل ضربا واستحقاقا ، فإن كان البستان يخرج من ثلثه كان لصاحب الجميع ثلاثة أرباع غلته كل سنة وللآخر ربعها ، القسمة على طريق المنازعة كما هو مذهبه وعندهما القسمة على طريق العول ، فإن لم يكن له مال سواه فثلثه بينهما أثلاثا ، وإن كان يخرج من ثلثه فالكل بينهما أثلاثا على أن يضرب صاحب الجميع بالجميع والآخر بالنصف .
ولو أوصى لرجل بغلة بستانه وقيمته ألف ، ولآخر بغلة عبده وقيمته خمسمائة وله سوى ذلك ثلثمائة فالثلث بينهما على أحد عشر سهما في قول أبي حنيفة ; لأن جميع ماله ألف وثمانمائة فثلثه ستمائة والموصى له بغلة البستان تبطل وصيته فيما زاد على الثلث ضربا واستحقاقا فإنما يضرب هو بستمائة والآخر بخمسمائة وقيمة العبد فإذا جعلت كل مائة سهما كان الثلث على أحد عشر سهما بينهما لصاحب العبد خمسة أسهم في العبد ولصاحب البستان ستة في غلته .
ولو أوصى لرجل بغلة أرضه وليس فيها نخل ولا شجر ولا مال له غيرها فإنها تؤاجر فيكون له ثلث الغلة ، وإن كان فيه شجر أعطي ثلث ما يخرج منها ; لأنه يستحق بمطلق التسمية في كل موضع ما يتناوله الاسم عرفا ، وإذا أوصى أن تؤاجر أرضه من رجل سنين مسماة كل سنة بكذا ولا مال له غيرها ، فإن كان سمى أجرة مثلها جاز له .
وإن كان أقل منه حسب ذلك من الثلث ; لأن المحاباة في الأجرة بمنزلة المحاباة في الثمن فيكون من ثلثه ، وهذا ; لأن المنفعة تأخذ حكم المالية بالعقد بدليل أنه لو أجر أرضه ولم يسم الأجر كان له أجر مثل ما استوفى المستأجر من المنفعة كما في البيع إذا لم يذكر الثمن .
ولو أوصى لرجل بغلة أرضه ولآخر برقبتها ، وهي تخرج من [ ص: 6 ] الثلث فباعها صاحب - الرقبة وسلم صاحب الغلة البيع جاز وبطلت وصيته ولا حق له في الثمن ; لأن الملك لصاحب الرقبة وحق صاحب الغلة في المنفعة فإجازته البيع تكون إبطالا لحقه في المنفعة ويسلم الثمن لصاحب الرقبة كما لو باع الآخر العين المستأجرة ورضي به المستأجر .
ولو أوصى له بغلة بستانه فأغل البستان سنين قبل موت الموصي ، ثم مات الموصي لم يكن للموصى له من تلك الغلة شيء إلا ما يكون في البستان حين يموت أو يحدث بعد ذلك ; لأن وجوب الوصية بالموت ، وإنما يضاف إلى البستان من الغلة عند الموت ما يكون موجودا فيه أو ما يحدث بعد ذلك ، فإن اشترى الموصى له البستان من الورثة بعد موته جاز الشراء ، وبطلت وصيته كما لو باعوه من غيره برضاه وكذلك لو أعطوه شيئا على أن للقن من الغلة فكذلك جائز ; لأنه أسقط حقه بما استوفى منهم من العوض .
ولو أسقط حقه بغير عوض جاز فذلك بالعوض وكذلك في سكنى الدار وخدمة العبد إذا صالحوه منه على شيء معلوم فهو جائز ; لأنه أسقط حقه بعوض ، وإسقاط الحق عن المنفعة يجوز بالعوض وغير العوض ، وإن كان لا يحتمل التمليك بعوض إذا ملكه أو بغير عوض على ما سبق بيانه والله أعلم .
( قال رحمه الله ) وإذا أوصى بعتق عبده بعد موته أو قال : أعتقوه أو قال : هو حر بعد موتي بيوم وأوصى لإنسان بألف درهم تحاصا في الثلث ، وليس هذا من العتق الذي يبدأ به ، وإنما يبدأ به إذا قال : هو حر بعد موتي عنهما أو أعتقه في مرضه ألبتة أو قال : إن حدث لي حدث من مرضى هذا فهو حر فهذا يبدأ به قبل الوصية ، وكذلك كل عتق يقع بعد الموت بغير وقت ، فإنه يبدأ به قبل الوصية بلغنا عن ابن عمر وإبراهيم قالا : إذا كان وصية وعتق فإنه يبدأ بالعتق ، وكان المعنى فيه أن العتق الذي يقع بنفس الموت سببه يلزمه في حالة الحياة على وجه لا يحتمل الرجوع عنه بخلاف الوصية بالعتق فإنه يحتمل الرجوع عنه ، ولكن هذا لا يستقيم في قوله إن حدث لي حدث من مرضي هذا ، فإن هذا يحتمل الفسخ ببيع الرقبة .
ولو قال هو حر بعد موتي بيوم فإن سببه لا يحتمل الفسخ بالرجوع عنه ومع ذلك لا يكون مقدما على سائر الوصايا ، ولكن الحرف الصحيح أن يقول : ما يكون منفذا عقيب الموت من غير حاجة إلى التنفيذ فهو في المعنى أسبق مما يحتاج إلى تنفيذه بعد الموت ; لأن هذا بنفس [ ص: 7 ] الموت يتم والآخر لا يتم إلا بتنفيذ من الموصى بعد موت الموصي والترجيح يقع بالسبق يوضحه أن العتق المنفذ بعد الموت مستحق استحقاق الديون ، فإن صاحب الحق ينفرد باستيفاء دينه إذا ظفر بحبس حقه ، وههنا يصير مستوفيا حقه بنفس الموت ، والدين مقدم على الوصية فالعتق الذي هو في معنى الدين يقدم أيضا فأما ما يحتاج إلى تنفيذه بعد الموت ، فهو ليس في معنى الدين فيكون بمنزلة سائر الوصايا .
ولو أعتق أمته في مرضه فولدت بعد العتق قبل أن يموت الرجل أو بعد ما مات لم يدخل ولدها في الوصية ; لأنها ولدت ، وهي حرة ، وهذا التعليل مستقيم على أصلهما ; لأن المستسعاة عندهما حرة عليها دين ، والعتق في المرض نافذ عندهما كسائر التصرفات ، وكذلك عند أبي حنيفة إن كانت تخرج من ثلثه ، وإن كان الثلث أكثر من قيمتها فعليها السعاية فيما زاد على الثلث وتكون بمنزلة المكاتبة ما دامت تسعى وحق الغرماء والورثة لا يثبت في ولد المكاتبة ; لأن الثلث والثلثين لا يعتبر من رقبتها إنما يعتبر من بدل الكتابة فلا يثبت حق المولى في ولدها حتى يعتبر خروج الولد من الثلث ، فإن ماتت قبل أن تؤدي ما عليها من السعاية كان على ولدها أن يسعى فيما على أمه في قياس قول أبي حنيفة بمنزلة ولد المكاتبة وعندهما لا شيء على الولد ; لأنه حر فلا يلزمه السعاية في دين أمه بعد موتها .
ولو دبر عبدا له قال : إن حدث لي حدث من مرضي هذا فأنت حر ، ثم مات من مرضه تحاصا في الثلث ; لأنهما استويا في معنى الاستحقاق بعد الموت على معنى أن كل واحد منهما في مرض موته فيتحاصان في الثلث .
ولو أوصى لعبده بدراهم مسماة أو بشيء من ماله مسمى لم تجز كما لو وهب له في حال حياته ، وهذا ; لأن الكسب يملك الرقبة ففي حياته الملك له في الموصى به ، والموصى له بعد موته الملك لورثته في جميع ذلك فهذه الوصية لا تفيد شيئا ، والعقود الشرعية لا تنعقد خالية عن فائدة .
قال : ولو أوصى له ببعض رقبته عتق ذلك المقدار ، وسعى في الباقي في قول أبي حنيفة بمنزلة ما لو وهب له بعض رقبته في حياته ; لأن العتق عند أبي حنيفة يتجزأ .
ولو أوصى له برقبته كلها عتق من الثلث وكذلك لو وهب له رقبته أو تصدق بها عليه في مرضه عتق من الثلث .
ولو أوصى له بثلث ماله جاز ; لأن هذه الوصية تتناول ثلث رقبته فإن رقبته من ماله فيعتق ذلك القدر منه بالموت ويصير عندهما حرا ، وعند أبي حنيفة بمنزلة المكاتب فتصح الوصية له بالمال فإذا بقي له من الثلث شيء أكمل له ذلك من رقبته ، وأعطي ما فضل على ذلك إن كان في المال ، وإن كان في قيمته فضل على الثلث سعى فيه للورثة بعد موته
[ ص: 8 ] ولو أوصى بعبده لرجل ، ثم أوصى بذلك العبد أن يعتق أو يدبر فهذا رجوع عن الوصية الأولى ; لأن بين الوصيتين في محل واحد منافاة يعني التمليك والعتق بعد موته فالإقدام على الثانية منه دليل الرجوع عن الأولى ; ولأنه صرفه بالوصية الثانية إلى حاجته واستثنى ولاء لنفسه .
ولو صرفه إلى حاجته في حياته كان به راجعا عن الوصية الأولى أرأيت لو لم يكن راجعا فأعتق الوصي نصفه عن الميت كان يضمن للموصى له النصف الباقي من تركة الميت أو يستسعى الغلام فيه أو يكون شريكا في الغلام هذا كله مستبعد قال .
ولو أوصى بعبده لرجل ، ثم أوصى أن يباع من آخر بثمن سمي حط عنه الثلث ، ولا مال له غيره فللموصى له بالبيع أن يشتري خمسة أسداس العبد بثلثي قيمته إن شاء أو يدع ; لأن الوصية بالمحاباة بمنزلة سائر الوصايا ، وقد استوت الوصيتان من حيث استغراق كل واحد منهما الثلث بينهما نصفان لصاحب البيع نصفه ، وهو السدس وللآخر نصف الثلث ، وهو سدس الرقبة ، ولا يقال : ينبغي أن يباع جميع العبد من الموصى له بالبيع بخمسة أسداس قيمته ; لأن الوصية بالرقبة وصية بالعين فلا يمكن تنفيذها من محل آخر بسوى العين ، وإن أبى الموصى له بالبيع أن يشتريها كان للموصى له بالعين ثلث الرقبة ; لأن الوصية بالمحاباة كانت في ضمن البيع ، وقد بطلت الوصية بالبيع حين ردها الموصى له فيسلم الثلث للموصي من ذلك له بالرقبة .
ولو أوصى بعتقه ، ثم أوصى له أن يباع ، وعلى عكس هذا قال آخر بالآخر ; لأن هاتين الوصيتين لا يجتمعان في محل واحد والثانية منهما دليل الرجوع عن الأولى فهو كالتصريح بالرجوع ، وإذا أوصى بعبده أن يباع ولم يزد أو أوصى بأن يباع بقيمته ، فهو باطل ; لأنه ليس في هذه الوصية معنى القربة فيجب تنفيذها بحق الموصي ولا حق فيها للعبد أيضا ; لأن صفة المملوكية فيه لا تختلف بالبيع إنما يتغير النسبة من حيث إنه ينسب إلى المشتري بالملك بعد ما كان منسوبا إلى البائع ، ولا يمكن تنفيذها لحق الموصى له ، وهو المشتري ; لأنه مجهول جهالة نسبة .
ولو أوصى أن يباع نسيئة صحت الوصية بنسبة البيع للعتق بأن يحسن العبد خدمة مولاه فيرغب في إعتاقه ، ولا يتمكن من ذلك لغلة ماله فيبيعه نسيئة ، ويحط من ثمنه ممن يعتقه ليحصل به ما هو مقصود ، وهو تخليص العبد عن ذل الرق ، وهو معنى قوله عليه الصلاة والسلام لبعض أصحابه { فك الرقبة وأعتق النسمة } الحديث في تنفيذ هذه الوصية حق الموصي وحق العبد فيجب تنفيذها لذلك ، ثم يباع كما أوصى ، ويحط من ثمنه مقدار الثلث إن لم يجد من يزيدهم على ذلك ، ولأن معدن الوصية الثلث وفي تنفيذ هذه الوصية حق الموصي فيجب [ ص: 9 ] تنفيذها من معدن هو خالص حقه ، وهو الثلث
ولو أوصى أن يباع من رجل بعينه ولم يسم ثمنا فإنه يباع منه بقيمته لا ينقص منه شيء ; لأن تنفيذ هذه الوصية لحق المشتري ، وهو معلوم ، وإنما أوصى له بالعين بعوض يعد له فكان تنفيذ هذه الوصية ببيعه منه بمثل القيمة ، فإن شاء أخذ ، وإن شاء ترك .
ولو أوصى بأن يعتق عبده وأبى العبد أن يقبل ذلك فإنه يعتق من الثلث ; لأن تنفيذ هذه الوصية لحق الموصي فإنه استثنى ولاءه لنفسه .
ولو أوجب العتق له لم يرتد برده مراعاة لحق المولى في الولاء فكذلك إذا أوصى بعتقه .
ولو أوصى بعتق عبده وأوصى بأن يباع عبد آخر من فلان بكذا وحط من قيمته مقدار الثلث فالثلث بينهما نصفان ; لأنهما استويا في القوة من حيث إن كل واحد منهما يحتمل الرجوع عنه ويحتال إلى تنفيذه بعد الموت ، فإن كان أعتق العبد بنفسه فأبى عتقه ، ثم باع العبد الآخر ، وحط عنه الثلث من جميع المال قيل للمشتري يحط عنك نصف الثلث وأد ما بقي إن شئت ويسعى المعتق في نصف قيمته ، وإن بدأ بالبيع ، ثم أعتق سلمت المحاباة للمشتري ، وعلى العبد السعاية في قيمته ، وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله فإنه يقول : إذا بدأ بالمحاباة ، ثم بالعتق تقدم المحاباة ، وإذا بدأ بالعتق تحاصا ، وإن كانتا محاباتين أو عتقين تحاصا ، وفي قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله يبدأ بالعتق في الوجوه كلها ، ولا يحط شيء من القيمة عن المشتري إلا أن يفضل شيء من الثلث ، وفي قول زفر رحمه الله إن ما بدأ به منهما يبدأ به ; لأن لكل واحد منهما نوع قوة وقوة المحاباة من حيث إن سببه تجارة ، وهو غير محجور عن التجارة بسبب المرض وقوة العتق من حيث إنه لا يحتمل الفسخ بعد وقوعه فلما استويا في القوة يبدأ بما بدأ به منهما بمنزلة واجبين أو تطوعين وأبو يوسف ومحمد قالا : المحاباة بمنزلة الهبة حتى لا تصح ممن لا تصح منه الهبة كالأب والوصي ، والعتق مقدم على الهبة ، وإن أجره فكذلك المحاباة .
وهذا لأن المحاباة إما أن تكون تمليك العين بغير عوض أو إسقاطا للعوض ، فإن كان إسقاطا فهو كالإبراء عن الدين ، وإن كان تمليكا فهو كالهبة والعتق مقدم على كل واحد منهما ; لأن المعنى الذي لأجله قدمنا العتق على الهبة أن الاستحقاق به يثبت بنفسه وأنه لا يحتمل الفسخ بعد وقوعه بخلاف الهبة ، وهذا المعنى موجود في المحاباة ; لأنه يحتمل الفسخ كالهبة يوضحه أن الوصية بالمحاباة ثابتة بطريق البيع ; ولهذا لو فسخ البيع لا تبقى الوصية بالمحاباة ، وما يكون مقصودا بنفسه ، فهو أقوى مما يكون ثابتا تبعا وأبو حنيفة يقول : المحاباة أقوى سببا من العتق ; لأن بسبب المحاباة التجارة فإن البيع بالمحاباة عقد تجارة حتى يجب للشفيع [ ص: 10 ] الشفعة في الكل والشفعة تخصيص بالمعاوضات دون التبرعات ; ولهذا قلت إن البيع بالمحاباة يصح من العبد المأذون ، والصبي المأذون وبالمرض لا يلحقه الحجر عن التجارة ، فأما العتق تبرع محض وبالمرض يصير محجورا عن التبرعات فمن هذا الوجه المحاباة أقوى ، ومن حيث الحكم العتق أقوى ; لأنه لا يحتمل الفسخ غير أن السبب يسبق الحكم ; لأن الحكم يثبت بالسبب فلهذا بدأ بالمحاباة قلنا يبدأ بها لبداية الموصي ولقوة السبب فإذا بدأ بالعتق فالعتق يقدم سببه على المحاباة حسا وسبب المحاباة أقوى حكما فيقع التعارض بينهما في قوة السبب فقلنا بأنهما يتحاصان ، وإنما يبدأ بما بدأ به الموصي إذا كانا لمستحق واحد .
فأما إذا كانا لمستحقين فلا كما لو أوصى بثلثه لإنسان ، ثم أوصى بثلثه لآخر ولا يستدل عليهم إلا بما قالوا إن الوصية بالمحاباة بيع فإن ما يثبت ضمنا للشيء يعتبر حكمه بذلك الشيء كالبيع الذي يثبت ضمنا للعتق يجعل بمنزلة العتق حتى لا يتوقف على القبول ، وهذا لما ثبت ضمنا للتجارة يجعل بمنزلة التجارة ، وإنما لا يحتمل العتق الفسخ لفوات المحل فإن المسقط يكون مثلا شيئا ، وتعذر الفسخ عند فوات المحل ثابت في البيع والهبة أيضا يوضح ما قلنا إن المحاباة تستحق استحقاق الديون ; لأن استحقاقها بعقد ضمان فمن هذا الوجه هي كالديون ، ومن حيث إنه لا يقابله بدل مقصود كان بمنزلة التبرع فيوفر حظه عليهما فلشبهه بالتبرع يعتبر من الثلث ولشبهه بالديون يكون مقدما على ما هو تبرع محض إذا حصلت البداية بها ، فإن بدأ بالبيع ، وحابى بالثلث ، ثم أعتق عبدا ، وهو الثلث ، ثم باع وحابى بالثلث فللبائع الأول نصف الثلث ونصف الثلث بين المعتق والمشتري الآخر ; لأنه لا مزاحمة للعتق مع المحاباة الأولى فيجعل في حقها كالمعدوم ، ويقسم الثلث بين المحاباتين نصفين ، ثم النصف الذي يصيب المشتري الآخر يزاحمه فيه المعتق ; لأن المعتق مقدم عليه ، وإنما كان المعتق محجورا لحق صاحب المحاباة الأولى ، وقد خرج الوسط حين استوفى حقه ففيما بقي يعتبر حق صاحب العتق وصاحب المحاباة الأخرى ; فلهذا كان الباقي بينهما نصفين .
قال ، وإذا اشترى الرجل ابنه في مرضه بألف درهم ، وذلك قيمته وله ألف درهم سوى ذلك ، فإنه ابنه يعتق ولا سعاية عليه ويرثه في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد : يسعى في جميع قيمته ويقاص بها من ميراثه ; لأن العتق في المرض وصية ولا وصية لوارث والابن وارث هاهنا بالاتفاق فيلزمه رد رقبته لبطلان الوصية له وقد تعذر رده فيلزمه السعاية في قيمته ، وهو بناء على أصلهما أن المستسعى حر عليه دين فبوجوب السعاية عليه لا يخرج من أن يكون وارثا وأبو حنيفة يقول : [ ص: 11 ] لو أوجبنا عليه السعاية في قيمته كان مكاتبا ; لأن المستسعى في بدل رقبته عنده مكاتب ، والمكاتب لا يرث فيجب تنفيذ الوصية له ، وإذا أنفذنا الوصية له ، وأسقطنا عنه السعاية صار وارثا لا يزال يدور هكذا ، وقطع الدور واجب فيجمع له بين الميراث والوصية لضرورة الدور ; لأن ثبوت الوصية للوارث أسهل من إبطال ميراثه .
( ألا ترى ) أن الميراث لا يرتد برد أحد فإنه واجب بإيجاب الله تعالى والوصية للوارث تصح عند إجازة الورثة ; فلهذه الضرورة جمعنا له بين الوصية والميراث ، وهو نظير جواز تنفيذ الوصية فيما زاد على الثلث لضرورة الدور ، وقد بينا ذلك في كتاب الهبة أنه قد تنفذ الهبة في ثلث المال لضرورة الدور ، والوصية للوارث بمنزلة الوصية للأجنبي بما زاد على الثلث .
ولو اشترى ابنه بألف درهم وقيمته خمسمائة ، وأعتق عبدا له آخر يساوي خمسمائة ، ولا مال له غيرهما ففي قول أبي حنيفة المحاباة تقدم ; لأنه بدأ بها ، وقد استغرقت الثلث فيجب على كل واحد من العبدين السعاية في قيمته ولا يرث الابن شيئا لما عليه من السعاية وعندهما العتق مقدم إلا أن الابن وارث فلا وصية له ، ولكن يعتق العبد الآخر محاباة ، ويسعى الابن في قيمته ويطالب البائع بالرد فبما زاد على قيمته من الثمن فيكون ميراثا بينهم على فرائض الله تعالى .
ولو كان قيمة الابن ألفا فاشتراه بألف وأعتق عبدا آخر يساوي ألفا على قول أبي حنيفة يتحاصان في الثلث ويسعى الابن فيما زاد على حصته ولا ميراث له ; لأنه مستسعى في بعض قيمته فلا يكون وارثا وعند أبي يوسف ومحمد الابن وارث فعليه أن يسعى في جميع قيمته ويقاص بها من ميراثه قال : وإذا أعتق الرجل أمته ، ثم تزوجها وهو مريض ، ثم دخل بها وقيمتها ألف درهم ومهر مثلها مائة ، فإن كانت قيمتها ومهر مثلها لا يخرج من الثلث جعلت لها الميراث والمهر وأجزت النكاح .
وإن كانت قيمتها ومهر مثلها لا يخرج من الثلث دفع لها مهر مثلها والثلث مما بقي بعد المهر ، ثم سعت فيما بقي من قيمتها ولا ميراث لها ، وهذا قول أبي حنيفة وقد طعن عيسى رحمه الله في اشتراطه خروج القيمة ومهر المثل من الثلث قال : كيف يستقيم هذا والمهر دين يعتبر من جميع المال والقيمة وصية تعتبر من الثلث ، ولكن يقول : مراده من ذلك خروج القيمة من الثلث بعد دفع مهر المثل من المال ; لأن مهر المثل دين فيعتبر فيبدأ به ، ثم إذا كانت القيمة تخرج من ثلث ما بقي فقد عرفنا نفوذ العتق وصحة النكاح وثبوت الميراث لها ، ولكن يجمع على أصله لها بين الميراث والوصية لضرورة الدور .
وإن كانت قيمتها ومهر مثلها لا يخرج من الثلث فقد علمنا بوجوب السعاية عليها في بعض قيمتها ، وإنها كالمكاتبة ، والمولى إذا [ ص: 12 ] تزوج مكاتبته لا يصح النكاح ، ولكنه لما دخل بها يلزمه مهر مثلها للشبهة فيأخذ مهر مثلها أولا ، ثم لها الثلث مما بقي بطريق الوصية ويسعى فيما بقي من قيمتها ، وفي قول أبي يوسف ومحمد النكاح جائز على كل حال ; لأن المستسعاة عندهما حرة عليها دين فيكون لها مهر مثلها والميراث ، وعليها السعاية في قيمتها ; لأنها حين ورثت لم يكن لها وصية فيحاسب بالقيمة التي عليها من مهرها وميراثها ; لأنه لا فائدة في قبض ذلك منها حين وجب ردها عليها ، فإن بقي شيء أداه إلى الورثة ، وإن كان زادها شيئا على مهر مثلها بطلت الزيادة ; لأنها وارثة له .
ولو أعتق أمته وقيمتها ألف ، ثم استدان منها مائة درهم ، ثم تزوجها ، ثم مات ولم يدخل بها ، وترك ألفين سوى ذلك عندهما هذا والأول سواء والنكاح جائز ، وترث ولها مهرها لانتهاء النكاح بالموت ولها دينها الذي استدان منها لكونه ببينة معاينة وعليها السعاية في قيمتها ; لأنها لا وصية لها وعند أبي حنيفة النكاح باطل ; لأنها تستوفي دينها من المال ، ثم لها ثلث ما بقي بطريق الوصية ، وقيمتها ومهر مثلها يزيد على الثلث ; فلذلك بطل النكاح .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|